مستعمرات القطن الحديثة

41_04_krese_01.jpg

كِتَابة: ميتا كريس، تصوير: يوشت فرانكو

إنَّ تاريخَ القطن منضَفرٌ بإحكام بتاريخ الرأسمالية الغربية. ساعد هذا المحصول – بصفته عمادًا رئيسًا من أعمدة الإمبراطورية البريطانية – على تشييد البُنى الناجعة والوحشية لاقتصادِنا العالمي المعاصر. قد تبدو القمصان التي نشتريها اليوم في متاجر مثل «غاب» (Gap) و«إتش أند إم» (H&M) أبعدَ ما تكون عن ذلك التاريخ الدموي لمحصولٍ كان في القرن التاسع عشر مرادِفًا للعبودية والمصانع الاستغلالية. ولكن إنْ اقتفينا اليوم أثرَ سلسلة الموارد العالمية لمنتجي القطن وعمّاله وتجُّارِه ومُلّاك مصانعه، تتجلى لنا حقيقة: لم تبتعد الرأسمالية عن أصولها الدموية.

القطن محصولٌ مرن يمكن زرعه في أيِّ مكانٍ تهطل الأمطار فيه بوفرة وتظل درجة الحرارة فيه فوق درجة التجمد لمئتي يومٍ في السنة على الأقل. تبيّنُ السجلات الأثرية أنَّ الإنسانَ زرعه لآلافِ السنين في أفريقيا والهند وأمريكا الوسطى والجنوبية. فحتى في القرن السابع قبل الحقبة العامة، وصف هيرودوت جيشَ خشايارشا الأول الفارسي بأنّه يرتدي ملابسَ ذات جمالٍ استثنائي «مصنوعة من صوفٍ ينمو على الأشجار».

تأخرت أوروبا فيما يتعلق بالقطن، حيث اتكلت على الكتان والحرير والصوف طوالَ النهضة تقريبًا. وحين جلبت شركة الهند الإنجليزية قماش «الكاليكو» و«التشينتز» الرخيص والمبهرج إلى بريطانيا في النصف الثاني من القرن السابع عشر، أصبح ذلك القماش الرخيص صيحةَ العصر. أحبَّ الأوروبيون كونَ الألوان الحية تلك لا تبهت مع أول غسلة.

ولكن شركات الأقمشة الأوروبية أدركت صعوبة التنافس مع ذلك القماش، فسعت لقمعه. ولذلك استخدمت كامل قواها ضدَّ صناعة القطن الهندية: منعت فرنسا القطن بالكامل في 1686، وفرضت إنجلترا منعًا جزئيًا على القطن الهندي في 1701 ومنعًا أشد في 1721، وحذت حذوها إسبانيا وبروسيا وغيرهما من الأمم بدرجاتٍ مختلفة من التقييد.

ولكن مع مرور الوقت رأى رجال الأعمال فرصةَ ربحٍ وبدأوا بناءَ قطاعٍ صناعيٍ أوروبيّ للقطن مستند على الاستعمار والعبودية. سمح القطن الرخيص، يحصده أناسٌ مستعبدون في أمريكا الشمالية لصالح بريطانيا، ببيع القطن بأسعارٍ أرخص من تلك الهندية. فَوِفْقًا للمؤرخ جين داتيل، بحلول عام 1860 كانت بريطانيا تستورد 1.2 مليار باوند من القطن سنويًا من أمريكا الشمالية. حوَّلَ قرابة مليون عامل من مطاحن ومصانع بريطانيا القطن إلى ملابس شكَّلت 40 بالمئة من الصادرات الوطنية.

يكتب داتيل في «دورُ القطن والعِرْق في إنشاءِ أمريكا» (Cotton and Race in the Making of America) أنَّ «القطن كان أهم مساهم في قوة بريطانيا الاقتصادية وتفوّقها كإمبراطورية عالمية». أصبح القطن منصةً وَثَبَتْ مِن عليها الثورة الصناعية واقتصادُ عالمي ميّالٍ لمراكمة رأس المال بلا هوادة.

أما اليوم فتحتلُّ محاصيل القطن حوالي 2.5 بالمئة من أراضي العالم الخصبة، ويشكل هذا القطاع مصدر الدخل الرئيس لمئات ملايين المزارعين/ات وعامِلات وعمّال المصانع، ولكن هذ الدخل عادةً ما يكون زهيدًا، ففي السباق العالمي إلى الحضيض، كثُرَ فوز عامِلاتِ قطاع القطن. تبحث شركات الملابس متعددة الجنسيات عن أرخص مراكز صناعة الأقمشة، والمصانع بدورها تشتري أرخص أنواع القطن الممكن إيجادها. فأيُّ تكاليفَ مضافة، بما في ذلك الأجور المرتفعة، قد تدفع الشركات للهرب بحثًا عن مصانع أرخص، مما يسحق أحيانًا اقتصادًا وطنيًا كاملًا.

تتبعت مجلة «إن ذيز تايمز» دورة حياة القطن من حقول بوركينا فاسو إلى مصانع بنغلاديش وحتى رفوف المتاجر في سلوفينيا. وعلى مر الطريق تحدثنا مع الناس العاملين في صناعة التي شيرتات والسراويل وغيرها من الملابس التي نرتديها كل يوم، لكي نفهم أُجْرٙة القطن الحقيقية.

41_04_krese_02_big.jpg
مُزارِعة تقطف الحصاد في حقل قطن قرب توسيانا، بوركينا فاسو

بورومو، بوكرينا فاسو

ديسمبر/كانون الأول 2015 – «هل تعلم إن كانت توجَد آلةٌ لقطف القطن؟» يتساءل بول تيمبي كوباسار. إنها صبيحة يومٍ دافئ من أيام ديسمبر/كانون الأول. دزينة من أفراد عائلته وجيرانه يقطفون كرات القطن في أحد حقوله، حقلٍ لا يتجاوز حجمه الفدّانين. ما زال يلزمهم يومٌ آخر ليتمكنوا من جمع طنٍّ من القطن الخام، وبعدها سيحمل كوباسار الحصاد على عربةٍ يجرُّها حمار. بعد بضعة أسابيع حين يأتي يوم السوق، سينقله إلى مركز الجمع: ساحةٌ فارغة في طرف القرية يضع كلُّ مزارعٍ كومة قطنه فيها. يتعاون الفلاحون على رص محصولِ كُلٍّ منهم ليصبح كتلةً ضخمةً صلبة يمكن وزنها. وبعد قياس حصاد ذلك الموسم، سيربط المزارعون محاصيلهم مع بعضها البعض وينتظرون الشاحنات التي ستأخذ القطن إلى واحدٍ من 16 مصنع غزلٍ تملكه سوفيتيكس، «الشركة البوركينابية للأقمشة»، وهي أكبرُ شركة قطن في بوركينا فاسو. ما إن تصل الشاحنات إلى المصنع، سيبدأ العمال استخراج البذور وضغط القماش ليشكّلَ رزمًا متعددة تُشحَنُ إلى موانئ في بينين وغانا وساحل العاج وتوغو. أكثرها سيُرسُل إلى معامِل قطنٍ في آسيا ليعالَجَ فيها.

تُعدَّ بوركينا فاسو البلد الأكثر زراعةً وتوريدًا للقطن الخام في أفريقيا. تدعم الدولة القطاعَ بقروض ودعمٍ تقني وضماناتِ أسعارٍ موسمية لمزارعي القطن. تُنتِج مئتا ألفِ مزرعةٍ صغيرة في البلد ما يقدر بـ 700 ألف طن من القطن سنويًا. يتّكل على هذا المحصول في بوركينا فاسو، بشكلٍ مباشر أو غير مباشر، أربعةُ ملايين نسمة، أي خمس سكان البلاد.

يزرع كوباسار خمس فدّانات فقط، وهو رقمٌ قريبٌ من المتوسط للمُزارِع الواحد في البلاد، ويُقدِّر أرباحه لعام 2015، مُوزَّعةً على السنة، بأكثر قليلًا من دولار واحد يوميًا. إضافةً إلى حقول القطن، يملك بقرتين وستة أغنام وعشرة خنازير وحوالي خمس فدّانات أخرى مخصصة للذرة والدخن والفول السوداني. لكنَّ غرضَها تغذية عائلته، فالقطن محصوله النقدي الوحيد.

إن أرادَ كوباسار بديلًا عن زراعة القطن للحصول على قوتِ يومه فخياره الوحيد تعدينُ الذهب، فهنالك 800 منجمٍ حرفي صغير مترامية في أرجاء البلاد. مثل بقية عمّال المناجم المستقلين (freelance) في بوركينا فاسو، سيستلزم العمل التنقل من منجمٍ إلى آخر أملًا في إيجاد الذهب، بل قد يتطلب الأمر السفر إلى البلدان المجاورة. وأمّا يوم عمله فقد يمتد منذ الصباح الباكر حتى الغسق، أو منذ الغسق حتى الفجر. وليسَ لأسبوع عمله نهاية. أمّا عائلته فنادرًا ما سيراها.

«في مناجم الذهب، كل شيء يعتمد على الحظ»، يقول كوباسار. «لربما يحالفني الحظ وأحصل على أربعة دولارات أو خمسة يوميًا. ولكن القطن يضمن لي دولارًا كل يوم».

تضمن سوفيتيكس لمزارعي القطن سعر شراءٍ قبل زراعة المحصول، 0.36 دولار للكيلوغرام في 2015. علاوةً على ذلك، يفاوضُ اتحاد مزارعي القطن علاوةً تستند على سعر القطن في السوق العالمية. لا يحصلون على علاوة في بعض الأعوام، أمّا في أخرى فقد وصلت العلاوة إلى 0.06 دولار للكيلوغرام الواحد.

في أبريل/نيسان 2015، حين بدأ زرع البذور، قامت سوفيتيكس بإقراض كوباسار بذورَ قطنٍ معدلة جينيًا وأسمدة ومبيدات حشراتٍ وأعاشب. أكثر من 70 بالمئة من القطن المحصود في بوركينا فاسو ذلك العام كان أصله بذورًا معدلة جينيًا. فمع أنَّ البذور المعدلة جينيًا أغلى سعرًا، يفضلها المزارعون لأنَّ محاصيلها لا تستلزم القدر ذاته من المبيدات الحشرية السامة الذي تستلزمه بذور القطن العادية.

«الأولاد الذين يذهبون إلى المدارس ويتصفحون الإنترنت ينصحوننا باستخدام القطن المعدل وراثيًا [للحد من التعرض للمبيدات]» يشرح ممثلٌ لاتحاد المزارعين في قرية توسيانا جنوبَ غرب بوركينا فاسو. «بخّاخاتُنا في حالةٍ يرثى لها ولا نملك أيَّ ملابس واقية. إننا نسمّم أنفسنا بالكيماويات في الحقول».

ولكن القطن المعدل وراثيًا لم يكن خاليًا من المشاكل. دخلت بذوره أولًا باتفاقٍ من الحكومة مع شركة مونسانتو في 2003، ولكن ألياف القطن بدأت تتقلص جيلًا بعد جيل، مما خفض جودة وسعر القطن كل سنة.

قاضَت «رابطة القطن المهنية البوركينابية»، وهي رابطة القطن التابعة للدولة، شركة مونسانتو مقابل 83.91 مليون دولار في أبريل/نيسان من عام 2016 وأوقفت استخدام القطن المعدل وراثيًا، مُوفِّرةً للمزارعين بذورًا عادية لا غير. ولكن مزارعي القطن لا يُسعدهم العودة للإكثار من استخدام المبيدات الحشرية.

41_04_krese_03_big.jpg
عائلة في بورومو، بوركينا فاسو، ترص كومة قطن لكي يصبح قياس وزنه ممكنًا

دكا، بنغلاديش

مارس/آذار، 2016 – بعد ثلاثة أعوامٍ من الحادثة، ما يزال صدى الأصوات الجحيمية لانهيار مبنى رانا بلازا يتردد في أذن نزما. وفي الليل، لا تزداد الأصوات إلا صخبًا.

واقفةً في منزلها، الكوخُ ذو الغرفة الواحدة، تقول نزما: «اشتريته بالتعويض الذي تلقيته [جراء الحادث]».

«يا له من منزلٍ صغير سعيد»، قلت لها. نظرت إليَّ متفاجئة. «أعني الأثاث» صحَّحَت خطئي، «اشتريت به أثاثَ هذه الغرفة».

أُلقيت نظرة. سريران حديديّان، خزانة ملابس، ومرآة.

نزما مثل غيرها من عامِلاتِ قطاع الألبسة البنغلاديشيات اللاتي قابلت، فَضَّلت عدم استخدام لقب عائلتها خوفًا من انتقام صاحب المصنع. تعيش نزما في غرفةٍ مُستأجَرة مع زوجها وخمسة أطفال. نيلا ذات الثمان سنوات أصغرهم، وهي واقعًا بنت أخت نزما. أمُّها لم تنجُ من كارثة رانا بلازا.

يقف نصبٌ تذكاري إسمنتي ارتفاعه عدة أمتار حيثُ ماتتَ 1130 عامِلة أقمشة عام 2013 في ركام رانا بلازا وأصيبت 2500 أخريات. قبل الحادث ببضعة أيام، لاحَظَت العامِلات صدوعًا في المبنى التجاري ذو الثمانية طوابق. أُغلِق المصرف والمتاجِر الواقعة في الطوابق السفلية مباشرةً، أمّا مالِك مصانع الملابس في الطوابق العلوية أملى على العامِلات بالقدوم. في الرابع والعشرين من أبريل/نيسان 2013، انهارَ المبنى في زحام الصباح. تمكنت نزما من الهروب، أمّا أختها فلا.

تنبع من النصب التذكاري قوّةُ العمال: قبضتان تُمسِكان مطرقةً ومنجل، ولكنهما قبضتا ذكر، رغم أنَّ غالبية عمّال قطاع الأقمشة في بنغلاديش، ثاني أكبر قطاع أقمشة في العالم، من النساء، إذ تُشكِّلن 90 بالمئة من 4.2 مليون عامِل/ة أقمشة في البلاد.

يقول مساعد المدير التنفيذي لمؤسسة الدراسات العمالية في بنغلاديش، سيد سلطان الدين أحمد، إنَّ أغلب النساء يأتين من المناطق الريفية حيث لم يوجد تقليديًا إلا خيارٌ واحد: الزواج. أدى قطاع الأقمشة في رأيه لإحداثِ تغييراتٍ اجتماعية ضخمة في المجتمع البنغلاديشي.

«لم تكن البنت أو المرأة تجرؤ في بعض الأحيان على مجرد التفكير باجتياز حدود قريتها»، يقول أحمد. «أما الآن، فها هن يذهبن إلى دكا. كان إخوتهم في الماضي يرسلون لهم فساتينًا للاحتفالات. أما الآن فها هن يشترين الملابس لإخوتهم. الآن نراهن يرسلن الأموال لكي يحصل آباؤهن وأمهاتهن على الأدوية».

لدى أنوارا، وهي عامِلة أقمشة بنغلاديشية أيضًا، طموحٌ أكبر لأطفالها. «يجب عليهن التخرج من المدرسة»، تقول. «لا أريدهن أن يقضين عمرهن وراءَ آلة حياكة مثلما أفعل».

تعمل أنوارا وزوجها في مصنع أقمشة مع 12،000 عامل/ة أخرى. يعيش طفلاهما، وعمراهما خمسٌ وست سنوات، في منزل والديها في قرية شمال شرق بنغلاديش، على بعد 650 كيلومترًا تقريبًا.

تفضل أنوارا العيش في مجتمعٍ صغيرٍ متقارب مثل الذي ترعرعت فيه، ولكن «لا يمكنك هناك الحصول على قوت يومك ما لم تملك أرضًا»، كما تشرح لي. انتقلت أنوارا للعيش في دكا منذ ثلاث سنوات.

«لست نادمة على قدومي إلى هنا. ولكن ما إنْ ندخر مالًا كافيًا سنعود، وسنشتري، بمساعدة أبوينا، قطعة أرضٍ نحرثها ونزرعها. آملُ أيضًا شراءَ آلة حياكة خاصةٍ بي».

يمتدُ يوم عملها عشر ساعاتٍ على الأقل، ويزدادُ طولًا إن كانت هنالك طلباتٌ كبيرة. تحصل في الشهر على 89 دولارًا – يشمل ذلك أجرَ ساعاتِ العمل الإضافي. قيمةُ الإيجار 39 دولار، وأما الطعام فيكلفها حوالي 32 دولارًا.

سلطان الدين أحمد متيقنٌ أنَّ بنغلاديش بحاجة لقطاع الأقمشة، إذ لا يسهل على عمّال هذا القطاع العاطِلين إيجاد وظائف أخرى في ظل المنافسة الحادة على الوظائف الأخرى ذات الأجر الزهيد. لذلك تُقلِقُه مقاطعة المستهلكين/ات الغربيين/ات لشركات الأزياء التي تستخدم مصانعًا بنغلاديشية.

يريد من البلدان النامية عوضًا عن ذلك أن تفرض ضغطًا دبلوماسيًا على الحكومات وشركات تصنيع الألبسة، إذ أنَّ ذلك، يقول أحمد، قد يضمن بيئاتِ عملٍ آمنة وأجورًا معيشية للعامِلات والعمّال في كل مكان، وليس فقط في بنغلاديش.

«الشركات متعددة الجنسيات وحشيّةٌ في جشعها»، يقول أحمد. «في اللحظة التي لا تعود فيها بلادنا تضمن ربحًا كافيًا، ستنقل [الشركات] مواقع الإنتاج إلى بلدانٍ أخرى في العالم الثالث لا ينظر الجمهور الغربي لها بعين الريبة بعد».

خوفًا من أن يدفع ارتفاعُ الأجور وتحسن ظروف العمل الشركات إلى الرحيل، تتعاون الحكومات مع مُلّاكِ المصانع لقمع النقابات المستقلة. يقول قائد نقابة صغيرة مستقلة لعمال الأقمشة في بنغلاديش، يفضِّلُ عدم الإدلاء باسمه، إنّه اعتُقِل مرارًا لارتباطه بالتنظيم العمالي.

يقول القائد النقابي إنَّه، رغم كونه عامل أقمشة ذو خبرة وتدريبٍ عالٍ، لا يتمكن من الحصول على وظيفة نتيجة نشاطه في النقابة. كان يعمل قبل سنينٍ عدة في كوريا الجنوبية مع العديد من العمّال الآخرين المهاجرين من بنغلاديش. كانت الأجور أعلى هناك، ولكنَّه رُحِّل بعد حثِّه زملاءه على إنشاء نقابة.

هل تغير أيُّ شيء بعد حادثة رانا بلازا؟ يخبرني القائد النقابي أنَّ إجراءات السلامة في المصانع الكبيرة التي تورِّد للشركات العالمية تحسَّنت، ولكن فقط في المناطق الممكن لتلك الشركات الأجنبية رؤيتها. رُفِعَ الحد الأدنى للأجور إلى 5،300 تاكا، أي ما يعادل أقل من 68 دولار شهريًا بقليل. تقول العامِلات إنّه ما يزال قليلًا جدًا، ولذلك دخلن إضرابًا كبيرًا في ديسمبر/كانون الأول لعام 2016 مطالباتٍ بأجرٍ قدره 187 دولار أو أكثر.

ومع ذلك، فهذه الزيادة المتواضعة بحد ذاتها دفعت بعض الشركات للخروج. بدأت «إتش أند إم»، وهي أحد أكبر الشركات المتعامِلة في بنغلاديش، بالتوسع والتعامل مع مصانع ألبسة في إثيوبيا وبورما حيث الأجور أقل. حقَّقَت الشركة السويدية هذه أرباحًا قدرها 2.1 مليار دولار في 2016.

41_04_krese_04_big.jpg
عامِلة ألبسة تحيكُ في محطتها في مصنع في دكا، بنغلاديش

ليوبليانا، سلوفينيا

أغسطس/آب، 2016 – يتدلى فستانٌ قطني غير مُردن مُعلّقًا في أحد رفوف متجر «إتش أند إم» الرحب. صدرُ الفستانِ ضيّق وتنّورته مطوية، لونه الأحمر توشّيه ورودٌ بيضاء وأخرى صفراء. إنْ تنظر عن بعد، سيبدو مصنوعًا من الجَمْدَاني، أحد أفخر الأقمشة الموصلية من البنغال، غُزِلَ يومًا للطبقتين الأرستقراطية والملكية. أَنْظُرُ لسعره: 10.90 دولارًا. أنظر للعلامة: صُنِع في بنغلاديش. أتحسس القماش. اشتريه رغم أنّي أعلم أنّي لن أرتديه أبدًا. إنه لا يناسِبني واقعًا. أعلم أنّي سأتفقده ما بين الحين والآخر، ويومًا ما سآخذه لأقدمه لمكتب الصليب الأحمر – مع كومةٍ من الملابس الأخرى – وبالتالي أنظم خزانة ملابسي وأعالِج تأنيب ضميري. «هاتها وتبرع بها»، هكذا كان شعارُ «إتش أند إم» في ليوبليانا أثناء «الأسبوع الأوروبي للتقليل من المخلفات».

يتلقى مركز الصليب الأحمر الإنساني في ليوبليانا، وهو أحد دزينة نقاط جمع ملابس مستعمَلة في المدينة، حوالي 100 طن من المنتجات القماشية والألبسة كل عام. أغلبها تأتي من المدينة نفسها، وهي منطقة سكنية لا يتجاوز سكانها 300 ألف نسمة.

«لا تنفذ منّا الملابس أبدًا» تقول إيما فيربنيك، رئيسة مركز الجمع. «إنها دائرة مفرغة واقعًا. نتلقى ملابسَ جيدة أكثر فأكثر: أحذية لا يريد أحد ارتداءها، ملابس جديدة تظل معلقة. ولكن كل ذلك لا يشير إلا لتفاوت [دخل] متنامي».

لا يمكن التبرع بحوالي 40 إلى 50 بالمئة من الملابس في ليوبليانا لأنها تصل ممزقة أو قذرة. تُفرَّز هذه الملابس وتُشحَن إلى رومانيا حيث تقوم شركة نمساوية بتقسيمها إلى أكثر من 150 نوعٍ من المواد. هذا العمل مرهق ومُضجِر، ولذلك يُنفَّذ في رومانيا، حيث معدل متوسط الفرد الواحد لا يتجاوز 5،463 دولارًا سنويًا. تُباع أغلب المواد كبضائع ذات جودة منخفضة إلى البلدان الفقيرة – من ضمنها بوركينا فاسو.

41_04_krese_06_big.jpg
فساتين متدلية من رفٍّ في متجر «إتش أند إم» ضخم في لندن

بورومو، بوركينا فاسو

ديسمبر 2015 – بالطبع أعرف جوابَ سؤال كوباسار حول وجودِ آلاتٍ لقطف القطن. ولكني ألتزم الصمت. ماذا سيتغير في حياته إنْ علم أنَّ عمله وعمل عائلته اليدوي يتنافس مع مزارعين أمريكيين يملكون جرّاراتٍ وحصّاداتٍ تحصد القطن وتضغطه في رزمٍ لأجل النقل في الوقت نفسه؟ ماذا سيستفيد لو أخبرته إنَّ كارل وتيري بوتون، الأخوين اللذين زرت مزرعتهما في أريزونا، يمكن لهما حصد فدّاناته الخمسة في أقل من 30 دقيقة؟ آلاتٌ مزعجة ضخمة، قيمتها مئات آلاف الدولارات، تحوم في حقولهما في موسم الحصاد.

وتكلفة صناعة القطن في أمريكا، مع ذلك، أعلى مما هي عليه في بوركينا فاسو. فلولا الدعم الحكومي، قد لا تتمكن التقنيات الأمريكية من التنافس مع أجور البوركينابيين شديدة الانخفاض.

صبيحة يومٍ من أيام كانون الأول، أسير مع بول تيمبي كوباسار وعائلته أثناء تجوالهم على طريقٍ مرصوفة بالحصباء تلتف حول حقول قطن متناثرة في وادٍ مبسوط.

إنّهم يمشون ببطء، فلا داعي للعجلة: كلما ازداد دفءُ اليوم، كلما تفتحت رؤوس القطن وأصبح العمل أسهل. حالَ وصولهم إلى الحقل، يحنون ظهورهم لِيَتَنَاوَلوا أفرع شجيراتٍ طولها مترٌ واحد، يقطفون الرؤوس البيضاء ويضعونها في أكياسٍ بلاستيكية استُخدِمت سابقًا لحمل الأسمدة. في الظهيرة، حين تبلغ الشمس كبد السماء، يستلقون على كومة قطنية ناعمة ويمصّون قطع بطيخ.

أراقبهم بصمت. لولا فارقٍ واحد، لما اختلفت الصورة عما كان الوضع عليه في القرن التاسع عشر، عن حقول القطن الاستعبادية في الجنوب الأمريكي. الفارِق هذا: تي شيرتات. الكل يرتديها. تي شيرتات متعددة الألوان ومُطرَّزة بشعاراتٍ باهِتة. القماش مهترئ لدرجة يصعب عليَّ فيها معرفة الكلمة المطرزة: «بوس»؟ «طيران الإمارات»؟ «ليونيل ميسي»؟ «يونيسيف»؟…محض خربشات.

ليس لي إلّا أن أخمن الطريق الذي ارتحلته هذه التي شيرتات. لربما زُرِعَ القطن هنا في بوركينا فاسو ببذورٍ سيئة، ودونَ مِحراث. لربما زُرِعَ في الولايات المتحدة بنوافير جرّاراتٍ وحصّاداتٍ ودعمٍ حكومي. لربما حيكَ القماش في أفنية مظلمة وصاخبة، بعضها حاكتها فتياتٌ صغيرات لملاءمة أصابِعهن الصغيرة هذا العمل. لربما صبغه رجالٌ في أفنية أكثر ظلامًا وصخبًا، حيث الهواء، مُثقَلًا بغازاتٍ سامة، يلتصق بجلودهم. لربما لبسه مستهلكٌ في أوروبا – أو لربما في الصين أو الولايات المتحدة – مرةً واحدة قبل أن يُرمى مع أكوام إعادة التدوير. الأمر الوحيد المؤكد هو أنَّ شخصًا ما، في مكانٍ ما، حقق أرباحًا عالية نتيجة هذه الرحلة.

41_04_krese_07_alt_big.jpg
مزارِعون ومُزارعات يحمِّلون القطن إلى حاوية لشركة سوفيتيكس قرب بورومو، بوركينا فاسو

المصدر: مجلة «إن ذيز تايمز»