ما خطب الطبقة العاملة البيضاء؟

trump-white-working-class-b

ريتشارد سيمور

أولًا:

تتحدث الأسطورة عن جماعة موجودة على جانبيّ المحيط الأطلسي، تُرعِب وتقضّ مضاجع عتاة التحليل السياسي. تدعى هذه الأسطورة بالـ «الطبقة العاملة البيضاء». وهو مصطلح تمّت بلورته في العقد الأول من الألفية الثالثة، ليشيع استخدامه في وقتنا هذا. فالمحافظون وصلوا إلى السلطة: خروج بريطانيا من أوروبا ودخول ترمب البيت الأبيض.

لطالما أثار مصطلح «الطبقة العاملة البيضاء» حنينًا جياشًا ورعايةً لفظية. كانت العبارة تُستَخدم، كذاكرةٍ مزخرفةٍ على فوطة شاي، كسِلعة مستهلَكة، لا كشيء يحمل أي أثر في الحقيقة. ولكنَّ هذا الهلع الآتِ من موجة الرجعية العالمية، يولّد – وبشكلٍ مثير للاهتمام – توجهً مناهضًا للديموقراطية بين صنّاع الرأي ذوي التوجه الليبرالي. فحسب ممثّل اليسار اللطيف، جيلس فريجر، إنَّ انتصارَ ترمب في السباق الرئاسي دليلٌ جيد على أفضلية المَلَكيات التوريثية. فرأس الدولة المتوج، حسب زعم فريجر، سيضع صيغة بنائية للتلاحم الوطني، وتهوينًا لمرارة الطعون الديموقراطية. لكن ردة الفعل العنيفة هذه تجاه الناخب الجاهل ليست جديدة بين شرائح متعددة من الإنتليجنسيا.

أي متابع – ولو تابع القليل – للآراء الليبرالية بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، سيكون بالتأكيد قد استمع إلى شيئ ما بهذا الخصوص. فجورج مونبيوت لم يكن وحده المشكّك جهارًا فيما إذا كانت الديموقراطية حقًا مجدية. فما إن تتعارض نتائج الديموقراطية مع أصول الحكم الليبرالية، لا بدّ أنّ المشكلة في الديموقراطية. قيل بعد خروج بريطانيا أنّنا ذوو سيادة برلمانية، وليس حكم الغوغاء، ورُدِّدَ هذا التعبير – بنبرة خفيفة – بالفعل حالما انتصر ترمب.

هؤلاء بالطبع يدفعون بابًا مفتوحًا. فاستنادًا لوسائل واقعية عوضًا عن قانونية، يُقصي نظام الانتخاب وبشكل متزايد الطبقة العاملة، ونرى ذلك أكثر ما نرى في الولايات المتحدة، حيث مشاريع أوباما المعتدلة عام 2008 – بخصوص إصلاح الرعاية الصحية، وحقوق النقابات، والانسحاب من العراق – كانت كفيلة برفع نسبة المصوِّتين إلى «رقمٍ قياسي» يتجاوز الستين بالمئة بقليل من الناخبين المؤهلين. وكما كتب فرانسيس فوكس بيفن وريتشارد كلوارد منذ وقتٍ طويل، إن أغلبَ الفقراء لا يصوتون لعدم وجودِ تمثيلٍ لهم غالبًا. ففي هذه الانتخابات، قرابة نصف عدد الناخبين المؤهلين، ولربما غالبية الطبقة العاملة، لم يصوّتوا. وبناءً على ما سبق، لا حاجة للمتحذلقين من الليبراليين أن يقوموا بسلب حقّ التصويت من العمّالِ البُلهاء. فهو أمرٌ في طور التنفيذ فعلًا، وما انتصار ترمب إلا نتيجةٌ متجليةً لذلك.

وإحقاقا للحق، فليس كل معلّق سياسي يفكر بهذه الطريقة يلقي باللائمة على «الطبقة العاملة البيضاء» لما حدث من انحطاط ديموقراطي. لكن انتشار اللفظ بهذا الشكل في هذه الانتخابات، وسُميّته في حيازة نخبويّي آل بوربون يجعله مستحقًا لفحصٍ شامل.


ثانيًا:

ماهي «الطبقة العاملة البيضاء»؟

فضلًا عن كون الطبقة العاملة ليست «بيضاء»، لتضمنها أعدادًا كبيرة من العمّال غير البيض الذين كانوا في مقدمة أمثلة الكفاح الحديثة (مثل إضراب اتحاد معلمي شيكاغو، وإضراب العمال المهاجرين دونَ تصريح، وحركة «حياة السود مهمة»، والنضال لأجل أجرة الـ 15 دولار للساعة) مما يبعدها كثيرًا عن الوسطية الكلينتونية، إن هذا النقاش يشوبه انعدام الدقة. في الولايات المتحدة، تُعَرَّف «الطبقة العاملة البيضاء» على أنها تمثّل كل من هو أبيض ولا يحمل شهادةً جامعية. أي أنّه يخلط، بِفَوقيّة وانعدام دقة، بين العمّالِ والجَهَلَة. ويُهمِل تضخم قطاع التعليم العالي في العقود الأخيرة، بغاية دفع جموعٍ من العمال إلى رفع مهاراتهم لتحضيرهم لاقتصادٍ جديد. ومن ناحية أخرى، أكثرُ من رُبع أصحاب الأعمال لا يمتلكون أي درجة جامعية، ونجد ذات النسبة في المدراء التنفيذيين. هنالك أيضًا فيضٌ من المدراء متوسطي المرتبة والمشرفين الذين لا يحملون شهادةً جامعية، وهم مفترقون جدًا عن الطبقة العاملة من ناحية الرتبة الوظيفية والعوائد. إن المستوى التعليمي مُعرِّفٌ رديء للطبقات الاجتماعية، وللاثنين وظائفٌ إيضاحيةٌ متمايزة.

أما في المملكة المتحدة، فالطبقات الاجتماعية تُفْهَم وتُأوّل بناءً على مخطّط «الدرجات الاجتماعية» البالي الذي وضعته «المسح الوطني للقراءة» لأغراض متعلقة بأبحاث السوق. خلاصة الأمر أنّه يُعيد إنتاج ثنائية العقل والجسد، حيث تُربَط الطبقة العاملة عادةً بالعمل اليدوي، بينما يُكوَّم شاغلو الوظائف المكتبية والتقنية والإدارية ليشكِّلوا الطبقة الوسطى. يتكرّرُ هنا خلط الطبقة بالمعرفة. وما هذا إلا تركة أيامٍ كان استخدام الآلة الطابعة بحد ذاته يعطيك فيها مكانةً مُفضّلة في مقر العمل، بينما في أيامنا هذه حتى الموظف البسيط في مراكز الاتصالات ينفذ مهامًا حاسوبيّةً معقدة مقارنةً بذلك الأول. وما زالت هذه المغالطة تلقى رواجًا لأنها تؤدي دورًا أيديولوجيًا ناجحًا، بقولها بِهَدْمِ اقتصاد «المعرفة» الفروقاتِ الطبقية.

وبسبب هذه اللغة المُضَلِّلَة يصبح من الممكن لوم «الطبقة العاملة البيضاء» على نجاح حزب استقلال المملكة المتحدة (يوكيب)، وخروج بريطانيا، وفوز ترمب وغيرها من أنواع الرجعية. هناك سببان رئيسيان لهذا الأمر. أحدهما يتعلق بأثر التعليم العالي في تذويب القيم التقليدية والسلطوية والامتثالية. وهذا ناتج جزئيًا من كون نظام التعليم العالي، على عكس المدارس، عليه تنمية استقلال الفكر بدرجة ما. ثانيهما أنَّ تعريفَ الفروق الطبقية بفروق نَوْعَيّ الاقتصاد القديم والحديث، بين عمّالٍ يشغلون المصانع والمناجم وبين أولئك العاملين في قطاعي المعلومات والاتصالات، يعني تعريفَ الطبقة العاملة بقطاعات اليد العاملة السائرة في طريق الانحدار، حيث تقف عالقة في مناطق انحدارٍ منعزلةً عن أنساق النمو الجديدة، وهي بالتالي أكثر الشرائح عرضةً للتأثر بصيغ الوطنية الناقِمة.

فالعلاقة الطبقية على أي حال لا يمكن اختزالها بمخرجاتها المحتملة. فهي على سبيل المثال قد تنتج توزيعًا متفاوِتا للفوائد، أو فوارق في فرص الحصول على التعليم، ولكن هذ الأمور لا تعدو عن كونها آثارَ هذه العلاقة الطبقية القابلة للقياس، ومقاييسها البديلة المنقوصة. فالطبقة علاقة مبنية على مواضع مختلفة في علاقات الإنتاج، تدعمها علاقات السلطة (في اصطلاحٍ آخر، التحكم الأيديولوجي والسياسي). ومن هذا المنظور، ليس ما يميّز الطبقة الوسطى كَّمُ معرِفتهم، وإنما مقدار سلطتهم على عملية الإنتاج. إن نشأةَ «طبقة وسطى جديدة» في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية كانت متزامنةً مع تضخم بيروقراطيات القطاع العام، ومع تشكيل رأس المال أجهزةً ضبطيّةً جديدة – مثل: أعضاء الإدارة الوسطى والتقنيين والمشرفين – من أجل تحكمٍ أفضل بسير العمل وإبطال تحرُّك الطبقة العاملة. ولكن هذا الانقسام بين الطبقات في الواقع ليس دائمًا واضح المعالم كما هو في النظرية؛ فعليًا لطالما ظهرت عناصرٌ من الطبقة الوسطى تميل للانحدار، وتمرُّ بعملية تكديحٍ (proletarianization)، كما يحدث العكس، وتنتقل عناصرٌ من الطبقة العاملة إلى الطبقة الوسطى. وهذا ما يولّد ظاهرةً غامضة يسميها إيريك أولِن رايت بـ «المواقع الطبقية المتناقضة»، أي: مواقع في علاقات الانتاج تحوي عناصرًا متحرِّكة من طبقات اجتماعية مختلفة.

يجدرُ بنا هنا توضيح بضعة أمور متعلقة بمؤيدي ترمب، واضعين ما سبق بعين الاعتبار. جادل تشارلي بوست في خضم السباق الرئاسي أنَّ التركيز حتى على «البيض غير الجامعيين» ليس مجديًا، كونهم حضورهم قليل نسبيًا في قاعدة ترمب الجماهيرية، فهم يمثلون قرابة 55 بالمئة من داعمي ترمب وقرابة 70 بالمئة من إجمالي السكان. بينما يمثل حَمَلَة الشهادات من الطبقة الوسطى الجديدة قرابة 30 من السكان و40 بالمئة من مؤيدي ترمب. «إن غالب مؤيدي ترمب»، كما يذكر تشارلي، «ينتمون إلى الطبقة الوسطى التقليدية (ذاتيو التوظيف) ومن قطاعات الطبقة الوسطى الجديدة تلك (المشرفون) التي لا تتطلب تعليمًا جامعيًا».

ومع ذلك، بدت لنا بعض الأدلة من مسح اقتراع الناخبين أنَّ ترمب وصل لقلة من العمال البيض، ومن ضمنهم جماعاتٌ نقابية. بينما يشير تحليل مايكل مكواري ما بعد الانتخابات لبعض البيانات على مستوى المقاطعات إلى أنَّ ترمب تمكن من أن يَقْلِبَ لصالحِه عددًا من المقاطعات المأهولة بمجتمعاتٍ عمالية بيضاء كبيرة صوتت سابقًا لصالح الرئيس الأسبق أوباما. فهو لم يُضطر لتحشيد غالبية العمال البيض لصفه، كل ما كان عليه فعله هو تغيير أنساق التصويت داخل ولاياتِ حزام الصدأ حيث كان ذلك ضروريًا، وهكذا فعل. قامت مؤسسة «ريل كلير بوليتيكس» بصنع «دالّة تلازم»، مستخدمةً بياناتٍ على مستوى المقاطعات مصدرها الإحصاء السكاني ونتائج الانتخابات، لربط التغييرات في أصوات الجمهوريين بخصائص عدّة. وإن كانت ترتكب الخطأ الفادح نفسه في خلطها «الطبقة العاملة البيضاء» بـ «البيض غير الجامعيين»، فهي تقدِّمُ نقاطَ ارتباطٍ أخرى عديدة. ففي عددٍ من الولايات المهمة، مثل بنسلفانيا وويسكونسون، يوجد ارتباطٌ صغير بين التحسن في أصوات الجمهوريين والمداخيل الرازحة تحت خط الـ 50 ألف دولار، ولكنّها تبيّنُ ارتباطًا أكبر بالعرق، والتعليم، ومُلكِية المسكن، وهل سبق الناخب وأن أيّد أحدًا من مرشّحين يمينيين «بدلاء» [من خارج الحزبين الديموقراطي والجمهوري] مثل روس بيروت.

أمّا الانهيار في الصوت الديموقراطي يشرح جزءًا من انتقال أصوات متدنييِّ الدخل للجمهوريين، إذ يمكن اعتبار الدخل مقياسًا بديلًا للطبقة أكثر من المستوى التعليمي، وإن كان هو الآخر منقوصًا جدًا. وإن كان ترمب في ويسكونسن لم يزِد من مجموع الصوت الجمهوري، فقد حقق ذلك في بنسلفانيا. ولهذا الحاصل أسبابٌ محلية. فالديموقراطيون اصطفوا بحذر مع سياساتٍ مناهِضة للتكربن (anti-carbonization)، دون أن يقدموا أي التزام بتطوير صناعيٍّ بديل أو استراتيجية خلاقة للوظائف، ضامنين بذلك انقلابَ المجتمعات التعدينية، في فيرجينيا الغربية، ضدهم. بينما اتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية (نافتا) وهي سياسة طبقها بيل كلينتون ودافع عنها بحدّة، نتج عنها فقدان العديد من الوظائف في ولايات حزام الصدأ، وبالتالي كانت سببًا في تلاشي الدعم للديموقراطيين هناك.

وما سبق ليس نفيًا لأهمية دور العنصرية العرقية في «قَلْبِ» العديد من الأصوات لصالح الجمهوريين. إنما القصد هو الإيحاء بأنه لزامٌ علينا أن ننفصل عن هذه الثنائيات المغلوطة الخاصة بمناظرات ما بعد الانتخابات. فالجدال حول ما إذا كان ناخبو ترمب حرَّكتهم محنةٌ اقتصادية أو العنصرية العرقية أو شيءٌ آخر يتجاهل النقطة الرئيسية. فلا حاجة للاختيار: القومية العنصرية كانت النمط الخرافي التي عبَّر ترمب من خلالها عن محنةٍ اقتصادية حقيقية تمرُّ بها أقلية من العمال الأمريكيين. وقد فعل ذلك بالمقدار الكافي، وفي الأماكن الصحيحة ليحقق انتصاره.


ثالثًا:

إذًا لماذا نسّمي الطبقة بألوان أهلها؟ نعم، هنالك عمّالٌ بيض، لكن لماذا علينا أن نؤمن بوجود كيان متماسك اسمه «الطبقة العاملة البيضاء»؟ فإذا آمنا بالأرثوذوكسية الناتجة القائلة إن العمال البيض هم دعامةُ الترمبوية (Trumpism) ومقرّها، سيعمل «البياض» جنبًا إلى جنب مع الدين والجنسية كغطاء أمن للقلِق والبارانويدي. إنها مرجعٌ ثابتٌ ومضمون في عالم مخيف (بالنسبة للجهلة والمفلسين، وفقَ هذه الأرثودوكسية).

لكن هذا الادعاء قد يأخذ صبغة تقدمية. تقود خيبة ديمون يونغ المرة بنصر ترمب في مجلة ذا نيشن ليجادل قائلًا إنَّ «الحفاظ على الفوقية البيضاء» كان «المصلحة الأهم» لـ «بيضٍ منتمين للطبقة العاملة تحديدًا». فهم لم يصوتوا ضد مصالحهم بقدر ما قاموا بالاختيار من بين مصالح متنازعة، وركنوا إلى حماية «الامتيازات – سواءً كانت حقيقة أو مختلقة، ملموسة أم روحانية» التي منحتهم إياها الفوقية البيضاء، حتى ولو كان ذلك على حساب «سبل عيشهم هم أنفسهم».

إنَّ ادعاء يونق يعترف على الأقل بأن المصالح لها فعلًا أهمية، وأنَّ الناس بإمكانهم الانطلاق من أكثر من مصلحةٍ رئيسةٍ واحدة، وأنَّ هناك دائمًا أمرٌ قد يهمنا أكثر من رخائنا المُتَصَوَّر. وهذه خطوةٌ صغيرة للأمام من افتراضٍ سطحيٍّ بأنّ «الطبقة العاملة البيضاء» لا يمكن ائتمانها على التصويت وفق مصالحها الخاصة. فالمصالح لا تُحسب إلّا بارتباطها بنطاقٍ محدد للتحركات والأفعال الممكنة، وفي إطارٍ سياسي وتمثيلي محدد. فالمصالح التي يملكها أيُّ أحد في نظامٍ معين دائمًا ما تتعلق بالبدائل الممكنة، والتي تعتمد على كيفية تصوير الواقع ثقافيًا وسياسيًا، وكيف نحلم به نيامًا ومتيقِّظين. وبصياغة أخرى، لا توجد طريقة مباشرة لفصلٍ للمصالح عن القيم فصلًا خِلافيًا، ومحاولة الحفاظ على هذه الثنائية توقعنا في تسطيحٍ وتبسيطٍ مضرّ لهذه المفاهيم التوضيحية، وفي إضفاء صبغة مَرَضيّة على ظواهر تفشل في استوفاء معايير ذاك «الخيار العقلاني» المفترض.

راهن نايجل فاراج – زعيم حزب استقلال المملكة المتحدة حينها – مسعاه الرئاسي في الانتخابات العامة لعام 2015 على زعمه بأنه مستعد ليخسر ماليًا إن عنى ذلك مزيدًا من التحكم بالهجرة – فأن تكون أكثرَ فقرًا لهو أفضل من أن يكون جيرانك رومانيين. وبعد التصويت لخروج بريطانيا، ووسط دلالاتٍ عامة على هبوط اقتصادي محدق، لم يندر عند أولئك الذين ساندوا خروج بريطانيا القول إنّهم مستعدون لتحمّل تلك التضحية مقابل الخير الأكبر المتمثِّل في استعادة السيطرة على حكومتهم. وبالفعل، إنهم تصرَّفوا بإيثار حسب اعتقادهم؛ تصرّفوا لمصلحة المجتمع (الأبيض البريطاني) بمجمله. والمؤمن بالافتراض القائل إن الأفراد لا يهتمون حقًا إلّا بمقدار رفاهيتهم ورفاه عائلاتهم نتيجة قرارات الميزانية – وهو افتراضٌ طال استحكامه ولا تبرير له أبدًا – سيجد بالتأكيد صعوبة في شرح هذه الحالة الآنف ذكرها.

يجب أن يُدرك المثقفون ذلك. فبطبيعة الحال هم عُرضَةٌ لليبرالية الجامعات المعوجّة بما بعد الحداثة، ومتيقظون لطبيعة الخطابية الانتقالية والتفاوضية لـ «المصالح». ولكن هذه الحكمة تتلاشى ما إن يقوم هؤلاء المثقفون بعملٍ ما. لتستحكم بعدها دومًا تلك الفكرة المُغْوِية، فكرة الخطاب العام، خطابٌ يتحدث بنحوٍ محايدٍ وموثوق نيابةً عن كل «المصالح» –  والتكنوقراطية، الاقتصاد. وذلك مخيالٌ ثقافي مغروسٌ بعمق يشتغل في اللاوعي الخاص بمسلسل (The West Wing) و(House of Cards) والأعلافِ المماثلة، وهو مخيالٌ يبقي وفاء المتعلمين الليبراليين المستمر للاستراتيجيات والوكالات السياسية التي لطالما فشلت في الوفي بوعودها من تلقاء نفسها. والمقصد من القول هو أنه لا أحد يتصرف مباشرةً نحو الوصول لـ «مصالحه الأهم» استنادًا على «الحقائق»، وأنّ القول بذلك ما هو إلا إحدى المخيّلات التي تمكن الفرد العالم والعقلاني من التفريط بالمصالح التي يصرح بها هو بذاته.

إذا ما كان البعض يستشعرون مصالحهم الطبقية بطريقة تمييزية عرقيًا، في ضوء الفوقية البيضاء، فلا تكفي السخرية منهم ومن نقص تنوِّرهم بمصالحهم الذاتية. فمن الضروري أن نسأل أي إطاراتٍ سياسية وأنظمة تميثلية ثقافية، وأي بنى اجتماعية، وأي أنساق وظيفية تسمح بحدوث ذلك، وكيف يمكننا إسقاطها.


رابعًا:

على أي حال، وبناءً على هذا التأسيس، فإن يونغ يبالغ في تبسيط الأمور. وبالطبع، خطاب ولغة «البياض» تميل ميلًا إشكاليًا إلى تسطيح ومجانسة العرق ومعالجته كشيءٍ مطلق. فيونغ يسمح بفكرة وجود تمايزٍ بين «الحلفاء والأعداء عرقيًا»، ولكن ذلك لا يكفي لمعالجة التعقيد الحقيقي للمسألة. فإذا كان البياض خاصية من خواص علاقاتٍ اجتماعية عنيفة واستغلالية، فالكيفية والحيثية المحدّدة لتموضع الفرد داخل هذه العلاقات تصنع فارقًا كبيرًا في معنى البياض وقيمته. هناك فرق شاسع بين «بياض» عمال المناجم في فيرجينيا و«بياض» أصحاب المليارات في الجادة الخامسة في منهاتن. أو بين الاستثمار المباشر في «البياض»، مثل أنْ يضرب العمال دفاعًا عن ممارسات الفصل العرقي، أو الاستثمارات الأعم والأكثر تشتّتًا الكامنة في تصويت العمال لـ «جعل أمريكا عظيمة مجددًا». إن إحدى وظائف أيديولوجيا «البياض»، بالطبع، تجاوزُ هذه الاختلافات أو إزالتها، ولكن، على هذا الحال، ما إن نشارك نحن في إزالة هذه الاختلافات حتى نعيد إنتاج أيديولوجيا «البياض».

أضف إلى ذلك، إنَّ طريقة تنظيم الخبرة الطبقية للفرد سياسيًا واقتصاديًا تمثّل فارقًا مهمًا في القيمة التي يضفيها إلى «البياض» أيًّا كانت. بالتأكيد، أي فرد من ناخبي ترمب لا يكاد يكون بريئًا من العنصرية العرقية. حتى وإنك كان اضطهادُ السود والمهاجرين ليس أولوية بالنسبة لهذا الناخب، فهو على معرفة مسبقة بهوية من سيُضطهدون. ومن ضمن التعقيدات في المشهد الانتخابي، وجود عدد من الأمريكيين من أصول أفريقية، وعدد أكبر من الأمريكيين ذوي الأصول اللاتينية، ممن قاموا بالتصويت لصالح ترمب. وهذا ما يثير أسئلةً بخصوص عمل الفوقية البيضاء الواقفة خلف فكرة «البياض». فإلى أي درجة يعي هؤلاء الخطر المحدق بهم على يد رئاسةٍ عنصرية شنيعة، إنما كانوا مستعدين للتسامح معها من أجل فائدة أكبر تأتي من التصويت ضد المؤسسة الحاكمة، أو مجرد تصويت من أجل شعبوية اقتصادية مُفتَرَضة؟ إلى أي حد قام الأمريكيون اللاتينيون بتصويتهم لرئاسةٍ معادية للمكسيكيين والمسلمين بتعزيز انتمائهم للولايات المتحدة وبالتالي مكانتهم فيها؟ أو من منظورٍ آخر، هل قدَّمَ بعض المصوّتين انتماءهم للطبقة الوسطى على أيّ انتماءٍ عرقي مفترض؟ هل استمر الأمريكيّون الأفريقيّون المنتمون للطبقة الوسطى، مثلًا، والذين لربما صوّتوا عرفًا للجمهوريين استنادًا لدعمهم «الأسواق الحرة» و«القانون والنظام»، ببساطة بتقديم هذه القيم على الأخطار الضارّة بالناخبين السّود الأفقر؟ ونجد الإشكالية ذاتها في الناخبين البِيْض الذين دعموا أوباما في الانتخابيْن السابقين – مهما كان قلقهم بشأن الواقع السياسي الناشئ المتّصف بالتعددية الثقافية – ومِنْ ثمَّ انتقلوا إلى ترمب. فهم برهنوا قدرتهم على التصرف وفق بياضهم بطرقٍ مختلفة. أي أنهم، بعبارة أخرى، كانوا مستعدين للتصويت لرئيسٍ أسود لن يتحدى جذريًا بُنى الفوقيّة البيضاء، مقابل بضع سياساتٍ موعودة لصالح الطبقة العاملة.

بالإضافة للحاجة إلى نموذجٍ متعدّد الأبعاد لكيفية تأثير «البياض» على الناس، نحن أيضًا بالحاجة لمعلوماتٍ أكثر. بالنسبة لهذه الشعبة من الناخبين البيض الذين «انقلبوا»، نحن ببساطة لا نعلم مقدار أولوية الحفاظ على البياض كغنيمة استراتيجية (بوعيٍ أو دون وعي) في 2016. وإن كان الحال على ذلك، نحن لا نعلم ماهية تلك الغنيمة فعلًا في كل حالة. لا نعلم مقدار كونها محض السياق المُسَلَّم به لنشاطهم السياسي (وإن كان الحال على ذلك، ما تأثير وجود ذلك النشاط في هذا السياق). أو إلى مدى اشتغَلَ كعاملٍ في بلورة وقولبة كل قضاياهم الأخرى (وإن كان الحال على ذلك، ما مقدار أهميّته كمُلحِم). ولا نعلم تحديدًا مقدار هيكلة العرق نشاطَهم العملي ووجودهم الاجتماعي اليومي وطُرُق هيكلته المحددة لهما.

ولا نعلم أيُّ هيئاتٍ للبياض تُهمّ جماعاتِ العمّال المتنوعة هذه أكثر من غيرها. فقد تكون استثمارَهم في الضبط العنيف وسجن المجتمعات السوداء، أو تنافسَهم المُتصَوَّر مع العمّال المهاجرين أو الصينيين، أو انتمائهم لدولة-إمبراطورية في صراعها مع الجهاديين وغيرهم من الأشرار، أو شيئًا آخر. لا نعلم ما هو خاصٌ بالطبقة العاملة من هذه الهيئات، هذا إن كان هنالك ما هو خاصٌ بهم فيها. ونحن بحاجة لكل هذه الأمور قبل التصريح بأيِّ شيءٍ يتجاوز النقطة العامة القائلة إن «البياض» بتشكيلاتٍ عدة لعب دورًا في الانتخابات.

بعبارةٍ أخرى، إن مجمل الخطاب الذي يلوم «الطبقة العاملة البيضاء» على فوز ترمب خطابٌ مبهمٌ وانطباعيّ على نحوٍ مريب في مسائل تستلزم الدقة، وإنّ هذه المجادلة (الناتجة عن ذلك جزئيًا) متهافتة وتوشك أن تصبح محضَ لغوٍ لا أكثر. إنّها مبهمة في تعريفها للطبقة، وتقارب انعدام الدقة حتى في إدراكها أنساق التصويت الفعلية، وسطحية وموجزة إجمالًا في تحليلها البياض ووظائفه. إن هذه «الطبقة العاملة البيضاء» المستدعاة ليست إلّا تَمْدِيَةً وبعبعًا وكبشَ فداء. وهي تُلَامُ بطريقةٍ متهافتة منطقيًا. تحمَّلَت هذه «الطبقة العاملة البيضاء»، مثل بقية الطبقة العاملة الأمريكية، عبئًا فظيعًا من ظروفِ عملٍ متدنيّة وأجورٍ حقيقية راكدة واستئصال الصناعة والنقابات و، في بعض الأوساط، تدنيّ متوسط العمر المتوقع. إنما يُطلَبُ منّا أن نؤمن أنها، بمفردها تقريبًا، اختارت أهمّ وأقوى قيادةٍ في العالم. وحتى في حال كان حضورها كبيرًا في قاعدة ترمب الجماهيرية، وهو أمرٌ أبعد ما يكون عن الوضوح استنادًا إلى بيانات مسح اقتراع الناخبين، على الفرد أن يضع البنى المقيِّدة الخاصة بالديموقراطية الرأسمالية بعين الحسبان. إنَّ النظام الانتخابي الأمريكي تُنظِّمه قوّةُ وسلطة الطبقة الرأسمالية بِمباشرةٍ أكثر من الديموقراطيات الأخرى، ومتطلبات جمع التبرعات ليست إلّا جزءًا واحدًا من هذه المشكلة. إنَّ سيطرة حزبين على هذا النظام – وهما حزبان مرتهنان للشركات وتنظّمهما نخبٌ منحازة لها، ومفتقران لأيّ هياكل ديموقراطية تذكر أو حتى هياكل «شبيهة بالهياكل الحزبية» – تجعل تحشيدَ البدائل أمرًا صعبًا جدًا. وهذا أحد أسباب عدم وجود حزبٍ ناجح مستندٍ على الطبقة العاملة في التاريخ الأمريكي. لم تنجح استراتيجية استيلاءِ «القاعدة الشعبية» إلّا في الحزب الجمهوري، حيث المرشّح الذي فضّلته القاعدة هذه ملياردير مُمَوِّلٌ لذاته. لا يُترَك لدى العمّال، سواءً كانوا بيضًا أم لا، سوى خياراتٍ ناتجة عن توازنِ قوىً محابية لرأس المال. الأكثرية، كما يبدو، لا تصوّت ببساطة.

هذه الصورة ما تزال قائمةً ومكرسةً لأنها على الأرجح، وبطرقٍ عديدة، تصلح كقصّةٍ جذابة على أغلفة المجلات. فهي تبدو وكأنه تفسير، إنما لا تبيّنَ الأمور للناس فعلًا. تبدو وكأنّها نقدٌ للعنصرية العرقية، إنما لا تكشف عن أيٍّ من جوانبها. والأسوأ أنّها كثيرًا ما تستخدم ندبًا كتبريرٍ للرجوع إلى سياساتٍ عنصرية عرقية، وكأنما ذلك شرٌّ لا بد منه للوقاية من معارضةٍ أشدُّ سوءًا من جهة هذه المجموعة الخرافية، مجموعةٌ كثيرٌ من مواطنيها كانوا من أوائل المحتجين والمنخرطين في عصيانٍ مدنيٍّ لإيقاف سياسة «حظر المسلمين» الخاصة بترمب. بل وتبدو وكأنها تُطلِعُنا بشيءٍ متعلق بالطبقات الاجتماعية، رغم أنّ أكثر مروّجيها يرون الإشارة إلى «الطبقة الرأسمالية» محض ابتذال: لماذا لا يحقِّقُ أحدٌ يومًا في السياسات العرقية الخاصة بالبورجوازية البيضاء؟ نظرًا للدور البارز الذي يلعبه الرأسماليون وإداريّو الدول الرأسمالية في تدبير الاضطهاد العرقي، سواءً على هيئة نظام «جيم كرو» وأنظمة الفصل العنصري المماثلة أو الأشكال المتنوعة لـ «إدارة العرق» في مقرّات العمل أو منظومة الحبس الجماعي الحديثة، إنَّ ذلك لَإغفالٌ غريب. إنه يشتّت الأنظار عن الوزن البنيوي الضخم للفوقية البيضاء كنظامٍ صامد بدلًا من كونه مجرَّد قيمةٍ من قيم النازيين الجدد والميليشيات اليمينية وأعضاء الـ «كو كلوكس كلان». إنها نوعٌ من ابتكاراتِ علماء السيفولوجيا[1] وكتاب الصحف الرئيسيين التي تبدو صادقةً، ومُفسِّرةً بصدق. ولكنّها في أفضل الأحوال اختزالٌ أبعد ما يكون عن الكمال، وفي أسوئها، كهذه الحالات، بديلٌ مؤقت عن التحليل لدى المحافظين، بديلٌ يدعم الميل الأوسع السلطوي والمناهض للديموقراطية الذي تستفيد منه الترمبويّة.

المصدر: مجلة سالفج

ملاحظات فريق الترجمة:

[1] السيفولوجيا: عِلْم دِراسة سُلُوك النّاخِبِين.