هوية إسرائيل: من الوطن القومي إلى أرض التوراة الموعودة

1118386142

شلومو ساند

إن قراءة تعليقات مثقفي إسرائيل عن انهيار الديموقراطية اليهودية الوحيدة في الشرق الأوسط مؤخرًا لهو أمر يبعث على الحزن؛ فالأرجح أن هذه النبرة العلمانية الحزينة ستثير انتباه القراء ولكنها، مع الأسف الشديد، لن تساهم في تنويرهم.

تبدو تلك الكلمات وكأنها ليست إلا كُرَاتٍ في يدي بهلوانٍ ماهر؛ فعلى الرغم من وجود رابطة قوية بين مصطلحي العلمانية والإلحاد، على سبيل المثال، إلا أن هذين المصطلحين ليسا، بأي حال من الأحوال، رديفين ولا يملكان المعنى ذاته، ولكن الفرق بين هذين المصطلحين لدى مثقفي إسرائيل أكثر إبهامًا وغموضًا بكثير مما هو عليه في نواحٍ أخرى من الخطاب الوطني.

وتفسير ذلك هو أن الفرد يمكنه أن يكون علمانيًا بالمعنى السياسي للكلمة، ويؤمن بوجود قوة عليا [إله] (مثل حالة البروفسور يشعيا ليبوتز)، أو أن يكون ملحدًا، دون أن يكون علمانيًا (مثل حالة رئيس الوزراء دافيد بن غوريون). بالتالي نجد أن العلمانية وجهةُ نظر سياسية على نحوٍ رئيس وإن كانت أوسع من ذلك، أما الإلحاد فيمثل وجهة نظر فلسفية.

كانت العلمانية تعني فصل الدين عن الدولة خلال فترة التطور التاريخي للديموقراطية الليبرالية، وخلال نشأة الديموقراطيات السلطويّة أيضًا؛ أو، إذا أردنا أن نكون أكثر دقة، تعني العلمانية قَطْعَ العقدة الغوردية[i] بين المجتمع السياسي والكنيسة (أو الكنائس).

وتظل الحقيقة هي أنَّ عَلْمَنَة المجال السياسي العام لم يحدث أنْ اكتملت تمامًا، والأمثلة على ذلك تبدو واضحةً في أعلام كل من النرويج والسويد، وفي العلاقة المستمرة بين الكنيسة الأنجليكانية والمملكة المتحدة. ومع ذلك نجد أنَّ تشريع طقوس الزواج وحيادية مسائل الإيمان والطقوس التعبدية والتعليم العام ظلت خارج تدخل رجال الدين ونفوذهم، كما أن تحديد معايير المواطنة والهوية الوطنية خلت من المعايير والدلالات الدينية، كُلّها أمورٌ شاعَت في غالبية البلدان في القرن العشرين (باستثناء بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا).

تُعَدُّ الصهيونية كحركةٍ وطنية ثارت ضد اليهودية التاريخية، في جوهرها، حركةً محلدة؛ ذلك أن قادتها وناشطيها تخلوا عن إيمانهم بالخلاص على يد المسيح المنتظر، وهو الإيمان الذي يشكل لب العقيدة اليهودية، وقرروا أخذ زمام الأمور على عاتقهم؛ أي أن قوة الإله القدير استبدلتها قوة الإنسان وقدرته.

أدرك الحاخامات المعنى الحقيقي لهذه العقيدة الجديدة ولهذا أصبحوا جميعًا تقريبًا مناهضين صريحين للصهيونية، بدءًا من حاخامات حركة «الحاسيديم»، مثل: شولوم دوفبر سشنيرسون (وهو أدمور حركة «حباد») ويهودا اريه ليب ألتر (وهو أدمور جماعة «غور») ووصولًا للحاخام الإصلاحي الأمريكي أيزاك ماير ويز (مؤسس «مؤتمر الإصلاح المركزي»). «الحاسيديم» ومعارضوهم، والأرثودوكس، والإصلاحيون والمحافظون، كُلُّهُم رءوا في صعود الصهيونية نهايةَ اليهودية. ودفعت المعارضة الشامِلة، التي شنّها الحاخامات الألمانيون على الصهيونية، ثيودور هيرتزل لنقل المؤتمر الصهيوني الأول من ميونخ إلى مدينة بازل السويسرية.

إلا أن الحركة الصهيونية اضطرت منذ بدايتها إلى القيام بفرز بعض المعتقدات الدينية بدقة وإعادة تفسيرها ضمن قوالب وطنية لتُحوِّلها لأساطير بناء الأمة (nation-building myths).

والإله، بالنسبة للصهاينة الإلحاديين، مات، ولذلك أصبحت الأرضُ المقدَّسة أرضَ الوطن، وكل الأعياد التقليدية أعيادًا وطنية، ولم تعد القدس مدينة مقدسة بل أصبحت العاصمة الدنيوية لشعبٍ خالد. ولكن هذه القرارات (وغيرها العديد) لم تكن السبب الحقيقي الذي منع إقامة دولة إسرائيل على أسس الوطنية العلمانية.

ذلك أن السبب الرئيس خلف فشل الصهيونية في إقامة كيانٍ علماني بدستور – ينفصل فيه الدين عن الدولة – كان في الطبيعةِ الإشكالية لتعريف الفرد «اليهودي» تبعًا لمعايير علمانية، تتبع أسسًا ثقافية أو لغوية أو سياسية أو «بيولوجية» (علمًا أن إثبات يهودية الفرد عبر حمضه النووي، رغم كل الجهود، أمرٌ مستحيل)، وهو ما ألغى احتمال تشكيل هوية يهودية مُعَلْمَنَة.

فعلى سبيل المثال، في عام ١٩١٨، كان مُؤسِّسُ الدولة الإسرائيلية المستقبليّ دافيد بن غوريون يعتقد (مثل غيره الكثير) أنَّ أغلب سُكّان أرض إسرائيل لم يُنفَون، إنما اعتنقوا الإسلام مع الفتوحات العربية، أي أن معظم قاطنيها من أصولٍ يهودية واضحة.

إلا أنه تخلى عن هذه الفكرة المُربِكة والخطيرة تمامًا بحلول عام ١٩٤٨، واستبدلها بفكرة أن الإسرائيليين طُرِدوا بالقوة، وعاشوا في الشتات والعزلة لمدة ٢٠٠٠ سنة. وقبل ذلك بعام، قدم بن غوريون عرضًا مغريًا للتيار الصهيونيّ المتديّن الوهِن، في وثيقة «الوضع الراهن» الشهيرة، واعدًا إيّاهم بأن صلاحية تشريع جميع القوانين الخاصة بالزواج والتبني والدفن ستعطى للحاخامية الكبرى في إسرائيل. كان الخوف من الاندماج الثقافي[ii] هاجسًا تشاركته الصهيونية واليهودية، وقد انتصر هذا الخوف في النهاية.

وخلال فترةٍ قصيرة، أصبح مبدأ التعريف الديني مقبولًا في سياساتِ الهوية: «اليهودي» هو أيُّ شخص وُلِدَ لأمٍّ يهودية أو اعتنق اليهودية وليس منتميًا لأيِّ ديانةٍ أخرى. بعبارةٍ أخرى، من لا تنطبق عليه هذه الشروط لن يسمح له أن يكون جزءًا من عملية إحياء «الشعب اليهودي»، حتى وإنْ تبنَّى الثقافة الإسرائيلية وتحدّثَ العبرية بطلاقة واحتفل بعيد الاستقلال الإسرائيلي. وهذه عمليةٌ تاريخية منطقية: بما أنه لا توجد ثقافة يهودية علمانية، يستحيل أنْ ينضمَّ الفرد بِطُرُقٍ علمانية لشيءٍ لا يوجد من الأساس.

توسعت رقعة إسرائيل الجغرافية بشكل كبير عامَ ١٩٦٧، ولكن مع هذه المناطق أتى سُكانها غير اليهوديون تحت سيطرة جناحِ الدولة العسكري. ولهذا كان من الضروري أن يُشَدَّد على محدودية الهوية اليهودية في مواجهة حالات الالتباس المربكة التي قد تنتج مع هذا الوضع الديموغرافي المناطقي المعقد.

وبالتالي، ازدادت أهمية التأكيد على جوهرية «يهودية» الدولة، أي أنّها دولة خاصة بأولئك المولودين لأم يهودية أو الذين اعتنقوا اليهودية حسب قوانين وشرائع الدين اليهودي حصرًا، وليست (لا سمح الله) بلدًا لِكلِّ مواطنيها.

كما أن مبررات الرغبة في التوسيع الاستيطان لم تعد ترتكز على الأهداف الصهيونية في تثبيت دعائم سيادةٍ مستقلة، بل أصبحت تتمحور حول فكرة الأرض الموعودة التوراتية. وتبعًا لذلك، لا يعود تضخّم مكانة ونفوذ المؤسسة الدينية أمرًا مستغربًا.

مثلما جرى للاشتراكية والقومية المدنية السياسية، خلقت أزمة الأيديولوجيات العلمانية في مواجهةِ العولمة الرأسمالية بيئةً خصبة لبروز هويات «ما قبل حداثية»، هوياتٌ إثنية دينية بشكلٍ رئيس ومعها هوياتٌ إثنية بيولوجية أيضًا. وإن كانت هذه الهويات لم تحقق بعد انتصارًا شاملًا في كامل أرجاء العالم الغربي، إلا أنها استطاعت في أركانٍ أخرى من الكوكب – من أوروبا الشرقية وحتى بلدان العالم الثالث – من تحقيق انجازاتٍ كبيرة. أما في إسرائيل، وبسبب خلفيتها المتمركزة إثنيًا، فإن الهويات القديمة-الجديدة أصبحت شائعة جدًا. فالعلاقة بين الاشتراكية والصهيونية انتهت تمامًا، مما فسح المجال أمام تشكل علاقة متينة تجمع بين الدين والقومية الإثنية.

أما بالنسبة لأتباع الصهيونية زائفة العلمانية – وليس هم فقط –  فإن هذه الأوضاع تعد أوضاعًا صعبةً ومعقدةً وقمعية، ولكن، ولعدم تمكنهم من توفير أجوبة وحلول لإشكاليّات الهوية وتناقضاتها، تلك التي شكلت جزءًا من المجتمع الإسرائيلي منذ بدايته، لا يسعنا إلا توقع المزيد من المصائب.

المصدر: هاآرتس

ملاحظات فريق الترجمة:

[i] العقدة الغوردية: أسطورة تتعلق بالإسكندر الأكبر، ويستخدم المصطلح عادةً للدلالة على مشكلة صعبة الحل يتم حلها بعمل جريء أو بـ «التفكير خارج الصندوق». أنقر هنا لقراءة القصة.

[ii] يُقصَد بها الاندماج الثقافي في الثقافة المُحيطة.