خرافة: غادر الفلسطينيّون وطنهم عام 1948 بمحض إرادتهم

palestinian_refugees_01a

إيلان بابه

سنتطرق هنا للمسألتين المتعلقتين بهذا الاعتقاد. أولًا: هل كان هنالك نيّة لطرد الفلسطينيين؟ ثانيًا: في عشية حرب 1948، هل غادر هؤلاء الفلسطينيون منازِلهم بملء إرادتهم، كما تروي الميثولوجيا الصهيونية؟

حُلِّلَت مركزيّة فكرة الترحيل (ترانسفير) في الفكر الصهيوني، على نحوٍ مقنعٍ جدًا برأيي، في كتاب نور الدين مصالحة «طرد الفلسطينيين». سأُضيف هنا بعض الاقتباسات لأشدد نقطة عدم تمكن القيادات والمنظِّرِين الصهاينة من تَصوُّر تطبيقٍ ناجح لمشروعهم دون التخلص من مشكلة السكان الأصليين، إما عن طريق الاتفاق أو القوة. ومؤخرًا، وبعد سنواتٍ من الإنكار، قَبِلَ مؤرخون صهاينة مثل أنيتا شبيرا أنّ أبطالهم، قيادات الحركة الصهيونية، درَسوا مليًّا ترحيل الفلسطينيين. ولكنّ هؤلاء المؤرخين ما زالوا متمسِّكين تمسُّكًا مستميتًا بفكرة وجود خلطٍ بين الترحيل «القسري» والترحيل «الطوعي». صحيحٌ أنّ القيادات والمنظِّرين الصهاينة تحدّثوا في الاجتماعات العلنية عن الترحيل بالاتفاق، لكن حتى تلك الخطب تكشف حقيقةً مرّة: ليس هنالك ما يسمى بترحيل طوعي. إذ ما قيل لم يكن إلّا كلامًا، لا ممارسة.

لعل بيرل كتسنلسون كان أحد أهمّ المنظِّرين الصهاينة في ثلاثينات القرن الماضي. وقد عُرِفَ بكونه ضمير الحركة الأخلاقي. وتأييدُه الترحيل كان صريحًا لا لبس فيه. في المؤتمر الصهيوني العشرين، المعقود بعد وقتٍ قصير من تقديم البريطانيين أوَّل مقترح سلامٍ ذو أهمية، صرَّح كتسنلسون بمساندتِه التامة للفكرة. قال للحضور:

ضميري مرتاحٌ تمامًا. إنَّ جارًا بعيدًا أفضلُ من عدوٍّ قريب. لن يخسروا أي شيء عند ترحيلهم ونحن كذلك بالتأكيد. في التحليل النهائي، هذا إصلاحٌ سياسي يعود بالمنفعة على الطرفين. ظللت مقتنعًا لوقتٍ طويل بأنّ هذا الحل هو الحل الأمثل…ويجب أن يحصل في أحد هذه الأيام.

حين سمع أنّ الحكومة البريطانية تنظر في إمكانية نقل الفلسطينيين داخل فلسطين، ساءهُ ذلك للغاية: «إنّ الترحيل إلى ‹داخل فلسطين› سيعني الترحيل إلى منطقة شكيم (نابلس). أنا أؤمن أنَّ مستقبلهم يكمن في سوريا والعراق».

في تلك الأيام، أمِلت قيادات مثل كتسنلسون أنّ البريطانيين سيُقنِعون السكان المحليين بالرحيل أو يحثّونهم على ذلك. في الرسالة سيئة السمعة من بن غوريون لابنه عاموس المُرسَلة أكتوبر/تشرين الأول لعام 1937، كان واعيًا بالفعل أنّ ضرورة فعل ذلك بالقوّة أمرٌ محتمل. وفي العام نفسه، أعلن بن غوريون علانيةً تأييده كتسنلسون قائلًا:

يمكن لترحيل العرب القسري من وديان الدولة اليهودية المقترحة أن يعطينا شيئًا لم نملكه أبدًا، حتى وقتما وقفنا دون دعم أيّام الهيكل الأول والثاني…وُفِّرت لنا الآن فرصة لم نجرؤ أن نحلم بها ولا في أبعد مخيِّلاتنا. يتجاوز هذا الأمر مجرّدَ دولةٍ وحكومة وسيادة، إنه توحيدٌ قومي في وطنٍ حر.

وبصراحةٍ مماثلة، قال للتجمع الصهيوني عام 1937، «في العديد من أجزاء البلاد، سيستحيل الاستيطان دون ترحيل الفلاحين العرب»، وهو أمرٌ أَمِلَ أنّ البريطانيين سينفذونه. ولكن، مع البريطانيين أو بدونهم، عبَّر بن غوريون بصريح العبارة عن مكانةِ الطرد في مستقبل المشروع الصهيوني في فلسطين حين كتب في العام ذاته: «مع الترحيل القسري ستكون لدينا مساحةٌ شاسعة للاستيطان…أنا أؤيد الترحيل القسري. لست أرى فيه ما هو غير أخلاقي».

في عام 2008، استخلص صحفيٌّ إسرائيلي في مراجعته هذه التصريحات من الماضي أنّها ما تزال مقبولة لدى العديد من الإسرائيليين بعد سبعين عامًا من كتابتها. حقًا، منذ 1937، كان طرد الفلسطينيين جزءًا من الحمض النووي الصهيوني للدولة اليهودية الحديثة. ولكن العملية لم تكن قاصِدة. توخى بن غوريون وغيره من القيادات الحذر حول ما يجب فعله حال تبيَّنت استحالة إقناع الفلسطينيين بالرحيل. لم يميلوا لصياغة أيّ سياسة لما بعد ذلك. كلّ ما كان بن غوريون مستعدًا لقوله هو أنّه لا يعارض الترحيل بالقوة إنّما لا يراه ضرورةً في ذلك المفصل التاريخي.

لُفِت انتباه كتسنلسون لهذه الازدواجية. في اجتماعٍ علني في 1942، سأله حول المسألة بعض القيادات الصهيونية اليسارية ظانّين أن بن غوريون تخلى عن فكرة ترحيل الفلسطينيين. فردَّ عليهم قائلًا: «إلى حدّ علمي بالإيديولوجيا الصهيونية، هذا [الترحيل] جزءٌ من تحقيق الصهيونية، إنَّ فهم هذه الصهيونية هو ترحيل الشعب من بلدٍ إلى بلد، ترحيلٌ بالاتفاق». كان بن غوريون، وهو قائد الحركة، وغيره من المنظِّرين، مثل كتسنلسون، جميعًا مؤيّدين – علانيةً – لما أسموه بالترحيل الطوعي. قال بن غوريون: «ترحيل العرب أسهل من أيِّ ترحيل آخر وذلك لوجودِ دولٍ عربية في الجوار»، وأضافَ أنّ ترحيل الفلسطينيين سيشكِّل تحسُّنًا (ولم يشرح سبب ذلك). اقترح ترحيلهم إلى سوريا. ولكنه ظلّ يتحدث أيضًا عن الترحيل الطوعي.

ولكنّ ذلك الموقف لم يكن موقفًا صريحًا، ولم يكن ممكنًا أيضًا. واقعًا، لم يرى زملاء هؤلاء القادة والمنظِّرين كيف يمكن للترحيل ألّا يكون إلّا ترحيلًا قسريًا. في اجتماعٍ مغلق مكرَّس للترحيل عقدته القيادة التنفيذية للوكالة اليهودية في يونيو/حزيران 1938، يبدو أن الأعضاء المجتمعين، من ضمنهم بن غوريون، وكتسنلسون، وشاريت، واوسيشكين، كانوا جميعًا مؤيدين للترحيل القسري. حاول كتسنلسون شرح ما يعني بقسري: «ماذا يُقصَد بالنقل القسري؟ هل هو النقل رغمًا عن رغبات الدولة العربية؟ رغمًا عن رغباتٍ كهذه لا يمكن لقوّةٍ في العالم أن تطبّق هكذا ترحيل». أسهب بأنّ معنى قسري هو التغلب على مقاومة الفلسطينيين أنفسهم:

إن وجب عليك عقد اتفاق ترحيل مع كل قرية عربية ومع كل فردٍ عربي، لن تحلّ المشكلة أبدًا. نحن نجري ترحيلَ أفرادٍ عرب باستمرار، ولكن المسألة ستكون مسألة نقل أعدادٍ كبيرة من العرب بموافقة الدولة العربية.

كانت هذه هي الخدعة. الكلام كان عن النقل الطوعي، والاستراتيجية كانت تدريجية حتى حانت الفرصة لترحيلٍ مكثّف عام 1948. حتى لو قبلت بأطروحة بيني موريس، في كتابه «مولد مسألة اللاجئين الفلسطينيين»، القائلة إنّ الترحيل، في الممارسة، كان تدريجيًا وليس مكثفًا، فبعد الوصول لعددٍ معين، مهما كان ذلك الوصول تدريجيًا، النتيجة ما تزال تطهيرًا عرقيًا مكثفًا – وسنناقش هذا بإسهاب لاحقًا.

من محضر اجتماع يونيو/حزيران 1938، نتعلّم أن لغة الترحيل الطوعي عَنَت فعليًا ترحيلًا قسريًا. صرّح بن غوريون قائلًا إنّ الشروع في ترحيلٍ قسري، خصوصًا لو نفذه البريطانيون، «سيكون أعظم إنجازٍ في تاريخ الاستيطان اليهودي في فلسطين». أضاف قائلًا: «أنا أحبّذ الترحيل القسري، ولا أرى فيه ما هو غير أخلاقي».

أضاف مناحيم اوسيشكين، وهو قائد ومنظّر مهم، أنّ «أكثر الأمور أخلاقيةً هو ترحيل العرب إلى خارج فلسطين وإعادة توطينهم في أوضاعٍ أفضل» ولمَّح بأنّ هذا على الأرجح المنطق الكامن وراء إعلان بالفور. علاوةً على ذلك، لم يُضيَّع أي وقتٍ حتى شُرِعَ في مناقشة الأعداد وسُبُل تحقيقها. هذه المسائل لن يستَخلَص منها إلّا في 1948، ولكن الأسُس أُرسِيت في هذا الاجتماع عامَ 1938. لم تعارِض إلا أقليّةٌ صغيرةٌ جدًا الترحيل القسري. كانت سوريا الوجهةَ المفضلة وأَمِلوا التمكن من نقل مئة ألف فلسطيني في الموجة الأولى.

عُلِّقَ النقاش حول الترحيل أثناء الحرب العالمية الثانية إذ أن المجتمع ركّز على زيادة أعداد المهاجرين اليهود وتأسيس الدولة المستقبلية. أُشعِل النقاش مجددًا حين أصبح دنو مغادرة بريطانيا فلسطينَ أمرًا جليًا. أُعلِنَ القرار البريطاني في فبراير/شباط لعام 1947، وهنا نجد احتداد النقاش حول الترحيل الإجباري. في كتابي «التطهير العرقي في فلسطين»، أدرس طُرُق تطوِّر هذه النقاشات منذ 1947 وتحوِّلها إلى مخطّط رئيسي لطرد الفلسطينيين المكثّف في مارس/آذار 1948 (الخطة داليت)، وسأعود لهذا الأمر لاحقًا في هذا الفصل. ولكن الرواية الإسرائيلية الرسمية لم تتغير على مر السنين: أصبح الفلسطينيون لاجئين لأنّ قياداتهم، وقيادات العالم العربي، دعوهم لمغادرة فلسطين قبل اجتياح الجيوش العربية وطردها اليهود، إذ يمكن لهم العودة بعد ذلك. ولكن لم تكن هنالك دعوة كهذه، وهي ليست إلّا خرافةً اختلقتها وزارة الخارجية الإسرائيلية. كان موقف مكتب الخارجية الإسرائيلي أثناء محاولة الأمم المتحدة القصيرة جدًا إحلالَ السلام مباشرةً أعقاب حرب 1948 هو أنّ اللاجئين هربوا. ولكن عملية السلام تلك بالذات (التي استمرت لبضعة أشهر في النصف الأول من 1949) كانت من القصر بمكان بحيث أنّ إسرائيل لم يُطلَب منها توفير دليلٍ على هذا الزعم، ولسنين عدة شُطِبَت مسألة اللاجئين من الأجندة الدولية.

الحاجة لتوفير دليلٍ برزت مجددًا في أوائل الستينات، كما علِمنا مؤخرًا بفضل العمل الدؤوب لشاي هازكاني، وهو صحفي مستقل يعمل لدى هآرتز. فوفق دراسته، أثناء الأيام الأولى لإدارة كندي في واشنطن، بدأت الحكومة الأمريكية بالضغط على إسرائيل للسماح بعودة لاجئي 1948 إلى إسرائيل، فالموقف الأمريكي الرسمي منذ 1948 كان تأييد حقّ الفلسطينيين بالعودة. واقعًا، حتى في 1949، فرض الأمريكيّون ضغطًا على إسرائيل لإعادة اللاجئين وفرضت عقوباتٌ على الدولة اليهودية لرفضها الامتثال. ولكن هذا الضغط كان ضغطًا قصير الأمد، ومع احتداد الحرب الباردة، فقد الأمريكيّون اهتمامهم بالمسألة حتى وصل جون إف كندي إلى السلطة (وكان أيضًا آخر رئيس أمريكي يرفض توفير إسرائيل بمعونة عسكرية ضخمة. وبعد اغتياله كان الصنبور مفتوحًا تمامًا، وهي ظروفٌ قادت أوليفر ستون للتلميح بموجود صلة إسرائيلية بقتلِ الرئيس في فيلمه «JFK»).

أحد أولى نشاطات إدارة كندي في هذه الجبهة كان اتخاذ دورٍ فاعل في نقاشٍ للجمعية العامة للأمم المتحدة حول هذا الموضوع صيفَ 1961. هلع رئيس الوزراء بن غوريون. كان مقتنعًا أنه، بمباركةٍ أمريكية، قد تجبر الأمم المتحدة إسرائيل على إعادة اللاجئين. أراد من الأكاديميين الإسرائيليين إجراء بحثٍ يثبت أنّ الفلسطينيين غادروا طواعيةً، ولهذه الغاية، فاتَح «مؤسسة شيلواح»، المركز الرائد للدراسات الشرق أوسطية في الدوائر الأكاديمية الإسرائيلية في ذلك الوقت. أودِعت المهمة لباحثٍ مبتدئ اسمه روني غباي. مع السماح له بالنظر في وثائق سريّة، استخلص أنّ الطرد، والخوف، والتهديد كانت الأسباب الرئيسية للرحيل الفلسطيني. وما لم يجده كان أيَّ دليلٍ على توجيه دعوة من القيادة العربية للفلسطينيين بالرحيل لإفساح الطريق لجيوش الاجتياح. ولكن هنالك لغزٌ هنا. هذا الاستنتاج المذكور آنفًا ظهر في بحث الدكتوراه الخاص بغباي عن المسألة وذَكرهُ بصفته الاستنتاج الذي أرسله لوزارة الخارجية. ومع ذلك، في بحثه في الأرشيف، وجد هازكاني رسالة من غباي إلى وزارة الخارجية تلخّص بحثه وتصف الدعوة العربية للخروج بالمسبب لرئيسي للرحيل.

أجرى هاكزاني مقابلةً مع غباي، وهو مُصرٌّ حتى يومنا هذا أنّه لم يكتب هذه الرسالة، وأنّها لم تمثل البحث الذي شرع فيه. ولكنَّ أحدهم، ولسنا نعلم هويته حتى الآن، أرسل ملخصًا مختلفًا لذلك البحث. على أيّ حال، لم يكن بن غوريون سعيدًا بالنتيجة، فقد شعر أنّ الملخص – وهو لم يقرأ البحث كاملًا – لم يكن مثيرًا للمشاعر بما فيه الكفاية، ولذلك طلبَ باحثًا ثانيًا يعرفه، أوري لوبراني – الذي أصبح لاحقًا أحد خبراء الموساد عن إيران – للشروع في دراسة ثانية. مرَّر لوبراني الدلوَ لموشيه ماعوز، وهو اليوم أحد رياديّي مستشرقي إسرائيل. أعطى ماعوز بن غوريونَ النتيجة التي يريد، وفي سبتمبر/أيلول 1962، حصل بن غوريون على ما وصفه هو ذاته بـ «ورقتنا البيضاء» التي تثبت دون أدنى شك أنَّ الفلسطينيين هربوا لأنهم دُعوا لذلك. اتجه ماعوز لاحقًا للحصول على الدكتوراه في أوكسفورد تحت إشراف الراحل ألبرت حوراني (عن موضوعٍ مختلف)، ولكنه قال في مقابلة أن بحثه أثّرَت عليه المهمة السياسية التي كُلِّفَ بها أكثرَ من الوثائق التي رآها.

أما الوثائق التي درسها غباي في بدايات 1961 فقد رُفِعتَ عنها الحصانة السرية أواخر الثمانينات، والعديد من المؤرخين، من ضمنهم أنا وبيني موريس، رأوا لأول مرة دليلًا واضحًا على ما دفع الفلسطينيين لخارج فلسطين. رغم أنّي وموريس لم نتفق على مدى التدبير للطرد والتخطيط له، فقد اتفقنا على عدم وجود دعوة لا من قياداتٍ عربية أو فلسطينية للناس بالرحيل. وأبحاثنا، التي وُصِفت لاحقًا بأدبيّات «المؤرخين الجدد»، أكّدت استنتاج غباي أنّ الفلسطينيين خسروا أراضيهم ووطنهم – بصفة رئيسية – عبر الطرد والترهيب والخوف.

أصرّ موريس أن بداية الاقتتال بين إسرائيل والجيوش العربية التي دخلت البلاد يومَ انتهاء الانتداب البريطاني، 15 مايو/أيار 1948، كانت السبب الرئيسي لما أسماه بـ «مولد مسألة اللاجئين الفلسطينيين». أما أنا فجادلت أنّ السبب لم يكن الحرب ذاتها، كونَ نصف من أصبحوا لاجئين – مئات آلاف الفلسطينيين – طُرِدوا قبل بدايتها حتى. علاوةً على ذلك، أزعم أنّ الحرب ابتدأتها إسرائيل من أجل اغتنام الفرصة التاريخية لطرد الفلسطينيين.

فكرةُ أنّ الفلسطينيين غادروا طواعيةً ليس الاعتقاد الخاطئ الوحيد المرتبط بحرب 1948. هنالك أيضًا ثلاثةُ اعتقاداتٍ أخرى كثر ما تُذاع كتفاسير تبريريّة لأحداث ذلك العام. الأول هو أنّ الملامة تقع على الفلسطينيين لما جرى لهم كونهم رفضوا قرار التقسيم رقم 181 الصادر عن الأمم المتحدة في نوفمبر/تشرين الثاني عام 1947. هذا الادعاء يتجاهل الطبيعة الاستعمارية للحركة الصهيونية. من الواضح أنّ التطهير العرقي الذي جرى للفلسطينيين لا يمكن تبريره بأي شكلٍ من الأشكال كـ «عقابٍ» على رفضهم خطةَ سلامٍ من الأمم المتحدة صيغت دون أدنى استشارةٍ للفلسطينيين أنفسهم.

الاعتقادان الآخران المتعلّقان بـ 1948 هما أنّ إسرائيل كانت داوودَ يحاربُ جالوتَ عربي، وأنّ إسرائيل، بعد الحرب، مدَّت يد السلام ولكن الفلسطينيين والعالم العربي رفضوا تلك اللفتة الطيبة. أثبت البحث حول الاعتقاد الأول أنّ الفلسطينيين لم يكن لديهم أيّ قوة عسكرية على الإطلاق، وأنّ الدول العربية لم تُرسِل إلا فرقة صغيرة من الجنود – أصغر مقارنةً بالقوات اليهودية، وأضعف عتادًا وتدريبًا منها بكثير. أضِف على ذلك أنّ هؤلاء الجنود لم يُرسَلوا لفلسطين كردِّ فعلٍ لإعلان تأسيس دولة إسرائيل، إنّما ردًّا على عملياتٍ صهيونية بدأت منذ فترة في فبراير/شباط لعام 1948، بالتحديد أعقاب مجزرة قرية دير ياسين الواقعة بقرب القدس، في أبريل/نيسان 1948، والتي حظيت بتغطية إعلامية كبيرة.

أما بالنسبة للخرافة الثالثة القائلة إنّ الدولة الإسرائيلية مدت يد السلام بعد الصراع، فالوثائق تبين العكس. واقعًا، رفضت قيادةٌ إسرائيلية عنيدة جليًّا الدخول في مفاوضات حول مستقبل فلسطين ما بعد الانتداب أو النظر في عودةِ الناس الذين طُرِدوا أو هربوا. بينما كانت الحكومات العربية والقيادات الفلسطينية مستعدة للمساهمة في مبادرةِ سلامٍ جديدة ومعقولة أكثر قدّمتها الأمم المتحدة، غضّت القيادة الإسرائيلية الطرف حين اغتالَ إرهابيّون يهود وسيط السلام من الأمم المتحدة، كونت برنادوت، في سبتمبر/أيلول 1948. ورفضوا، علاوة على ذلك، كلّ مقترحات السلام الجديدة التي تبنّاها الجهاز الذي استبدل برنادوت، لجنة الأمم المتحدة للتوفيق بشأن فلسطين، مع استهلال المفاوضات في نهاية 1948. ونتيجةً لذلك، ذات الجمعية العامة للأمم المتحدة التي صوّتَت بأغلبية ثلثين لصالح قرار التقسيم في نوفمبر/تشرين الثاني 1947، صوَّتت دون اعتراضٍ لخطة سلامٍ جديدة في ديسمبر/كانون الأول 1948. نتَج عن ذلك القرار رقم 194، المُتبنَّى 11 ديسمبر/كانون الأول. كان للقرار توصياتٌ ثلاث: إعادة التفاوض على تقسيم فلسطين بأسلوبٍ يتناسب أكثر مع الواقع الديموغرافي على الأرض، وعودة اللاجئين الكاملة وغير المشروطة، وتدويل القدس.

ولكن العناد الإسرائيلي استمر. فكما بيَّن المؤرخ آفي شلايم في كتابه «الجدار الحديدي»، خلافًا لخرافةِ أن الفلسطينيين لم يضيّعوا أي فرصة لرفض السلام، إسرائيل هي من رفضت باستمرار العروض المطروحة على طاولة التفاوض. بدأت برفض عرض سلامٍ وأفكارَ جديدة حول مسألة اللاجئين طرحها الحاكم السوري حسني الزعيم في 1949، واستمرّت بإحباط بن غوريون لوامِس سلام أرسلها جمال عبد الناصر أوائل الخمسينات في بداية حكمه. أمّا الأحداث الأكثر شهرة شملت طريقة رفض إسرائيل إبداء أيّ مرونة في مفاوضاتها مع الملك حسين (بوساطة من هنري كيسنجر حول الضفة الغربية) في 1972، وعدم اكتراثها لتحذير الرئيس المصري أنور السادات في 1971 بأنّهم إن لم يتفاوضوا ثنائيًا حول سيناء، سيُجبَر على خوضِ حربٍ لأجلها – وهذا ما قام به بعد عامين، مُلحِقًا ضربة مؤلمة لشعور إسرائيل بالأمن والمناعة.

كل هذه الخرافات المحيطة بـ 1948 تنصهر لتشكل صورةَ دولةٍ يهودية تقاتل رغم كل الصعاب، تمدّ يد العون للفلسطينيين، وتشجعهم على البقاء وتقترح السلام، وفي النهاية تدرك أنْ لا «شريكَ سلام» يوجد في الجانب الآخر. الطريقة الأمثل لدحض هذه الصورة هي إعادةُ وصف الأحداث التي جرت في فلسطين ما بين 1946 و1949 بصبرٍ ومنهجية.

في 1946، ظنَّت الحكومة البريطانية في لندن أن بإمكانها الاحتفاظ بفلسطين لوقتٍ أكثر. بدأت بتحريك قواها خارج مصر إلى الأراضي مع احتداد نضال التحرر الوطني المصري ذلك العام. ولكنَّ شتاءً شديدًا نهاية ذلك العام، وتوتّرًا متزايدًا في أوساط الجماعات الصهيونية الشبه عسكرية التي بدأت بالانخراط في أنشطة ضد القوات البريطانية، والأهم من ذلك، قرار الخروج من الهند، أحدثت مجتمعةً تغيُّرًا معتبرًا في السياسة البريطانية تجاه فلسطين. وفي فبراير/شباط 1947، قرّرت بريطانيا مغادرة المنطقة. وكلا المجتمعين – المستوطنون والسكان الأصليون – استجابا لذلك الخبر بصورة مختلفة عن الآخر. اعتقَدَ المجتمع الفلسطيني وقياداته أن العملية ستشابه ما جرى في البلدان العربية المجاورة. ستُحوِّل إدارة الانتداب تدريجيًا السلطة إلى السكان المحليين، الذين سيقررون ديموقراطيًا طبيعة الدولة المستقبلية. ولكن الصهاينة كانوا أكثر استعدادًا لما أتى. مباشرةً بعد قرار لندن بالانسحاب، جهَّزت القيادة الصهيونية ذاتها على جبهتين: دبلوماسيًا وعسكريًا، محضِّرةً استعداداتٍ لمواجهةٍ مستقبلية.

في البدء كان التركيز الرئيسي على الصعيد الدبلوماسي. اتخذ هذا شكلَ إيجاد طرقٍ لهزيمة المطالبة الفلسطينية المُقنِعة بحقهم في قرارٍ ديموقراطي حول مستقبل البلاد. أحد الطرق المحدّدة للقيام بذلك كان ربطَ الهولوكوست ومصير اليهود حول العالم بمصير المجتمع اليهودي الاستيطاني بفلسطين. بالتالي، سعى الدبلوماسيون الصهاينة لإقناع المجتمع الدولي بأنّ مسألة من سيستبدل البريطانيين كالقوة السيادية في فلسطين مسألةٌ مرتبطة بمصير كلّ اليهود في العالم. والأكثر إثارةً للمشاعر، رُبِطت هذه السياسة بالحاجة لتعويض الشعب اليهودي عمّا عانوه أثناء الهولوكوست.

كانت النتيجة قرارَ التقسيم رقم 181. أعدَّت الوثيقة لجنةٌ خاصة، اليونسكوب، المكوَّنة من ممثِّلين خبرتهم السابقة بمسألة فلسطين إمّا ضئيلة أو معدومة. أتت فكرةُ أنّ تقسيم الأراضي أفضلُ حلٍّ من الحركة الصهيونية ذاتها. لم يراجع أعضاء اللجنة، واقعًا، آراء الفلسطينيين إلّا قليلًا. قرَّرت اللجنة العربية العليا، وهي الجهاز السياسي التمثيلي للفلسطينيين وجامعة الدول العربية، مقاطعة اليونسكوب. كان من الجليِّ جدًا حينها أنّ حقّ الفلسطينيين في وطنهم لن يُحترَم كما جرى للعراقيين والمصريين. كان قرار استثناءِ الفلسطينيين في 1947 (ومثلهم قرار استثناء الأمة الكردية) خطأً جسيمًا وأحد المسببات الرئيسية للصراع المستمر في المنطقة.

اقترح الصهاينة أنّ 80 بالمئة من فلسطين يجب أن تصبح دولةً يهودية، بينما الباقي يمكن أن تصبح إمّا دولةً عربية فلسطينية مستقلة أو يمكن إلحاقها بمملكة الأردن وتسليمها لها. أما الأردن فقد كانت متردِّدة تجاه جهود الأمم المتحدة نتيجةً لذلك: فمن ناحية، عُرِضَ عليهم توسيعٌ ممكن لمملكتهم القاحلة لتشمل أجزاءً من فلسطين الخصبة، ومن ناحية أخرى، لم يرغبوا أن يُنظَر لهم كخائنين للقضية الفلسطينية. لم تزداد المعضلة إلّا حدة حين عرضت القيادة اليهودية على الهاشميين في الأردن اتّفاقًا يصب في هذا الاتجاه. على نحوٍ ما، في نهاية حرب 1948، كانت فلسطين – بهذا القدر أو ذاك – مقسّمةً بصورةٍ مماثلة بين الحركة الصهيونية والأردن.

ومع ذلك لم يسيطر الصهاينة سيطرةً مطلقةً على اليونسكوب. وهذه اللجنة التي تدارست الحل بين شهريّ فبراير/شباط ونوفمبر/كانون الأول من عام 1947، أعادت النظر في خطط الصهاينة، إذ وسعت المنطقة المخصصة للفلسطينيين وأصرّت على وجود دولتين مستقلتين، وأعربت عن أملها ضمنًا في أن تشكّل الدولتان اتحادًا اقتصاديًا وسياسةَ هجرة مشتركة، وأنْ يكون لكلا المجتمعين خيار التصويت في الدولة الأخرى، حالَ رغبا في ذلك. وكما كشفت الوثائق التي رُفعِت عنها الحصانة السرية، قبلت القيادة الصهيونية بالخريطة الجديدة وشروط الأمم المتحدة تحديدًا لعلمهم برفض الطرف الآخر الخطة. كما أنها أدركت أن التقسيم النهائي للأرض سيتحدد على أرض الواقع وليس عبر مفاوضات في قاعة لجنة من اللجان. أما النتيجة الأهم فكانت إضفاء الشرعية الدولية على الدولة اليهودية، بما في ذلك حدود الدولة المستقبلية. وعند النظر إلى تطور الأحداث الماضية، بإمكاننا أن نقدّر أنّ القيادة الصهيونية، من منظورها، اعتمدت في 1948 النهج الصحيح فيما يتعلق بإقامة دولة دون تحديد حدودها.

لم تكن هذه القيادة خاملة في الفترة الواقعة بين خطة التقسيم ونهاية الانتداب في مايو عام 1948، إذا تعين عليها أن تكون نشطة. في العالم العربي، تزايد الضغط على الحكومات لاستعمال العنف ضد الدولة اليهودية الجديدة. وفي غضون ذلك، على أرض فلسطين، بدأت جماعات محليّة شبه عسكرية في شن هجمات على طرق المواصلات اليهودية والمستوطنات المنعزلة خصوصًا، في محاولة إجهاضٍ تستبق تنفيذ القرار الدولي لتحويل وطنهم إلى دولة يهودية. كانت لحظات المقاومة هذه محدودة جدًا وتلاشت في الأسابيع التالية لإعلان الأمم المتحدة تقسيم فلسطين. في الوقت ذاته، كانت القيادة الصهيونية تعمل على ثلاث جبهات منفصلة. شملت الأولى إعداد نفسها لاحتماليّة اجتياحٍ عسكري بواسطة البلدان العربية. وهو أمرٌ حصل، ونحن نعلم الآن أنّ الجيش اليهودي استفاد من افتقار القوات العربية لأيّ استعداد أو غاية أو تنسيق حقيقيين. كانت النخب السياسية العربية ما تزال مترددة حول التدخل في فلسطين. وكان هناك اتفاق ضمني مع الأردن تستحوذ فيه على جزءٍ من فلسطين – وهذا الجزء سيصبح لاحقًا الضفة الغربية – مقابل الحدّ من مساهمتها في المجهود الحربي. تبيّنَ أنَّ ذلك العامل كان عاملًا حاسمًا في توازن القوى، إذ كان الجيش الأردني أفضل الجيوش تدريبًا في العالم العربي.

على الجبهة الدبلوماسية، كانت الفترة الواقعة بين شهري فبراير/شباط ومارس/آذار 1948 فترةً عصيبة للحركة الصهيونية بشكلٍ خاص. لقد أدركت الولايات المتحدة، من خلال مبعوثيها على الأرض، أنّ خطة التقسيم التابعة للأمم المتحدة في نوفمبر/تشرين الثاني 1947 كانت مشوبة بالعيوب. فبدلًا من إحلال الأمل والهدوء على البلاد، كانت الخطة نفسها السبب الرئيسي لاندلاع العنف مؤخرًا، إذ كانت هناك بالفعل تقارير عن إجبار الفلسطينيين على ترك منازلهم، والقتل من كلا الجانبين. هاجم الجانبان وسائل النقل العام الخاصة بالجانب الآخر، واستمرّت مناوشات على خطوط تقسيم الأحياء العربية واليهودية في المدن المختلطة لعدة أيام. وافق الرئيس الأمريكي هاري ترومان على إعادة النظر في خطة التقسيم واقترح خطةً جديدة، واقترح، من خلال سفيره لدى الأمم المتحدة، وصايةً دولية على فلسطين بأكملها لمدة خمس سنوات، لإتاحة مزيد من الوقت للبحث عن حل.

أوْقَفَت هذه الخطةً فجأةً مصالحٌ خاصة. كانت تلك المرةَ الأولى التي استُخدِم فيها لوبيٌّ صهيوني في الولايات المتحدة لتغيير موقف إدارةٍ أمريكية. لم تكن لجنة الشؤون الأمريكية الإسرائيلية (أيباك) قد أُنشئت بعد، لكن منهجية الربط بين المشهد السياسي المحلي في الولايات المتحدة مع المصالح الصهيونية – ومع إسرائيل بعد ذلك – في فلسطين، سبقتها في المولد. نجحت تلك الجهود على أيّة حال، وعادت الإدارة الأمريكية إلى دعمها لخطة التقسيم. ومن المثير للاهتمام، كان الاتحاد السوفياتي أكثر ولاءً للموقف الصهيوني، حيث لم يناوبه الشك على الإطلاق. وبمساعدة أعضاءٍ من الحزب الشيوعي الفلسطيني، قاموا بتسهيل توريد الأسلحة من تشيكوسلوفاكيا إلى القوات اليهودية قبل وبعد مايو/أيار 1948. قد يثير ذلك دهشة قرّاء اليوم، لكن دعم الحزب الشيوعي الفلسطيني للقضية الصهيونية كان ممكنًا لسببين. أولًا، اعتقد الاتحاد السوفياتي أنّ الدولة اليهودية الجديدة ستكون دولةً اشتراكيةً مناهضة للبريطانيين (وبالتالي أكثر ميلًا نحو الكتلة الشرقية في الحرب الباردة الناشئة). ثانيًا، اعتقد الحزب الشيوعي الفلسطيني أنّ التحرر الوطني كان مرحلة ضرورية في الطريق إلى ثورة اجتماعية أكثر اكتمالًا، حيث اعترفوا بالفلسطينيين والصهاينة كحركات وطنية (ولهذا السبب ما يزال الحزب يدعم حل الدولتين حتى يومنا هذا).

وبينما كانت القيادة الصهيونية تصارع لأجل الحصول على قبول دولي، فقد انشغلت أيضًا بإعداد مجتمعها للحرب، وفرض التجنيد الإجباري والضرائب الإلزامية، وتكثيف الاستعدادات العسكرية، وتصعيد مشتريات الأسلحة. كما كانوا فعّالين جدًا في جمع المعلومات الاستخباراتية التي كشفت عن عدم الاستعداد في بقية العالم العربي. لم يؤثر العمل على جبهتين – العسكرية والدبلوماسية –  على الاستراتيجية الصهيونية تجاه أهم قضية أزعجت قادة الحركة: كيفية إنشاء دولة ديمقراطية وأيضًا يهودية تقع في أيِّ جزء قد يحصلون عليه من فلسطين؟ أو، بعبارة أخرى: ما العمل مع السكان الفلسطينيين في الدولة اليهودية المستقبلية؟

انتهت المداولات المختلفة حول هذه المسألة في 10 مارس/أيار 1948، عندما أصدرت القيادة العليا الخطة داليت (الخطة دال) سيئة السمعة، والتي قدّمت مؤشرًا لمصير الفلسطينيين القاطنين في المناطق التي احتلّتها القوات اليهودية. تزعّم هذه النقاشات زعيم الجالية اليهودية، دافيد بن غوريون، الذي كان مصممًا على تأمين تفرّدٍ ديموغرافيٍ لليهود في أيّ دولة مستقبلية. لم يكن هذا هاجسًا أدار أنشطته قبل عام 1948 فحسب، بل حتى بعد إنشاء دولة إسرائيل بفترة طويلة. فكما سنرى لاحقًا، دفعه ذلك إلى تنظيم تطهير عرقي في فلسطين عام 1948، ودفعه في عام 1967 لمعارضة احتلال الضفة الغربية.

في الأيام التي تلت اعتماد قرار التقسيم، أخبر بن غوريون زملائه في القيادة الصهيونية أنّ دولةً يهوديةً لا يشكل فيها اليهود إلّا ستين بالمئة دولةٌ لا يمكن أن تنجح. لكنه لم يكشف عن نسبة الفلسطينيين التي ستجعل من الدولة المستقبلية غير قابلة للنجاح. كانت الرسالة التي أبلغها لجنرالاته، وهم بدورهم أبلغوا قواتهم على الأرض بها، واضحةً رغمَ ذلك: كلما قل عدد الفلسطينيين في الدولة اليهودية كلما كان ذلك أفضل. لهذا السبب، كما أثبت باحثون فلسطينيون، مثل نور الدين مصالحة وأحمد سعدي، حاول بن غوريون أيضًا التخلص من الفلسطينيين المتروكين داخل الدولة اليهودية بعد الحرب («الأقلية العربية»).

حدث أمر آخر في الفترة الواقعة بين 29 نوفمبر/تشرين الثاني 1947 (وقت اعتماد قرار الأمم المتحدة) و15 مايو/أيار 1948 (وقت انتهاء الانتداب البريطاني) ساعد الحركة الصهيونية على التحضير بشكل أفضل للأيام المقبلة. مع نهاية اقتراب الانتداب، انسحبت القوات البريطانية إلى ميناء حيفا. ومع انسحابها من كل منطقة، استولت القوات العسكرية الخاصة بالمجتمع اليهودي عليها، مُخْلِيَةً سكانها المحليين حتى قبل انتهاء الانتداب. بدأت العملية هذه في فبراير/شباط عام 1948 مع قرىً قليلة، وبلغت ذروتها في أبريل/نيسان بإخلاء حيفا ويافا والصفد وبيسان وعكا والقدس الغربية. سبق أنْ خُطِّط للمراحل الأخيرة منهجيًا في إطار المخطط الرئيسي، الخطة دال، التي أُعدّت جنبًا إلى جنب مع القيادة العليا للهاغانا، الجناح العسكري الرئيسي للمجتمع اليهودي. تضمنت الخطة إشارةً صريحة نجدها أدناه إلى الأساليب المُتعيَّن استخدامها في عملية تطهير السكان:

تدمير القرى (إشعال النيران، وتفجير، وزرع الألغام في الحطام)، ولا سيما تلك المراكز التي يصعب السيطرة عليها باستمرار…

تصاعد عمليات البحث والسيطرة وفقا للمبادئ التوجيهية التالية:

تطويق القرية وإجراء بحث داخلها. وفي حالة المقاومة، يجب تدمير القوة المسلحة ويجب طرد السكان خارج حدود الدولة.

كيف يمكن للجيش الإسرائيلي الصغير أن ينخرط في عمليات تطهير عرقي واسعة النطاق تزامنًا مع مجابهة قوات نظامية من العالم العربي منذ مايو/أيار 15 فصاعدًا؟ أولاً، تجدر الإشارة إلى أن المناطق الحضرية (باستثناء ثلاث بلدات: اللد والرملة وبئر السبع) طُهِّرَت قبل وصول الجيوش العربية. ثانيًا، كانت مناطق الريف الفلسطيني تحت السيطرة الإسرائيلية مسبقًا، والمواجهات مع الجيوش العربية وقعت على حدود المناطق الريفية هذه، ليس داخلها. في إحدى الحالات كان بوسع الأردنيين مساعدة الفلسطينيين في اللد والرملة، لكن القائد البريطاني للجيش الأردني، السير جون غلوب، قرر سحب قواته وتفادي المواجهة مع الجيش الإسرائيلي. وأخيرًا، كان الجهد العسكري العربي عديم الفعالية وقصير الأجل. فبعد تحقيق بعض النجاحات في الثلاث الأسابيع الأولى، كان وجود القوات العربية في فلسطين قصة انسحاب متسارع وهزائم متتالية. وبعد ركودٍ قصير استمر حتى نهاية 1948، تواصل التطهير العرقي الإسرائيلي بلا هوادة.

من وجهة نظرنا الحالية، لا مفر من تعريف الأعمال الإسرائيلية في الريف الفلسطيني كجريمة حرب. في الواقع، كانت جريمةً ضد الإنسانية. إذا ما تجاهل المرء هذه الحقيقة المرة، فلن يفهم أبدًا ما يكمن وراء موقف إسرائيل من فلسطين والفلسطينيين بصفتهما نظامًا سياسيًا ومجتمعًا. الجريمة التي ارتكبتها قيادة الحركة الصهيونية، والتي أصبحت فيما بعد حكومة إسرائيل، جريمةُ تطهير عرقي. وهذا ليس مجرد بيان رنان بل هو لائحة اتهام ذات مضامين سياسية وقانونية وأخلاقية بعيدة المدى. تعريف الجريمة تلك جرى في أعقاب الحرب الأهلية في البلقان في تسعينات القرن العشرين: التطهير العرقي هو أي عمل تقوم به مجموعة إثنية واحدة تهدف إلى طرد مجموعة إثنية أخرى بهدف تحويل منطقة إثنية مختلطة إلى منطقة نقية. يصنّفُ عمل كهذا كتطهير عرقي بغض النظر عن الوسائل التي استخدمت للحصول عليه – من إقناع أو تهديد بالطرد أو قتل جماعي.

وعلاوة على ذلك، العمل نفسه يحدِّد التعريف. وعلى هذا النحو، يعتبر المجتمع الدولي بعض السياسات المعينة سياساتِ تطهير عرقي، حتى في حالة عدم الكشف عن خطة تنفيذيها الرئيسية أو فضحها. وبناءً على ذلك، فضحايا التطهير الاثني يشملون أولئك الذين تركوا منازلهم خوفًا وأولئك الذين طُرِدوا بالقوة كجزءٍ من عملية مستمرة. بإمكانكم الاطلاع على التعاريف والمراجع المتعلقة بذلك على المواقع الإلكترونية لوزارة الخارجية الأمريكية والأمم المتحدة. هذه هي التعريفات الرئيسية التي ترشد المحكمة الدولية في لاهاي عندما تُكَلَّف بمحاكمة المسؤولين عن تخطيط وتنفيذ هذه العمليات.

تظهر دراسة لكتابات وأفكار القادة الصهيونيين المبكرة أنه بحلول عام 1948 أصبحت هذه الجريمة جريمة حتمية لا مفر منها، إذ لم يتغير هدف الصهيونية: حيث كانت منكبة على السيطرة على أكبر قدر ممكن من فلسطين الانتدابية، وإزالة معظم القرى الفلسطينية والأحياء الحضرية من الفضاء الذي صيغ للدولة اليهودية المستقبلية. كان التنفيذ أكثر منهجية وشمولًا مما كان متوقعًا في الخطة، ففي غضون سبعة أشهر فقط، دُمِّرَت 531 قرية وأُفْرِغَ 11 حي حضري. ورافق الطردَ الجماعيّ المذابحُ والاغتصابُ وسجن الذكور الذين تجاوزوا سن العاشرة في معسكرات عمل لفترات تزيد على سنة.

المضمون السياسي هو أن إسرائيل مسؤولة حصرًا عن خلق مسألة اللاجئين الفلسطينيين وهي وحدها تتحمل مسؤوليتها القانونية والأخلاقية. والمضمون القانوني هو أنه حتى إن وُجِد قانون تقادم، بعد مرور فترة طويلة كهذه، لأولئك الذين ارتكبوا فِعلًا يُفهَم على أنه جريمة ضد الإنسانية، فإن الفعل نفسه ما يزال جريمة، جريمة لم يقدَّم أي شخص فيها إلى العدالة إطلاقًا. والمضمون الأخلاقي هو أنّ الدولة اليهودية ولدت من إثمٍ – مثلها مثل العديد من الدول الأخرى، بالطبع – لكن الخطيئة أو الجريمة لم يُقَر بها قط. والأسوأ من ذلك إقرارُ بعض الدوائر الإسرائيلية بها، مع تبريرٍ موازٍ لها سواءً كسياسة ماضية أو سياسية مستقبلية ضد الفلسطينيين، أينما كانوا. الجريمة ما تزال تُرتَكب إلى يومنا هذا.

جميع هذه المضامين تجاهلتها النخبة السياسية الإسرائيلية. بل تعلموا درسًا مختلفًا جدًا من أحداث عام 1948: يمكنك، كدولة، طرد نصف سكان البلد وتدمير نصفِه الآخر بحصانة. وكانت عواقب هذا الدرس، بعد عام 1948 مباشرةً وعلى مر السنين، الاستمرار الحتمي لسياسة التطهير العرقي بوسائل أخرى. هنالك معالم معروفة لهذه العملية: طرد المزيد من القرويين من إسرائيل في الفترة الواقعة بين عامي 1948 و1956؛ الترحيل القسري لـ 300 ألف فلسطيني من الضفة الغربية وقطاع غزة خلال حرب 1967؛ والتطهير المدروس والمستمر للفلسطينيين من منطقة القدس الكبرى، والذي تجاوزَ 250 ألف شخصٍ بحلول علم 2000.

بعد عام 1948، اتخذت سياسة التطهير العرقي أشكالًا عديدة. ففي أجزاءٍ مختلفة من الأراضي المحتلة وداخل إسرائيل، استبدلت سياسية الطرد بسياسة منع الناس من مغادرة قراهم أو أحياءهم. يخدم تقييد الفلسطينيين بمكان معيشتهم غايةَ طردهم ذاتها. فعندما يحاصر الفلسطينيون في جيوب – مثل المناطق «أ» و«ب» و«جـ» بموجب اتفاق أوسلو في الضفة الغربية، أو في قرى أو أحياء القدس المُعلَن أنها جزء من الضفة الغربية، أو في «غيتو» غزة – وسكّانه لا يُحصَون ديموغرافيًا سواءً في الإحصاءات الرسمية أو غير الرسمية، وهو ما يهم صناع السياسة الإسرائيليين أكثر من أي شيء آخر.

طالما استحكم عدم الإقرار بالمضامين الكاملة لسياسات التطهير العرقي في ماضي إسرائيل وحاضرها ولم يحاسِبه المجتمع الدولي، فلن يكون هناك حل للصراع الإسرائيلي الفلسطيني. وإن تجاهل قضية اللاجئين الفلسطينيين سيقوض مرارًا أي محاولة للتوفيق بين طرفيّ النزاع. لهذا السبب، من الأهمية بمكان الإقرارُ بأحداث عام 1948 كعملية تطهير عرقي، وذلك لضمان ألّا يفلت الحل السياسي من جذور الصراع؛ أي طرد الفلسطينيين. وهذه المراوغات في الماضي هي السبب الرئيسي وراء انهيار جميع اتفاقات السلام السابقة.

إن لم تُتعَلَّم هذه الدروس القانونية، فستبقى الدوافع والعواطف الانتقامية لدى الجانب الفلسطيني. الإقرار القانوني بنكبة 1948 كفعلٍ من أفعالِ التطهير العرقي سيمهد الطريق لشكل ما من أشكال العدالة التعويضية. سيكون هذا مماثلًا لما حدث مؤخرًا في جنوب أفريقيا. الاعتراف بشرور الماضي لا يحدث لأجل تقديم المجرمين للعدالة، بل لتقديم الجريمة أمام مرأى الاهتمام العام والمحاكمة العامة. لن يكون الحكم النهائي هنا جزائيًا – لن يوجد عقاب – بل سيكون تعويضيًا: أيّ أن الضحايا سيُعوَّضون. التعويض الأكثر تعقلًا للحالة الخاصة باللاجئين الفلسطينيين ذَكَرَته بوضوح في ديسمبر/كانون الأول عام 1948 الجمعيةُ العامة للأمم المتحدة في قرارها رقم 194: العودة غير المشروطة للاجئين وأسرهم إلى وطنهم (وإلى منازلهم حيثما أمكن). من دون هذا التعويض، ستستمر دولة إسرائيل في الوجود كجيب عدواني، في قلب العالم العربي، يمثل آخر تذكير بالماضي الاستعماري الذي يعقد علاقة إسرائيل ليس مع الفلسطينيين فحسب، بل مع العالم العربي ككل.

لكن، من المهم أن نلاحظ وجود يهود في إسرائيل مدركين لهذه الدروس. ليس جميع اليهود جهلة أو غير مبالين بالنكبة. إنّهم قلة حاليًا، لكنهم يجعلون وجودهم محسوسًا، مما يدل على أن بعضًا من المواطنين اليهود ليسوا أصماء أمام صراخ وآلام الذين قُتِلوا أو اغُتصِبوا أو جُرحِوا طوال عام 1948 والدمار الذي أُلحِق بهم. لقد أصغوا إلى آلاف المواطنين الفلسطينيين المعتقلين والمسجونين في خمسينيات القرن الماضي، واعترفوا بمذبحة كفر قاسم عام 1956، عندما قتل الجيش مواطني الدولة لكونهم فلسطينيين فقط لا غير. وهم يعرفون جرائم الحرب التي ارتكبت طوال حرب 1967 والقصف العنيف لمخيمات اللاجئين عام 1982. ولم ينسوا الاعتداء الجسدي الذي تعرض له الشباب الفلسطيني في الأراضي المحتلة في الثمانينات وما بعدها. هؤلاء اليهود الإسرائيليون ليسوا أصماء، فهم لا يزالون يسمعون اليوم أصوات ضباط الجيش الذين يأمرون بإعدام الأبرياء وضحك الجنود الذين يقفون ويراقبون.

كما أنهم ليسوا ضريرين، فقد شاهدوا بقايا القرى والأحياء الـ 531 المدمرة. إنهم يرون كل ما يمكن لأي إسرائيلي رؤيته ويختارُ ألّا يراه: بقايا القرى تحت بيوت الكيبوتسات وتحت أشجار الصنوبر في غابات الصندوق القومي اليهودي. ولم ينسوا ما حدث، حتى عندما اختار أكثرية مجتمعهم النسيان. ربما بسبب ذلك فهموا تمامًا العلاقة بين التطهير العرقي عام 1948 والأحداث التي تلته حتى وقتنا الحاضر. فهم يدركون الصلة بين أبطال حرب الاستقلال الإسرائيلية وأولئك الذين قادوا القمع الوحشي للانتفاضتين. ولم ينظروا يومًا لإسحق رابين أو أرييل شارون كأبطال سلام. كما أنهم يرفضون تجاهل الصلة الواضحة بين بناء الجدار وسياسة التطهير العرقي. وكونَ عمليات طرد عام 1948 وسجن الناس داخل الجدار اليوم تشكِّلُ العواقب الحتمية لذات الأيديولوجية العرقية العنصرية. كما أنهم يُدركون الصلة بين الوحشية التي لحقت بغزة منذ عام 2006 وهذه السياسات والممارسات السابقة. هذه الوحشية لا تولد في فراغ؛ بل لها تاريخ وبنية تحتية أيديولوجية تبرر لها ذلك.

وبما أن القيادة السياسية الفلسطينية أهملت هذا الجانب من الصراع، فالمجتمع المدني الفلسطيني هو من يقود الجهود الرامية في نقل أحداث عام 1948 إلى مركز جدول الأعمال الوطني. في داخل إسرائيل وخارجها، تقوم المنظمات غير الحكومية الفلسطينية، مثل مركز بديل وجمعية الدفاع عن حقوق المهجرين داخليًا وائتلاف العودة، بتنسيق كفاحهم للحفاظ على ذكرى 1948، وشرح سبب أهمية التعامل مع أحداث ذلك العام من أجل المستقبل.

 المصدر: كتاب «عشر خرافات عن إسرائيل»