ميلانشون: إصلاحي راديكالي ضد الصعود الأوليغاركي

10220925281

شانتال موف

الصّعود المفاجيء لجون لوك ميلانشون إلى المركز الثالث فى استطلاعات الرئاسة أطلق حملة، يتزعمها المدافعون عن الوضع الراهن، تستهدفه بوصفِه «ثوريًا شيوعيًا». كما أن جزءًا من الصحافة، التي نبذت ميلانشون لفترة طويلة، يعمل الآن على تدمير مصداقية برنامجه، مُقدِّمًا إيَّاه على أنه «خطط بلهاء موهومة لتشافيز فرنسي».

مُصوَّرًا على أنه متطرف خَطِر، يتعرَّض جون لوك ميلانشون لهجمة من قِبل كل هؤلاء المعتقدين أنه ما من بديل للعولمة النيوليبرالية. عند هؤلاء، تتطلب الديمقراطية قبول «الإجماع ما بعد السياسي (post-political consensus) المؤسَّس بين أحزاب يسار الوسط ويمين الوسط. وأية مُساءلة لهذا الإجماع يستوجب أن تكون من فعل الديماغوجيين الشعبويين.

وعند هؤلاء، يتطلب الدفاع عن الديمقراطية، بالتالي، وقف التهديد الشعبوي بجميع أشكاله. لكن إذا كانت الديمقراطية، اليوم، في خطر، فإن هذا، بالتحديد، سببه ما بعد السياسة. لقد قاد هذا الأخير إلى الوضع «ما بعد السياسي» الذي يسود اليوم معظم البلدان الغربية. فالمُثُل العليا المرتبطة بالسيادة الشعبية وتحقيق قدر أكبر من المساواة قد اختفت. ولم تعد الانتخابات توفِّر للمواطنين إمكانية الاختيار بين مشاريع سياسية مختلفة.

كما عبَّر عن الأمر أحد شعارات حركة «إندينادوس» (indignados) (غضب) في إسبانيا: «لدينا تصويت، ولكن ليس لدينا صوت». هذا الرفض لما بعد الديمقراطية (post-democracy) نفسه مُعبَّرٌ عنه في «اللحظة الشعبوية» التي تميز الظرفية الحالية. من هنا، يجب أن نفطن إلى المطالبة بمشاركة حقيقية في القرارات السياسية.

بطبيعة الحال، يمكن لهذه المطالبة أن تتخذ أشكالًا عديدة، على حَسَب الشكل الذي يتم فيه بناء «الشعب» – الـ «نحن» التي تطالب بصوت. هنا يكمن الفرق بين «الشعبوية اليمينية»، تكون تسلطية النمط تسعى إلى حصر الديمقراطية في المواطنين، و«الشعبوية اليسارية» التي تسعى إلى توسيع الديمقراطية وطبعها بطابع راديكالي. وإذا كانت الشعبوية اليمينية قد حققت، حتى الآن، نتائج أفضل، فذلك يرجع إلى أن اليسار ظل لفترة طويلة سجين رؤية توافقية للسياسة، وإلى فشله في التعرُّف على الدور الحاسم للعواطف في تشكيل الهويات السياسية.

تكمن قوة حركة مثل فرنسا المتمرِّدة (France Insoumise) في أنها، بالتحديد، انفصلت عن هذه الرؤية، وقدَّمت منظورًا قادرًا على خلق إرادة جماعية، «نحن» تبلور العواطف المشتركة وتعبئها في اتجاه تعميق الديمقراطية. من أجل هذا، كان هدف جون لوك ميلانشون: الجمع بين الناس، لخلق إرادة جماعية حول مشروع ثورة المواطن، من أجل كتابة دستور جديد يفتح المزيد من النقاش ويسهِّل التعبير عن السيادة الشعبية.

على عكس ما يدعيه أعداؤه، المسألة لا علاقة لها بتدمير أسس النظام الديمقراطي وإقامة نظام استبدادي، وإنما وضع حد للنظام الأوليغاركي الناجم عن الهيمنة النيوليبرالية. وفي واقع الحال، شهدنا بصورة حقيقية طبع مجتمعاتنا بطابع أوليغاركي على مدى السنوات الثلاثين الماضية، تحت ضغط الرأسمالية المالية.

وقد تجلت عملية طبع مجتمعاتنا بطابع أوليغاركي، من ناحية، من خلال ظهور مجموعة صغيرة من فاحشي الثراء، و، من ناحية أخرى، من خلال تدهور عميق في الظروف المعيشية للطبقات الشعبية وتزايد انحلال وتفقير قطاع كبير من الطبقات الوسطى. هذا هو الشكل الجديد من الاستقطاب الذي يفسِّر نجاح الحركات الأوروبية التي تتبنى ثنائية الحد السياسي لـ «هم/نحن» بطريقة شعوبية: من هم تحت ضد من هم فوق، «الشعب» ضد «النُخَب».

حتى الآن، ظهر هذا النمط من السياسات الشعبوية بشكل أكبر في البلدان الأوليغاركية بعمق، كما هو الحال في أمريكا الجنوبية. فالحركات الوطنية الشعبية في تلك البلدان تشكَّلت من أجل دمج الطبقات الشعبية في مؤسسات تمثيلية، في حين كان هناك وضع مختلف في أوروبا، حيث إن هذا الدمج قد تحقق جزئيًا بفضل الديمقراطية الاجتماعية. لكن الهيمنة النيوليبرالية جلبت معها انحدارًا في هذا الدمج، وبالتالي أصبح من الممكن القول بأن مجتمعاتنا نفسها «تأمركت لاتينيًا». هذا هو السبب في أن الشعبوية الآن وهنا، أيضًا، صارت الممارسة السائدة الاعتيادية. وعليه، ينبع اهتمام جون لوك ميلانشون بتجارب أمريكا اللاتينية من اقتناعه بأنها يمكن أن تساعدنا على فهم التحدي الذي نواجهه اليوم.

من الواضح كفاية أن المسألة لا ترتبط بتطبيق نماذج أمريكية لاتينية في فرنسا – كما يُتَّهم ميلانشون في كثير من الأحيان – بل إيجاد مصدر إلهام يساعدنا على مُساءلة بعض قناعاتنا، خاصَّة فيما يتعلق بالطريق التي يجب أن نتصور بها المواجهة اليسارية/اليمينية. إن كان نتيجة الشروط الخاصة للتاريخ الأوروبي، لن يمكننا التخلي عن هذا التعارض، فمن الأهمية بمكان الإقرار بأنه لم يعد بإمكاننا أن نواصل طرحه بنفس الطرق التي تعودنا عليها، بأنه مواجهة ما بين مجموعات سوسيولوجية تعرِّف نفسها عبر مصالحها الاقتصادية. إنه بإضفاء الطابع الأوليغاركي على مجتمعاتنا، يجب النظر إلى حدود نحن/هم – وهذه الحدود مُؤسِّسَة للسياسة – بطريقة تأخذ في الاعتبار تنوع المطالب الديمقراطية وعدم تجانسها. فالرهان المتعلق بالشعبوية اليسارية يكمن في كيفية تمكّننا من صياغة هذه المطالب في بناء إرادة جماعية. تتمثل المهمة في بناء شعب يجمع بين مطالب الطبقات الشعبية والطبقات الوسطى المتقلبة مع سلسلة كاملة من المطالبات المرتبطة بأشكال أخرى من الهيمنة، كتلك المستهدفة من قِبل النسويات والناشطين المناهضين للعنصرية، والأقليات بتنوعاتها. ويتمثل الهدف في وضع حد لهيمنة النظام الأوليغاركي: ليس من خلال «ثورة» تدمِّر المؤسسات الجمهورية، لكن من خلال ما أطلقَ عليه الفيلسوف الإيطالي أنطونيو غرامشي (1891-1937) «حرب المواقع» التي تؤدي إلى تحول عميق في علاقات القوة القائمة وإرساء هيمنة جديدة. وهذا، في ضوء استعادة و، في الواقع، إضفاء طابع راديكالي على المَثَل الديمقراطي.

في واقع الحال، إن رهان «إنسوميز فرانس» ومشروع جون لوك ميلانشون «ثورة المواطن» يتمثل في إعادة صياغة السياسة اليسارية في منظور يميز نفسه عن كل من الديمقراطية الاجتماعية واليسار الراديكالي. بعيدًا عن أن نكون صورة رمزية لأقصى اليسار، يمكننا اعتبار هذا المنظور بمثابة «إصلاحية راديكالية» تأخذ موقعًا في أفق التقليد الديمقراطي العظيم. ولعله من المفارقة أن مثل هذا المشروع كثيرًا ما يُتَّهم، من قِبل منتقديه، بمناهضة التعددية، وكأنهم ليسوا في الواقع هم الذين يرفضون قبول التعددية من خلال إنكارهم إمكانية إيجاد بديل للنيوليبرالية. إنهم هم الذين يعرِّضون الديمقراطية للخطر.

المصدر: فيرسو