كيف يغطي الإعلام الأمريكي ما يجري في فنزويلا؟

VENEZUELA-US-GRAFFITI-FEATURE

ريتشارد سيمور

هدد دونالد ترامب بأنَّ واشنطن ستضع «الخيار العسكري» في فنزويلا بعين الاعتبار. يتبع ذلك تهديداتِ ترامب السابقة بتوسيع العقوبات التي فرضها أوباما ضد فنزويلا إنْ شكَّلَت «جمعية تأسيسية» جديدة استنادًا لدعوة الرئيس مادورو.

حين عقدت الانتخابات لتشكيل الجهاز الجديد، أشارت رويترز، قالت السفيرة الأمريكية للأمم المتحدة نيكي هيلي عن نتائجها إنها «مزورة» وتشكل «خطوةٌ تجاه الديكتاتورية».

وأشار الجيش الأمريكي في أبريل/نيسان إلى أنَّ «الأزمة الإنسانية المتنامية في فنزويلا قد ترغم المنطقة على التدخل».

وجاء في صحيفة «نيو يورك تايمز» بعدئذٍ أنَّ ترامب رفض استقبال مكالمة من الحكومة الفنزويلية فيما يتعلق بالتهديد العسكري، حيث أسهب متحدث باسم البيت الأبيض قائلاً: «سيسعد الرئيس ترامب الحديث مع قائد فنزويلا حالما تُستعادُ الديموقراطية في تلك البلاد».

إدارة ترامب، التي خافت صحفٌ عدة من أنّها ستكون «انعزالية» وستهمل الإمبراطورية الأمريكية، تسلَّمت هراوةَ أوباما بحماسة في هذه الجبهة، فموقف إدارة ترامب ليس نسخةً أشرس من موقف إدارة أوباما فحسب، بل إنّه لا يختلف كثيرًا عما يُنْشَر في الصحافة الأمريكية عن فنزويلا.

في هذه الصحف، نجد عناوينَ مثل «المعارضة تندّد برئيسَ فنزويلا مادورو وَتَصِفه بـ ‹الدكتاتور› بعد حل الكونغرس»، و«فنزويلا تحترق بعد أنْ أدار الدكتاتور مادورو ظهره عن شعبه»، بينما افتتاحية صحيفة «نيو يورك تايمز» تتحدث عن «اندفاع [مادورو] تجاه الدكتاتورية».

يتبع ذلك قرابة ثلاث سنوات من شيطنة متزايدة للحكومة الفنزويلية بواسطة الإعلام الدولي.

نجد الـ «نيو يورك تايمز» تتحدث عن «انهيارٍ اقتصادي لا تجد مثيلًا له إلا في البلدان الواقعة في الحروب»، والـ «بي بي سي» توقَّعت حدوث أزمة إنسانية، وأما الـ «كريستشان ساينس مونيتور» فأشارت العام الماضي إلى أنَّ الوقت قد حان «لتتصدى الولايات المتحدة لفوضى فنزويلا».

أغلب الإعلام الأمريكي يبغض ترامب، ولكن احتمال معارضتهم له حالَ شروعه في تنفيذ تلك التهديدات العسكرية ضئيلٌ جدًا.

يمثِّلُ ذلك تقلُّبًا في الخطابِ المعادي لفنزويلا، فالادعاءُ الحالي هو أنَّ فنزويلا في طريقها لتصبح دكتاتورية، أما في السابق، فكان الإعلام يزعم أنَّ فنزويلا هي بالفعل دكتاتورية.

في عام 2015، في طريق البلاد للانتخابات، وصفت صحيفة الـ «أتلانتيك» فنزويلا بـ «دكتاتورية تتلبس بلباس الديموقراطية».

تعودُ الاتهاماتُ بكون فنزويلا دكتاتورية إلى بداية انتخابِ أوغو تشافيز إلى الرئاسة بنسبة 56 بالمئة من الأصوات في 1998. في عام 1999، نشرت الـ «بي بي سي» مقالًا كتبهُ معارِض واصِفًا فنزويلا بـ «الدكتاتورية» ومضيفًا أنَّ «هتلر أيضًا فاز بالانتخابات».

حين أُسقِطَ تشافيز في انقلابٍ عام 2002 لفترة وجيزة، احتفلت الـ «نيو يورك تايمز»: «مع استقالة أوغو تشافيز الأمس، لم يُعد الرئيس الفنزويلي يشكل تهديدًا دكتاتوريا للديموقراطية الفنزويلية. تنحى الغوغائيُّ المُخرِّب تشافيز  بعد أنْ تدخل الجيش وسلَّمَ السلطة لرجلٍ أعمالٍ قياديٍّ محترم اسمه بيدرو كارمونا».

اصطفَّ خطابُ الإعلام الأمريكي صفًّا واحدًا مع خطابِ إدارة بوش، التي نفت حصولَ انقلاب، رغم علمها بوجود ذلك الانقلاب لا بل ومشاركتها فيه. أقرَّ مكتب المفتش العام التابع لوزارة الخارجية الأمريكية، حسب ما نقل مارك ويسبروت، دورَ «الصندوق الوطني للديموقراطية» والبنتاغون وغيرها من الأجهزة الحكومية في دعم «أفرادٍ ومنظّمات نعتقد أنها فاعِلة ومنخرطة في الإطاحة الوجيزة بحكومة تشافيز».

والدعم الأمريكي لم يتوقف بعد فشل الانقلاب، فوثائق برقيات وزارة الخارجية الأمريكية التي نشرتها «ويكيليكس» تبيّن أنَّ «الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية» (USAID)، وهي أداةُ رئيسة في فرض «القوة الناعمة» الأمريكية، ساهَمَت في دعم مقاطعة ومظاهرات المعارضة.

الواقع هو أنَّ عودةَ تشافيز إلى الحكم شكَّلت عودةَ الديموقراطية، فالحكومة الفنزويلية استمرَّت بانتخاباتٍ عادلة وحرة، «الأفضل في العالم» حسب قول الرئيس الأمريكي السابق جيمي كارتر، و«نموذجٌ للديموقراطية» وفق ما قاله مراقِبون دوليون. ولكن حملة التشنيع والاتهام بالدكتاتورية استمرت.

حين ماتَ تشافيز، وصفته «دويتشه فيله» بـ «دكتاتور ذو نفوذ»، وكتب ديفد فروم عمودًا في الـ «سي إن إن» قال فيه إنّ تشافيز «سُلطويٌّ» وأنَّ «نظامَه» قام بـ «التحكم والتلاعب بوسائل الإعلام على نحوٍ ممنهج»، متجاهِلًا حقيقة أنَّ أغلب وسائل الإعلام في فنزويلا تملكها شركاتٌ وأفرادٌ معادون لتشافيز.

ولكن بما أنَّ الهدف الآن إسقاطُ مادورو، تم تعديل السردية. لم تكن فنزويلا دكتاتورية أو استبدادية كثيرًا سابقًا، ولكنّها الآن كذلك!

ما الذي يكمن وراء هذا التغير؟ في مراجعةٍ سابقة لما يُنقَل في الإعلام، وصفنا الأزمة التي وقعت على الاقتصاد الفنزويلي والتي بدأت في 2014. انهيارُ وارداتِ النفط ومع هبوط أسعار السلع ومشاكِل في آلية سعر الصرف المتغير خلقت دوامة تضخم وخفض سعر العملة.

بالغَ الإعلام العالمي العدواني في حديثه عن خطورة المشاكل الناجمة، فمثلما أشار غابرييل هيتلاند في صحيفة «ذا نيشن»: «إنَّ فنزويلا في خضم أزمةٍ حادة…ولكن الإعلام المهيمن دائمًا ما شوّه الحقائق وبالغ جدًا من حدة الأزمة».

توافِقه ناتاليا فيانا، أحد مدراء «أهينسيا بوبليكا»[1]، حيث كتبت في الـ «هفينغتون بوست» إنَّ فنزويلا تغرق في كومة «أخبار زائفة».

بينما تنتقد فيانا «المبالغة وانتقائية المعلومات» الصادرة عن إعلام الدولة في فنزويلا، تقول أيضًا: «إنسى أغلب ما تقرأه في الإعلام: ليست فنزويلا تمر بـ ‹كارثة إنسانية› نتيجة شحٍّ عام للطعام رغم وجود عجزٍ لبعض السلع الأساسية؛ لن تسقط حكومة مادورو غدًا مثلما تأمل المعارضة، ومع أنَّ العنف الذي مارسته الشرطة الوطنية أدّى حتمًا لسقوط قتلى، يشير التحري الصحفي الذي قمت به على أرض الواقع إلى أنَّ أعدادهم لم تصل لما يزعمه البعض».

لا يعني ذلك أنَّ الأزمة السياسية لم تتفاقم أبدًا. كانت النقطة الحرجة الأخيرة في قرار مادورو للدعوة لتصويتٍ لتشكيل جمعية تأسيسية جديدة ستقوم بإعادة كتابة الدستور وتستلم السلطة التشريعية لعامين.

زعم أفرادٌ من المعارضة والإعلام الدولي أنَّ التصويت كان مزورًا، وأيدت ذلك الشركة التي وفرت آلات فرز الأصوات، والتي قالت حسب الـ «نيو يورك تايمز» إنَّ إجمالي الأصوات البالغ ثمانية مليون صوت والذي قدره مجلس الانتخابات الوطني الفنزويلي كان خاطئًا بمقدار مليون صوت على الأقل.

وهنالك أيضًا التباساتٌ حول العملية الانتخابية، إذ أشار غابرييل هيتلاند إنَّ «مجلس الانتخابات الوطني لم يتبع الخطوات المتبعة عادةً لضمان دقة التصويت» ومضيفًا أنَّ «هذه أول مرة ينقض فيها رئيس المجلس صحة النتائج نقضًا تامًا».

زعمت الحكومة بدورها أنّ ناشطي المعارضة هاجموا 200 محطة اقتراع أثناء التصويت في محاولة لقمع نسبة المشاركة.

فكما يشير غريغ غراندين في «ذا نيشن»، هذه ليست أول مرة دخلت فيها فنزويلا أزمة حادة كهذه. يشير غراندين إلى تقارير حولَ نسبة فقرٍ متزايدة وسلطوية صاعدة وتزايد الاعتقال السياسي والإعدام دون محاكمة وأعمالِ شغبٍ كثيرة «لم يغطيها الإعلام الأمريكي بهذا الهوس» لأن ذلك «كان في 1996، قبل عامين من انتخاب أوغو تشافيز رئيسًا، أي حين كانت البلاد يحكمها حليفٌ لواشنطن».

وأما مستوى العنف الذي تمارسه المعارضة في هذا الوضع كثيرًا ما يتم تجاهله تمامًا في الصحافة الإنجليزية. على سبيل المثال، ورد في تقريرٍ لـ «أسوشيتد بريس» النهبُ الذي جرى في مدينة ماراكاي والهجمات على المكاتب الحكومية في أواخر يونيو/حزيران، ولكن الإعلام تجاهل ذلك غالبًا. وبالمثل، عرضت «روتيرز» تسجيلًا لتفجيرٍ نفذته المعارضة في كاراكاس في الحادي عشر من يوليو/تموز، والإعلام الفنزويلي عرض تسجيلًا لإضرام نارٍ في المحكمة العليا حدث بعد ذلك بيومين، ولكن القنوات الإخبارية بالكاد ذكرت ذلك.

وأما الهجوم المذهل على مبنى المحكمة العليا بواسطة ضابط الأمن المتقاعد أوسكار بيريس باستخدام طائرةٍ عمودية حظى بتغطية إعلامية واسعة، إنما بإعجابٍ غريب، حيث تكرر وصف بيريس بـ «جيمس بوند الفنزويلي» إشارةً للأدوار السينمائية التي لعبها. ما لا يُذكَر كثيرًا هي صلته بوزير الداخلية السابق ميغيل رودريغيز توريس، الذي أقاله مادورو بعد أن حُمِّلَ مسؤولية عددٍ من الموتى أثناء اشتباكات 2014، من ضمنهم تشافيزيون.

تتهم رويترز الحكومة بـ «قمع المعارضين بِنيّة استعادة السلطة بالقوة». ولكن قيادة المعارضة تلقي خطاباتٍ باتت روتينية تشيد بانقلاب 2002، آسفين فقط لكونه لم ينجح في إسقاط تشافيز.

يبجل الإعلامُ أيضًا قياداتِ معارضة قريبة من أعنف قطاعات المعارضة الفنزويلية، مثل ليوبولدو لوبيس، إذ تحتفي به الـ «نيو يورك تايمز» بصفته «سجين سياسي»، ويناصره نائب الرئيس الأمريكي مايك بينس ورئيس الوزراء الإسباني السابق خوسيه ثباتيرو.

تربطُ لوبيز علاقاتٌ مقربة بقيادات انقلاب 2002، وثّقها روبيرتو لوفاتو في «فنزويلا أنالاسيس» بتفصيلٍ مبهر، ويلقي خطاباتٍ تشيدُ بالانقلاب نفسه. بينما قد تفضل قياداتٌ للمعارضة مثل هينري كابريليس التفاوض على تسوية مع مادورو، لا نراه يتلقى أيَّ إعجابٍ وانبهارٍ دولي مثل لوبيس وزوجته ليليان تينتوري، إذ أشيد بـ «عصيانهما المدني على خطى غاندي» رغم دوريهما في أعمال العنف التي جرت عام 2014.

في الجانب المقابل، ينتقد بعض مناصري التشافيزيّة الدوليين الحكومةَ والنخب الفاسدة المرتبطة بالدولة. يصف نعوم تشومسكي، متحدثًا لـ «ديموكراسي ناو»، انتشارَ «الفساد» و«النهب» في فنزويلا «بالخصوص بعد موت أوغو تشافيز» مشيرًا إلى أنَّ الثورة البوليفارية وأمثالها، رغم كل إنجازاتها، اتكلت بإفراط على «ارتفاع أسعار السلعة، وهي ظاهرة مؤقتة». ولكنهم، خلافًا للإعلام الأمريكي، ليسوا يشجعون معارضةً معادية للديموقراطية.

جادلَ جورج تشيكوريلو مار، في مقالٍ في مجلة جاكوبين، أنَّ «الفساد والبيروقراطية وغطرسة النخب الجديدة» تشكل مشكلة، ولكنه يضيف أنّه منذ أن كسبت المعارضة غالبية في الجمعية الوطنية أصبح هنالك «أزمة مؤسسية كاملة سعت المعارضة فيها لمفاقمة الأزمة وزعزعة استقرار الحكومة وجعل البلاد غير قابلة للحكم».

يوافقه في ذلك غابرييل هيتلاند، منددًا بالتجاهل الحاصل لـ «الممارسات الشنيعة التي مارستها المعارضة» من «إشعال النار في عددٍ من المواطنين السّود والسُمر حتى الموت لأنَّ ‹مظهرهم› مظهر تشافيزيين».[2] ويُضيفُ قائِلًا: «يبدو من الواضح أنَّ القطاعات الشعبية الفنزويلية لن تتحسن أوضاعها في ظل حكومة تقودها المعارضة».

بالطبع، لا يظهر هؤلاء في قنوات الإعلام الدولي الكبرى، حيث لا تهتم تلك القنوات بتحقيق وعود العدالة الاجتماعية والديموقراطية التشارُكيّة. يريد الإعلام تدخلًا أمريكيًا مؤيدًا للجناح الأيمن للمعارضة رغم سجلِّه العنيف في معاداة الديموقراطية.

وبقدر كراهية الإعلام الأمريكي لترامب، إن منحهم هذا التدخل، سيجدون صعوبةً في رفض أيِّ خيارٍ متعلق بفنزويلا، سواءً أكان عسكريًا أم لا.

المصدر: تيليسور

ملاحظات فريق الترجمة:

[1] وكالة صحافة استقصائية مستقلة مركزها البرازيل.

[2] يتمركز جمهور تشافيز في الشرائح الفقيرة في المجتمع، حيث أغلبهم إما من الأقليات العرقية أو السكان الأصليين، وذلك بسبب تاريخ الاستعمار.