نظرية في الإمبريالية

cambodia_rice_farming.jpg

مقابَلة مع برابهات باتنايك

سي جي بوليكرونيو: منذ الثمانينيات وما بعدها ومع ازدهار العولمة الاقتصادية السريع، تم إزالة مفهوم الإمبريالية إلى حد كبير من المعجم السياسي لأغلبية اليسار الغربي واعتبارها أمرًا غير ذو أهمية أساسية لفهم وشرح آليات وتحركات الرأسمالية المعاصرة. ورغم ذلك، فأنت تختلف مع هذا التقييم وتجادِل بحدة لاستمرار أهمية مفهوم الإمبريالية. أولًا، كيف تعرّف الإمبريالية؟ وثانيًا، ما هي النزعات الإمبريالية التياكتشفتَ تأصُّلَها في التوسع الوحشي لمنطق الرأسمالية في العصر العالمي النيوليبرالي؟

برابهات باتنايك: إن القطاع الرأسمالي للعالم في منطقة المناخ المعتدل، حيث انبثق هناك وما يزال أغلبه فيها، يتطلب موادًا خامًا ووسائلَ استهلاكٍ مكونة من مجموعةٍ هائلة من السلع الأولية غير المتوفرة أو غير قابلة للإنتاج إما على الإطلاق أو بكميات كافية داخل حدودها. هذه السلع يجب الحصول عليها من المنطقة الاستوائية والمنطقة شبه الاستوائية والتي يتواجد فيها تقريبًا العالم الثالث بأكمله؛ ويُنتِجُ معظمَ هذه السلع (إنْ استثنينا المعادن) مجموعةُ صغار المنتجين (الفلاحين). والأهم من ذلك أنَّ هذه السلع تخضع لـ «سعر عرض متزايد»، بمعنى أنه مع زيادة الطلب عليها في القطاع الرأسمالي، لا يمكن الحصول على كميات أكبر منها، إن أمكن ذلك، إلا بأسعار أعلى، وذلك نتيجةَ الحجم الثابت لأراضي المناطق الاستوائية.

وهذا يعني ميلًا مُتَوقَّعًا نحو التضخم المتسارع مع استمرارية تراكم رأس المال، وتقويض قيمة المال تحت الرأسمالية ومعه استمرارية النظام ككل. ولمنع ذلك، يتطلب النظام مع زيادة الطلب من جانب القطاع الرأسمالي، ومع زيادة مراكمة رأس المال، أن يجري تقليصٌ للطلب على هذه السلع في أماكن أخرى، بحيث لا يزداد صافي الطلب ولا تحظى ظاهرة تزايد سعر العرض بفرصة للتجسُّد على الإطلاق.

ويُفرَضُ تقليص الطلب هذا بشكلٍ رئيس من خلال فرض انكماش الدخل على المنتجين الصغار في العالم الثالث وعلى السكان العاملين فيه عمومًا. وقد تم ذلك في الفترة الاستعمارية عبر طريقتين، الأولى: «تقليل القدرة الصناعية» عبر استبدال الإنتاج الحرفي المحلي بواردات المصنوعات من القطاع الرأسمالي، والثانية: «استنزاف الفائض»، حيث يؤخذ باختصار جزءٌ من الضرائب المستخرجة من صغار المنتجين على شكل سلع مُصدَّرة دون أي مقابل. وهكذا استمر دخل، وبالتالي طَلَب، السكان العاملين في العالم الثالث في الانحدار، بينما الطلب في المراكز الرأسمالية على هذه السلع فقد لُبِّيَ دون أي تهديد تضخمي لقيمة المال. وتم مؤخرًا تطبيقُ عملية مماثلة تم فيها كمش دخل السكان العاملين في العالم الثالث عبر سياسات العولمة النيوليبرالية.

إذًا، أشير بمصطلح «الإمبريالية» إلى الصيغةِ التي يخلقها النظام الرأسمالي لفرض انكماش الدخل على السكان العاملين في العالم الثالث من أجل مواجهة خطر التضخم الذي من شأنه أن يؤدي إلى تآكل قيمة المال في المراكز الرأسمالية وتهديد استمرارية النظام. بالتالي، «الإمبريالية»، بمعناها هذا، لم تتمايز بها فترة الاستعمار عن الفترة المعاصرة، إنما شملت الاثنتين.

بينما ندرك نحن تلك الحاجة إلى وجود جيشٍ احتياطي للعمل من أجل درء التهديد الذي تتعرض له قيمة المال، ذلك التهديد الناتج عن مطالبات العمال بأجورٍ أعلى، من دواعي السخرية أننا لا نعترف بحاجة النظام الموازية بل والأكثر إلحاحًا (بسبب زيادة سعر العرض) لفرض انكماش الدخل على السكان العامِلين في العالم الثالث من أجل درء خطرٍ مماثل.

إن حقيقة تغلغل الرأسمالية في العالم الثالث قد سارت على قدم وساق في الآونة الأخيرة، مع أوليغارشية الشركات المالي

 

 

 

ة المحلية التي دُمِجت في رأسٍ مال مالي معولم. وحقيقة أن العمال في المراكز الرأسمالية يواجهون أيضًا تضييقًا على الدخل تحت العولمة – ومع كون ذلك تطورًا حديثًا وهامًا – لا تنفي الميلَ الأساسي للنظام نحو فرض انكماش للدخل على السكان العامِلين في العالم الثالث، وهو توجه ما يزال في صميم النظام.

سي جي بوليكرونيو: يشير أولئك القائلون إن الإمبريالية لم تعد تشكل بنيةً تحليلية ذات أهمية إلى الجوانب المتنوعة للتبادلات الاقتصادية العالمية اليوم وإلى عملية معقدة للغاية تنطوي على توزيع القيمة، والتي، ببساطة، لا يمكن أن تُختزل في الإمبريالية. كيف ترد على هذا المنهجية الفكرية؟

برابهات باتنايك: الرأسمالية اليوم بالطبع أكثرُ تعقيدًا، مع بنيةٍ علوية مالية هائلة. ولكن ذلك، وبشكل متناقض، يجعل من التضخم تهديدًا أكبر. ومن شأن قيمة هذه المجموعة الواسعة من الأصول المالية أن تنهار في حالة التضخم، مما يؤدي إلى سقوط هذه البنية العلوية، وهو ما يمثل، على نحو عرضي، السبب وراء هاجس السياسات الحالي بـ «استهداف التضخم»، مما يجعل الصيغة الإمبريالية أكثر أهمية. فكلما أصبحت الرأسمالية أكثر تعقيدًا، كلما ازدادت حاجتها لدعائمها الأولية البسيطة.

وأود أن أوضح هنا أنه إذا ما أمكن إدخال إجراءات «التحسين الزراعي» في العالم الثالث، وعلى الرغم من الثبات الفعلي لمساحة الأراضي في المنطقة الاستوائية، يمكن تفادي التهديد المتمثل في زيادة أسعار العرض، ومعه خطر التضخم، دونَ فرض انكماش الدخل. بل على العكس من ذلك، سيكون السكانُ العاملون في العالم الثالث أفضل حالًا من خلال هذه الإجراءات. غير أن هذه إجراءات، المتعلقة بالري وبالبذور ذات المحاصيل العالية والممارسات الزراعية المتقدمة، تتطلب دعم وإنفاق الدولة، وهي حقيقة أدركها ماركس منذ فترة طويلة. (فهمه لهذه الحقيقة حرَّفَها ولواها لاحقًا كارل فيتفوجيل لصياغة نظرية «الاستبداد الشرقي»). ولكن نشاطاتِ الدولة، باستثناء العمل لمصالحها الحصرية والمباشرة، ليست سوى لعنةٍ تحل على الناس من لعائن رأس المال النقدي، وهذا هو السبب – غير المفاجئ – الذي يجعل إجراءاتٍ مثل «التمويل المتعقل» و«المسؤولية المالية» المعولمة موضةَ العصر. وهكذا فإن الإمبريالية طريقةٌ رأسمالية تحديدًا للحصول على تلك سلع التي تتصف بصفتين، أولًا: تحتاج الرأسمالية تلك السلع لنشاطها الذاتي، وثانيًا: إنها سلعٌ لا تُنتَج داخل نطاق الرأسمالية المحدود.

اتخذت الأنظمة ما بعد الاستعمارية ذات الاقتصاد الموجه في العالم الثالث بالفعل إجراءاتِ «التحسين الزراعي». ولهذا السبب، رغم ارتفاع صادرات السلع إلى المراكز الرأسمالية مما زوَّد الوقود لأكبر ازدهار شهده تاريخ الرأسمالية على الإطلاق، فقد أدى ذلك أيضًا إلى زيادة نصيب الفرد من الحبوب الغذائية في بلدان العالم الثالث أيضًا. ولكنني أرى أن هذه الفترة تشكل فترةَ تراجع رأسمالية المركز فرضها ما تكبدته تلك البلدان من جروحٍ أثناء الحرب العالمية الثانية. ومع إعادة تأكيد هيمنة القطاع المالي، حاليًا على شكل رأس المال ماليٍّ أصبح دوليًا، تراجعت دول العالم الثالث عن دعم صغار المنتجين، وباتت عملية انكماش الدخل على قدم وساق، وعادت الصيغة الإمبريالية إلى مكانتها. ولهذا السبب يمكننا أن نرى مرة أخرى ميلًا نحو انخفاضٍ تدريجي في نصيب الفرد من الحبوب الغذائية في العالم الثالث كما كان الحال عليه في الفترة الاستعمارية.

وهناك طريقة ثالثة تقوّي عبرها الرأسمالية المعاصرة الصيغةَ الامبريالية، طريقةٌ تختلف عن الهوس بتجنب التضخم، وهي ليُّ ذراع دول العالم الثالث كي تدعمَ مصالح القطاع المالي المعولم بدلًا من حماية صغار المنتجين المحليين. وقد يَظن القارئ أن قيمة واردات سلع العالم الثالث إلى المراكز الرأسمالية ضئيلة جدًا وبذا يكون الحديث عن خطر التضخم من هذا المصدر إلى عملات المراكز تلك ضربًا في المبالغة التهويل. هذه الضآلة بحد ذاتها هي بالطبع تعبير عن علاقة استغلالية حادة. ولكن الخطر الذي تتعرض له عملات العالم الثالث جرّاء ارتفاع أسعار هذه السلع أصبح حادًا في نظام التدفقات المالية العابرة للحدود دون قيود كما هو الحال عليه اليوم، مما يهدد نظام التجارة والمدفوعات العالمي كلّه، ومن ثم يجعل انكماش الدخل حاجة ملحة جدًا. وبالتالي تصبح الحاجة إلى الصيغة الإمبريالية أكثر إلحاحًا.

سي جي بوليكرونيو: منذ وقت ليس ببعيد، كان الليبراليون مثل توماس فريدمان من صحيفة نيويورك تايمز يجادلون بأن «ماكدونالدز لا يمكن أن تزدهر دون ماكدونيل دوغلاس» (أي، القوات الجوية الامريكية). إن هذه بالتأكيد صياغةٌ فجّة للإمبريالية، ولكن ماذا عن الإمبريالية الأمريكية اليوم؟ أما تزال حيّةً معافاة؟

برابهات باتنايك: كان العالم الذي كتب عنه لينين يتألف من أوليغارشيات مالية تدعمها دولٌ قومية دخلت في تنافسٍ إمبرياليٍّ حاد لإعادة تقسيم العالم عبر الاحتراب. وعندما اقترح كارل كاوتسكي إمكانية التوصل إلى هدنة بين القوى المتنافسة من أجل تقسيمٍ سلميٍّ للعالم، أشار لينين إلى أنَّ ظاهرة النمو غير المتكافئ في ظل الرأسمالية ستؤدي بالضرورة إلى تخريب أي هدنة اتُّفِقَ عليها. إنَّ العالم الذي نعيشه اليوم يتسم بهيمنة رأس مالٍ دولي يحرص على منع أيِّ تقسيم للعالم، حتى يتمكن من التحرك في أرجائه بِحُرّية.

ولذلك، فالإمبريالية المعاصرة هي إمبريالية رأس المال النقدي الدولي الذي تخدمه الدول القومية: فأيُّ دولةٍ من الدول إن قررت تحدي إرادة رأس المال النقدي الدولي ستتعرض لخطر خروجِ رؤوس الأموال من اقتصادِها ومِنْ ثَمَّ إفلاس البلاد. تلعب الولايات المتحدة، باعتبارها الدولة الرأسمالية الرائدة، الدور الأساسي في تعزيز وحماية مصالح رأس المال النقدي الدولي. ولكن الحديث عن إمبريالية أمريكية أو ألمانية أو بريطانية أو فرنسية مُحَدَّدة يغفلنا هذه الحقيقة الأساسية.

واقعًا، إنَّ النقاش حول ما إذا كان العالم يتجه نحو تعددية الأقطاب أو استمرار الهيمنة الأمريكية يُغفِل غالبًا كونَ الفاعِل الرئيس في عالمنا اليوم هو رأس المال النقدي أو المعولم، وليس رأس المال النقدي الأمريكي أو الألماني أو البريطاني. لذا فإن مفهوم الإمبريالية التي نتحدث عنها (أنا و«أوتسا باتنايك») في كتاب «نظرية في الإمبريالية» ينتمي إلى نطاق مختلف للخطاب عن ذاك الذي ينتمي له مفهوم الإمبريالية الأمريكية بحد ذاتها. هذه الأخيرة، رغم كونها بطبيعة الحال واضحة للعيان بسبب التدخل العسكري الأمريكي في جميع أنحاء العالم، يجب أن توضع ضمن الإطار الأوسع لإمبريالية رأس المال المالي الدولي إن أردنا فهمها فهمًا لائقًا.

ومن المصادفة أنَّ البعض رأوا في خفوت التنافس الامبريالي في عالم اليوم كإثبات لرأي كاوتسكي وتفضيلًا له على رأي لينين. ولكن هذا غير صحيح لأن كلًّا منهما كان يتحدث عن فترةٍ تجاوزتها الرأسمالية المعاصرة هيمنت فيها رؤوس أموال مالية وطنية.

سي جي بوليكرونيو: نشأ مفهوم الإمبريالية مع هوبسون (والذي لم يكن ماركسيًا) ولكن لينين هو من وضعه في صميم الاقتصاد السياسي الدولي الماركسي. ماركس نفسه لم يستخدم مصطلح الإمبريالية ولكن هناك الكثير في تحليلاته ما يتنبأ بالإمبريالية والعولمة. كيف كان ماركس سيفسر دينامية وتناقضات الاقتصاد الرأسمالي العالمي اليوم؟ هل كان سيستخدم مصطلح الإمبريالية؟

برابهات باتنايك: هناك في الواقع ماركسانِ لا واحد. في «رأس المال» (أشير هنا إلى المجلد الأول الذي أكمله ماركس)، ينصب التركيز على مجال الإنتاج في الاقتصاد الرأسمالي، وهذا ما يعني تجريده من إطاره الدولي. بينما في أعماله العديدة حول الاستعمار، والتي كُتِب الكثير منها تقريبًا في نفس الوقت الذي كان يكتب فيه «رأس المال»، وفي مذكراته أيضًا، أظهر ماركس وعيًا دقيقًا بآليّاتِ الاضطهاد الاستعماري. بل إنه تحدث عن «استنزاف» الفائض من الهند. ولكن كتابات ماركس هذه أقلُّ شهرة، وبما أن الاضطهاد الاستعماري لم يُدرَج في مناقشة «رأس المال»، هنالك تبخيس عام في دور الإمبريالية في دينامية الرأسمالية حتى فيما بين الماركسيين، وخاصة في البلدان المتقدمة.

ومن الصحيح أيضًا أن ماركس اضطر إلى الاعتماد على المواد المتاحة في ذلك الوقت والتي لم تكن كافية وأتى جزءٌ كبير منها من الإداريين الاستعماريين كتبوها لمآرب أخرى. كما أنه كان يميل، حتى وقت متأخر جدًا من حياته، إلى التركيز بشكل مفرط على الدور الثوري للرأسمالية إزاء أنماط الإنتاج السابقة، والأثر الهائل لزيادة قدرتها الإنتاجية. على سبيل المثال، تحدث هو وإنجلز في «البيان الشيوعي» عن الأسعار الرخيصة للسلع الرأسمالية وكونها ستكون المدفعية التي يتم من خلالها تحطيم الأسوار الصينية التي تحاول صد هذا الاجتياح. في الواقع، كان الطلب على المنسوجات البريطانية الرخيصة في الصين ضعيفًا جدًا وقتَ كتابة فيه ماركس وإنجلز تلك الكلمات. ومن أجل أن تحقق بريطانيا توازنًا تجاريًا، حيث كان استيرادها من الصين عاليًا جدًا، قامت بإجبار الفلاحين الهنود على زراعة الأفيون كما أجبرت الصينيين على استهلاكه. وما خِيْضَت حروب الأفيون إلا لأجل هذه القضية بالذات. فمن اللافت إذًا بُعد نظر كتابات ماركس حول الاضطهاد الاستعماري نظرًا لندرة المعلومات المتوفرة.

نظرًا لأمانته العلمية المطلقة وانفتاحه على الأدلة الجديدة، ليس لدي أدنى شك في أنَّ ماركس كان سيعطي الإمبريالية دورها المناسب في دينامية الرأسمالية (والذي يختلف عن مجرد الاعتراف بالحركة التوسعية العامة للرأسمالية كما هو الحال في «البيان»). وبمجرد أن يتم ذلك، فإن الإقرار بموقع الصيغة الإمبريالية في إطار العولمة المعاصرة كان سيصبح مجرد الخطوة الحتمية التالية.

ولكن ما نطرحه هنا ليس مجرد دليل تاريخي جديد كان ماركس سيركز عليه. أعتقد أن نظرية ماركس نفسها غير مكتملة بدون الإمبريالية. وحالما ندرك الحقيقة الواضحة الكامنة في أنَّ الرأسمالية ليست نظامًا أُفُقيًا متكاملًا يُنتِج كلَّ مُدخَلاتِه اللازمة (حتى وإن لم تكن ضمن نفس الفترة) بل يعتمد على وارداتٍ من «الخارج»، ستتبين لنا جوهريةُ وجودِ تنسيقٍ ما للحفاظ على قيمة المال من خلال علاقة إمبريالية، ومن المؤكد أن ماركس كان سيلاحظ هذه الحقيقة.

سي جي بوليكرونيو: سؤال أخير: كيف ينبغي للحركات والمنظمات الراديكالية، في كلٍّ من مراكز أو هوامش الاقتصاد الرأسمالي العالمي، أن تُنظّم لمناهضة الإمبريالية الحالية؟

برابهات باتنايك: من الواضح أن أهمية مسألة الإمبريالية ليست تعليمية، إنما هي مهمة للممارسة العملية التي يمكن أن تنشأ من خلال إدراك دورها. ومن الواضح من خلال ما شرحت أنه نظرًا لما تنطوي عليه العولمة من انكماش الدخل بالنسبة للفلاحين وصغار المنتجين، ونظرًا لكون استيعابهم في مرتبة جيش العمل النشط في ظل الرأسمالية لا يحدث بسبب قلة الوظائف التي يتم إنشاؤها حتى عندما تكون معدلات نمو الإنتاج مرتفعة، فهناك ميل نحو الإفقار المطلق للسكان العاملين. أما بالنسبة للمنتجين الصِغار إن هذا الميل يسير سيرورةً مباشرة، وأما بالنسبة لغيرهم، فهو يسير عبر خفض «أجر التحفظ»[1] بسبب إفقار المنتجين الصغار.

ويتجلى هذا الإفقار في المقام الأول في انخفاض نصيب الفرد من الحبوب الغذائية بشكل مباشر وغير مباشر (يتم الأخير هذا عبر الأغذية المُعالَجة وحبوب الأعلاف). ومن ثم فإن تحسين ظروف معيشة السكان العاملين في بلدان العالم الثالث يتطلب فك ارتباطها بالعولمة (من خلال ضوابط رأس المال، وكذلك ضوابط التجارة إلى الحد المطلوب) من جانب دولة مختلفة النوع، استنادًا إلى تحالف العمال والفلاحين الذي يسعى إلى مسار مختلف للتنمية. ومن شأن هذا المسار أن يركز على النمو الزراعي الذي يقوده الفلاحون، وإعادة توزيع الأراضي (من أجل الحد من مدى التفاوت بين الفلاحين) وتشكيل الجمعيات والتعاونيّات الطِوَعِيّة من أجل المضي قدمًا في إجراءات التحسين الزراعي والضلوع أيضًا في أنشطة مُضِيفَة للقيمة، بما في ذلك زيادة القدرة الصناعية.

ومما لا شك فيه أن بلدان العالم الثالث الصغيرة ستجد صعوبة في اعتماد مثل هذا البرنامج بسبب قلة مواردها وسوقها المحلي الضيق. ولكن سيتعين عليها أن تجتمع مع بلدان صغيرة أخرى لتشكيل وحدات أكبر وأكثر قابلية للاستمرار. ولكن النقطة الأساسية هي ببساطة ألا تُطْرَح مسألة «تحسين العولمة» أو جعلها «عولمة ذات وجه إنساني».

والمشكلة التي سيواجهها مثل هذا النشاط لا تكمن في برجوازيات العالم الثالث فحسب، بل أيضًا في شرائح من مهنيي الطبقة الوسطى الذين استفادوا من العولمة والذين سيعارضون أي فصل من هذا القبيل. لكن الأزمة الرأسمالية العالمية، التي هي نتيجة لهذه العولمة التي يقودها رأس مال القطاع النقدي، تثير السخط لدى هؤلاء المستفيدين المنتمين للطبقة الوسطى. وبالتالي فَهُم أيضًا سيكونون الآن أكثر استعدادًا لدعم مسارٍ بديل للتنمية ينفصل عن القيود التي تفرضها الإمبريالية.

المصدر: ماكروسكان

ملاحظات فريق الترجمة:

[1] «أجر التحفظ» هو أدنى أجر ممكن أن يَقْبَل به العامِل مقابل عمل معين.