الشيعيّ الشيوعيّ، أو: كيف تصبحُ شيوعيًا في مدينة مقدَّسة

سيلفيا ناف

«الشيعيّ الشيوعيّ» تعبيرٌ شاعَ استخدامه في العالم العربيّ للطعن في مصداقية المطالب السياسية والاقتصادية والاجتماعية للمجتمعات الشيعية. إنها توريةٌ سهلةٌ تتلاعبُ بالجذر اللغويّ المشترك وَما ينتج عنه من تماثلٍ صوتيّ، وككل تلاعب لغويّ، تحملٌ بعضًا من الحقيقة: حقيقة الإغراء الذي حملته «الشيوعيّة» للشيعة الإثني عشريّة العرب الذين يمثلّون، في هذا الجزء من العالم، جماعات أقليّة (أو يتم التعامل معها بوصفها كذلك) وَدون امتيازات نسبيًا، باعتبارِ إقصائهم (أو إقصائهم الذاتيّ) عن مراكز القوة. إلا أن نقاشنا لن يشمل العالم العربي بأكمله، بل عالمَ النَجف المصغّر، والذي أنتجَ، إلى جانب المجتهدين، عددًا معينًا من المثقفين الذين كانوا شيوعيين أو قريبين من الشيوعيّة. سيتركّز تحليلنا على التالي: كيف انقطع أفرادٌ من أسرٍ ذات ثقل دينيّ – بنحوٍ أو بآخر – عن هذا التراث القديم أحيانًا واعتنقوا خطًا فكريًا أيديولوجيًا هو، أو يبدو أقلًا أنه، في تعارضٍ تام مع هذا التراث؟ إن المصادر المعتمدة هنا هي سِيَرٌ أو سِير ذاتيّة بشكل رئيس؛ وليس الهدف الأساس تمحيص الشهادات العامّة حولَ هذا الانقطاع، بل استكشاف العوامل المادية (القراءات، اللقاءات الشخصية، إلخ) من أجل فتح بعض السبل للبحث في هذا الحقل آخر الأمر.

قبل البدء، نحتاج إلى القيام بتمييزيَن اصطلاحيّيَن: لا يُشير مصطلح «شيوعيّ»، كما سيستخدم هنا، إلى أعضاء الحزب الشيوعي فحسب بل إلى «المتعاطفين» معه أيضًا. علاوة على ذلك، لن نتحدّث عن مناضلي الحزب وقادته بالقدر الذي سنتحدّث فيه عن المثقفين «التابعين الرُحَّل» الذين ظلّوا مستقلين رغم دعمهم للحزب. أما بالنسبة لمصطلح «شيعي»، فلا ينطبق على الشيعة كُلِّهم، بل على أولئك المتحدرين من أسر ذات تراث في طلب العلم الدينيّ.

ستخدمُ ثلاث مناحٍ سِيَريّة في توضيح نتائجنا، سيرة من لبنان لحسين مروّة، واثنتان من العراق، لمحمّد صالح بحر العلوم، الشاعر العامل والناشط النقابي، ومحمد مهدي الجواهري، أحد أعظم شعراء القرن العشرين الذي يجسّد بحد ذاته ربّما تاريخ شيء من اليسار العراقي. لقد عاصروا بعضهم البعض إلى حدٍ ما، إذ ولدوا جميعًا في العقد الأول من القرن [العشرين]، وتلقّوا تعليمًا دينيًا هيّأهم ليكونوا علماء. إلا أن ثمة اختلافات مهمة بينهم: فالجواهريّ وبحر العلوم ينتميان لأسر مهمة من المجتهدين النجفيين (رغم كونها من فروعٍ ثانوية للأسر)، في حين انحدر حسين مروة من أسرة متواضعة من العلماء في جبل عامل.

ملامح سِيَريَّة

وُلد حسين مروة لأبٍ عالمٍ شيعيّ عام 1910 في حداثا جنوبَ لبنان، وانتقل إلى النجف في سن الرابعة عشر امتثالًا لرغبة أبيه بأن يراه عالمًا. وسرعان ما اعتراه الشك وقرر عدم مواصلة الأمر. غير أنه أكمل تعليمه، متحصلًا على الإجازة عامَ 1938، وعلى إثرها غادر الوسط الديني ليعمل صحفيًا ومعلمًا في العراق. بعد طرده من العراق نظرًا لنشاطه السياسيّ، عاد إلى لبنان حيث انضم إلى الحزب الشيوعي عام 1951. ظل عضوًا في اللجنة المركزية للحزب منذ 1964 وحتى موته العنيف في 1987. وهو معروفٌ بوصفه صحفيًا وناقدًا أدبيًا، أهم إنجازاته مضمومةٌ في مجلدين من «النزعات الماديّة في الفلسفة العربية الإسلامية»، وهو إعادة قراءة لمصادر عربية تراثية من وجهة نظر ماركسية، نُشر أولًا في 1979 وأعيد نشره مراتٍ عدّة منذئذ.

لا يتيح المجال هنا وصفَ حياة محمد مهدي الجواهريّ مفصلةً، أحد أهم رموز الشعر العربي في القرن العشرين وآخر الشعراء «الكلاسيكيين» ربّما، الذي وُلِد مطلع القرن. بعد أن استُبعدَ من التعليم نظرًا لأصوله الإيرانية المزعومة، استُخدِمَ في العهد الملكي بواسطة الملك فيصل وعمل في سلك البروتوكولات. غادر البلاط الملكي بعد ثلاث سنوات لكنه ظل على اتصال بالفاعلين الرئيسيين في الحياة العراقية السياسية؛ ففي عامي 1947 و1948، قام بتمثيل مقاطعة كربلاء في البرلمان العراقي. كما خدمته هذه العلاقات التي كوّنها ضمن المؤسسة السياسية عدَّة مرات خلال حياته. ورغم كونه أثيرًا في أوائل العهد الجمهوريّ، إلا إنه أحسّ بالتهديد في 1961، وغادرَ إلى المنفى في براغ لسبع سنوات. عاد إلى العراق في 1968 حيث مُنحَ مناصب تشريفيّة، لكنه غادر البلاد أواخر السبعينات وانتقلَ نهائيًّا إلى دمشق. في 1995، تم نزع الجنسية العراقيّة عنه على إثر مشاركته في مناسبةٍ رعتها السعوديّة. توفي في 26 يوليو 1997 في دمشق حيث دُفِن؛ وحضر جنازته العديد من السياسيين السوريين من ذوي الرُتَب.

إلى جانبِ كونه شاعرًا معروفًا ومحبوبًا (طُبعت مجموعته الشعرية الأولى في 1928)، فقد كان الجواهريّ ناشطًا في المجال السياسي (إذ حضر أغلبَ المظاهرات الكبرى) وفي المجال الصحفيّ. أُنشئت صحيفته الأولى «الفُرات» في عام 1930 ونُشر منها عشرون عددًا. في 1936 أنشأَ صحيفةً أخرى هي «الانقلاب»، والتي سُمّيت تيمنًا بانقلاب بكر صدقي، الذي وقعَ في العام ذاته. غير أنَّ بروزه كمؤثّرٍ في الرأي العام في البلاد حدث مع صحيفة «الرأي العام، التي استبدلت «الانقلاب» في 1937. صدرت الصحيفة حتى عام 1961، تتخللها العديد من الانقطاعات. يذكر حنا بطاطو أن «الانقلاب» كانت مخترقةً بواسطة الشيوعيين، إلا إن سليم طه التكريتي، الذي ساهم بنفسه في «الرأي العام» سنواتٍ عدّة، ينفي هذا القول. ويذكر أن الجواهري لم يسمح للشيوعيين أبدًا بالتحكّم بصحيفته وإن عبّر العديد من الكتاب الشيوعيين عن أنفسهم عبر صفحاتها. المؤكَّد أن الجواهري كان ضمن المعسكر «التقدميّ»، حتى وإن أمكن اعتباره كفردٍ متمرّدٍ أكثر مما هو ناشط منضبط. لقد كان شاعرًا ملتزمًا «وظَّف الشعر كسلاح»، كما يعبّر الشيوعي اللبناني محمد دكروب في رثائه.

وُلِد محمد صالح بحر العلوم عام 1909، وتمثّل قضيته القطيعةَ الأشد تطرفًا مع تراث الأسرة، حيث أن قطيعته فكرية ومهنيّة في طبيعتها: فقد عمل في مصنع سجائر في بغداد ليكسب عيشه. خلال وجوده في بغداد، انخرط في حركاتٍ سياسية وعمّالية أدت إلى سجنه عدة سنوات. في واقع الأمر، وابتداءً من اعتقاله الأول عام 1928، توالت الأحكام واحدةً بعد الأخرى لأسبابٍ سياسية دائمًا. كان ناشطًا في العديد من الأحزاب الوطنية واليسارية؛ كما كان معارضًا رئيسًا في المظاهرات ضد معاهدة بورتسموث عام 1948. انضمَّ في السنة التالية لـ «حركة السلم» وقدّم العديد من المبادرات في هذا الشأن. كذلك أعلن عدائه لسياسات رئيس الوزراء نوري السعيد المنحازة للبريطانيين. وسيشهد المجد معَ نشوء الجمهورية عامَ 1958، إذ مثل العراق في العديد من المؤتمرات الدوليّة. بل كان يتلقّى مرتبًا شهريًا يبلغ 60 دينارًا منذ 1959 وحتى 1963، حين تم اعتقاله ثانيةً من قبل الحكومة البعثية الجديدة هذه المرة. بعد الانقلاب البعثيّ الثاني عام 1968، أصبح مساهمًا منتظمًا في الجريدة اليوميّة الرسمية «الثورة» ونَظَم الشعر تمجيدًا للنظام الجديد.

يُنقَل أن محمد صالح بحر العلوم نظم أبياته الأولى في عمر الثانية عشرة؛ أصدر في 1932 رواية اجتماعية واقعية، بعنوان «العفّة». ولكونه شاعرًا معتنقًا لقضية، كانت كل أشعاره سياسية الطابع ومُباشرة. نشرَ ثلاث مجاميع شعرية، «العواطف» (النجف، 1937)، و«أقباس الثورة، من أعماق شعب 14 تموز» (بغداد، 1959)، و«ديوان بحر العلوم» (مجلدان، بغداد، 1968-1969). كما حرر ثمانية أعداد من «المصباح»، وهي صحيفة «علمية وأدبية وتاريخية» ظهرت في النجف خلال الثمانينات.

نحو الشيوعيّة

قسمت الأقدار لمروّة والجواهريّ وبحر العلم أن يقتفوا خطى آبائهم علماءِ الدين. عنى الأمرُ أن يهجروا اللهو والسلوك الطفوليّين باكرًا. وعليه ألبسَ والد مروّة ابنَه الطفل حسين جبّة رجل الدين وعمامته منذ عمر الثامنة، فيمَ جعل والدُ الجواهريّ ابنَه يرافقه في لقاءات العلماء متصرّفًا كشخص بالغ، مهيئًا له استحقاق أن يصبح رجل دينٍ في المستقبل. ولم يكن من السهل على الأولاد دائمًا قبول هذه القرارات الأبويّة: فقد ذكر الجواهريّ أنه حُرِم من طفولته، وأنه يحمل ذكرياتٍ مريرة عن هذه المرحلة. من جانبه عزا مروّة خجله، الذي لم يتجاوزه أبدًا، إلى إجباره على ارتداء حلّةٍ دينيّة منحته هيئةً ساخرة أمام أقرانه من الأطفال. لماذا لم يتّبعوا الطريق التي مُهّدت طبيعيًّا أمامهم؟ لمَ رفضوا وعدَ المهابةِ والخيار السهل، آخر الطريق، الذي مثّلته المهنة الدينيّة، ليكرّسوا أنفسهم لمسيرةٍ أشدّ صعوبة؟ سيكون تبسيطًا مفرطًا أن نمنحَ جوابًا واحدًا مُقنِعًا لهذا السؤال؛ لذا سنسعى للتفتيش عن توجهاتٍ ما عبر مقارنةِ عدّة مسارات.

أولًا، كان ثمة ظروف اجتماعية وعائلية متشابهة: عايش هؤلاء الثلاثة جميعًا تجربة الفقر في طفولتهم، سَبَّبَه موت الأبِ أو عدم قدرتهِ على كسبِ مالٍ كافٍ. فقد حسين مروة والده حين كان في الثانية عشر من عمره، مِمّا هدّد مسألة دراسته، باعتبار أن الأسرة وجدت نفسها فجأةً دونَ مصادر الدخل الضروريّة. لم يتحقق أمر حصول الشاب حسين مروة على مالٍ كافٍ للدراسة في النجف إلا بعدَ أن ضغطَ العالم الجليل «عبد الحسين شرف الدين» على أهل القرى المحيطة. غادر مروة القرية محملًا بشعور العار من الوسيلة المهينة التي جُمع بها المال؛ واعتبرَ هذا العار أحد الأسباب التي حملته على قطيعةِ السلك الديني.

مات والد الجواهريّ عامَ 1917، بعد أن شبّ محمد مهدي عن الطوق. وكحال مروّة، كانت طفولته صعبةً أيضًا، فقد عانى والده من عدم كونه رأس عشيرةِ الجواهري. نظرًا لكونه نجلَ أسرةٍ مهمة ذات صلات، لم يتمكّن من التأقلم مع أسلوب حياةٍ متواضع. كان الوالد مسرفًا وَكريمًا متلافًا: يحلّ ضيوف بيته حلولًا مَلَكيًّا في حين لا يملك الأطفال ما يسدّ رمق جوعهم. بداعٍ من الكبرياء أخفت الأُسرة أمرَ فقرها الذي بلغ درجاتٍ لا تطاق أحيانًا. دفع كرم الأب بالعائلة إلى بيع أثاثها: من سجادٍ وَشمعداناتٍ وَمصابيح. علاوةً على ذلك، منعه كبرياءه من أن يقتفي خطو بعض الأسر النجفيّة الشهيرة التي أثرت عبر عقد صلات وكالة مع القبائل المجاورة.

أما بحر العلوم فهو الآخر فَقَدَ والده، حين كان في السابعة، وَأُودِع على إثر ذلك في عهدة والدته وأخيها، «علي بحر العلوم». في حين لم تُشر المصادر التي رجعت إليها صراحةً إلى هذا الأمر، إلا أن للمرء أن يتخيل أنَّ لهذا الوضع أثرًا مهمًا على حال الأسرة المادي.

لم يكن فقر هذه الأسر بالطبع ظاهرةً مقتصرة على الشيعة الذين سينقلبون إلى شيوعيين لاحقًا. يذهب «تيتز روك» في تحليله للسير الذاتية العربيّة إلى كون الفقر دافعًا رئيسًا لتدوين سيرة ذاتية، مستشهدًا بالعديد من الكتاب الذين عانوا البؤس ذاته. إلى جانب آخر، ثمة مثال محمد جواد مغنيّة، الذي عاش في فقر مدقع قبل أن يدخر مالًا كافيًا للدراسة في النجف. إلا أن مغنيّة، الذي عرف مروّة وَتردد عليه، لم يصبح شيوعيًا. وَمثل مروّة، اهتمَّ كثيرًا بالعدالة الاجتماعيّة غير أنه لم يبحث عن الجواب في الشيوعيّة بل في الفكر الإسلامي.

ثمة عوامل متواترة أخرى في سير هؤلاء الشيعة الذين مضوا ليصبحوا شيوعييّن. خلال مرحلة تعليمهم، كانت القراءات الأخرى وَالتأثيرات الشخصيّة ذات أثرٍ خاص. إن عدم استقرار هؤلاء النجفيين الشباب لهو أمرٌ مفاجئ. فقد أكد الجواهريّ وَكذلك مروّة أنهم قرأوا كل ما وقع بين أيديهم دونَ تمييز: كَأدب النهضة العربيّ، أَو شعراء المهجر الأمريكيّ، أو طه حسين، إلى جانب كتّابٍ أوروبيين من القرنين الثامن والتاسع عشر، مثل أعمال دارون التي رفضتها المؤسسة الدينية. وكانت المجلات العربية العصرية عنصرًا مشتركًا آخر: فإن كان الثلاثة قرأوا مجلة «المقتطف»، وَنظيرتها الشيعية «العرفان»، فإنَّ مجلة «العصور» التي حررها الاشتراكيّ المصري إسماعيل مظهر كانت تحظى بمتابعةٍ خاصةٍ أيضًا. وَلم يُهمَل العرب الكلاسيكيون، وَلا سيما الشعراء منهم: أولى الجواهريُّ المتنبيَّ والجاحظ وَالبحتريّ تقديرًا، إلى جانب شعراء مغمورين من العصر المملوكيّ أثروا لغته بشكلٍ جوهريّ. كما عرف مؤلفين أجانب مثل شيلر (صاحب مسرحيّة «The Robbers») وَزولا. في عام 1917 أو 1918 حصل الجواهريّ على كتابه الماركسيّ الأول، وّالذي تمثّل في عملٍ لـ «شبلي شميّل». سبقَ ذلك اكتشافه سلامة موسى وطه حسين، الذين كان لعمله حول أبي العلاء المعريّ أثرٌ جليلٌ في تكوين الجواهريّ الفكري.

أمعن مروّة في التفكيرَ في قراءاته المفضلة خلال تلك المرحلة: في حين كانت «العرفان» العمل المطبوع الوحيد الذي صادفه قبل وصوله النجف، ما إن بلغ هذه المدينة حتى اكتشف كتاب النهضة العربيّة: مثل طه حسين، وَشعراء المهجر، جبران خليل جبران على وجهٍ أخص. كما أحبّ المؤرخ المصري أحمد أمين، الذي أثار سابقًا حفيظة العراقيين الشيعة، الذين شعروا بالإهانة بعد اعتباره التشيّع صنيعة أعداء الإسلام. علاوة على ذلك، فتحت الصحافة باب الفضول عند مروّة وهيئته للتفكير النقدي المعاصر: فمن خلالها اكتشف فكرَ الاشتراكيّ المصري إسماعيل مظهر وَمقالاتٍ في الداروينيّة وَالإلحاد نشرها شبلي شميّل.

أما بالنسبة لمصطلح «الاشتراكية»، فقد صادفه مروّة في مقالات الاجتماعيّ نقولا حداد وَروايات فرح أنطون وَكتابات إسماعيل مظهر أو سلامة موسى وَمقالات «المقتطف». لم يعرف إلا القدر الضئيل عن ماركس وَالماركسيّة خلال هذه المرحلة النجفيّة الأولى؛ واقعًا سيشير مروّة لاحقًا إلى فقرٍ شديد إلى الوضوح في النصوص العربيّة حولَ هذه المواضيع، التي لم تميّز غالبًا بين الثورتين الفرنسية والروسيّة.

ستصبح إحدى اللقاءات الشخصيّة حاسمة في حياة مروّة: لقاؤه بحسين محمد الشبيبي، أحد أعضاء اللجنة المركزيّة للحزب الشيوعي العراقي، الذي اعتُقل عامَ 1947 وأُعدِمَ عامَ 1949. في أواخر الثلاثينات من القرن السابق، أعطى الشبيبيُّ مروة نسخةً من «البيان الشيوعيّ». بهر مروّة بالنص حتى أنه قرأه عدة مرات. مما قاده إلى اكتشاف أدبيات ماركسية مهمة أخرى، قبل عودته مرغمًا إلى لبنان، مثل عمل «الدولة وَالثورة» لـ «لينين» و«المادية التاريخيّة وَالجدلية» لـ «ستالين»، إضافةً إلى أعمالٍ شيوعية محلية.

بالنسبة للجواهريّ، تمّت القطيعة جزئيًا بسبب علاقته بأخيه الأكبر، عبد العزيز. وقع الأمر بعد عام واحد من وفاة والده، عندما بدأ محمد مهدي، الذي طالما كان «ظلَّ أبيه الصامت»، في العثور على هويته الحقيقية والتحول إلى فرد مستقل، فكتب: «بعدَ رحيله خرَج الشاعر الحبيس من جبّة الفقيه وَرجل الدين، التي فُرضت عليه». كان عبد العزيز، الذي خلف أبيه في تراتبيّة الأسرة، تقدميًا، وَأحد الفاعلين القلائل الذين انخرطوا في نهضة النجف الأدبية، وفقًا للجواهريّ. نشأ عبد العزيز نشأة تقليديّة وتأثر بثورة إيران الدستورية. درس الرياضيات وَالعلوم الطبيعية وَالفلسفة، ونشر على إثر ذلك مقالاتٍ في «المقتطف» و«الهلال» و«العرفان» وَمجلات معاصرة أخرى. كما كتب قصائد وَترجم (لاحقًا ربما) مقدمة ابن خلدون إلى الفارسيّة. جمعَ عبد العزيز ثلةً من الأصحاب لم يتجاوز عددهم أصابع اليدين. حيث ناقشوا النظريات السياسية وَالأدبية وَالشعرية الحديثة، في محاولةٍ لتقييم جدارتها للنجف والعراق. كذلك انتقدوا كل قديمٍ وَراكد، متحفزين لكل جديد. أثارت نقاشاتهم اهتمامَ الجواهريّ بالأسئلة التي طرحتها الثقافة المعاصرة: «لقد أثَّرَ فيَّ هذا الجو الثقافي المجدد»، كتبَ الجواهريّ، «وَعجَّل في انطلاقتي خارج الجوّ النجفي التقليدي». علاوة على ذلك، بفضل أخيه تمكّن الجواهريّ من قراءة الأعمال المذكورة أعلاه، التي ما كانت تتوفر في المكتبات الخاصة المعروفة للمدينة المقدسة؛ من خلاله تعرف على كتاب «أصل الأنواع» لدارون وَمجلة «العصور» وَكُتب سلامة موسى.

في حالة بحر العلوم، لا يسع المرء إلا أن يخمّن أسباب قطيعته مع الثقافة التقليدية، ذلك أني لم أقع حتى الآن على مذكرات شخصية للشاعر نفسه أو من محيطه. وفقًا للكاتب العراقي يوسف عز الدين، فإن ثمانية بالمئة فقط من مجمل سكان البلاد في 1946، وما لا يزيد عن 18% من البغداديين، كانوا يحسنون القراءة والكتابة. وَكما يؤكد، غالبًا ما أدى فقر الشريحة الريفية وَتخلفها الشديد بالمثقفين (أو أولئك المتعلمين) إلى تكريس أنفسهم لتحسين الظروف المعيشية للفلاحين. نجد الدافع ذاته في العديد من كتابات المؤلفين، على رأسها مذكرات شيوعيّ مناضل من الناصرية، البلدة الجنوبية، عبد الكريم حسون الجار الله. في كتابه المنشور عام 1969، وصف النشاط النضالي في جنوب البلاد خلال النصف الأول من القرن الماضي. عُيّن الجار الله وكيلًا مهندسًا للخدمات الزراعية في الناصرية عام 1927، وَخلال تأدية عمله، زارَ المناطق المجاورة، حيث ترسخت ثورته ضد الفقر وَالبؤس. قاده الأمر إلى أن يصبح مناضلًا يساريًا.

إضافة لذلك، لاحظ يوسف عز الدين أن أغلب الشعراء المشغولين بالمسألة الريفية أتوا من منطقة الفرات، خاصة النجف، حيث كانت الأوضاع المعيشية للفلاحين فيها بائسة على وجه أخص. هذا ما يجده المرء في قصائد بحر العلوم، الذي دوَّنَ، مدفوعًا بالعاطفة وَتضامنًا مع الفلاحين، في إهداء مجموعته الشعرية الأولى المسماة «العواطف»:

تقبَّل أيها الفلاح منّي، عواطفَ يستبان بها شعوري

وَلا تحزن إذا لم تلقَ ثوبًا، يقيكَ وثوبَ غيرك من حريرِ

فشأن الدهر لا يعرف ضعيفًا، وَلا يألف مراعاة الفقيرِ

وَناموس الطبيعة فيه نقصٌ، تفسره الشواذ من الأمورِ

ihda

يُظهر الرسم المصاحب هذه الأبيات عالمًا شابًا يقدّم مجموعَ قصائدَ لفلاحٍ نصف عارٍ. هذه الشفقة على الظروف المعيشية للفلاحين الفقراء لا تفسّر وحدها القطيعة الجذرية المبكرة في حياة بحر العلوم؛ لكن لعلّها تمثّل إحدى العوامل المساهمة.

ملاحظات أخيرة

أَمِنَ الممكن، استنادًا على ما نوقش أعلاه، استخلاص أي نتائج أو تقرير الأسباب التي دفعت هؤلاء الفتية إلى الرحيل عن قَدَرٍ مرسومٍ وَالسعي وراء «مغامرة» بدلًا عن ذلك؟ كما يشرح مروّة، من الصعب الجزم بالدوافع الدقيقة التي ساهمت في هذه القطيعة؛ إنها بالأحرى مسألة تراكم عددٍ من العوامل. لكن كيف يصبح المرء شيوعيًا في مدينة مقدسة؟ لا أظن أن ثمة صيغة جاهزة، كما لا أرغب وَلا أستطيع أن أقدّم جوابًا جازمًا. سأحاول أن أستخلص عددًا معينًا من العوامل.

1) هناك، أولًا، تهميش اجتماعيّ-اقتصاديّ معيّن، نظرًا لوفاة الأب أو عجزه عن تلبية احتياجات أسرته بشكلٍ وافٍ، الأسرةِ التي عرفت الرخاء في سابق عهدها. لعلَّ نزعةً معينةً للتماثل معَ قضايا المحرومين تنشأ عن هذه التجربة. عززت قراءات معينة وَتأثيرات شخصية من هذا الموقف. وَبداعٍ من إقصائهم عن عالمٍ انتموا له يومًا بسبب الفقر، حُمل هؤلاء الكتاب على إعادة النظر في حياتهم.

2) عامل آخر كان فقدان النظام القديم لاكتساب المعرفة وجاهته في الدولة الحديثة التي تكونت بعد سقوط الإمبراطورية العثمانية. واقعًا فقد كان النظام النجفيّ يتدهور مقارنةً بماضيه المجيد. كما ندبه الكاتب جعفر الخليلي: «ليس لهذا الحاضر المعتم المغمور صلة بماضيه المشرق الناصع، أو لعله ينبغي لنا القول إنه كما لو أن النجف العريقة عقرت وَعجزت عن إنجاب الأبناء، أو كأنها أنجبت أبناءً لكن لم تترك لهم تراثًا». مهّد التعليم الحديث الطريق لمهن مرموقة، وَبشكل أعم، لمناصب خُلِقَت من قبل ولأجل الإدارة الجديدة. لم يعد لِكون المرء عالمًا الرسالة المعتَبَرة التي كانت له في الماضي. عنت عمليّة التحول العلمانيّ هذه أن العلماء ما عادوا مالكيّ المعرفة الوحيدين. ينبغي علينا ألا ننسى أن الدراسة في النظام الديني، في مقابل النظام العلمانيّ، لم تكن بالضرورة خيارًا، بل قررتها إلى حدٍ كبيرٍ خلفيّة المرء الأسرية والاقتصادية والجغرافية. كما نوّه مروّة، حين بدأت تراوده الشكوك حول السعي لتحصيل مهنة دينية، فضَّل أن لو سنحت له الفرصة ليبدله بالنظام العلمانيّ؛ إلا أن عدم توافق المنهج من جهةٍ والاقتصار إلى الموارد من جهة أخرى حملته على متابعة دراسته في النظام الديني.

3) من دون الخوض في التأويلات النفسية، قد يسعنا القول إن «الثورة ضد الأب» الذي يمثّل لا القانون والتقاليد فقط، بل النظام التعليمي القديم أيضًا وَاضمحلال القدرة على الترقي الاجتماعي، تشكّل دافعًا خفيًا. تعد الثورة والحركة موضوعاتٍ ثابتةٍ واقعًا في المذكرات، وعلى وجهٍ أشد جلاءً في أعمال الجواهري.

4) بشكلٍ أعمّ، ثمة رغبة نابعة من العوامل المذكورة أعلاه للقطيعة مع القديم وَاكتشاف الجديد وَالعصري. شعرَ هذا الجيل بالاختناق داخل الجبة الدينية، حتى وَإن تعلَّقَ أحيانًا بأساليب تقليديّة ظاهريًّا. فكما علّق محمد دكروب في الاقتباس الوارد أعلاه حول الجواهريّ، كنَّ له مجايلوه التقدير لأنه ناضل في سبيل المعاصر، وَإن اتخذ صراعه بنيةً قديمةً كالشعر المقفى.

لعلَّ هذا ما يمكن استخلاصه من تفحص مسيرات هؤلاء الثلاثة الذين درستهم هنا: بلغ أثر الأفكار الجديدة وَانتشارها كبد نظام التعليم التقليدي، وَعليه ترددت أهمية موضوعات الثورة وَالتغيير في العديد من السير.

تعبّر عن هذه الفكرة أبياتٌ لمحمد صالح بحر العلوم جاورت صورته في بداية ديوانه الشعري «العواطف»:

صورتي صورةُ الشيوخ وَلكن

روحي ثورة الشباب ضدَّ القديمِ[1]

ملاحظات فريق الترجمة:

[1] ترجمة للأبيات عن النسخة الإنجليزية