إعادة الإنتاج الاجتماعي وفيض السكان ودور النساء المهاجرات

vp5-_-single-9

سارا فارس

أود في هذه الورقة أن أربط معًا سلسلتين من الأدبيات يُنظرُ فيهما غالبًا بشكل منفصل رغم الروابط الهامة بينهما، ألا وهي الأدبيات النسوية حول نظرية إعادة الإنتاج وأدبيات فيض السكان، فاحِصةً دورَ هذا الرابط بالتحديد في مسألة وضع المهاجرين/ات داخل بلدان الوصول.[1]

وأود أن أقترح أنه عند النظر في هذه النقاشات بالاقتران مع بعضها البعض، توفّر نظريات إعادة الإنتاج الاجتماعي وفيض السكان منظارًا متميزًا لتحليل تقاطع الاضطهاد العرقي والجندري مع الاستغلال الطبقي. ومع ذلك وخلافًا للكثير ممن يطرحون هذه المسألة، أجادل هنا ضد التوسيع المفرط لصنفِ فيض السكان. حين ننظر لمسألة فيض السكان من منظور الأدبيات النسوية حول إعادة الإنتاج، نجد أن النساء المهاجرات لا يشكلن فيضًا سكانيًا أو جيشًا احتياطيًا للعمل في أوروبا، بل «جيشٌ نظامي» ضروري تمامًا للإنتاج الرأسمالي. وفي حين أنَّ النقاش المنتشر حول فيض السكان يُبرِز – مُحقًا – البطالة كسبب للهجرة فإنه يقود لمخاطر تحليلية وسياسية في تعتيمه على حقيقة أنّ معظم النساء المهاجرات لا تشغلن وظائفَ أناسٍ آخرين، وهنَّ مأجورات ولسن «زائدات عن الحاجة» في بلدان الوصول، نظرًا لتسليع معظم أنشطة إعادة الإنتاج الاجتماعي في بلدان الشمال العالمي.

لبناءِ حجتي، أحتاج بادئًا إلى توضيح طرُقِ استخدامي مفهومَ إعادة الإنتاج الاجتماعي وفيض السكان.

نسوية إعادة الإنتاج الاجتماعي

لقد شهدنا في السنوات العشر الماضية بالتحديد اهتمامًا متزايدًا بنظريات إعادة الإنتاج الاجتماعي، ليس فقط فيما بين جيل جديدٍ من النسويات اللاتي واصلن التفكير على غرار كارل ماركس ومختلف أنواع الماركسية، ولكن أيضًا بين علماء الهجرة وعلماء الرعاية – وهنا أذكر إلينور كوفمان كأحد أبرز الأمثلة.

وفي حين يبدو مفهوم إعادة الإنتاج الاجتماعي مفسِّرًا نفسه بنفسه، معناه في نهاية المطاف يشير إلى «الأنشطة والتصرّفات، والسلوكيات والمشاعر، والمسؤوليات والعلاقات التي تساهم مباشرةً في الحفاظ على الحياة يوميًا وجِيليًّا»، وذلك وفقَ تعريف باربرا ليسليت وجوهانا برينر واسع الاستخدام – إن التوجهات التي جمعها مفهوم إعادة الإنتاج الاجتماعي متنوعةٌ في الواقع. فالنسويات الماركسيات المشاركات، على سبيل المثال، في حملة «الأجور للأعمال المنزلية» (wages for housework) يعرِّفنَ إعادة الإنتاج الاجتماعي عمومًا كشيءٍ مُنتِجٍ لفائض قيمة. ومن ناحية أخرى، ترى النسويات الماديات مثل كريستين دلفي إعادة الإنتاج الاجتماعي كمجموعة من الأنشطة ترتبط جوهريًا بالعمل المنزلي وتراها كنمط إنتاج منفصل. وأخيرًا، ترى ليز فوغل والنسويات الماركسيات المتأثِّرات بأدبيّاتها أنَّ إعادة الإنتاج الاجتماعي لا تنتج فائض قيمة بل قيمةً استعماليةً فقط، وتعتقدن كذلك أنّ إعادة الإنتاج الاجتماعي هي، قبل كلّ شيء، إعادةُ إنتاجٍ لقوة العمل والمجتمع الطبقي.

سوف أقيّد تعليقاتي في هذا النص بهذا المنهج الأخير، لأنني أجده الأوضح فيما يتعلق بشرح دور الطبقة العاملة المنزلية والاضطهاد الجندري من أجل الرأسمالية، وأيضًا لأن فوغل هي المُنظِّرة التي تُشير بصراحة للرابط بين إعادة الإنتاج الاجتماعي وفيض السكان وإن كانت إشارتها لذلك عابِرة وغير يانعة.

إنّ أحد أهم الابتكارات التي أدخلتها ليز فوغل على النقاش النسوي الماركسي في بداية الثمانينات – وِفقَ سو فيرغسون وديفيد مكنالي في مقدمتهما الحديثة للطبعة الجديدة من كتاب فوغل، «الماركسية واضطهاد النساء» (Marxism and the Oppression of Women) – كان حِفَاظها على منطِقِها حول اضطهاد النساء داخل إحداثيّات نظرية ماركس لتراكم رأس المال. وخلافًا لغيرها من الماركسيات النسويات المُجادِلات إما بعدم التوافق بين الماركسية والنسوية أو بأنَّ اهمال ماركس الشديد لاضطهاد النساء قلَّلَ من أهمية أفكاره، أكّدت فوغل أن كتاب ماركس «رأس المال» ما يزال يشكّل البوصلة النظرية لمحاولة فهم جذور منظومة التفاوت الجندري تحت الرأسمالية. ورغم إقرارها بمحدودية بيانِ ماركس لهذه القضية – وبالتحديد في تلك المواضع التي فشل فيها في تطوير حججه أو أغفل شرح طريقة جريان إعادة إنتاجِ قوة العمل في المجتمعات المهيمن عليها رأسماليًا – إلا أن كتاب «رأس المال» وتحديدًا رؤى ماركس حول الإنتاج وإعادة الإنتاج ما تزال، حسب فوغل، ذات أهمية قصوى للنسويات الاشتراكيات المحاوِلات فهم اضطهاد النساء.

وفقً لفوغل، يشجعنا ماركس على إدراك كُمونِ جذور اضطهاد النساء، في ظل الرأسمالية، في الدّور الخاص الذي كُلِّفَت به النساء – بما فيها أسبابٌ بيولوجية – في العملية الرئيسة لإعادة إنتاج قوة العمل. ولذا لا تشير إعادة الإنتاج الاجتماعي هنا فقط لإعادة إنتاج قدرة العامل/ة على العمل (والتعرض للاستغلال)، إنما أيضًا لإعادة إنتاج الأفواج المستقبلية من العمال. وبهذا المعنى، تكمن مساهمة فوغل الرئيسة في تركيزها على أسرة الطبقة العاملة كموقع لإنتاج قوة العمل وإعادة إنتاجها، ليس في بنية قوة العمل الداخلية وديناميكيتها، بل في علاقاتها البنيوية مع إعادة إنتاج رأس المال.

تُقرِّ فوغل، رغم ذلك، بأنّ شكل العائلة، كتكوينٍ اجتماعي واقتصادي تُحدِّدُه الظروف التاريخية، ليس ضروريّ وظيفيًا لإعادة إنتاج الرأسمالية – بل يمكن لرأس المال أن يلجأ لأساليب أخرى من أجل تعويض حاجته الدائمة للقوى العاملة (الهجرة والرق على سبيل المثال). إضافةً إلى ذلك، تدرك فوغل أنَّ إعادة إنتاج تلك السلعة الخاصة المسماة قوّةَ العمل بمثابة إعادة إنتاج الطبقة العاملة والمجتمع الطبقي أيضًا، إذ يستلزم هذا الأخير حزمةً هائلة من الأدوات (إيديولوجية، ومؤسسية، واقتصادية، وسياسية وما إلى ذلك)، وتلك الأدوات بحاجة لتحليلٍ عميق يُنتِج تفسيرًا خاليًا من الحتمية والسطحية. وفي تناولِ فوغل المسألة على هذا المستوى، تتحدث عن «إعادة إنتاج كلي» وتطرح عندها – ولعل ذلك بدون قصد – مسألة فيض السكان.

فكما تطرحها فوغل:

على مستوى إعادة الإنتاج الاجتماعي الكلي، ليس الفرد المنتِج المباشر من يُصان ويُستبدَل، إنما العمّال بكليّتهم. من الواضح أنّه يمكن انجاز هكذا تجديد لليد العاملة بطرقٍ شتى. فمن حيث المبدأ على الأقل، يمكن لمجموعة العمال الحالية أن يُشغَّلوا حتى الموت، ومن ثم يُستَبدَلون بمجموعة جديدة تمامًا. ولكن في الحال الأكثر احتمالًا، تُعوَّض اليد العاملة الموجودة جيليًّا وعبر عمّالٍ جدد. يبلُغ أطفال العمال وينضمون لليد العاملة، وتبدأ النساء، اللاتي لم تنخرطن سابقًا في الإنتاج، بالمساهمة فيه، ويدخل المهاجرون أو العبيد من خارج حدود مجتمع ما إلى قواه العاملة. وتحدث ماركس عن قوانين السكان، بالحد الموجز الذي نظر فيه إلى هذه القضايا بشكلٍ عام: «كل نمط إنتاج تاريخيٍّ خاص له قوانين سكّانٍ خاصة، صالحة تاريخيًا ضمن حدوده لا غير»…بالإضافة إلى ذلك، لن يتاحَ لكلُّ الشغّيلين الحاليين العمل في فترة الإنتاج التالية: بعضهم قد يمرض، أو يصبح مقعدًا أو أكبرَ سنًا من أن يعمل، وقد يُستَبعد بعضهم كما يحدث حين تُسَنُّ تشريعات وقائية تمنع عمل الأطفال أو العمل الليلي للمرأة. خلاصة القول أنَّه على مستوى إعادة الإنتاج الاجتماعي الكلي، لا يعني مفهومُ إعادة إنتاج قوّة العمل أبدًا إعادةَ إنتاج وحدة محدودة من السكان.

في المقطع أعلاه تجادل فوغل أنّ ماركس، حين يتناول مسألة إعادة الإنتاج الاجتماعي الكلي، يناقشها ضمن قوانين السكان الخاصة بالرأسمالية. لكنها لم تذكر أنّ وصف ماركس لقوانين السكان يظهر في سياق ناقشه إنتاجَ فيض سكان نسبي أو جيشٍ احتياطيٍ صناعي.

نظرية ماركس لفيض السكان

يرتبط النقاش حول إنشاء جيشٍ احتياطي للعمل ارتباطًا وثيقًا بتحليل ماركس للتركيب العضوي لرأس المال وميل التراكم الرأسمالي لتشجيع زيادة «مكوِّنِه الثابت، على حساب مكوِّنِه المتغير». بعبارة أخرى، يعود إنشاء حوضٍ من العاطلين أو العاطلين عطالةً مقنّعة (أو ما يطلق عليه ماركس أشكال الجيش الاحتياطي للعمل الثلاثة: العائمة والراكدة والكامنة) لحاجة رأس المال لزيادة كتلة وقيمة وسائل الإنتاج (أي الآلات) على حساب انخفاض كتلة وقيمة العمالة الحية (بمعنى الأجور والعمال).

وفي تحليل ماركس، إن (أ) الزيادة في حجم رأس المال الاجتماعي، أي مجموعة رؤوس الأموال الفردية، (ب) وتوسيع نطاق الإنتاج، (ج) ونمو إنتاجية عددٍ متزايد من العمال ناجمٍ عن تراكم رأس المال، تخلق معًا وضعًا فيه «اقترانُ زيادة قدرة رأس المال على اجتذاب العمال بتشديد طردهم». ووفقَ ماركس، تحدد هذه العمليات الثلاث المترابطة الشروطَ التي ينشئها السكان العاملون الذين «بإنتاجهم لتراكم رأس المال، ينتجون أيضًا وسائل تحويلهم إلى فائض نسبي من السكان، وهم يقومون بذلك على نطاقٍ متنامٍ أبدًا». يصف ماركس ذلك بقانون سكان، يختصّ به نمطُ الإنتاج الرأسمالي تمامًا مثلما بقية أنماط الإنتاج الأخرى لها قوانين سكانٍ خاصةٌ بها. ولكن المفارقة في خلق فائض من السكان العاملين، في ظل نمط الإنتاج الرأسمالي، تكمن في أنّ فائضَ السكان العاملين هذا، بينما «يولّدُهُ التراكم بالضرورة»، إلّا أنَّه رافعةٌ لهذا التراكم، وهو يُشكِّلُ بالتحديد «جيشًا صناعيًا احتياطيًا يستطيع رأس المال أن يتصرف به، وهو ملكٌ مطلق لرأس المال، وكأنه قد رباه على نفقته الخاصة».

سبق أن احتل المهاجرون حتى في زمن ماركس مكانةً خاصةً في إطار إعادة الإنتاج الرأسمالي لفائض السكان العاملين، مما مكّن الرأسماليين من الحفاظ على ضبط الأجور ومنع تكافل الطبقة العاملة عبر تطبيق منطق فرق تسد. في أوروبا الغربية أثناء القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، تمثَّل ذلك في عمّالٍ ريفيين أُجبِروا على الانتقال إلى المدن أو المناطق والبلدان المجاورة، وذلك بسبب مصادرة الأراضي وعملية التحول الصناعي، وكذلك بسبب سياسات الدولة الرامية إلى توفير القوى العاملة للقطاعات التصنيعية الحَضَريّة المتنامية.

إلا أن ماركس لم يناقش الموقع الخاص الذي تشغله نساء الطبقة العاملة في إنتاج فيض السكان. ويفشي ماركس دون إدراكٍ عن تحيزٍ سائدٍ ومستمرٍ حتى يومنا هذا: فكرة أنَّ دور النساء الرئيس دورُ مُعيداتِ الإنتاج الاجتماعي (social reproducers) وليس دور العامِلات. ناقَشَت النسوياتُ الماركسيات، في السبعينات والثمانينات غالبًا، دورَ المرأة كجيش احتياطي للعمل، وناقشَ علماء الهجرة بتزامنٍ في تلك السنوات نفسها – وهي الفترة التي صادفت سياسات إيقاف أيِّ تدفّقٍ إضافي من المهاجرين من أوروبا الجنوبية والجنوب العالمي – دورَ المهاجرين في الاقتصاد الرأسمالي كجيش احتياطي للعمل نموذجي. ومع اندلاع أزمة النفط في عام ١٩٧٣، كان المهاجرون، وقد اتُهِموا «بخفض أجور العمال الأوروبيين»، أول من خسروا وظائفهم.

النساء المهاجرات وإعادة الإنتاج الاجتماعي وفيض السكان

ولذا فقد طُوِّرَت كلٌ من نظريات إعادة الإنتاج الاجتماعي وفيض السكان عرفيًا على أساس ثلاثة افتراضات: أولًا، أن أنشطة إعادة الإنتاج الاجتماعي ليست مُسلَّعة بل يُؤديها، في المنزل، أفراد الأسرة الإناث. ثانيًا، أنّ العمال المهاجرين الذين يشكِّلون صفوفَ الجيش الاحتياطي للعمل أغلبهم ذكورٌ عاملون في القطاع الإنتاجي. وأخيرًا، تُعدُّ كلٌ من النساء المهاجرات وغير المهاجرات – ضمنيًا وغالبًا من دون الإشارة لهذه الأطر النظرية – منتمياتٍ لمعسكر أولئك المسؤولين بالدرجة الأولى عن إعادة الإنتاج الاجتماعي، والمسؤولات أيضًا عن ملئ صفوف الجيش الاحتياطي للعمل.

غيَّرَ ما نسميه اليوم النيوليبرالية، منذ أواخر الثمانينات، هذا السيناريو جذريًا. بدايةً، دخلت المرأة الأوروبية صفوف اليد العاملة المأجورة بالجملة. ورغم اختلافِ وتيرة وشكل ذلك الدخول في كل بلد، إلا أنّ غالبية النساء البالغات سن العمل منخرطاتٌ الآن، خارج المنزل، في الوظائف بشتى أشكالها. إضافة إلى ذلك، ليست غالبية السكان المهاجرين من الرجال كما كان الحال عليه في السابق، بل على العكس، تُشكل النساء الآن غالبيةَ المهاجرين في بعض البلدان الأوروبية.

وكما يعلم أي باحث في الجندر والهجرة، تترابطُ هاتان العمليتان ارتباطًا وثيقًا. تستعينُ النساء في بلدان الشمال العالمي بالنساء المهاجرات لأداء المهام المعيدة للإنتاج الاجتماعي، المتوقع قيامهن بها تقليديًا، بقدر انحسار وقتهن واستعدادهن للقيام بهذه المهام. وقد نمى الطلب في السنوات الثلاثين الأخيرة على مقدمي/ات الرعاية، وعمّال وعامِلات النظافة، ومرافقي/ات الأطفال والمسنين، أو، عمومًا، معيد/ات الإنتاج الاجتماعي، مما يعد الآن ظاهرة ناتجة عن الأزمة العالمية لإعادة الإنتاج الاجتماعي ومسببًا رئيسًا لتأنيث الهجرة.

وفي هذا السيناريو، لا تدخل النساء غير المهاجرات في المجالِ الإنتاجي بوتيرة متزايدة فحسب، بل لا تعملن أيضًا «كحائلٍ سواء في حماية الرجال من فقدان الوظائف أو كاحتياطي عمل عبر الانسحاب طوعيًا من سوق العمل» على حد تعبير ماريا كاراميسيني وجيل روبري. ومن ناحية أخرى، لا تعمل النساء المهاجرات في إعادة الإنتاج الاجتماعي عملًا مُسلَّعًا فحسب بل أيضًا، كما شرحتُ في موضعٍ آخر، يعسر وصفهن بأنهن يشكلن جيشًا احتياطيًا للعمل. وليس ذلك لمجرد عملهن في قطاع الخدمات بدلًا من قطاع التصنيع أو البناء فقط، إنما أيضًا بسبب أن العمليات السياسية والإيديولوجية المعقدة والجارية عادةً مع إنشاء جيشٍ احتياطي للعمل – ألا وهي وصم المهاجرين بسارقي الوظائف – لا يبدو أنها تؤثر على النساء المهاجرات العاملات في إعادة الإنتاج الاجتماعي. لا أحد يتهم هؤلاء النساء بسرقة وظائف النساء الأوروبيات. بل على العكس، عملهن هو ما يمكِّنُ مساهمة النساء الأوروبيات في أنشطةٍ خارج نطاق العائلة.

وعلى الرغم من ذلك، ما تزال إعادة الإنتاج الاجتماعي غالبًا شأنًا أنثويًا. وهي أيضًا شأنٌ مُعرقن (racialized). فمكانة العمل المعيد للإنتاج كعملٍ ليس بمستوى باقي الأعمال، وغير منتجٍ من منظورٍ رأسمالي، ومهينٍ وغير ماهر، يعلِّلُ انخفاض أجره: ومن هنا تدخل إلى المشهد النساءُ المهاجرات، بوصفهن نساءٍ مُعَرْقَنات (racialized women). ليست إعادة الإنتاج الاجتماعي المُسلَّعة في الواقع تتبع حصرًا قواعدَ الثنائية الجندرية و«العَقْد الجنسي» داخل العائلة الذي ينص على أن المرأة ما تزال المسؤول عن إعادة الإنتاج والرعاية. بل تتبع أيضًا قواعد «العَقْد العرقي» والذي ينص على أن الأقليات الإثنية والعرقية ما تزال مُنفِّذَ أقّلِ المهام استحبابًا وتقديرًا في المجتمع.

إن كانت أحد أهداف نظرية إعادة الإنتاج الاجتماعي الرئيسة فهمُ جذور الاضطهاد الجندري في المنزل والتقسيم الجنسي للعمل السائد في عائلة الطبقة العاملة في ظل الرأسمالية، فالوضعُ المعاصر لإعادة الإنتاج الاجتماعي كمجالٍ متزايدِ التسليع تشغله أكثر فأكثر نساءٌ مهاجرات مُعَرْقَنات، يتطلب أن ندرس نظرية إعادة الإنتاج الاجتماعي في ارتباطاتها بالاضطهاد العرقي أيضًا. أصبحت نظرية إعادة الإنتاج الاجتماعي حقًا موقعًا رئيسًا لفهم التقاطعات بين الاضطهادين الجندري والعرقي.

ومن ناحية أخرى، إن كان أحد الأهداف الرئيسة لنظريات فيض السكان فهمُ كيفية تَطلُّبِ التراكم الرأسمالي إفقارَ عددٍ متزايدٍ من الناس وبطالة مزمنة بالتحديد لدى قطاعات محددة من السكان (النساء والمهاجرات/ين)، فحقيقة أنّ المهاجرات وغير المهاجرات يمكن أن يقلّ ارتباطهن تدريجيًا بالجيش الاحتياطي للعمل تتطلب أن ندرس أيضًا كيفية قيام منظومة العمل النيوليبرالية بإعادة تنظيم الأنظمة الجندرية والأهرام العرقية.

المصدر: مجلة فيوبوينت

ملاحظات فريق الترجمة:

[1] هناك استثناء جزئي تشكله مقالة سو فيرغسون وديفيد ماكنالي الرائعة «مهاجِرون متزعزِعون: العرق وإعادة الإنتاج الاجتماعي للطبقة العاملة العالمية». رغم أن اهتمامهم الرئيسي لم يكن مناقشة نظريات التكاثر الاجتماعي وفيض السكان في حد ذاته، تطرقت كلٌ من فيرغسون وماكنالي لأهمية التركيز على هاتين العمليتين سويًا.