الانتخابات البريطانية: اضطرابُ رأس المال البريطاني

170609131156-11-theresa-may-0609-full-169

مايكل روبرتس

يمكن اعتبار نتائج الانتخابات البريطانية كارثةً شخصية لقائدة المحافظين تيريزا ماي، فقد دعت لانتخاباتٍ مبكرة لتحصل على أغلبية كبيرة وتسحق حزب العمّال المعارِض وقيادته اليسارية. ولكنّ المحافظين خسروا عدة كراسي في البرلمان ومعها الأغلبية التي تمتّعوا بها فيه، وزاد حزب العمال بقيادة اليساري جيرمي كوربين حصته من الأصوات زيادةً كبيرة بعد حملة قوية.

كان معدل المشاركة عند 69 بالمئة، وهو الأعلى منذ 1997 حين وصل إلى 71.4 بالمئة. يبدو أنَّ فئة الشباب شاركت لصالح حزب العمّال، وبالخصوص في المدن الكبرى. زادت حصة حزب العمّال 10 بالمئة لتصل إلى 40 بالمئة من الكراسي، بينما زاد المحافظون حصّتهم بمقدار 5 بالمئة ليصلوا إلى 42 بالمئة. كان «حزب استقلال المملكة المتحدة» (يوكيب)، المعادي للهجرة وللاتحاد الأوروبي، الخاسِر الأكبر فقد انهار في هذه الانتخابات.

uk-election
الحصة من الأصوات والتغير في حصة الأصوات منذ 2015 بعد إعلان 646 من 650 كرسي (الأزرق: المحافظون، الأحمر: العمال، البرتقالي: الديموقراطيون الليبراليون، الأصفر: القومي الاسكوتلندي، الأخضر: الحزب الأخضر، البنفسجي: استقلال بريطانيا)

لدينا الآن ما يسمى «برلمان معلّق» حيث لا يملك أيُّ حزبٍ واحد أغلبيةً إجمالية. سيجعل ذلك من المحادثات القادمة حول خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي في حالة من الفوضى إذ لا توجد حكومة «قوية ومستقرة» يمكنها التفاوض.

ولكنَّ النتيجة هذه وإن كانت كارثةً لماي وحزب المحافظين، فهي كارثةٌ أكبر للطبقة الحاكمة البريطانية، فالمفاوضات حول شروط خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي يفترض بها البدء يوم 19 يونيو/حزيران، وأما الآن سيواجِه مفاوِضو الاتحاد الأوروبي أقرانًا بريطانيين خسِروا أغلبيّتهم في البرلمان البريطاني. وبذلك ستكون شروطُ أيِّ اتفاقية قاسية على مصالح رأس المال البريطاني: فيما يتعلق بالتجارة والتنقل الوظيفي وتدفق رأس المال لمدينة لندن.

وحالُ الاقتصاد البريطاني ليست أقلَّ كارثيّةً، ففي الربع الأول من 2017، نمى الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي لبريطانيا أبطء من أيِّ اقتصادٍ آخر في مجموعة الدول الصناعية السبع الكبرى. انخفض الجنيه البريطاني انخفاضًا حادًا بعد نتائج الانتخابات ويُحتَمَل انخفاضُه أكثر مع إعادة نظر المستثمرين الأجانب في خياراتهم، نظرًا للغموض الكامن فيما سيحصل مع خروج بريطانيا وحالة الشلل التي ستعاني منها حكومة أقلية للمحافظين عاجزة عن تطبيق أيِّ سياساتٍ اقتصادية.زد على ذلك أنَّ الجنيه الإسترليني مرَّ بانخفاضٍ قدره 15 بالمئة منذ استفتاء الخروج العام الماضي.

uk-sterling
الباوند البريطاني

أدّى ذلك لارتفاعٍ مُعتَبر للأسعار في المتاجر نتيجةَ ارتفاع أسعار الواردات، ويُرجَّح أنّ التضخم سيزداد أكثر، مما سيخفض الأجور الحقيقية للأسرة البريطانية المتوسطة.

uk-inflation
معدل التضخم

وذلك بعد ما عانت الأسر البريطانية أطولَ ركودٍ للأجور الحقيقية منذ 166 سنة!

uk-real-wage-since
نمو الأجور الحقيقية أبطء من أي وقت مضى منذ منتصف القرن التاسع عشر

والعجز التجاري البريطاني مع باقي العالم يتِّسع أكثر فأكثر مع فشل المُصَّدِّرين البريطانيين في استغلال ضعف الجنيه وارتفاع أسعار الواردات.

uk-current-account
نسبة الحساب الجاري للناتج المحلي الإجمالي

والسبب وراء عدم كسب رأس المال البريطاني من خفض قيمة العملة هو أنَّ الصناعات والخدمات البريطانية ما تزال غير قادرة على التنافس وذلك بسبب انعدامِ نمو الإنتاجية.

مرَّت تسعة أعوامٍ منذ بداية الانهيار المالي العالمي في 2008. ومنذ ذلك الحين، ارتفع الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للفرد في الاقتصادات الكبرى بما معدله أقلُّ من 1 بالمئة سنويًا، وذلك أقلُّ بكثير من مسار المعدل قبل الانهيار العالمي. حقَّقَت ألمانيا أعلى النتائج بارتفاعٍ تراكمي قدره 8.7 بالمئة، وهو أعلى حتى من البلد المحظوظ، أستراليا (6.8 بالمئة). ولكنَّ بريطانيا لم تحقِّق إلا ارتفاعًا قدره 2 بالمئة خلال تسعة أعوام!

uk-per-capita
التغير التراكمي للناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للفرد منذ مارس/آذار 2008 مع شرح مساهمة القطاعات، وتغير السكان. (البلدان/المناطق من اليسار إلى اليمين: الاتحاد الاقتصادي والنقدي الأوروبي، بريطانيا، اليابان، كندا، أمريكا، أستراليا، ألمانيا.)

السبب الرئيس هو الانخفاض الحاد في نمو إنتاجية العمال. اتّكَل الاقتصاد البريطاني لتحقيق نموِّه (المحدود) منذ نهاية الكساد الكبير – بدلًا عن ذلك – على طفرة استهلاكية وزيادةٍ كبيرة في هجرة الشباب من أوروبا الشرقية والاتحاد الأوروبي. ووفق آخر إحصاءات مكتب الإحصاء الوطني البريطاني، لم يكن هنالك أيّةُ زيادة في عدد بريطانيي المولد في الوظائف خلال العام الماضي، فمجمل صافي الزيادة في التوظيف كانت نتيجة مشاركة الأجانب. إن انطلقت مفاوضات خروج بريطانيا وخُسِرَت حرية تنقل العمال، ستضطر الشركات البريطانية لاستخدام العمالة والمهارة المحلية. سينخفض حينئذٍ نمو نسبة التوظيف وسيتداعى الناتج القومي إلّا إن ارتفعت الإنتاجية.

وارتفاعُ الإنتاجية لن يحدث والسبب الرئيس وراء ذلك هو فشلُ الشركات البريطانية في الاستثمار في رأس المال الإنتاجي، أي الآليات الجديدة والمصانع والبرمجيات الحاسوبية، فاستثمار الشركات بالكاد ارتفع منذ الكساد الكبير حتى مع انتعاش الربحية.

uk-business-investment
الأزرق: المستوى الربعي للاستثمار التجاري (بالمليون باوند). أصفر: النمو الربعي للاستثمار التجاري (نسبة النمو)

وذلك لأن الأرباح تركّزت في الشركات الكبيرة بينما الشركات الصغيرة ومتوسطة الحجم لم تحقِّق إلا القليل من الأرباح ولم تكن قادرة على الحصول على الائتمان. بدلًا من استثمار الأرباح، أعادت الشركات الكبيرة (وأغلبها تقنية ومالية) الأرباح لمساهميها إما على شكل حصصٍ وإعادة شراء للأسهم أو حفظت مالها في الخارج في ملاذات ضريبية. وربحية الشركات في بريطانيا فقد بدأت بالانخفاض حتى قبل تصويت الخروج.

uk-profits
البرتقالي: إجمالي ربح الشركات البريطانية غير المالية (بالمليون باوند)، الأصفر: عائد الاستثمار (بالنسبة المئوية)

سيدخل الاقتصاد البريطاني مرحلة ركود في أفضل الأحوال، فقد خمّن اقتصاديّو منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أنَّ الاقتصاد سيبطؤ نموه ليصل إلى 1 بالمئة العام المقبل مع بروز آثار خروج بريطانيا. وهنالك احتمالية كبيرة لحدوث كسادٍ عالمي جديد العام المقبل أو الذي يليه.

بعد انتخابات 2015 انتصر المحافظون انتصارًا محدودًا، وجادلتُ حينها أنَّ ذلك الانتصار كأسٌ مسمومة وأنَّهم لن ينتصرون في الانتخابات المقبلة. قلت ذلك بسبب احتمالية حدوث ركودٍ عالمي قبل 2020، ولكنَّ خروجَ بريطانيا اختصرَ الطريق لفترة. كانت نتيجة هذه الانتخابات جزئيًا أحد تبِعات خروج بريطانيا حيث أنَّ المحافظين حصلوا على نتائج أفضل في المناطق التي صوتت للخروج من الاتحاد الأوروبي بينما حزب العمال حصل على نتائج أفضل في تلك التي صوتت للبقاء، ولكن الانتخابات الآن استحضرت أيضًا مسألة المستويات المعيشية المنخفضة للأغلبية مقابِل ثروة الأقلية. وهذا ما أدّى لفشل ماي.

ستجد حكومة أقلية المحافظين هذه صعوبةً في البقاء لمدة طويلة، فقد تجري انتخاباتٌ عامة جديدة فعلًا قبل نهاية العام وقد تؤدي تلك إلى حكومة عمالية تهدف لعكس السياسات النيوليبرالية التي سرت طوال 30 عامًا مضت. ولكن إن كان الاقتصاد الرأسمالي البريطاني في حالة يرثى لها، فحتى حكومةٌ عمالية ستواجه تحديًا مباشرًا في تطبيق سياساتها.

المصدر: ذا نيكست ريسشن