فلسطينيون وإسرائيليون: الصراع والحل

First-Intifada

موشيه ماكوفر

مقدمة: كيفية التفكير في الصراع

كيف ينبغي لنا أن نفكر في الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي؟ يرجى ملاحظة أن «الكيف» تأتي قبل «ماذا». قبل أن نصل لأي استنتاجات موضوعية، وحتمًا قبل الميل لأي جانب، يجب أن نكون واضحين حول: كيف يجب أن يتم تناول هذه القضية؟

سيكون من الخطأ أن نبدأ بحكم معياري. ورغم وجودِ حكمٍ أخلاقي يجب اتخاذه، وأنا لست أشجع على تجنب ذلك، يجب علينا ألا نبدأ بالأحكام القيمية الأخلاقية. فإلقاء اللوم على أحد الجانبين بارتكاب الفظائع ليس نقطة جيدة للبدء بها، ففي أي صراع عنيف يحتمل – وغالبًا ما يحدث فعلًا – أنّ كلا الجانبين قاما بفظائع بشعة: الإسراف في قتل، وتشويه العُزّل والناس الأبرياء، وتدمير منازلهم، وسلب معيشتهم، وبالطبع كل هذه الفظائع يجب أن تُدَان.*

وسيكون من السهل الآن إظهار كون إسرائيل ترتكب فظائع على نطاق أكبر بكثير، وأكثر بأضعاف من خصمها الفلسطيني (أو غيره من العرب)، لكن هذا بحد ذاته ليس سببًا كافيًا للاصطفاف مع أحد الجانبين. فإسرائيل سببت أضرارًا أكبر وترتكب فظائع أكثر لأنها تستطيع ذلك، فهي أقوى بكثير، وتملك آلة حربية هائلة، وهي، بالأرقام، إحدى أكبر الآلات الحربية في العالم، والأكثر شراسة إلى أبعد حد بالنسبة إلى حجمها، آلة إسرائيل الحربية. لهذا فالمقارنة بين الفظائع التي تمت لا يعني تلقائيًا أنّ إسرائيل هي الطرف المخطئ.

أيضًا السؤال عمن بدأ الصراع غير مفيد، فكل طرف يدّعي أنه يرد على الجرائم التي ارتكبها الطرف الآخر. ووسائل الإعلام تصف هذا بـ «دائرة العنف»، وهي في الواقع ليست دائرة بل «سلسلة لولبية». إلى أي مدى نحتاج للعودة إلى الوراء لنكتشف صاحب الخطيئة الأولى؟ وحتى لو عدنا إلى الوراء لأبعد نقطة يمكننا أن نعود إليها، واكتشفنا هوية من قام بإطلاق أول رصاصة، ثم ماذا؟ ربما من قام بإطلاق أول رصاصة كان لديه المبرّر لفعل ذلك؟

يجب أولًا أن نعالج هذه القضية بشكل وصفي تحليلي، يجب أن نسأل: ما هي طبيعة هذا الصراع؟ حول ماذا يدور الصراع؟ فالفهم ينبغي أن يسبق الحكم. عندما نفهم الصراع، وحول ماذا يدور، عندها يمكن لكل منا أن يقرر حكمه على الصراع بناءً على معاييره الأخلاقية. بعد فهم طبيعة الصراع والحكم عليه، حينئذٍ، وحينئذٍ فقط، يمكننا أن نعمل على ما يمكن أن يشكّل حلًا للصراع، ونحاول معرفة كل ما من شأنه أن يوصل لحل للصراع.

1) تحليل الصراع

1،1) السياق الإقليمي للمشروع الاستعماري

التاريخ مهم، فلا يمكنك فهم الصراع من خلال التقاط صورة لوضعه الآني. يجب عليك أن تعيد شريط الأحداث إلى بدايته. لم يبدأ الصراع عام 1967 ميلادي، في ذلك العام دخل الصراع في مرحلة جديدة من خلال الاحتلال العسكري الإسرائيلي للضفة الغربية وقطاع غزة والجولان السوري. ولم يبدأ الصراع أيضًا عامَ 1956 ميلادي مع الهجوم الإسرائيلي على مصر، بالتواطؤ مع فرنسا وبريطانيا. كما لم يبدأ أيضًا عام 1948 ميلادي عند تأسيس دولة إسرائيل وبداية النكبة الفلسطينية، عندما أصبح معظم الشعب العربي الفلسطيني، فيما سُميَّ لاحقًا بإسرائيل، لاجئين.

بدأ الصراع قبل قرن من الزمان، واشتدت حدته في أعقاب الحرب العالمية الأولى. وبصفة عامة: إن هذا الصراع جزءٌ من المشاكل المعقدة، مشاكلٌ لم تحل في المنطقة، خلفتها القوى الغربية الإمبريالية، بريطانيا وفرنسا، من خلال الطريقة التي قسَّموا بها الإمبراطورية العثمانية وتقاسموها. ونحن نشهد مكونات أخرى من بقايا هذا الإرث المعقد في العراق ولبنان وفي جميع أنحاء المنطقة.

هذا السياق الإقليمي مهم وسيكون مهيمنًا على ما سيلي. وبالتحديد في تعريف الصراع: إنه صراع يدور بين مشروعٍ صهيونيّ يهدف لاستعمارِ فلسطين وبين سكان هذه الأرض الأصليين، وهم العرب الفلسطينيون. في عام 1948، أصبح الصراع صراعًا بين إسرائيل، الدولة الاستيطانية وليدةَ المشروع الاستعماري الصهيوني، والعرب الفلسطينيين. والقول بأن الصهيونية كانت وما تزال مشروعًا استعماريًا، وأنّ إسرائيل دولة استيطانية ودولة استعمارية، ليس حكمًا قيميًا، بل هو إقرارٌ بحقيقة. ولا أستخدم هذه المصطلحات كإهانات، بل إنّ الحركة الصهيونية استخدمت مصطلح «الاستعمار» في خطابها الداخلي (وفيما بعد استُخدِمَ مرادف هذا المصطلح في اللغة العبرية).

من الممكن الجدال، والبعض يجادل فعلًا، أن الاستعمار وإقامة دول استيطانيّة أمرٌ مقبول أخلاقيًا، بشكل عام أو في هذه الحالة بالتحديد. هذا حكمٌ قيمي يعتمد على المعايير الأخلاقية للفرد. ولكن لا يمكن فكريًا إنكار حقيقة أن الصهيونية مشروعٌ استعماري، وأن إسرائيل دولةٌ استيطانية. هناك بالطبع العديد من الدول الاستيطانية التي أسّسَها المستعمِرون الأوروبيون، حيث استوطنوا مناطق مختلفة من العالم. وإسرائيل بهذا المعنى ليست فريدة بأي حال من الأحوال، لكن الصهيونية وإسرائيل استثنائيتان في العديد من الجوانب المهمة، وسوف أشير إلى ثلاثة جوانب منها فيما يلي[1]:

1،2) بدَأَت في وقت متأخر، وما تزال مستمرة.

أولُ ملمحٍ استثنائي للاستعمار الصهيوني هو أنه، تاريخيًا، كان آخر مشروع استعماري انطلق، وهو آخر مشروع استعماري ظلّ نشطًا، نشط كما في «بركان نشط» على عكس «بركان خامد»، وهو الوحيد أيضًا. فالدول الاستيطانية الأخرى حققت «مصيرها» (لو استخدمنا المصطلح الأمريكي الشهير خلال توسع الولايات المتحدة).* فالاستعمار في تلك الدول تحقّق وانتهى، لكنه لم ينته في القضية التي نتناول. ليست إسرائيل اليوم نتاج المشروع الصهيوني الاستعماري وحسب، بل هي أداة الصهيونية لمزيدٍ من التمدد والتوسع. فالاستعمار مستمر، واستمر متواصلًا ما بين 1948 و1967، في المناطق داخل الخط الأخضر، الواقعة، حينها، تحت الحكم الإسرائيلي.[2] صُودِرَت أراضٍي العرب الفلسطينيين، بما فيهم أولئك الباقين داخل الخط الأخضر، وأُعطِيت للاستعمار الصهيوني. وبعد وقت قصير من حرب 1967 استمر الاستعمار في الأراضي المحتلة حديثًا. لم يؤثر في جريان هذا المشروع تبدّل الحكومات الإسرائيلية، سواءً أكانت بقيادة حزب العمل، أو الليكود، أو الائتلافات الكبرى.

هناك الكثير من الجدل حول نيّةِ الحكومة الإسرائيلية، بقيادة إسحاق رابين، حين وقعت على اتفاقيات أوسلو عام 1993، ومقصَد رئيس الوزراء إيهود باراك بما سُمِّيَ بـ «العرض السخي» في قمة كامب ديفيد عام 2000. ونصيحتي لكم هي ألّا تستمعوا لروايات السياسيين، فالسياسيون عامّةً، وليس فقط صاحبنا توني بلير، مراوغون، فهم يكذبون عندما يناسبهم الأمر، انظروا إلى الحقائق على الأرض، فهي لا تكذب.

انظر إلى الرسم البياني (1). يعرض الرسم ازدياد عدد المستوطنين الإسرائيليين في الضفة الغربية ما بين 1976 و2004. في الرسم البياني، تمثّل السَنة رقم 1 إلى عام 1976، والسنة رقم 29 تشير لعام 2004.[3] يمكننا أن نرى بأنفسنا أن الاستعمار استمرّ في هذه الفترة بلا هوادة، إذ خطّطت له الحكومة الإسرائيلية ونفّذته بحماية الجيش الإسرائيلي. [الرسم البياني (1) أدناه يبين أنه بين عامي 1976 و2004، ارتفع عدد المستوطنات الإسرائيلية بشكل مطّرد في الضفة الغريبة من بضعة آلاف إلى ما يزيد عن مئتي ألف مستوطنة]. وضعت علامة في الرسم البياني على الفترات التي تولى فيها إسحاق روبين وإيهود باراك رئاسة الوزراء، فترة 1992-1995، وفترة 1999-2001 على التوالي، وهي الحكومات التي قادها حزب العمل. هل يمكنكم اكتشاف أي تباطؤ في وتيرة الاستعمار؟ أو ملاحظة أي تغير على الإطلاق؟[4] وانظروا أيضًا خريطة المستوطنات أدناه.

1،3) عقيدة بن غوريون

في 16 فبراير/شباط 1973، ألقى الجنرال موشيه دايان خطابًا في اجتماع لجمعية المحامين الإسرائيلية. وأوردت صحيفة هآرتس في يوم 18 فبراير 1973 أن موشيه دايان «فاجأ مستمعيه»، فالمحامون الذين قاموا بدعوته توقعوا أنه، بصفته وزيرَ الدفاع، سيتحدث عن مواضيع عسكرية. وبدلًا من ذلك، قام دايان بقراءة محاضرة إيديولوجيّة أعدها مسبقًا، وفيها شرح عقيدة معلمه دافيد بن غوريون، مؤسس دولة إسرائيل. كان الأخير لا يزال حيًا وقتها، إذ توفي في نهاية عام 1973، ومن الإنصاف أن نفترض أن دايان كان متأكدًا من موافقة معلمه على فعله. (في الواقع، ليس من المبالغة أن نفترض أن بن غوريون كان يوصل رسالة للأمة من خلال تلميذه المفضل). اقتبس دايان ما قاله بن غوريون قبل سنوات عديدة خلال نقاشات داخلية حول تقرير لجنة بيل،[5] إلا أنه أكّد أن تلك الكلمات، التي قيلت عام 1937، ما تزال «ذات أهميّة اليوم أيضًا». وهذا هو جوهر عقيدة بن غوريون، بحسب ما نقل عنه دايان:

فيما بيننا [الصهاينة]، لا يمكن أن يكون هناك أي نقاش حول وحدة أرض إسرائيل [أي: فلسطين]، وحول روابطنا بها وحقنا في الحصول على هذه الأرض كلها…

وعندما يتحدث صهيوني حول وحدة الأرض، هذا لا يمكن أن يعني سوى استعمار [حيتياشفوت] اليهود للأرض بأكملها.

وهذا يعني، من وجهة نظر صهيونية، أن حجر المحك الحقيقي ليس محصورًا [بمسألة] إلى من يعود هذا الجزء من الأرض أو ذاك سياسيًا، ولا حتى إلى الاعتقاد النظري في وحدة هذه الأرض، بل إن حجر المحك الحقيقي للصهيونية وهدفها يمكن في إتمام استعمار اليهود لكل مناطق أرض إسرائيل.

وهذه العقيدة هي النظير الصهيوني لمذهب «المصير الجلي»،* اسمحوا لي أن أوضح ما ينطوي عليه ذلك: إنّ أي تقسيمٍ لفلسطين، وأي «خط أخضر»، وأيّ اتفاقٍ أو معاهدة تُغلِق أي جزءٍ، أيًّا كان، من «أرض إسرائيل» أمام الاستعمار اليهودي، من وجهة نظر صهيونية، ليست إلا تسويةً عابرة في أفضل الأحوال، قُبِلَت، مؤقتًا، لأسباب تكتيكية أو نفعية. لكن لا يمكن لهذه التسوية أن تُعتبَر نهائية.

وبالطبع هذا لا يعني أن الاستعمار الصهيوني لا يمكن إيقافه. معنى ذلك هو أن توسع الاستعمار الصهيوني سيبقى مسألةً ذات أولوية قصوى ما دام ميزان القوى يسمح بذلك.

1،4) الكتابة على الحائط

إنّ الاستعمار الصهيوني لفلسطين يشكّل جذَرَ الصراع، والاستعمار القائم، المستمر لهو الدافع المستديم للصراع. لهذا السبب سأقتصر هنا على مناقشة المشروع الصهيوني، وهو الجانب الخالِق لهذا الصراع. ونظرًا لضيق الوقت، لن أذكر إلا القليل عن النضال الفلسطيني، والذي شكّل ردّ فعلٍ متوقع. كان واضحًا منذ البداية أن تنفيذ مشروع الصهيونية السياسي سيشعل، حتمًا، مقاومة السكّان الأصليين الفلسطينيين، وسيقود لا محالة لصراعٍ عنيف. وقد أقر به أكثرُ الصهاينة تبصّرًا واعترف به علنًا أكثرهم صراحةً وأقلّهم تحفظًا.

وما كان منهم أحدٌ أقلّ تحفظًا من فلاديمير جابوتنسكي (1880– 1940)، الأب السياسي والروحي لخمسة من رؤساء الوزراء الإسرائيليين، وهم: مناحيم بيغن، وإسحاق شامير، وبنيامين نتنياهو، وأرييل شارون، وإيهود أولمرت.[6] وفيما يلي مقتطفات واسعة من مقالته الجديرة بِشُهرتِها، «الجدار الحديدي» (بالروسية: أ جوليزني ستين)، وقد نُشرت في 1923 في مجلة راسفيّوت (الفجر) باللغة الروسية:

التسوية بين العرب الفلسطينيين وبيننا أمر غير وارد لا في الوقت الحاضر ولا في المستقبل المنظور، وأود أن أعرب عن قناعتي الداخلية هذه بشكل قاطع، ليس لرغبتي بالتنكيد على أناسٍ لطفاء [أي الصهاينة المعتدلين] بل على العكس، لرغبتي في إنقاذهم من المحنة. فكل هؤلاء الناس اللطفاء، باستثناء أولئك الأضرّاء بطبيعتهم، قد أدركوا منذ وقت طويل أنّ الحصول على موافقة العرب الفلسطينيين على تحويل فلسطين ذاتها من دولة عربية إلى دولة ذات غالبية يهودية أمرٌ مستحيلٌ استحالةً مطلقة أبديّة.

أقترح على كل قارئ لديه فكرة عامة عن تاريخ الاستعمار في بلدان أخرى مراجعة كل الحالات المعلومة،[7] وأن يسير على القائمة كلها، محاولًا إيجاد حالة واحد فقط حيث تم استعمار بلدٍ بموافقة سكانه الأصليين، فهذه حالة لا توجد. فالسكان الأصليون، سواءً كانوا متحضرين أم غير متحضرين، دائمًا ما قاتلوا، وبشكل عنيد، ضد المُستعمِرين، سواءً أكان هؤلاء الآخِرون متحضرين أم غير متحضرين…

فأي سكانٍ أصليين، سواء كانوا متحضرين أم متوحشين، يرون في بلدهم وطنًا قوميًا، يكونون هم أسياده بشكلٍ كامل. فهم لن يقوموا أبدًا بالقبول طوعًا بأسيادٍ جدد، بل ولا حتى أسيادًا معهم أو شركاء لهم.

وينطبق هذا على العرب. فَدُعاة التنازل بيننا يحاولون إقناعنا أنّ العرب حمقى ويمكن خداعهم بتقديم صياغة ذات «نبرة أخف» لأهدافنا الحقيقية، أو أنهم قبيلة مَرتشِين سيتنازلون عن حقوقهم الطبيعية في مسقط رأسهم، فلسطين، مقابل تحقيق مكاسب ثقافية أو اقتصادية، وأنا أرفض هذه النظرة للعرب الفلسطينيين رفضًا قاطعًا.

ثقافيًا، إنهم متخلفون عنا بحوالي 500 عام، وروحيًا هم لا يماثلوننا جلادةً أو عزمًا، ولكن فيما عدا ذلك، لا توجد أي فروق أصيلة بيننا. فهم علماء نفس حاذقون مثلنا، و، مثلنا تمامًا، لديهم قرون من الخبرة في التحليل البارع [بالعبرية: فِلفول]. فمهما كان ما نقوله لهم، فهم يستطيعون رؤية ما نخفيه جيدًا، مثلما نستطيع رؤية ما يخفونه. ولديهم ذات الحبّ الغريزي والحماس الحقيقي لفلسطين الذي كَنّه الـ «أزتيك» للمكسيك، وكنَّه الـ «سو»* لبراريهم…كل الشعوب ستناضل ضد المستعمرين طالما هناك بارقة أمل لتخلص نفسها من خطر المستعمِرين. هذا ما يقوم به العرب الفلسطينيون وما سيظلون يقومون به طالما هناك بارقة أمل…

إنّ للاستعمار هدفٌ واحد فقط، وهذا الهدف لا يقبل به الفلسطينيون. هذه طبيعة الأشياء ومن المستحيل تغيير هذه الطبيعة…

حتى وإن أمكن الحصول على مصادقة عرب بغداد ومكة (وهو ما أرتاب في تحققه)، كما لو كانت فلسطين بالنسبة لهم أحد التخوم الحدودية التافهة، فستظل فلسطين للفلسطينيين العرب لا بلدًا حدوديًا، بل وطنهم الوحيد، قلبَ وجودهم الوطنيّ وأسّه.. ولهذا فإنه من الضروري الاستمرار في الاستعمار رغمًا عن العرب الفلسطينيين، وهو الوضع الراهن ذاته، ولكن الاتفاق مع العرب غير الفلسطينيين هو الآخر وهمٌ لا يمكن تحقيقه. سيستلزم الحصول على موافقة القوميين العرب في بغداد ومكة ودمشق على دفع ما سيكون بالنسبة لهم ثمنًا غاليًا في تخلّيهم عن الحفاظ على هويّة فلسطين العربية، بلدٌ يقع في وسط اتحادهم [المستقبلي] ويقطعه من النصف، سيكون علينا أن نقدم لهم شيئًا بقيمة مماثلة. من الواضح أن معنى ذلك أحد أمرين: إما المال أو الدعم السياسي أو كليهما معًا، ولكننا لا نستطيع أن نقدم أيًّا منهما. بالنسبة للمال، فمن المضحك الظن أن بإمكاننا أن نمول بلاد ما بين النهرين أو الحجاز في حين أننا لا نملك ما يكفي لفلسطين. والدعم السياسي للقومية العربية سيكون احتيالًا، فالقومية العربية تضع لنفسها أهدافًا مماثلة لأهداف القومية الإيطالية، على سبيل المثال، قبل عام 1870: الاتحاد والاستقلال السياسي. وبصريح العبارة، هذا يعني طرد إنجلترا من بلاد ما بين النهرين ومصر، وطرد فرنسا من سوريا، وربما بعد ذلك طردها أيضًا من تونس والجزائر والمغرب. بالنسبة لنا، دعم مثل هذه الحركة ولو من بعيد لن يكون إلّا انتحارًا وخيانة. فنحن نعمل تحت الانتداب البريطاني، وقد أيدت فرنسا، في سان ريمون، وعدَ بلفور. لا يمكن لنا أن نشارك في المكائد السياسية التي تهدف إلى طرد إنجلترا من قناة السويس ومن الخليج الفارسي، وإبادةِ مكانةِ فرنسا كقوّةٍ استعمارية. لا يمكن لنا أن نلعب على الحبلين، بل يجب ألّا تخطر مثل هذه الأفكار على بالنا. فسوف يسحقوننا قبل أن نتمكن من اتخاذ خطوة في ذلك الاتجاه، مكلَّلِين بعارٍ سنكون جديرين به…

الخلاصة: لا يمكننا أن نعطي أي شيء للفلسطينيين أو لغيرهم من العرب مقابلَ فلسطين، وبالتالي فإنّ موافقتهم الطوعية أمرٌ غير وارد إطلاقًا. ولذلك، يمكن لمن يؤمن أنّ هذه الموافقة شرطٌ أساسيٌ للصهيونية أن يقولوا «لا» للصهيونية، من الآن، وينبذوها. وعمليّتنا الاستعمارية هذه يجب إمّا أن تنتهي، أو تمضي قدمًا رغمًا عن إرادة السكان الأصليين. ومن ثم إنّ هذا الاستعمار لا يمكن له الاستمرار والتطور إلا في ظل قوّةٍ مستقلة عن السكان المحليين، تكون جدارًا حديديًا لا يمكن للسكان الأصليين اختراقه.

هذا هو المجموع الكلي لسياستنا تجاه العرب…فلماذا كان وعد بلفور؟ ولماذا كان الانتداب؟ معناهما، بالنسبة لنا، أنّ قوةً خارجية قد التزمت بخلق مثل هذه الظروف أمنيّة لا يمكن للسكان المحليين مهما كانت شدة رغبتهم في يتعرّضوا، إداريًّا أو بالقوة، لعمليتنا الاستعمارية.

1،5) متراس ضد آسيا

السمة الاستثنائية الثانية للاستعمار الصهيوني أن المستوطنين ليسوا مواطني قوّةٍ أوروبية أرسلتهم في مهمةٍ استعمارية وقامت بحمايتهم. وكان واضحًا لمؤسسي الصهيونية السياسية منذ البداية أنّ من الضروري لمشروعهم حصوله على رعاية قوّةٍ عظمى، أيًّا كانت القوة العظمى المهيمنة على الشرق الأوسط، والتي من شأنها أن توفر «الجدار الحديدي» الذي يمكّن الاستعمار الصهيوني من الاستمرار محميًّا بهذا الجدار. وبدون هذه الرعاية، التي أشارت لها الأدبيّاتُ الصهيونية المبكرة بـ «الامتياز» (charter)، فإن استعمار فلسطين لن يكون.

وبطبيعة الحال، فإن القوى العظمى ليست فاعلٍ خيرٍ يقدم الحماية دون مقابل، بل هي تقدّمها نظير خدمات لها. وأمّا ماهية هذه الخدمات، فقد اتضحت منذ البداية. وضّحها ثيودور هرتزل (1860– 1904)، مؤسس الصهيونية السياسية، في كتابه البرنامجيّ «دولة اليهود» (Der Judenstaat) والذي نُشِر في عام 1896: «بالنسبة لأوروبا، سنشكل نحن جزءًا من المتراس المتصدّي لآسيا، نخدمُ كثَغْرٍ للحضارة في مواجهة الهمجية. وكدولةٍ محايدة، سنكون على اتصال بكلّ أوروبا، وهذا سيضمن لنا وجودنا».

لم يقل حتى «صراع حضارات»، بل صراعُ الحضارة الواحدة والوحيدة مع الهمجية.

إذًا فهي صفقة، مسألةُ شيءٍ مقابل آخر. ففي مقابل الحماية التي سيوفرها «الجدار الحديدي» ضد العرب الفلسطينيين، الذي ستساعد الإمبريالية الغربية على إقامته، سيقوم المستعمِرُون الصهاينة، وفي نهاية المطاف دولتهم الاستيطانية، بتكوين «متراسٍ» لصالحِ رُعاتِهم، ضد «همجيي» الشرق الأوسط. (الممارسات الصهيونية طافحة بإقامة الجدران والمتاريس، لكن هذه المعاني ظهرت قبل ذلك في الخطاب الصهيوني – ففي البدء كانت الكلمة).

وكان من النتائج الحتمية لهذه الصفقة التاريخية أن تمت أقلَمة الصراع، فاشتباك المشروع الصهيوني، الذي تحوّل لإسرائيل، مع الفلسطينيين الأصليين امتد ليصبح صراعًا مع شعوب المنطقة بأسرها. ولا يرجع ذلك فقط للتضامن القومي من العرب في جميع أنحاء المنطقة مع أشقائهم العرب في فلسطين، بل يرجع أيضًا للدور النشط الذي تلعبه الصهيونية (وإسرائيل) كشريك للاستغلال والهيمنة الغربية على الشرق الأوسط.

بحلول ثمانينات القرن التاسع عشر، حلت ألمانيا تحت حكم القيصر فيلهلم الثاني محل فرنسا وبريطانيا كـ «صديق ومستشار عسكري» للإمبراطورية العثمانية المتآكلة. وكانت فلسطين آنذاك جزء من الإمبراطورية، فحاول هرتزل إقناع القيصر الألماني بفكرته، الواردة في الفقرة السابقة، لكن القيصر رفض الصفقة المقترحة.[8]

1،6) «أولستر يهودية صغيرة موالية»

حظي حاييم وايزمان بحظ أفضل بكثير مع حكومة لويد جورج مع نهاية الحرب العالمية الأولى. مُنِحت التطلعات الواردة في «ميثاق الصهيونية» على صورة وعد بلفور (2 نوفمبر/تشرين الثاني، 1917).[9] في مذكرات السير رونالد ستورز، العقل المدبر وراء لورنس العرب، وأول حاكم بريطاني على القدس، كتب التعليق التالي موضحًا منطق وعد بلفور:

على الرغم من أنّ الأرض لا يمكنها أن تستوعب، بعد، ستة عشر مليونًا، ولا حتى ثمانية، يمكن لعددٍ كافٍ منهم أن يعود، إن لمن يكن لتأسيس الدولة اليهودية (وهو ما يطالب به علنًا عدد من المتطرفين)، فعلى الأقل لإثبات أن هذا المشروع حلّ بركةً لمن أعطى [أي: بريطانيا] وبركةً أيضًا لمن ًاخَذ [أي: الصهيونية]، من خلال تشكيل «أولسترَ يهوديّة صغيرة موالية»* لإنجلترا في بحر من عروبةٍ رُبّ أن تكون عدوانية.

وكان وعد بلفور جزءًا من صفقة. وجزءٌ آخر كان نحت فلسطين كيانًا سياسيًا مستقلًا. فخلال ثلاثة عشر قرنًا من حكم المسلمين، لم يقطعها إلا الحروب الصليبية، لم تكن فلسطين قط كيانًا متمايزًا، ناهيك أن تكون كيانًا إداريًا منفصلًا، إنّما كانت جزء لا يتجزأ من سوريا الكبرى (بشكل تقريبي تتكون، حاضرًا، من سوريا «الصغيرة»، ولبنان، والأردن، وإسرائيل، والضفة الغربية، وقطاع غزة). خلال حكم الإمبراطورية العثمانية، شكل النصف الجنوبي من فلسطين منطقةً خاصة، ألا وهي «ولاية القدس»، تخضع مباشرة للباب العالي في إسطنبول، أما النصف الشمالي فقد تألف من منطقتين كانتا جزء من «ولاية بيروت».

ولكن، حين مزّقت القوى الإمبريالية المفترسة جُثّةَ الإمبراطورية العثمانية، كانت فلسطين من الأعضاء التي افترستها بريطانيا. في عام 1922، جعلت بريطانيا عصبةَ الأمم تمنحها الإذن لإقامة انتداب بريطاني على فلسطين، وأدرج وعد بلفور حرفيًا في نص الانتداب، جنبًا إلى جنب مع العديد من الأحكام التفصيلية أخرى لتسهيل الاستعمار الصهيوني.[10]

ليس من المبالغة في القول إنّ فلسطين، كقطعةٍ اجتُزِأت من المشرق العربي، قد صُنِعت لغرض عملية الاستعمار الصهيونية، دون الأخذ في الاعتبار رغبات سكانها الفعليين. في الواقع، وكما اكتشفت لجنة كينغ-كرين الأمريكية في عام 1919، لم تكن لهؤلاء السكان رغبة في فلسطين منفصلة، بل كانوا راضين تمامًا بأن يُضمّوا إلى سوريا الكبرى. علاوة على ذلك، تضمن هذا الاجتزاء الكثير من تقليم الحدود. في الأصل، شمل انتدابُ فلسطين منطقةً واسعة وقاحلة في معظمها، تقع شرقي نهر الأردن، ولكن سُمح لبريطانيا بـ «تأجيل أو منع» تطبيق البنود المُحفِّزة الاستعمار الصهيوني لتلك المنطقة الشرقية. وبناءً على ذلك، قامت بريطانيا بتأسيس كيانٍ منفصل، ألا وهو «إمارة شرق الأردن»، تحت حكم ربيبِها الهاشمي عبد الله. أصبح هذا الكيان، لاحقًا، المملكة الأردنية الهاشمية. ومنذ عام 1923، أصبحت «فلسطين» تعني المنطقة الواقعة غرب نهر الأردن، والمُنطِبق إعلان بلفور عليها بالكامل تحت الانتداب الذي أقرته عصبة الأمم المتحدة. تواجدت هذه ككيانٍ سياسي منفصل وواضح لخمسةٍ وعشرين سنة.

1،7) «كلب حراسة»

في الثلاثينيات من القرن العشرين، بردت العلاقات بين الحركة الصهيونية وحاميتها – سابقًا – البريطانية، وبدأت أهداف الطرفين ومصالحهما بالتباعد. وفي نهاية المطاف حدث انقسام خطير بينهما، وتطور بعد الحرب العالمية الثانية ليصبح صراعًا عنيفًا. ولا أستطيع أن أفصل الآن في أسباب هذا الصراع، يكفي القول إن انتفاضة العرب الفلسطينيين الكبرى – مِن جملة الأسباب – أوضحت لبريطانيا أنّ فرض شروط الانتداب على فلسطين سيستهلك الكثير جدًا من قوة بريطانيا وتأثيرها المحدوديْن. وفي الوقت ذاته، كان المشروع الصهيوني قد كبُر جدًا على دوره كمجرد «أولستر يهودية صغيرة موالية»، وكان ناضجًا كفاية لإعلان سيادة الدولة. وعلى أية حال، كانت بريطانيا قد بدأت تخسر مركزها المهيمن في الشرق الأوسط، ولهذا كانت الصهيونية في حاجة لراعٍ إمبرياليٍّ جديد.

وقد صاغ المستشرق الصهيوني من حزب العمل، مايكل عساف الوضع كما يلي:

في سنوات الصراع تلك عَيْنِها، بين الصهيونية والإمبريالية البريطانية، جَرتَ بدايةُ عملية ارتباطٍ جديدة، أمريكا–صهيون بدلًا من إنجلترا–صهيون، وهي عملية قامت على حقيقة أنّ أمريكا كانت تخترق الشرق الأوسط كقوة عالمية حاسمة.

منذ لحظة تأسيسها عامَ 1948، واصلت إسرائيل عملية تغيير الارتباط. كانت تسعى لعقد تحالف جديد مع الولايات المتحدة الأمريكية، مستندًا على الحماية مقابل الخدمات. ولكن الانتقال إلى الراعي الإمبريالي الجديد كان تدريجيًا، ومرّ بالعديد من المراحل. في البداية كانت بريطانيا ما تزال تحتفظ ببعض النفوذ في الشرق الأوسط، وانعكس هذا على تقييم دور إسرائيل في المنطقة كما يلي:

النظام الإقطاعي في هذه الدول [الشرق أوسطية] يجب أن يكون واعيًا إلى حد بعيد أنّ الحركات القومية (العلمانية والدينية) – والتي يكون لها، أحيانًا، صبغة اجتماعية يسارية مؤكدة أيضًا – لم تعد مستعدة بعد الآن لوضع مواردها الطبيعية تحت تصرف بريطانيا وأمريكا، وتمكينهما من استخدام بلدان هذه الحركات كقواعد عسكرية في حالة الحرب. حقًا، إنّ الدوائر الحاكمة في بلدان الشرق الأوسط تُدرِك أنه في حالة قيام ثورة اجتماعية أو غزوٍ سوفياتي فإنهم سيُصفَّونَ جسديًا لا محالة، ولكن الخوف من رصاصة اغتيالٍ سياسيٍّ مباشِرة يفوق في الوقت الحاضر خوفهم من التهديد غير الملموس من إلحاق بلدانهم إلى العالم الشيوعي. كل هذه الدول…ضعيفة عسكريًا. أثبتت إسرائيل قوتها العسكرية في «حرب التحرير» ضد الدول العربية، ولهذا السبب، بالتحديد، فإن تعزيز قوة إسرائيل لهو وسيلة مريحة، فعلًا، للدول الغربية للحفاظ على توازن القوى السياسية في الشرق الأوسط. ووفقًا لهذه الفرضية، عُيِّنت إسرائيل للقيام بدور نوعٍ من أنواع كلاب الحراسة. فلا يُخشى من أنها ستطبق سياسة عدوانية تجاه الدول العربية إن كان ذلك، وبشكل واضح، خِلافَ رغبات أمريكا وبريطانيا. ولكن إذا قامت القوى الغربية في وقت ما بغضِّ طرفها لسبب أو لآخر، يمكن الاعتماد على إسرائيل لتعاقب، وبشكل مناسب، دولة واحدة أو عدّةً من جيرانها، حالَ تجاوزن الحد المسموح به من قلة الأدب تجاه الغرب. (هآرتس)

شكلت فترةُ ما بين عامي 1948 و1967 مرحلةً حساسة لإسرائيل في سعيها للارتباط بالقوة الاستعمارية المهيمنة الجديدة. كانت الولايات المتحدة مهتمةً ومستحسِنةً للأمر، لكنها لم تكن متحمّسة للأمر. فهي وفّرت لإسرائيل مساعداتٍ مالية كبيرة، ودعمًا سياسيًا، لكنّ التزامها بإسرائيل لم يكن بأي حال من الأحوال كاملًا. وكانت فائدة إسرائيل كضابطٍ إقليمي غير مبرهنة بعد، ولم تكن واضحةً لصناع القرار في الولايات المتحدة.

فللحصول على تحالف سياسي أوثق وعلى معدات عسكرية خلال خمسينات القرن العشرين، لجأت إسرائيل لفرنسا التي شنّت آنذاك حربًا استعماريةً في الجزائر. كانت القومية العربية، بقيادة الرئيس المصري ذو الشخصية الكاريزمية جمال عبد الناصر، هي العدو المشترك.

في حرب السويس، عام 1956، أثبتت إسرائيل فعلًا قوتها العسكرية، وفائدتها ككلبِ «روتفايلر» محليّ، إنّما أثبتت ذلك للزعيم الإمبريالي الخطأ. كانت فرنسا وبريطانيا قوىً استعمارية مُنهَكة، وكانت الولايات المتحدة غير مسرورة بمحاولتهما الخرقاء وغير المصرح بها، لاستعادةِ مكانتيهما، فسحقت محاولتهما بسرعة. وبعبارات لا لبس فيها، أخطرَت إسرائيل بالانسحاب من فتوحاتها، والتي كان رئيس الوزراء بن غوريون متسرعًا جدًا في إعلانها «جزءًا من مملكة إسرائيل الثالثة».[11] ومع هذا فقد حققت إسرائيل مكسبًا كبيرًا من هذه الحادثة. ففي الاجتماع السري في مدينة سيفير في فرنسا، حيث دُبِّرت مؤامرة السويس، انتزع بن غوريون وديان وبيريز من فرنسا جائزة لإسرائيل على دورها الحاسم في بدء الحرب، هديّةٌ أتت على صورة وعدٍ فرنسي لبناء مفاعل نووي في إسرائيل وتزويده بالمواد الانشطارية، وانتهى ذلك بأن أصبحت إسرائيل خامِس قوّة نووية عالميًا.[12]

في عام 1967، تأكدت إسرائيل من الحصول على موافقة مسبقة من الولايات المتحدة قبل الهجوم على مصر وسوريا. واستغلت هذه الفرصة لاحتلال الجزء المتبقي من فلسطين، وهو الذي انتزعه عبد الله الأول في 1948، بموجب اتفاق سري مع حكومة بن غوريون.

وقد قدمت إسرائيل العديد من الخدمات المهمة للغرب، ولا سيما للولايات المتحدة؛ ولكن أكثر هذه الخدمات قيمة كانت المساعدة في هزيمة القومية العربية العلمانية، والتي كان الغرب يعتبرها، عن حق، خطرًا على مصالحه، حيث لم تتعافَ القومية العربية العلمانية من الهزيمة العسكرية التي أُلحِقَت بها عام 1967. وأصبحت إسرائيل الحليف الأقوى للولايات المتحدة وضابِطها المُعوّل عليه في المنطقة.[13]

1،8) هل هو أبارتهايد؟

كثيرًا ما تُقارَن إسرائيل بجنوب أفريقيا كما كانت في ظل الأبارتهايد (الفصل العنصري). ويستخدم مصطلح «الأبارتهايد» على نطاق واسع لوصف الدولة الاستيطانية الإسرائيلية، وخصوصا النظام الإسرائيلي في الأراضي المحتلة منذ عام 1967. وأعتقد أن سبب هذا الاستخدام الواسع هو أن جنوب أفريقيا في ظل أبارتهايد هي الدولة الاستيطانية الأخرى الوحيدة، التي ظلّت تسعى جاهدة في تنفيذ مشروعها الاستعماري حتى وقت قريب، وهي الوحيدة التي بقيت حية في ذاكرة الناس. فهي الدولة الاستيطانية الأخرى والوحيدة التي يمكن لمعظم الناس أن يتذكروها. لذلك، فالناس يستخدمون مصطلح «أبارتهايد» كذم أو كتسمية عامة لأيّ نظام قمعي يعتمد على التمييز العنصري.[14]

لكن من ناحية تحليلية، هذه التسمية لا تنطبق بدقة على الاستعمار الصهيوني، ويمكن أن تكون مضلِّلة: فاستخدام مصطلح «أبارتهايد» يمكن أن يكون طريقة مُرضِية لينفس المرء عن مشاعره، وربما تعمل كبروبغاندا اختزالية فعالة، لكنها خطيرة لأن الناس يبدؤون في الاعتقاد أن إسرائيل هي جنوب أفريقيا أخرى، وبالتالي فإن الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني صراعٌ مشابه للصراع في جنوب أفريقيا الأبارتهايد، ويمكن حلّه بطريقة مماثِلة.

هناك بالطبع العديد من أوجه التشابه: جنوب أفريقيا تحت نظام الأبارتهايد وإسرائيل تنتميان إلى الجنس نفسه: الدولة الاستيطانية الاستعمارية. وينطوي الاستعمار بالضرورة على سلب ملكيات السكان الأصليين، والتمييز العنصري القاسي ضدهم، واستخدام الإجراءات الوحشية ضدهم لقمع مقاومتهم. بل في الواقع، في حين يعاني العرب الفلسطينيين داخل الخط الأخضر (الذين هم مواطنو إسرائيل) من تمييز مؤسسي شديد ضدهم، فهم ليسوا بأسوأ حالًا مما كان عليه غير البيض تحت الأبارتهايد في جنوب أفريقيا. من ناحية أخرى، فإن فلسطينيّي الأراضي المحتلّة عام 1967 يُعامِلهم الجيش الإسرائيلي والمستوطنون، في نواحٍ عدّة، بوحشيّةٍ أشدّ مما كان يتلقاه غير البيض تحت نظام الأبارتهايد.

لكنّ المقارنة بين درجات القمع ليست موضوع بحثي هنا. فهناك فرق نوعي وبُنيَوي مهم بين الدولتين الاستيطانيتين: الدولتان تنتميان لجنس واحد، ولكن لِصنفيْن مختلفيْن من الجنس نفسه. فالتوصيف الدقيق يجب ألا يكتفي بذكر الجنس التقديري، بل يحدد الفوارق بدقّة.[15]

وهنا أستحضر عبارةَ كارل ماركس المتبصِّرة عندما قال: المفتاح لفهم المجتمع وتكوينه الاجتماعي هو اقتصاده السياسي، نمط إنتاجه.[16] وهذا يعني في المقام الأول، مصدر فائض الإنتاج وطرق استخراجه.

في كل العمليات الاستعمارية، تُنتَزَع مُلكيّات السكان المحليين، ولكن ماذا يحدث لهم بعد ذلك؟

بصورة عامة، يمكن أن نجد صنفيْن، ونموذجيْن رئيسييْن مِن الاستعمار والمجتمعات الاستيطانية، والفرق الحاسم بينهما يتمحور حول مسألة ما إذا كان السكان الأصليون سيُسخَّرون ليكونوا قوة عمل تُستغلّ كمصدر لاستخراج فائض الإنتاج، أم سيُستَبعَدون من اقتصاد المستوطنين عن طريق تهميشهم أو طردهم أو إبادتهم بالتطهير العرقي.

انتمت جنوب أفريقيا للصنف الأول. هي لم تبدأ بهذه الصورة، ولكن مع تطور الصناعة الرأسمالية والتعدين، طورت جنوب أفريقيا نظامًا كان فيه الأفريقيّون السود المصدرَ الأول لفائض القيمة. صُمِّمَ نظام الأبارتهايد لإبقاء غير البيض في متناول اليد، كمورد أساسي للاقتصاد ولكن دونَ حقوق مدنية.

قامت الصهيونية عمدًا وبشكل واعٍ وصريح باختيار النموذج الثاني: ينبغي تجنب استخدام قوىً عاملة من السكان المحليين. فلا يُعتبر العرب الفلسطينيون مصدرًا مفيدًا من العمالة لاستغلاله لإنتاج فائض، إنما هم أنفسهم يشكلون فائضًا. فلا حاجة لهم لأنْ يكونوا في متناول اليد، ولا حتى على بعد ذراع، بل يجب إخراجهم من المكان. وَجُبَ تطهيرُهم عرقيًا أو، في الاصطلاح الصهيوني، «ترحيلهم» (ترانسفير).

و«الترحيل» كان في المُخيّلة منذ بداية الصهيونية السياسية عينها. ففي يوم 12 يونيو/حزيران عام 1895، ائتمنَ ثيودور هرتزل إلى مذكراته قائلًا: «سنحاول نقل القسم الأفقر من السكان [الأصليين] عبر الحدود، دون إثارة أي ضجة، من خلال منحهم فرصًا للعمل في بلدان العبور، ولكن في بلدنا نحن يجب علينا حرمانهم من كل عمل».

وسيكون من الممل أن أقتبس هنا الكم الهائل من الأدلة على تخطيط الترحيل ومرويِّاتِ تطبيقه، عن طريق الضغط والتخويف أو الطرد القسري، عندما سنحت الفرصة. ولذا أحيلكم إلى أدبيّات هذا الموضوع في الهوامش.[17]

في هذا الصدد، في استبعاد الفلسطينيين الأصليين من اقتصاد المستوطنين قبل عام 1948، وفي التخطيط والتنفيذ لنقلهم، كان صهاينة «اليسار» و«العمّاليين» الأكثر مواظبةً واجتهادًا.[18] لقد فكَّروا طبقيًا، ولذلك علِموا حق المعرفة أنّ المنتجين المباشرين، كما هو الحال في أي اقتصاد سياسيٍّ آخر، سيكوّنون الأغلبية. فالصهيونية لا يمكن أن تنشئ دولة ذات أغلبية يهودية مهيمِنة إلا باستبعاد العرب. وكان العمل الاقتصادي يتعين أن يقوم به اليهود، يقوم به يهودٌ أوروبيون رياديّون ومثاليون، و، لعدم وجودٍ عددٍ كافٍ من المتطوعين، معهم معوّزون، وغالبيتهم من اليهود من ذوي البشرة الداكنة، يتم تجميعهم من أركان العالم الأربع.

وعلى العموم، تلتزم الصهيونية وإسرائيل بهذا النموذج، بتقليل الاعتماد على العمالة الفلسطينية، مع انحراف جزئي وقصير عن هذا النموذج خلال السبعينات والثمانينات من القرن العشرين.[19] وفي الوقت الحاضر، تفضل الشركات الإسرائيلية الرأسمالية المتخصصة في التكنولوجيا الفائقة، المُؤسَّسة في الأراضي المحتلة على أراضٍ فلسطينية مُستعمَرة، تفضل توظيف عمّال يهود إسرائيليين مُستغلَّين استغلالًا فائقًا بدلًا من العرب الفلسطينيين.[20]

كان للاستراتيجية الصهيونية/الإسرائيلية دائمًا هدفٌ مزدوج: تحقيق أقصى قدر من الاستعمار اليهودي للأرض، مع أقلّ قدرٍ سكانها العرب.

وهناك درجة من التوتر بين هذين الهدفين. وأثار هذا قلق يوسف ويتز بعد حرب 1967 – وهو صهيوني «عمّالي»، وأحد أشد المهندسين حماسةً لخطط الترحيل قبل حرب 1948، وأحد كبار منفّذي الترحيل ومهندسيه خلال تلك الحرب وبعدها – حيث يقول:

عندما أقرت الأمم المتحدة حلَّ تقسيم فلسطين إلى دولتين، اندلعت حرب [1948] الاستقلال، ولحسن حظنا الكبير فيها مَرَّت معجزة مزدوجة: انتصارٌ إقليمي، وفرار العرب. وفي [1967] حرب الأيام الستة، مَرَّت معجزة عظيمة، وهي انتصارٌ إقليمي هائل، لكن الغالبية العظمى من سكان المناطق المحرّرة ظلوا متعلّقين بأراضيهم. وهي [حقيقة] من شأنها أن تدمر أساس دولتنا. وهذه المشكلة الديموغرافية هي الأكثر حدة، خاصة عندما يضاف ثقل أعداد الفارّين من أراضيهم لثقل أعداد اللاجئين.

وحلم التوسع الاستعماري أزعجُه التهديد الديموغرافي.

وازنت التيارات الصهيونية المختلفة بين الهدفين بطرق مختلفة. فبعضها أعطى التوسعَ الإقليمي المُلِح أولويةً على النقاء العرقي المُطلق للتركيبة السكانية، في حين أن آخرين قضَّ الخطرُ الديموغرافي مضاجعهم: فهناك الكثير من العرب في فلسطين، ومعدل ولادتهم مرتفع.

مثاليًا، يتّفقون جميعًا، لو أن الفلسطينيين اختفوا بشكل ما، فسوف تختفي المشكلة معهم. لكن ارتكاب عملية تطهير عرقي كبرى يمكن أن يتم فقط فيما يدعوه الخطاب الصهيوني «لحظة مواتية» (she‘at kosher). في انتظار هذه الفرصة، فإن الاستراتيجية السائدة هي حبس الفلسطينيين في جيوب يسهل احتواؤها، ويفضَّل أنْ تكون شُرطَتهم منهم. لا تمتاز هذه الأراضي الحبيسة عن معسكرات الاعتقال، إلا بقدر كون مغادرة السجناء هذه الجيوب أمرًا مرحبًا به، شريطة أن يهاجروا. كما تختلف الجيوب عن البانتوستانات،[21] لأن الغرض الرئيسي من البانتوستانات كان وجود مهاجع مستقلة اسميًّا ليدٍ عاملة احتياطية، اعتمدَ عليها اقتصاد المستوطنين. فالأراضي الحبيسة أكثر ما تشبه المحميات الهندية في الولايات المتحدة، و«خطط السلام» الإسرائيلية، والاتفاقات مع الزعماء الفلسطينيين المتعاونين لا تختلف في شيء عن المعاهدات الهندية الشهيرة.

وتنطوي حقيقة اتّباع الاستعمار الصهيوني هذا النموذج القائم، الهادِف لطرد السكان الأصليين لا مجرد استغلالهم كَيَدٍ عاملة، على بعض التداعيات المهمة.

أولًا: خطر قيام عملية نقل هائلة لازال قائمًا. «اللحظة المؤاتية» قد تظهر في أي وقت، فهي على سبيل المثال قد تظهر خلال طارئةٍ قصوى، أو خلال حرب، وهي احتماليّة حاضرة دائمًا في هذه المنطقة المضطربة. وقد تُسهِم إسرائيل ذاتها في صنع هذه اللحظة المؤاتية، بينما تستمر عملية النقل البطيئة للسكان الأصليين باستخدام طريقة السلامي*، باستخدام المضايقات الاقتصادية والإدارية والمادية.

وعلاوة على ذلك، إن التراجع عن أفعال التطهير العرقي – الطرد – أمر أصعب بكثير من التراجع عن علاقات الاستغلال والتمييز العنصري. ولهذا فعلى معارضي/ات هذا الظلم منا أن يتحركوا بسرعة كبيرة لحشد الرأي العام العالمي وتعبئة المجتمع المدني، وذلك لتعسير توسيع الاستيطان والقيام بنقل السكان الأصليين على إسرائيل إلى أقصى حدٍّ ممكن.

1،9) البعد القومي

ونتيجةٌ أخرى مهمة للغاية ناجِمة عن طبيعة الاستعمار الصهيوني هو تبلور الصراع كصراعٍ قومي.

بينما في النموذج الاستغلالي للاستعمار، يتخذ التعارك بين المستوطنين والسكان الأصليين شكل صراعٍ شبه طبقي. أما في النموذج الثاني للاستعمار، النموذج الذي تتبعه الصهيونية، يشكّل المستعمرون أمّةً استيطانية جديدة.

ولهذا فقد أنتج الاستعمار أمةً جديدة: اليهود الإسرائيليون، أو العبرانيون المعاصِرون.[22] ولديهم سمات الأمّة الأساسية بالمعنى الحديث لهذه الكلمة: الوحدة الجغرافية، بنية طبقية كاملة (على غرار نظيراتها في الدول الرأسمالية الحديثة الأخرى)؛ لغة مشتركة في الخطاب اليومي (ينفرِدون بها!)؛ والثقافة العلمانية، «الرفيعة» منها والشعبية.

لاحِظ أن اليهود بصورة عامة، في الشتات اليوم، يفتقرون لكل هذه السمات.[23] ولهذا لا يشكلون أمة بالمعنى الحديث للكلمة.[24]

تبنّي الهوية القومية الجديدة كان سريعًا كما في دول المستوطنين المهاجرين الأخرى. وأولئك المولودين في إسرائيل لأبوين يهوديين من روسيا أو من بلادٍ عربية ينتمون لهذه الأمة الجديدة، فهم ليسوا أكثر روسيّةً أو عروبة مِن إيطاليّةِ أو بولنديّةِ الأمريكي المنحدر من أصول إيطالية أو بولندية. أصول آبائهم لم تمح لكنها أُرجِأت إلى الخلفية.

ومن المفارقة أن الصهيونية – مثل الأب الذي ينفي صلته بطفل لا يرغب به – تنفي وجود هذه الأمة العبرية التي أنشأها الاستعمار الصهيوني حديثًا. فوفقًا للأيديولوجية الصهيونية، جميعُ اليهود في جميع أنحاء العالم يشكلون أمة واحدة، فالوطن الحقيقي لأي يهودي أو يهودية ليس البلد الذي ولد فيه والمُحتمَل أن تكون عائلته/ا عاشت فيه لأجيال. بل الوطن الحقيقي لهذه الأمة المزعومة هي أرض إسرائيل التوراتيّة، والتي هي حق قومي لهم – لا بل هبة من الرب – غير قابلة للمصادرة أو نقلها لأحد.[25] فغير اليهوديين القاطنِون في وطنِ اليهود القومي ليسوا إلّا مجرد دخلاء أجانب. ويتم تبرير الاستعمار الصهيوني بزعم كونه «عودة إلى الوطن»، حقٌ يملكه اليهود ويُحرَم مِنه أولئك المتطفلون الأجانب، أي اللاجئون الفلسطينيون، الذين طُرِدوا طردًا مشروعًا من وطن اليهود القومي. ليس هنالك أمة عبرية، بل مجرد أفراد منتمون للأمة اليهودية العالمية عادوا الآن، فعلًا لأرض وطنهم، طليعةٌ حارسِة سَبَقَت إخوانهم في الشتات، إخوانٌ يملكون حقّ، لا بل الواجب المقدس، لاتباع خطى الطليعة و«يتجمّعوا» في أرض إسرائيل.

وهنا أود أن أشير إلى سمة استثنائية أخرى للاستعمار الصهيوني. في نموذج الاستعمار الاستغلالي، يصبح المستعمرون أقلية صغيرة نسبيًا، قشرة علوية أو شبه طبقة تستغل قوة عمل السكان الأصليين. يمثل هؤلاء الجزء الأكبر من المنتِجين المباشِرين، ولهذا يظلون الغالبية العظمى من السكان. من ناحية أخرى، في معظم العمليات الاستعمارية التي اتبعت النموذج الثاني من الاستعمار، الذي يقوم على تشكيل أمة استعمارية جديدة، فإنّ الشعوب الأصلية إمّا تُسحَق تمامًا، أو تُغمَر أو، بأيّ حال، تُهمّش. فهوياتهم القومية الواضحة والمستقلة تحجبها الأمة الاستيطانية الجديدة. ولغة السكان الأصليين وتقاليدهم الثقافية إن لم تُمحَى، تبقى كآثار شعبية، أو «تحت الأرض» أو في مناطق ريفية بعيدة، في حين تسود لغة الأمة المستوطنة الجديدة وثقافتها في كل مكان آخر.

ولكن ذلك لم ينطبق على حالة الاستعمار الصهيوني، فقد اتخذ الصراع بين الظلّام والمظلومين، المستعمرون والشعب الأصلي، شكل الصراع الوطني بين مجموعتين قوميّتين منفصلتين ومتمايزتين لهما الحجم ذاته تقريبًا.

ولم تنجح دولة إسرائيل حتى الآن وعلى الرغم من جهودها إلا بشكل جزئي في «نقل» الفلسطينيين العرب من وطنهم. كانت حرب 1967 أقصر من أن يتكرر التطهير العرقي على نطاق واسع مثلما حصل ما بين 1947-1949. بالإضافة لذلك، تعلم الفلسطينيون درسًا مريرًا من تلك النكبة، وظلّوا، كما أشارَ يوسف ويتز بأسف، «متعلقين» ومتشبّثين بأراضيهم. وفي الوقت نفسه، وازن معدل الزيادة الطبيعية الأعلى للعرب إلى حد ما تدفق المهاجرين اليهود إلى إسرائيل.

والهوية القومية للفلسطينيين العرب أبعدُ ما تكون عن التلاشي تحت وطأة الاستعمار، بل بلورها الصراع مع المستعمرين وعززها. فقد حافظ الفلسطينيون على لغتهم وطوّروا إنتاجًا ثقافيًا قوميًا حيًا.

وهذه الحيوية الاستثنائية تعود إلى حد كبير إلى السياق الإقليمي، فالغالبية العظمى من الفلسطينيين يعيشون إمّا بالقرب من – أو كلاجئين في – عالمٍ عربي كبير مساحةً وسكانًا وذو لغة أدبيّة واحدة (بالإضافة للغة أقل رسميةً تستخدمها وسائل الإعلام) وتراثٍ ثقافيّ مهيب مشترك. كما أن لهجة الفلسطينيين المحكية قريبةٌ جدًا من اللهجات المحكية لأقطار سوريا العظمى السابِقة، وليست مختلفة كثيرًا عن بقية لهجات بلدان المشرق العربي المجاورة. التبادلُ الثقافي بينهم أمرٌ يسير. حتى الفلسطينيون العرب الذين أفلتوا من التطهير العرقي عامَ 1948 وظلّوا أقليةً مضطهدَة داخل إسرائيل تمكّنوا من الاستماع إلى البث الإذاعي من العالم العربي. وفي المقابل، فإن قصيدة أو رواية ألفها فلسطيني من حيفا يمكن أن تلاقي القبول والتقدير من ملايين عدّة، من المحيط الأطلسي وحتى بحر العرب.

وعلاوة على ذلك، نظرًا لـ «التأخر» التاريخي للاستعمار الصهيوني (انظر القسم 1.2)، حالما بدأ الاستعمار واجهَ الهوية القومية العربية ومعها قومية عربية وليدة، إذ ظهرت في الوقت ذاته تقريبًا. واجه الاستعمار الصهيوني، على نحوٍ استثنائي، منذ بدايته حركةً قوميةً ناشئة. لاحِظ إشارة جابوتنسكي القلقة للقومية العربية وتطلعها إلى اتحادٍ إقليمي في الجدار الحديدي» (القسم 1.4).

التشبيه الذي يرسمه جابوتنسكي بين القومية العربية والقومية الإيطالية كما كانت قبل 1870 تشبيه مناسب تمامًا. ففي إيطاليا كان هنالك إضافةً لهوية «الوحدة الإيطالية» القومية وللقومية الإيطالية، إذ لم تتّحد سياسيًا حتى ذلك الوقت، تواجدت هويات محلية قومية صُغرويّة ووطنيّات محليّة مثل: الهوية البندقية والتوسكانية والرومانية والنابولية والصقلية وغيرها. في الواقع ما تزال هذه الهويات باقية حتى اليوم.[26] وبالمثل، في العالم العربي هناك مستويان للهوية القومية وللقومية: إلى جانب هوية جامعة للعرب وتطلعٍ لاتحاد أو فيدرالية جامعة، هناك هويات ووطنيّات محليّة، مثل: المصرية والعراقية والسورية وغيرها، و – بالطبع –  الفلسطينية، إذ تشكلت خلال تجربة كارثية جامعة وفي الكفاح من أجل البقاء والانتصار. هناك نوع من التوتر بين هاتين المستويين من الهويات، ولكن هذا لا يلزم منه أن تنقضا بعضهما، بل لهما القدرة على الانسجام بل ومكاملة بعضهما بعضًا. بينما تتشدق الحكومات العربية والنخب الحاكمة بمثل الوحدة العربية الأعلى، إنّ الالتزام الحقيقي بها واسع الانتشار بين الجماهير، وعنصرٌ محوري لهذا الالتزام هو التضامن العميق مع الفلسطينيين.

فأي طرح مقنع لحل الصراع يجب أن ينطلق من فهم لطبيعة الصراع، هو مواجهة استعمارية عنيفة بين أمتين تشكّلتا عبر خوضهما هذا الصراع ذاته: أمة عبريّة مستعمِرة ودولتها الاستيطانية الإسرائيلية الاضطهادية، وأمّة عربية فلسطينيّة أصليّة مُستعمَرة. الطرف الأول حليفٌ القوة الإمبريالية المسيطرة على المنطقة بأسرها، والثاني جزءٌ مكوِّنٌ لأمة عربية أكبر في المنطقة.

2) حل الصراع: المبادئ والشروط المسبقة

2،1) مبادئ معيارية

عند البدء في التفكير في حلٍ للصراع يجب أن نبدأ من النمط المعياري، فلا تجدي محاولة تقييم أي صيغة حل مقترحة قبل تأسيس بعض المبادئ العامة الواجب أن يلبيها أي حل حقيقي عادل.

في العديد من الدول الاستيطانية الأخرى المنتمية لذات النموذج الذي يتبعه الاستعمار الصهيوني نجح المستوطنون في القضاء على السكان الأصليين كلهم أو في تقليص أعدادهم إلى بقايا صغيرة ولا يعتد بها نسبيًا. الصراع بين المستعمِرين والمستعمَرين انتهى بانتصار ساحق وكلي تقريبًا لصالح الفئة الأولى، وبهذا المعنى «حُلَّ» الصراع.

مثل هذه النتيجة غير واردة في حالة الدولة الإسرائيلية الاستيطانية. لا شك في أنّ السجل التاريخي يوحي بأنّ قادة إسرائيل الصهاينة سيستغلون أي فرصة للمزيد من التوسع الإقليمي والتطهير العرقي. وعلاوة على ذلك، سيحاول الأكثر جرأة من بينهم خلق مثل هذه الفرص، ولكن مهما كان المدى الذي يمكن أن تصل له هذه الطريقة واقعيًا، ستجد إسرائيل نفسها دومًا محاطة بالعرب، وبالأمة العربية، التي يشكل الشعب الفلسطيني العربي جزءً لا يتجزأ منها.

ولا يمكن في نهاية المطاف، حل الصراع في هذه الحالة إلا من خلال استيعاب الجماعتين القوميتين المعنيتين مباشرة: الفلسطينيون العرب والعبرانيون.

لاحِظ أن ما أقترح طرحه للنقاش هنا هو حلُّ الصراع بدلًا من تخفيفه. هناك بالطبع خطوات مختلفة يمكن اتخاذها لتحسين الوضع المزري الحالي الذي يسبب المعاناة الشديدة للملايين من البشر – للفلسطينيين غالبًا، ولكن أيضًا للعديد من الإسرائيليين. وبالتأكيد لا أجادل ضد اتخاذ مثل هذه التدابير المخففة للوضع المزري. على العكس أعتقد أنه ينبغي تعبئة الرأي العام للمطالبة بها. وقبل أي شيء يجب أن يُضغَط على إسرائيل لتنهي احتلالها الضفة الغربية وقطاع غزة[27] وهضبة الجولان السورية. لكن يجب ألا نخلط بين المسكنات والعلاج، ولا بين محسنات الوضع الحالي وحلِّه، فذلك سيكون وهمًا خطيرًا، فالصراع سيستمر طالما لم يُقضى على أسبابه، ومن المرجح أن أي تحسين للوضع الحالي لن يكون أكثر من هدوءٍ مؤقت يعقبه انفجار عنيف آخر.

ما هي إذن العناصر الجوهرية التي يجب أن يجسّدها أيُّ حلٍّ دائم؟

بداية وفي المقام الأول: المساواة في الحقوق، وبذلك لا أعني المساواة في الحقوق الفردية للجميع، فذلك غني عن القول. إنّما إضافةً لذلك ولا يقلّ عنها أهميّة: المساواة في الحقوق الجماعية والحقوق القومية لكلا الجماعتين القوميتين المعنيتين، الفلسطينيون العرب والعبرانيون الإسرائيليون. وهذا أدنى شرطٍ ضروري، لأن غيابه سيعني بشكل واضح أن إحدى هاتين الجماعتين ستكون محرومة ومستعبدة ومضطهَدة. يقود الاضطهاد القومي لا محالة إلى الصراع القومي – النقيض التام للحل.

ثانيًا حق العودة: الاعتراف بحق اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى وطنهم، وتردُّ لهم حقوقهم ويعوّضون بشكل مناسب عن خسارتهم لممتلكاتهم وسبل معيشتهم. وهذا أمرٌ من البديهية بمكان بحيث لا يحتاج تبريرًا يوضحه. الواقع هو أنّ الحجة الوحيدة ضد حق العودة هو أنه سيعرض «السمة اليهودية» لإسرائيل للخطر، أو بكلمات أوضح سيشكل تهديدًا لتكوينها الإثنوقراطي كدولة استيطانية. ولكن قبول هذه الحجة يعني أيضًا الاستسلام للأيدولوجيا الصهيونية، وهذا ما يأخذني لنقطتي التالية.

العامل الثالث والأكثر جذرية لحل حقيقي هو إزالة السبب الرئيسي للصراع: يجب إبطال المشروع الاستعماري الصهيوني. ولا يعني هذا فقط إبطال صهيونية إسرائيل، بل يعني رفض الادعاء الصهيوني أن اليهود ككل، إذ يشكلون «أمة من شتات»، لهم حق خاص في «أرض إسرائيل» أو في امتلاكها. فالقبول بهذا الادعاء لا يقف فقط عند إضفاء الشرعية بأثر رجعي على ما مضى من الاستعمار الصهيوني، بل تتبعه المطالبة بقبول استمرار الحق المزعوم لليهود للهجرة و«التجمع»، وهذا يعني ضمنًا المزيد من الاستعمار والتوسع. ومثل هذه المزاعم المستحيلة تحولُ دون الوصول لحل حقيقي للصراع.

2،2) دولتان؟ دولة واحدة؟

من حيث المبدأ، – أيّ: مُتصوَّر تجريديًا بغض النظر عن الحقائق الفعلية مثل توازن القوى الحالي – يمكن تنفيذ حلٍّ منصف تنطبق عليه المبادئ التي ذكرتها آنفًا من خلال أطر مؤسسية مختلفة للدولة.

يمكن للمرء أن يتخيل أن فلسطين مقسَّمة إلى دولتين: إسرائيل ودولة فلسطينية عربية، أو يمكن للمرء أن يتصور دولة واحدة تشمل كامل فلسطين. ويمكن للمرء أن يتصور ترتيباتٍ أخرى سأعود لذكرها لاحقًا. لكن من الواضح أن النقطة الحاسمة هنا ليست عدد الدول، بل ما إذا حُقِّقَت المبادئ الجوهرية لأجل حل حقيقي. لكي يحقِّق ترتيبُ دولتين هذه المبادئ الجوهرية، يجب إبطال صهيونية إسرائيل: أي أن تتحول من دولة استيطانية إثنوقراطية إلى دولة ديموقراطية لجميع سكانها. كما يجب تقسيم الموارد – من ضمنها المياه والأراضي – بشكل عادل وتوزّع بشكلٍ منصف على الدولتين. ولا يسمح لأي من الدولتين بالسيطرة على الأخرى.

ومن ناحيةٍ أخرى، في حال الدولة الواحدة لا يكفي أن تكون الدولة ديموقراطية فحسب (وبالتالي علمانية)، إنما أن تكون لديها أيضًا بنية دستورية تعترف بالجماعتين القوميتين، وتجعلهما متساويتين في الحقوق والمكانة القوميتين.[28]

ولكن ليس في هذا، واقعًا، ما هو مُستطَاع في الوقت الحالي. حقًا، لا يوجد حلٌّ حقيقي ممكن لا على المدى القصير ولا المتوسط، بسبب التفاوت الهائل في ميزان القوى. يواجه الفلسطينيون، وهم مهشمون اقتصاديًا، بتسليح خفيف ودون دعم عالمي مؤثر، إسرائيلَ الرأسمالية الحديثة المهيمنة، وقوةٌ نووية إقليمية كبرى في المنطقة، وبلطجيّ المنطقة، وشريك أصغر لقوة عالمية فائقة. طالما هذا الاختلال الفاضح في ميزان القوى موجود، ستفرض أي تسوية حتمًا شروطًا قمعية قاسية على الطرف الأضعف، ومن غير المعقول توقع أي نتيجة أخرى.

في هذه الظروف أي «تسويةُ دولتين» لا بد أن تكون مهزلة: فلن تكون هناك دولتان سياديّتان حقيقيّتان (ناهيك عن أن الدولتين متساويتين في السيادة) إنّما دولةٌ إسرائيلية قوية تهيمن على أراضي فلسطينية حبيسة مفككة شبيهة بالمحميات الهندية، تحرسها وتضبطها نخبٌ فاسدة تعمل كوكيلٍ لإسرائيل. كان هذا الاحتمال قائمًا حتى في ظل اتفاقية أوسلو عام 1993، ومنذئذ تدهورت الأوضاع أكثر بكثير مع النمو المستمر لأورام الاستعمار الصهيوني الخبيثة السامة، وإضعاف السلطة الفلسطينية بفعل الضرب الإسرائيلي والخناق الدولي.[29]

ولمواجهتهم الاستحالة الحالية الجلية لصيغة حل دولتين منصف، عاد الكثير من الناس من ذوي النوايا الصادقة لصيغة «الدولة الواحدة». وبشكل نظري يبدو هذا الحل حلًا جذابًا، مشكلته أنه لم يعد ممكنًا لا على المدى القصير ولا على المدى المتوسط – وللسبب نفسه تمامًا. نظرًا لعدم التوازن الفعلي في القوى، لن يكون حل دولة واحدة تحتضن فلسطين كاملة أفضلَ من امتداد للاحتلال والقهر العسكري الإسرائيلي المباشر.

والعيب المشترك في حل الدولتين وحل الدولة الواحدة أن كليهما محصورٌ في «صندوق» فلسطين، وهي الأراضي التي وقعت تحت الانتداب البريطاني منذ عام 1923 إلى عام 1948. والفارق بينهما أن الأول يقترح إعادة تقسيم فلسطين، في حين يقترح الأخير إعادة إحيائها ككيان واحد مستقل سياسيًا. ومن المفارقات كما أشرت في القسم رقم 1.5، أن هذا الصندوق صُنِع خصيصًا للاستعمار الصهيوني، وهو السبب الجذري للصراع. فهل يمكن له أن يعمل كحاوية معزولة تضم حلًا للصراع؟

2،3) الحل في سياق إقليمي

ليس هنالك توازن قوىً يدوم إلى الأبد. سيكون إيجاد حل حقيقي للصراع ممكنًا على المدى الطويل، نظرًا لتغير في ميزان القوى القائم. وإن كان من المستحيل الآن معرفة كيف سيحدث هذا التغير تمامًا، يبدو من المؤكد تمامًا أن التغيير لن يكون مقتصرًا فقط على العلاقة بين إسرائيل والفلسطينيين مع بقاء كل شيء آخر على حاله: بل سيتضمن بالضرورة تحرّكًا تكتونيًا في المنطقة، فضلًا عن تحولاتٍ دولية عالمية.

هناك عمليتان مترابطتان تعزز إحداهما الأخرى، ستكونان حيويتان في تغيير توازن القوى الحالي، الأولى: تراجع الهيمنة الأمريكية العالمية، وعلى وجه الخصوص تراجع قدرة الولايات المتحدة على دعم الهيمنة الإقليمية الإسرائيلية دون تكبد تكاليف اقتصادية وسياسية غير مقبولة.  ثانيًا: تحوّلٌ اجتماعي واقتصادي وسياسي راديكالي-تقدّمي في المشرق العربي، يؤدي إلى درجةٍ من الوحدة بين الأمة العربية، وعلى الأرجح ستكون في شكل اتحاد إقليمي.

لا جدوى من مناقشة حل للصراع الإسرائيلي الفلسطيني كما لو أنه سيحدث في صندوق فلسطيني معزول عن بقية المنطقة، سواء كان مقسمًا أو كاملًا، فلا جدوى من مناقشة حل مع تجاهل باقي المنطقة، والفشل في احتساب تأثير تحول المنطقة على الصراع، ودونه سيكون حلّ الصراع مستحيلًا على أيّة حال. عند أخذ السياق الإقليمي الصحيح للصراع، ستحتوي رؤيتنا للحل تغيّرًا في محور التركيز. فسيكون من الخطأ الإصرار على حدود قطعة من «العقار» – إسرائيل في حدودها بين عامي 1948 و1967 أو فلسطين في حدودها بين عامي 1923 و1948 –   كالبيانات المُعطاة نهائيًا. وبدلًا من ذلك، إن البيانات الرئيسية الحقيقية بياناتٌ بشريّة: المجموعتان القوميّتان المتورطتان مباشرة في الصراع اللتان ستظلان جميعًا موجودتان على الأرض لفترة طويلة مقبلة، ألا وهما الفلسطينيون العرب والعبرانيون الإسرائيليون. وستكون المهمة عندئذ ضم هاتين المجموعتين في اتحاد إقليمي أو اتحادٍ فيدرالي. سيكون تعيين الحدود قضية داخلية ضمن الاتحاد وستُرسَم وفقًا لذلك. ولا يمكننا توقع كيف ستكون الحدود حينذاك، لكن لا حاجة بأي حال من الأحوال بأن ترسم وفق ما هو موجود الآن.

وسيكون من الحمق الادعاء أنّ احتمالية وقوع ذلك مستقبليًا احتماليّة مشرقة في وقتنا الحاضر. فالهيمنة الأمريكية ما تزال راسخة، كما لا يزال الدعم الأمريكي كاملًا لإسرائيل كضابِطِها الإقليمي. كما تحكم الشرق العربي نخبٌ فاسدة ومتخاذلة، ولا هو استعاد عافيته بعد من هزيمة القومية العربية العلمانية. وحتى في شكلها الناصري التقدمي نسبيًا، لم تستطع القومية العربية التحرر من حدود البورجوازية الصغيرة، والقيام بتحشيد تنظيمٍ ذاتيّ ديموقراطيّ جماهيري نشط حقًا. وقد أدى انحلال القومية العربية تحت أنظمة بعثية دموية متنافسة تظاهرت بدعم «الاشتراكية» و«الوحدة العربية» إلى منح كلا هذه المُثُل سمعة سيئة. وحمل ظهور الحركات الإسلامية لاحقًا وعدًا كاذبًا، ففي حين شكلت تحديًا للهيمنة الغربية، إلا أنها تنظر إلى الوراء وغير، بطبيعتها، على توفير التقدم. كما لا يمكن أن تشكل الحركات الإسلامية قوة جامعة، بل على العكس سببت صدعًا عميقًا بين السنة والشيعة، كما أنها لا تحمل أي جاذبية في نظر غير المسلمين العرب والعلمانيين (بما في ذلك الفلسطينيين)، ناهيك عن العبرانيين.

ورغم قلة الأسباب التي تدعو للتفاؤل الآن، إلا أن هناك بعض الإشارات المثيرة للأمل على المدى الطويل. فالقوة الاقتصادية والسياسية الأمريكية تبدو قوية من الخارج، لكنها تحمل أعراض الانحدار. كما أن قوة الولايات المتحدة العسكرية قليلة الفائدة وتجاوزَت إمكانيّاتها. وفي هذه الأثناء، تكتسب حركة راديكالية تقدمية جديدة مناهضة للعولمة زخمًا في أجزاءٍ من العالم الثالث، وإن كانت لم تنطلق بعد الشرق العربي. لكن الكثير يعتمد علينا جميعًا.

المصدر: أرشيف الماركسيين على الإنترنت

ملاحظات الكاتب:

[1] انظر الأقسام 1.2، 1.5، 1.9

[2] على نحوٍ دال، لم تحدد إسرائيل أبدًا بشكل رسمي حدودها الدولية، وكان الخط الأخضر المرسوم على خرائطها هو حدودها بحكم الأمر الواقع.

[3] يستثني ذلك المنطقة – التي توسعت بشكل هائل – الواقعة ضمن سلطة قضاء بلدية القدس. خلال السنوات ما بين 1967 و1976 كان الاندفاع الرئيسي للاستعمار الإسرائيلي متمركزًا في مرتفعات الجولان السورية والقدس الكبرى. وبدأت الحملة الواسعة من الاستعمار في باقي الضفة الغربية عام 1976 كما هو موضح في الشكل البياني (2).

[4] تظهر اتجاهات مماثلة بشكل مستمر وواضح في البيانات المتاحة عن مساحات الأراضي المحتلة التي استولى عليها الاستعمار، وأعداد بناء الوحدات السكنية للمستوطنين.

[5] شكلت الحكومة البريطانية اللجنة الملكية لفلسطين برئاسة اللورد بيل عام 1936 بعد اندلاع الانتفاضة الكبرى للعرب الفلسطينيين، وطلب منها اقتراح تغييرات في وضع فلسطين. في عام 1937 أوصت اللجنة بتقسيم البلاد بين العرب واليهود. وقد قَبِل بن غوريون على مضض بهذه الخطة؛ ولكن، كما يوحي بوضوح ديان، فعل ذلك لأسباب تكتيكية، مع توقع أن الاستعمار الصهيوني يمكن أن يستمر على كامل فلسطين.

[6] كان بيغن مؤسس حزب حيروت (حرية)، التقمّص المباشر ما بعد 1948 للحركة الصهيونية «التصحيحية» التي أسسها جابوتنسكي. اندمج حيروت مع أحزاب أصغر عام 1973 ليؤسس الليكود (الاندماج). بعد استقالة بيغن، قاد الحزب شامير ونتنياهو وشارون. في عام 2005، انفصل شارون من الليكود ليشكل حزبًا جديد، يقوده الآن أولمرت. اسم الحزب الجديد، كاديما – معناه بالعبرية «إلى الأمام» و«شرقًا» أيضًا – كان تكريمًا لجابوتنسكي، الذي أسس دار نشر صهيونية عام 1904 تحمل نفس الاسم. الكلمة العبرية ذاتها كانت أيضًا منقوشة في شارة وحدة المتطوعين اليهود – المُعدّة بعد مراوضة شديدة من جابوتنسكي – في الجيش البريطاني أثناء الحرب العالمية الأولى.

[7] بعض الترجمات الإنجليزية المعاصرة لهذه المقالة تستخدم (هنا وفي المقال اللاحق) كلمة «استيطان» بدلًا عن «استعمار»، ولكن الروسية الأصلية لا تدع مجالًا للشك: «ob istorii kolonizatsii drugikh stran».

[8] أنظر الصورة – من «الأرشيف الصهيوني» – أدناه: هرتزل (يسارًا) يقترح على القيصر أثناء زيارة الأخير فلسطين، 1898. هذه الصورة الشهيرة، واقعًا، زائفة، صورة مركبة، ولكنها ذات أهميّة لتمثيلها تفكيرًا رغبويًا.

[9] كان آرثر جيمس بلفور وزير الخارجية. كان «الإعلان» على صورة رسالة موجهة إلى اللورد روتشيلد (والتر روتشيلد، البارون الثاني لروتشيلد)، أحد قادة المجتمع البريطاني اليهودي، لينقلها للاتحاد الصهيوني. كانت قياداتٌ أخرى من المجتمع اليهودي البريطاني معارِضةً للصهيونية وللإعلان، منهم إيدوين سامويل مونتاغو، وزير الخارجية إلى الهند، وهو العضو اليهودي الوحيد في مجلس الوزراء البريطاني.

[10] صيغ الانتداب قبل عامين في مؤتمر عصبة الأمم المقام في سان ريمو. ولذا أتت الإشارة إلى سان ريمو في الفقرة المقتبسة أعلاه من مقال جابوتنسكي «الجدار الحديدي».

[11] رسالة إلى القوات الإسرائيلية في شرم الشيخ، 6 نوفمبر/تشرين الثاني 1956. المثير أنّ بين غوريون كان غافلًا للدلالات الشريرة لمصطلح «المملكة الثالثة».

[12] أنظر يديعوت أحرنوت، 23 نوفمبر/تشرين الأول 2005. لمح شمعون بيريز لهذه الصفقة في مقالة بعنوان «هذه الحرب علمتنا أنّ على إسرائيل مراجعة منهجها العسكري» منشورة في الغرديان يوم 4 سبتمبر/أيلول 2006: «قبل خمسين عامًا كان لي شرف إدخال أنظمة أسلحة جديدة في قوات الدفاع الإسرائيلية وفرت لإسرائيل رادعًا جبارًا ما يزال صالحًا».

[14] وبطريقة مماثلة، كثيراً ما يساء استخدام مصطلح «الفاشية» كوصف عام يطلق على أي نظام يميني سلطوي.

[15] وكما تقول القاعدة الكلاسيكية: يتم تعريف الشيء من أقرب جنس والفارق المحدد (definitio fit per genus proximum et differentiam specificam)

[16] «نمط إنتاج الحياة المادية يكيّف السيرورة العامة للحياة الاجتماعية والسياسية والفكرية». (كارل ماركس، تمهيد «نقد الاقتصاد السياسي»)

[17] أنظر، مثلًا، نور مصالحة: «طرد الفلسطينيين: مفهوم الترانسفير

في الفكر والتخطيط الصهيونيين، 1882-1948»، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، واشطن، 1992.وإيلان بابيه: «التطهير العرقي في فلسطين»، ونوورلد، 2006.

[18] هيمنت الصهيونية «العمالية» على الحركة الصهيوني منذ أوائل ثلاثينات القرن الماضي وقادت كل حكومات إسرائيل حتى عام 1977.

[19] بحلول نهاية تلك الفترة، توظّف عدد يتجاوز الـ 100 ألف (من المحتمل أن يكون ضعف ذلك) من الضفة الغربية وقطاع غزة داخل الخط الأخضر، أغلبهم في وظائف مهينة وضئيلة الأجر. أنظر إيمانويل فرجون: «العمال الفلسطينيون في إسرائيل: جيش العمل الاحتياطي» (إنكليزي) في جون روتشيلد (محرّر): «أجندات محرّمة» (Forbidden Agenda)، كتب الساقي، 1984. منذ اندلاع الانتفاضة الأولى (نهاية 1987)، استُبدِل هؤلاء العمال غالبًا بعمال مهاجرين من بلدانٍ بعيدة.

وفق إحصاءات «عنوان العامل»، عدد فلسطينيي الضفة الغربية الموظفين حاليًا بواسطة إسرائيليين في الضفة الغربية ذاتها (باستثناء القدس) 20 ألف؛ أغلبهم في مناطق صناعية، أكبرها بَركان قُربَ أريئيل. وهنالك أيضًا ما يصل إلى 10 آلاف موظّفون في قطاع البناء وفق الطلب، داخل المستوطنات (الحَضَرية غالبًا)، إنما أيضًا في الطرق وحتى في إنشاء الجدار الفاصل سيء السمعة. هذه الأعداد الحالية صغيرة جدًا مقارنةً بمجمل اليد العاملة الفلسطينية، ناهيك الإسرائيلية.

[20] لأجل حالة دراسة ممتازة تتضمن استغلال نساءٍ يهوديات أصوليّات متشدّدات طيِّعات، أنظر غادي الغازي: «ماتريكس في بلعين: رأس المال، المستوطنات، والمقاومة المدنية للجدار الفاصل، أو:  قصة رأسمالية استعمارية في إسرائيل المعاصرة» (إنكليزي).

[22] أفضل المصطلح الثاني لأنه يتجنب الدلالة الدينية ويركز على السمة الأبرز لهذه المجموعة: لغتهم.

[23] يجادَل أنّ يهود أوروبا الشرقية، قبل المذبحة الصهيونية، امتلكوا فعلًا هذه الخصال لدرجة معتبرة، وشكلوا شيئًا مشابهًا للمجتمع القومي.

[24] ماذا يشكل هؤلاء إذًا؟ هذه سؤالٌ معقدٌ تعقيدًا شهيرًا، ولا أستطيع التطرق له بعمقٍ ولا حاجة لي في ذلك هنا. دعني أقدم ملاحظتين بسيطتين إلى حدٍ ما. أولًا، مصطلح «يهودي» له معانٍ عديدة مختلفة ولو كانت متداخِلة جزئيًا. ثانيًا، رغم أن «يهوديّة الشتات» (Diaspora Jewishness) لا يمكن اختزالها تحليليًا في اليهودية (الديانة اليهودية)، تشكّل الأخيرة، إمبريقيًا، مكوّنًا حيويًا من الأولى، على النحو التالي. دونَ الديانة اليهودية (Judaism)، تتبدد الهوية اليهودية (Jewishness) على نحوٍ ما بعد جيلين: خارِجَ إسرائيل، سيصعب عليك إيجاد شخصٍ يعرّف ذاته أو يصنّفه الآخرون كيهوديّ وهو لا يمارس اليهودية وليس له والدٌ أو والدة أو جد أو جدة مارسَ اليهودية. في وسط العبرانيين، من جهة أخرى، ستجد كثيرين ينتمون لجيلٍ ثالث من الملحدين.

[25] فكما يلاحظ أحدهم، لست أذكر من: ليس على الصهيوني أن يؤمن بوجود الله، لكن عليه أن يؤمن أنّه وعد اليهود بفلسطين.

[26] يُجادَل أنّ هذه الهويات تعزّزت والفضل يعود لـ «مبدأ التبعية» الخاص بالاتحاد الأوروبي.

[27] «انسحاب» إسرائيل من قطاع غزة عام 2005 لم ينهي احتلالها العسكرية، إنما غير شكله فقط – غالبًا إلى الأسوء.

[28] كما استعرضت سابقًا، الصيغة التي تقترح «فلسطين ديموقراطية علمانية» وحدوية لهي صيغةٌ غير لائقة، وصيغت لأجل تجنب البعد القومي للمسألة (المحلّل أعلاه في القسم 1،9) وتقدّم الصراع كصراعٍ عبر الأديان. أنظر مقالتي «الصهيونية – عائق كبير» (إنكليزي)، سبتمبر/أيلول 2005.

[29] يجادل بعض دعاة «تسوية الدولتين» أنّ حتى هذا المسخ يُفضّل على استمرارية الاحتلال العسكري المباشر الحالي. يُجادَل أنّها شرٌّ أصغر؛ وهنالك حالاتُ إكراهٍ شديدة يجب قبول شرٍّ أصغر فيها. ولكنّ ما يُفرَض أثناء الإكراه يجب أن يُقابل بالاحتجاج، لا أن يُعتنَق ويروَّج ويؤيد ويوصى به وكأنّما هو الخير الأعظم أو حلٌّ حقيقي.

ملاحظات فريق الترجمة:

* هذا التعليق بخصوص العنف الفلسطيني لا يمثل رأي المدونة، وإنما يمثّل رأي الكاتب.

* المصير الجلي: الاعتقاد بأن الولايات المتحدة هي أمة متجهة إلى التوسع من ساحل المحيط الأطلسي إلى المحيط الهادئ. ويستخدم أنصار هذه الفكرة أيضًا لتبرير عمليات الاستحواذ الإقليمية الأخرى. ويرى أنصار هذا الفكر أن التوسعات ليست فكرة جيدة وحسب، إنما مصيرية وحتمية أيضًا.

* مجموعة من القبائل الأصلية الأمريكية ومن شعوب الأمم الأولى في أمريكا الشمالية.

* أولستر: مقاطعة تقع شمالَ جزيرة أيرلندا ظلّت موالية للتاج البريطاني.

* طُرُق السلامي: هجوم أو قضاءٌ مجزّأ على معارضة، بحيث تُقتَطع نقاط قوتها على نحوٍ ممنهج.

مستوطنات
رسم بياني (1)
mostaw
رسم بياني (2)
herzl-kaiser
هرتزل والقيصر في فلسطين