شبح الماديّة

تفتقِر نظريّتنا الاجتماعية للدقة والوضوح، وهذا على الأقل ما تعالجه أحد أوجه النقاش حول كتاب فيفك تشيبر الجديد.

16687922703_7677307f24_k

تايبور روتار

ولَّد كتاب فيفك تشيبر «النظريّة ما بعد الكولونياليّة وشبح رأس المال» (Postcolonial Theory and the Specter of Capital) منذ صدوره في عام ٢٠١٣، العديد من النقاشات العلمية. كما تناول كتابه الجديد «الجدل حول نظريّة ما بعد الكولونياليّة وشبح رأس المال» (The Debate on Postcolonial Theory and the Specter of Capital) هذا السِجال العنيد أحيانًا.

يهدف كتاب «النظرية ما بعد الكولونيالية وشبح رأس المال» في المقام الأول، إلى الكشف عن الأخطاء النظريّة والإمبريقية في دراسات التَّابع، التي تُعد تيارًا مهمًا في النظريّة ما بعد الكولونياليّة. بهذا، يتحدى تشيبر الإدعاء ما بعد الكولونياليّ المنتشر بأنّ «الشرق» و«الغرب» مختلفانِ جذريًا لدرجة أن النظريات أوروبية الأصل، مثل الماركسية، لا تسري عالميًا.

يجد تشيبر ما لا يقل عن ثلاثِ حجج، في الأدب التَّابعي، تعضد هذا الإدعاء المنتشر. تتعلق الأولى بالاستراتيجيات المختلفة زعمًا التي وظَّفتها الطبقات الحاكمة، البرجوازيّة بالتحديد، لنيل وتعزيز السلطة. في أوروبّا، يجادِلون، أنّ البرجوازيّة الناشئة هناك حكمت بالقبول والتوافق، بينما اعتمدت في الهند على الحُكم القسري بالقهر.

الحجّة الثانية تنبع عن سابقتها مباشرةً: تطورت الرأسماليّة على نحوٍ مختلف طِبقا لأسلوب الحكم البرجوازي. ففي أوروبّا، تَحوِّل الرأسماليّة جميع العلاقات الاجتماعية وفقًا لمنطقها، بينما تركت في الهند بعض بنى ما قبل مرحلة الرأسماليّة دون أن تمسّ بها.

تتعلق الحجة الثالثة مع تركيبات الفاعِلين الاجتماعيين السيكولوجية المختلفة زعمًا. ففي أوروبا، استبطنَ الفلاحون والعمال «وعيًا برجوازيًا» جعلهم سَرِيْعي التأثر بمصالحهم المادية. أمّا في الهند، لم ينشأ وعيٌ كهذا أبدًا، ولم يهتم الهنود لمصالحهم الموضوعيّة فيما تعلّقَ بالاقتصاد أو القضايا السياسية خاصةً.

يجادلِ تشيبر، بإقناع، ضد دراسات التَّابع حول الثلاث النقاط هذه.

أولًا، يذكرنا أن الاعتقاد القائل إن الرأسماليّة الفرنسية والإنكليزية تجسدان القيم الديمقراطية، وتقومان على رضا الجماهير ما هو إلّا ضربٌ من الخيال. فلمعظم تاريخ الرأسماليّة – سواءً في أوروبا أو خارجها – كان التوافق غائبًا بِجَلاء. فلم تنشأ المؤسسات الديموقراطية إلا عبر النضالات الشعبية، وليس بفضل طبقةٍ رأسماليّة مُتنوِّرة.

ثانيًا، بينما يشير التابعيّون وغيرهم من منظّري الاختلاف – على نحو صحيح – أن الرأسماليّة لا تتخذ شكلًا موحّدًا في أرجاء الكوكب، يبرهن تشيبر أنّ الماركسية لا تحتاج لإنكار هذه الحقيقة ولا هي تُنكِرها أساسًا.

حين يزعم الماركسيون أن أدواتهم النظرية تسري في جميع أنحاء العالم الرأسمالي، فهم يسلطون الضوء على حزمة صغيرة من الخصائص الأساسية النِشطة في أي مجتمعٍ رأسماليّ، بما في ذلك دافع الربح، والعمل المأجور، والمنافسة. أمّا كيفية تعبير هذه الخصائص عن نفسها، أو ما هي الديناميكيات الاجتماعية الثقّافية المجاوِرة والمقولِبة لها يظلُّ أمرًا قابلًا للنقاش – وهذه مشكلة ليست الماركسية غافلةً عنها البتة.

أخيرًا، يَستخدم تشيبر الأدلة التأريخية الخاصة بالتابعيّين أنفسهم، لدحض الافتراض القائل إن البشر يتصرفون وفقًا لمصالحهم الماديّة فقط إن عاشروا حقًا المعايير الاجتماعية الغربية. كان لدى الفلاحون والعمال الهنود فهمٌ صريح لمخاطر النشاط الجماعي وتكلفته، مثلهم مثل نظرائهم الفرنسيين والانكليز. ففي الواقع، أعدَّ التابعيون استشراقًا ساهيًا بصبغهم الإرادة في الشرق كإرادةٍ مختلفة جذريًا في طبيعتها عن تلك التي في الغرب.

لكن نقد تشيبر لدراسات التَّابع يتدخل بشكل مفيد في عددٍ من المناظرات المعاصرة الأوسع في علم الاجتماع، وعلم الاجتماع التاريخي، والدراسات الثقّافية والمجالات ذات الصلة. فأهمية نقده فيما يتعلق بتطوير نظريّة اجتماعية ماركسية معاصرة وغير أرثودوكسية، وبمحارَبةِ الثقافويّة المتفشية – سواءً ظهَرَت على صورة ما بعد البنيويّة أو ما بعد الماركسية، أو، ويا للسخرية، نسخٍ معينة من «الماديّة الجديدة» – تصعب المبالغة فيها.

عبر ربط الماركسية بجذورها الماديّة، لا يضع تشيبر النشاطَ الإنساني وسط الرأسماليّة فحسب، إنّما في قلب المقاومة أيضًا.

أي نوع من المادية؟

افتخرت الماركسية، منذ بدئها، بماديتها الشاملة، التي تطورت بمعاداتها الشديدة لأنواعِ الماديّة غير المادية والفردانية منهجيًا – ما تُسمَّى عادةً مادِّياتٍ مبتذلة، أو ساذجة، أو تجريدية، أو تأملية، أو ميكانيكية. ورُغمَ رفض ماركس لهذه المدارس، فقد قدم نظريته كنظريّةٍ مادية واعية بماديّتها، ماديّة تاريخية.

عنى ذلك، ضمن أمور عدّة أخرى، أنّ الماركسية تعتبر الناس ذوي عقولٍ وأجساد وأنّ عقول الناس مُتجِسّدة أساسيًا. وهب ذلك للهبات البيولوجية الإنسانية الطليعة، مثل: القدرة على الوعي الذاتي والإرادة والانعكاسية والعقلانية، فضلًا عن الحاجة للرفاهية المادية والنشاط الهادف والاستقلالية الشخصية.

واختصارًا، تعني الماديّة في الماديّة التاريخية أنّ الطبيعة – إلى جانب التكييف التاريخي، وبجانب البنى الاجتماعية المُمكِّنة للنشاط البشري والمقيِّدة والمحفِّزة له – تلعب أيضًا دورًا سببيًا.

انكسر توازنُ الماركسية بين عالمٍ طبيعيٍّ كليًّا ونموذجٍ تاريخوي تمامًا في النصف الثاني من القرن العشرين. كما أشار سيباستيانو تيمبانارو عامَ ١٩٦٦:

لعل السمة الوحيدة المشتركة بين جميع الأشكال المعاصرة للماركسية الغربية هي، مع بعض الاستثناءات القليلة جدًا، انشغالهم بالدفاع عن أنفسهم ضد اتهامهم بالماديّة. إن الماركسيين الغرامشيين أو التوغلياتيين، أو الماركسيين الهيجليين الوجوديين، أو الماركسيين الوضعيين الجدد، أو الماركسيين الفرويديين أو البنيويين – رغم الشقاق العميق الذي يفرِّقهم في أحوالٍ أخرى – يتّحِدون في رفض كل اشتباه وجود قواسم مشتركة مع الماديّة «المبتذلة» أو «الميكانيكية»، وبرفضهم بمثل هذه الحماسة، في نَبْذِهم الميكانيكية أو الابتذال، ينبذون الماديّة ذاتها.

ويمكننا أن نحدد على الأقل ظاهرتين مسؤولتين عن هذا التحول. أولًا، كانت كل أنواع الماركسية تقريبًا تحاول، باذِلةً قصارى جهدها، أنْ تنأى بنفسها عن الماديّة الستالينية المبتذلة. ثانيًا، ولعلّه أهم، حاول الكثير منهم التكيف مع التحولات اللغوية والثقافية في الأوساط الأكاديمية.

ففي عصر ما بعد الحرب العالمية، تبنَّى نقدٌ بارز أنّ الماركسية تحيّد الثقافة إلى تفاهاتِ بُنىً فوقيّة، وظيفتها الوحيدة تأمينُ إعادة إنتاج الاقتصاد، المجالُ الاجتماعي المهم حقًّا. ونتيجةً لذلك، صححَّت معظم أنواع الماركسية أيَّ سوء معاملة محتملة للظواهر الاجتماعية الخارِجة عن الاقتصاد، إما برفض مجاز «البنية التحتية-البنية الفوقية» تمامًا أو بإجراء تعديلٍ جوهري عليه.

رغمَ أنّها دائمًا ما كانت مهمة للماديّة التاريخية، أصبحت الثقافة والخطاب والسياسة والأيديولوجيا والهيمنة والهوية والجندر والعرق شعاراتِ الماركسية. مالت الماركسية كثيرًا إلى الاتجاه الثقافي حتى بدأت تفصل نفسها ودراستها للثقافة تمامًا عن المادية بأسرها. نجح تيمبانارو – في 1966، مجددًا! – في تصوير هذا الميل:

يبدو موقف الماركسيّ المعاصر في بعض الأحيان موقفَ شخصٍ يعيش في الطابق الثاني من منزلٍ ما، يلتفت إلى مستأجِر الطابق الثالث ويقول: «تظنّ أنك مستقل، وتعيل نفسك بنفسك؟ إنك مخطئ! شقتك صامدة فقط لأن شقّتي تدعمها، فإن انهار مسكني ينهار مسكنك». ومن جهة أخرى، يقول لقاطِن الطابق الأرضي: «ماذا تزعم؟ أنّ شقّتك تدعم وتكيّف شقتي؟  ياله من وهم بائس! يوجد الطابق الأرضي فقط كطابقٍ أرضي للطابق الثاني. أو بالأحرى، بالمعنى الدقيق للكلمة، إنّ الطابق الأرضي الحقيقي هو الطابق الثاني، أما شقتك ليست إلا قبوًا نوعًا ما، لا يمكن تعيين وجودٍ حقيقيٍّ له» في الواقع، إنّ العلاقة بين الماركسي ومستأجِر الطابق الثالث قد تحسنت تحسنًا ملحوظًا منذ فترة، ليس لأن مستأجِرَ الطابق الثالث قد اعترف بـ «اتّكاليّته»، بل لأن الماركسي خفّضَ مزاعمه بمقدارٍ معتبر، وأصبح يقرّ أنّ الطابق الثالث مستقلٌ غالبًا عن الثاني، أو أنّ، أحيانًا، أنّ كلا الشقتين «تدعمان بعضهما بعضًا». لكن ازدرائه لقاطني الطابق الأرضي بات أكثر صراحةً.

وما زلنا نجد هذا «الازدراء لسكّان الطابق الأرضي»، حيث أنّ بعض التيارات الماركسية والنظريّة الاجتماعية الراديكالية تطرح جانبًا، بشكل عام، البيولوجيا والماديّة من تحليلاتها.

تفتتح ديانا كول وسامانثا فروست مجموعة المقالات في مجلة «ماديات جديدة» عبر وصف «كسوف الماديّة في النظرية الحديثة» يناظره «التحول الثقافي المفضِّل لللغة والخطاب والثقافة والقيم». وبشكل أكثر تحديدًا، يلاحظ كيران دوركين في كتابه عن إيرك فروم الصادر عام 2014 أن «الكلام ‹طبيعة بشرية› أو ‹الجوهر الإنساني› يعتبر، في يومنا هذا، أمرًا محرجًا عمومًا»، كونه مقترِن بمشروع البيولوجيا الاجتماعية البائس.

ويتفق على هذا الاعتقاد الكثير من الباحِثين المؤثِّرين تأثيرًا اسثتنائيًا، من ريتشارد رورتي وكليفورد جيرتز إلى ستيوارت هول وجوديث بتلر وميشيل فوكو، وغيرهم الكثير. يكتب هول متأثرًا بفوكو، إن الجسم البشري يجب الإقرار بأنه «مطواع وعَرَضي بلا حدود». وبالتالي، كوننا طُلّاب «فوكو، ودولوز، وإيريجاري» يقودنا ذلك إلى «رفض جميع أشكال النزعات الكليّة، بما فيها الأنواع الاشتراكية».

ولكن هذا الخطأ المؤسف، كما تشير لينا غونارسون، لا يعضد إلا المنطق الأساسي للبيولوجيا الاجتماعية:

رغم أنّ هدفَ إنكار أي أهمية للبيولوجيا في المسائل الاجتماعية يبدو دقَّ المسمار الأخير في تابوت الحتمية البيولوجية، إن هذه الخطوة تعتمد واقعًا على فهمٍ حتمي للمجال البيولوجي. في سعيها لتجنب الحتمية البيولوجية عن طريق تجنب البيولوجيا، لا يتحدى الاعتقاد الأساسي للبيولوجيا الاجتماعية القائل أنّ البيولوجيا، لو أُقِرَّ بها كأساسِ سَيْر الإنسان الوظيفي، فهي تحدد حتمًا السلوك البشري…قد يكون الموقف البنائي الراديكاليّ نقيضَ الحتمية البيولوجية على المستوى السطحي، لكنه يسير ضمن حدود البنى الصنفيّة لهذه الأخيرة، إنّما بصورة معكوسة. فما يميز كلا المعسكرين هو الاختزالية بقدر ما أن ما هو، فعليًا، بيولوجيّ ومبنيّ اجتماعيًا، أُلزِم – اختزاليًا – إما بمُحدِّداتٍ بيولوجية أو اجتماعية.

يكشف تشيبر ببراعة شديدة، الاحتقار غير المبرر للماديّة، وما يقترن معه من بنائية مفرِطة في الفصلين السابع والثامن من «النظرية ما بعد الكولونيالية وشبح رأس المال». ورغم ذلك، تظهر هذه النزعة في العديد من الانتقادات التي تلقاها منذ نشر الكتاب.

التعقّل في ظل الرأسمالية

يؤكد تشيبر في «النظرية ما بعد الكولونيالية» الشِراك المحتملة للتحليل الماديّ. إن نسب التعقّل أو الانعكاسية للفاعلين الاجتماعيين، والتأكيد على قوّة المصالح الماديّة في تحفيز بعض أفعالهم قد يقع في الأخطاء بطرقٍ عدة: إنْ صوّرَ الفاعلين الاجتماعيين كمستمثلي منفعة دون حياد أو أسوء من ذلك، كمحض أنانيين؛ وإنْ نفى دور النشاط الاعتيادي الروتيني؛ وإنْ تجاهلَ أنّ جميع الأنشطة البشرية تقريبًا – إن لم تكن كلها – تتوسَّطُ تنفيذها الثقافة، وتُوْهَب معنىً اجتماعيًا، وتتمظْهرُ بتنوّع في بيئاتٍ متعددة؛ وإنْ أنكرَ أن العديد من جوانب حياة الإنسان لا يُتوسَّط تنفيذها الثقافة فحسب، بل تشكِّلها بالفعل أيضًا؛ إنْ صرف النظر عن السلوك غير المتعقّل، وحتى اللاعقلانية الممنهجة، في بعض مجالات الحياة؛ وهلم جرًا.

بعد رسم حقل الألغام هذا، يوظِّف تشير أدلة التابعيّين التأريخية ليبرهن أفضلية الماديّة. وخلافًا للمزاعم الصريحة لاثنين من رياديي التابعيين، بارثا تشاترجي وديبيش تشاكرابارتي، هذا الدليل يبرهن أنه عند تهديد رفاهية البشر واستقلالهم الذاتي، يدركون ذلك الوضع، بغض النظر عن علاقة ثقافتهم بالسمات الأوروبية أو الوعي البرجوازي.

ودفاع تشيبر عن الماديّة يتلخص تقريبًا في بديهية: حين يواجه الناس ضغطًا شديدًا، فهم يدركونه ولا يستمتعون به.

هذا بالطبع لا يعني أن المستَغَلّين سيتدافعون تلقائيًا إلى نضالٍ فعلي، فكراهية الاستغلال ومكافحته فعليًا أمران مختلفان. على الأول بينهما أن يأتي قبل الآخر، ولكن النشاط الجمعي يعتمد على عوامل كثيرة علاوةً على معاناة الحرمان والإقرار بها.

فالنضالاتُ الناجعة تحتاج مواردَ ماديّة وغير ماديّة كافيّة لمباشرةِ التعبئة؛ تواجه مخاطر شديدة ويجب أن تزِنها مقابِل فرص نجاحها؛ يجب عليها توليد التضامن أو هويّاتٍ ثقافيةٍ مشتركة بين المستَغَلّين والمضطَهَدين. ومن نافلة القول أنّ هذه العوامل تظلّ مرتبطة ارتباطًا جوهريًا بمصالح الناس وتعقُّلِهم.

بعض نقاد تشيبر، حتى بعض المتعاطفين معه منهم، لا يتفقون على هذه النقطة. يصفها ويليام سيويل بأنّها «عقلانية» و«تدنو جدًا نظريةَ الاختيار العقلاني»، وهذا خوفٌ يتشاركه معه كل من بروس روبنز وستاين سوندستُل إريكسن. بالنسبة لسويل، تفتقر ماركسية تشيبر «للحساسيات الثقافية».

ينظر جوليان مورڤيت بعين الشك لما يصفه بـ «تمسّكه بلائحة مصالح فردية تملي قرارات بشأن الوجود». ويذهب جورج شتاينميتز لأبعد من ذلك بقوله إن «تشيبر يدافع ضمنيًا عن رؤية غير واقعية أبدًا ترى الإنسان كآلة عقلانية». أثناء ظهور تشيبر في محطة إذاعة سلوفانية، طرح المذيع بشكل انتقادي – وإن كان مبهمًا بعض الشيء – رأيًا مماثلًا:

اختزالُ إنسانٍ في خصائصه الممنوحة طبيعيًا يخلق حياة خالصة لا يمكن أن تولد تغييرًا اجتماعيًا، لأنها، على نحوها هذا، مطرودة عن المجتمع. فالحياة الخالصة، التي لا تُعرّف كإنسانٍ ولا وحش، لا يمكن أن تُعتبَر قاسمًا مشتركًا يجمع البشر معًا كفاعلين سياسيين لحركة عمال.

قد نتفق مع سيويل في قوله إنّ تشيبر كان ينبغي عليه أن يخطو خطوة أخرى ويقدم بديلًا لعلم الاجتماع التاريخي والسياسي للعالم ما بعد الكولونيالي لرد على التابعيِّين. ولكن هذه الانتقادات حول موقع التعقُّل في كتاب «النظرية ما بعد الكولونيالية» تسيء فهم حجة الكتاب إساءةً جوهرية.

فزعم أنَّ تشيبر يطرح دفاعًا عن فكرة أنّ البشر آلاتٌ عقلانية، أو يختزل البشر في سمات طبيعية المنشأ – أو حياة خالصة، أيًّا كان معنى ذلك – لا يحوِّر حجج الكتاب فحسب، بل يكشف أيضًا عن ازدراء الماديّة التي يصفها تيمبانارو.

تشوب هذا الموقف عِلّتان رئيستان: أولًا، إنها خاطئة نظريًّا وتجريبيًا. فقد أدرك الأناس المُخضَعون في كل مكان وزمان خطورة مكانتهم وشعروا بحيفِها. وكما يشهد «كتاب ڤيرسو عن المقاومة»، سعت البشرية للتنظيم، والمقاومة، وإحداث التغيير طوال تاريخها.

فكيف يمكننا أن نفسر ذلك دون إرساء سلوك الإنسان في مصالح البشر الماديّة وقدرتهم على النأي بأنفسهم عن المبادئ التي تحاول تبرير القمع والاستغلال؟ إذا لم يكن البشر سوى بنىً اجتماعية ثقافية «مِطواعة بلا حدود»، سيكون ردّ فِعلهم – ببساطة – استبطانَ هذه الأيديولوجيات السائدة، لا التشكيك بها، وتحدّيها، وإسقاطِها. إنّما الممارسات الاجتماعية الثقافية الاضطهادية تؤثر في البشر، وتخيب آمالهم، وتؤلِمهم لأنّهم بالتحديد ليسوا «مِطواعين بلا حدود».

علاوة على ذلك، رُفض الاعتقاد القائل إن البشر لهم اهتمامات ماديّة، وأن هذه المصالح تحفّز، بوساطة الثقافة، الجهات الفاعلة في حالات معينة، يُعجِز عن فهم أبسط سمات الرأسمالية وأبرزها: لِمَ يعرض العمال غير المالكين أنفسهم للتوظيف؟ لِمَ يتنافسون ضد زملائهم العمال؟ ولِمَ يعمل الرأسماليون باستمرار لتقليص التكلفة وتعظيم الربح؟

أهي ناتجة الأيديولوجيا والعادات والمعايير الثقافية ليس إلّا؟ أليس للتعقُّل والمصالح الماديّة – المرتبطة بالحاجات البشرية والمعطلة بتفاوت توزيع الموارد – أثرٌ على سلوك العمال والرأسماليين؟ إنْ كان هذا صحيحًا، لماذا نجد الممارسات ذاتها في بيئاتٍ ثقافية مختلفة اختلافًا شاسعًا؟ ما هو مصدر هذه المعايير المُعزِّزة لهذه الأبنية؟ لماذا خلق الناس ذات المعايير في جميع البلدان الرأسمالية؟

من المعقولِ أكثر بكثير أنَّ الرأسماليين يقلِّصون التكلفة ويعظّمون الربح بسبب تنافسِهم مع رأسماليين آخرين. إنَّ رفضَ الالتزام بالبروتوكولات الرأسمالية، سيحتِّمُ عليهم الإفلاس، وسيخسرون بذلك مكانَتهم الطبقية المُريِحة التي تمنحهم الرفاهية الماديّة والاستقلالية وما إلى ذلك. وبالمثل، يبحث العمال عن وظائف ويتنافسون فيما بينهم لأنّهم إنْ لم يقوموا بذلك، لن تُشبَعَ أبدًا أكثرُ احتياجاتِهم الإنسانيّة أساسيّةً.

يدعي شتاينميتز أن «الجدل حول التعقُّل ليس جزءًا ضروريًا من حجج تشيبر عن طبيعة الرأسماليّة». كما يقول إريكسن الشيء نفسه تقريبًا: «ما نكسبُه بالإصرار على تعقُّل الجهات الفاعلة ليس أمرًا واضحًا» اسمح لي أن أُخالِف. لا تمثِّل حجة تشيبر حول التعقُّل جزءًا ضروريًا فحسب، بل ربما جزءًا مركزيًا من تحليله لنشاطِ الرأسماليّة.

ثانيًا، إن رفض الماديّة يجرّد السياسة الاشتراكية المُؤكِّدة على أهمية النضال من الأسفل. إنْ كان الناس سيُحرّرون أنفسهم – بدلًا من أن يُحَرَّروا من الأعلى – يجب أن يتِّسموا على الأقل ببعض العقلانية، وأنْ يحددوا بِضع قضايًا عموميّة تربطهم مع بعضهم البعض. فبدون سمة التعقُّل، لا يستطيعون إدراك الوضع الإشكالي الذي يعيشون فيه، ولا يمكنهم تنسيق الأنشِطة الجمعية الملائمة التي تقرّبنا أكثر إلى مستقبلٍ اشتراكي.

في الواقع، إنْ لم تُوْجَد المصالح الماديّة أو لم تكن مهمّة، لماذا لا يتعاون الرأسماليين والعمال ببساطة ويتعايشون سلميًا اليوم وفي الحال؟ إن لم تكن هناك مصالح، لا يمكن أن يكون هناك تضارب مصالح: لماذا إذًا نناضل ونحتج؟

نحو نقدٍ أفضل

يصِفُ عديدٌ من نقّاد تشيبر أعمالهُ بأنّها إمّا ليست ماركسيةً بما فيه الكفاية أو مُفرِطة في ماركسيتها. ومثل هذه الجدالات لم تكن يومًا نافعة: يجب على النقاد استخلاص عيوب المُؤَّلَف، وليس مجرد وصمه وصمًا ما وكأن مهمّتهم لا تنطوي إلّا على ذلك. للإنصاف، معظم نقّاد تشيبر يترفَّعون عن مجرّد الوصم. ومع ذلك، إن واقعَ كون تقييمات المصدر الفكريّ لكتاب «النظرية ما بعد الكولونيالية وشبح رأس المال» غالبًا ما تتخذ مواقف متعارِضة يدلُّ على جودة هذه الحجج.

يصر كريس تايلور، على سبيل المثال، أنّ الكتاب «أحد أقل النصوص ‹الماركسية›» المنشورة في السنوات الأخيرة «ديالكتيكيةً وأكثرها بلادةً». أي أنّه يلمِّح ضمنًا أنّ الكتاب لا يُعدّ ماركسيًا حقًا أو أنّه ماركسيّ في أتفه ما تعنيه الكلمة.

يتحسر مورڤيت أيضًا على «الماركسية التحليلة الفيبرية التي يناصِرها تشير» ويهنئ تشاترجي على «قراره التكتيكي بأن يتفوّق على الماركسيّ في ماركسيّته». يشير مورڤيت هنا لشكوى تشاترجي، التي قدمها في مؤتمر الماديّة التاريخية بنيويورك لعام ٢٠١٣ بالقول إنّ «تشيبر.. يقدم تفسيرًا بديلًا للإنتاج الرأسمالي لا يملك أي ارتباطٍ مرأي بالتقليد الماركسي. يرفض تشيبر تعريفَ ماركس للعمل المجرد».

وأودي شاندرا هنّأ تشاترجي، كاتِبًا أنّ «قراءته الماهرة لمجموع أعمال ماركس، فاقت جهود تشيبر وبينت أن هذا الأخير ليس سوى ليبرالي رولزي كرس نفسه لشكلٍ من أشكال نظرية العقد الاجتماعي». فبالنسبة لشاندرا، إطار تشيبر النظري ليس ماركسيًا بما فيه الكفاية، مُتعمِدًا على مناوراتٍ غير ديالكتيكية وبرجوازية مثل التحليل، والاختلاف مع ماركس، وإقراره بساهمات علم الإجتماع الفيبري والليبرالية الولزية.

يرى البعض تشيبر مُفرِطًا في ماركسيّته، أو بالأحرى يعتقدون أن ماركسيته مفرطة في الضيق والأرثوذكسية. وأمّا سبيفاك أنفت عن «النظرية ما بعد الكولونيالية وشبح رأس المال» واصفةً إياه بـ «ماركسية بريطانيا الصغرى» مدعيةً أن رؤية الكتاب «تهدم أي محاولة لتوسيع نطاق خطابٍ ماركسي عام». ففي النهاية – تؤكد سبيفاك – أنّ ما قدمه تشيبر ليس إلاّ ذات «التصريح الماركسي الميكانيكي الطوباويّ المعتاد».

قال المذيع السلوفيني المذكور أعلاه إن تشيبر «يخلق حاجزًا منيعًا بين ما يُصوِّره كماديّة وما هو ليس بماديّة.. فهو يولّد بذلك عدم توافق عموميّ بين الماركسية وغير الماركسية…ويجبرنا على اختيارِ أحد الجانبين كخيار صائب والآخر خاطئ». بمعنى أن دوغمائية تشيبر وماركسيته الأرثوذكسية ترفض قبول أي أفكار تقع خارج إطاره النظري الضيق.

الآن، ما هو الأصح؟ هل أدبيّات تشيبر تحمل ماركسيّة مُفرِطة أم غير كافية؟ هل يرفض قبول أيّ شيء خارج الماركسية، أم أنه يحتوي عددًا زائدًا من غير ماركسيين مثل فيبر ورولز؟ لا تُجِب على هذا السؤال، فالسؤال تافه بحد ذاته.

إن الامتثال لنموذج معيّن لا يهم، ما يهم هو إن كانت حجج تشيبر مُستدامة نظريًا وتجريبيًا أم لا. ولذا فإنّ ضآلة الجهود التي بذلها أكثر نُقّاد تشيبر عدائيّة في هذا السبيل حتى الآن لهي أمرٌ مفاجئ.

المصدر: مجلة جاكوبين