حركة النساء، الاستقلال الذاتي، وسلطة إعادة الإنتاج

«إن السؤال الأهم هو كيف نفتح المجال لاستقلاليتنا الذاتية، ونبني علاقات تضامنٍ جديدة، ونسترد بعض الثروات التي أنتجناها؟»

2016_0827sr_

مقابَلة مع: سيلفيا فديريتشي

سيلفيا فديريتشي كاتبة وناشطة، وأحد أكثر المنظرين تأثيرًا على النسوية في جيلها. حظيت إسهاماتها في النظرية المستندة على الممارسة والمتعلقة بالأعمال المعيدة للإنتاج والمتعلقة بالمشاعات* على تقديرٍ عالٍ في أوساط المجتمعين الأكاديمي والحركي، ونأمل أن تساعد في إرساء دعائم المشاريع الجماعية المقبلة، المعنيّة بالتحول إلى مجتمع ما بعد العلاقات الرأسمالية.

أجرت مارينا سيترين من مجلة «رور» مؤخرًا هذا الحوار مع فديريتشي بمنزلها في بروكلين، نيويورك، لمناقشة العلاقة بين النضالات المتعلقة بإعادة الإنتاج الاجتماعي، والجندر، والعمل، والمشاعات، لا سيما في ظل الأزمة والتقشف اللذين نعاني منهما اليوم.


— يجري الحديث حول إعادة الإنتاج الاجتماعي كثيرًا في الآونة الأخيرة. نظرًا لكونكِ أحد أهم الكتاب والمفكرين الذين تناولوا هذه المسألة، بتحدّيك للمفهوم الذي طرحه ماركس وتوسيعك له، هل يمكنكِ أن تبدئي بتوضيح الفكرة الأساسية لهذا المفهوم؟

إنه لتقدم جيد أن يحظى مفهوم إعادة الإنتاج الاجتماعي بكل هذا الاهتمام في أيامنا هذه، فلفترة طويلة جدًا كان تركيزنا مقصورًا على إنتاج السلع، رغم أن دور الحياة والعمل المُعِيْديْن للإنتاج يقع وسط أي مشروع تحويلي، فهما ليسا جوهر التراكم الرأسمالي وحسب، بل أساس كل نوع من أنواع التنظيم.

إن إعادة الإنتاج الاجتماعي مصطلح حديث نسبيًا. ففي عام ١٩٧٠، كنا نتطرق له في حدود العمل المنزلي، مشيرين إلى جميع الأنشطة التي تنتج حياتنا اليومية، وتحدثنا في الوقت نفسه عن المجتمع الرأسمالي وإعادة إنتاج قوة العمل. لاحقًا، قمنا بتوسيع المفهوم، فرأينا أن «الإنجاب» جزء من إعادة إنتاج الحياة، وأنّ «إعادة الإنتاج» لها وجهان متناقضان مع بعضهما البعض. فمن ناحية، إنها تعيد إنتاجنا كبشر، ومن ناحية أخرى فهي تعيد إنتاجنا كعمال يمكن استغلالهن/م. السؤال الذي طرحناه هو: كيف يمكننا أن نحول إعادة إنتاج العمل إلى نسخة عن نضالاتنا؟

أشاعت الأوساط الأكاديمية والحَركية مفهوم إعادة الإنتاج الاجتماعي مؤخرًا، مشدِّدة على حصول إعادة إنتاج اليد العاملة خارج المنزل أيضًا، كدورها في المدارس والمستشفيات على سبيل المثال. لقد تغير فهمي لإعادة الإنتاج على مر السنين، فالسفر إلى أفريقيا وأمريكا اللاتينية يجعلك تدركين أن عملية إعادة الإنتاج بالنسبة لكثير من النساء، في جميع أنحاء العالم، تبدأ بزرع بعض البذور في التربة، ليس لغاية البيع، بل لإطعام الأسرة. إن الاعتناء بالبيئة جزءٌ من عملية إعادة الإنتاج أيضًا، مما يعني أن التدهور البيئي يؤثر بصفة خاصة على النساء.

المشكلة هنا هي وجود فجوة بين النظرية والممارسة. هناك الكثير من الجدل اليوم حول أعمال الرعاية، لا سيما فيما يتعلق بالأطفال وأيضًا فيما يتعلق بكبار السن، فمع كبر السن، واجَهت النسويات تحديات الرعاية بآبائهن. لكننا لم نرَ حقًا مبادرات عديدة على مستوى الأحياء، تلبي الحاجات الملحة وتبدأ في إنشاء نوع من الشبكات والبنى التي نحتاجها.

— هل يمكنكِ الحديث قليلًا عن وضع الأزمة والتقشف الحالي؟ يبدو أن هذه أحد الأسباب الرئيسية التي جعلت النقاشات حول إعادة الإنتاج الاجتماعي تكتسب كل هذا الزخم في أوروبا وأمريكا الشمالية اليوم.

صحيح، نرى الفقر والحرمان منتشرين في جميع أنحاء العالم، بما في ذلك أوروبا وأمريكا الشمالية أيضًا. فبالنسبة للملايين من الناس وخاصة الملوّنين،* لا يقدم رأس المال أو الدولة أي وسيلة لإعادة الإنتاج، فهما لا يتواجدان إلا كقوى قمعية. لذا بدأ الكثيرون بتقاسم مواردهم الشخصية وتشكيل عددٍ أكبر من البنى الجماعية المختصة بإعادة الإنتاج، باعتبارها الضمان الوحيد للبقاء.

نرى ذلك في اليونان في محاولة بناء شبكة من العيادات الاجتماعية، في الوقت الذي عانت فيه الرعاية الصحية من التفكك. فالناس تعاونوا هناك، والمجتمعات تحرّكت، وجلب المزارعون الأغذية من الريف. ومما له دلالة كبيرة أن الشعب اليوناني الذي عاش تحت ظل أكثر سياسات التقشف وحشية في أوروبا، كان أيضًا أحد الشعوب التي وقفت في طليعة حركة التضامن مع اللاجئين والمهاجرين. كان ذلك الأمر ملهمًا حقًا، وأتمنى أن نستمد من هذه التجربة بعض الدروس التي قد تشكّل أسُسًا لبناء سياساتٍ جديدة في الولايات المتحدة.

— ماذا عن الفجوة بين لغة إعادة الإنتاج الاجتماعي وحقيقة ما تمارسه الناشطات والناشطون على أرض الواقع؟ إذا نظرنا إلى العيادات أو التضامن مع اللاجئين في اليونان، سنجد أن العديد من المشاركين هم من النساء. إذًا، هل طريقة الحديث عن إعادة الإنتاج الاجتماعي اليوم تضع مسألة الجندر في المركز؟

نعم، كثيرٌ من عملية إعادة الإنتاج تقوم بها النساء، ففي أمريكا اللاتينية وتحديدًا أفريقيا، سَتَرَيْن أن أولئك الذين توقفوا عن زراعة الكفاف معظمهن من النساء. وحتى وقت قريب، كانت زراعة الكفاف أحد أهم أنشطة المرأة الأفريقية، ولكن هذا النوع من الزراعة اليوم مستهدفٌ بواسطة البنك الدولي، الذي يقول أنّ عليك استخدام الأرض لاقتراض المال وإقامة المشاريع التجارية، محاججًا أن الأموال هي الوسيلة المثمرة لا سواها، والأعمال التجارية هي السبيل الوحيد للإفلات من براثن الفقر، ولذلك يجب ألّا تحرث الأرض للحصول على القوت والمأوى.

أمسكت النساء بزمام الأمور في ظل تداعيات الأزمة، وهذا سبب كونهن مستهدفات بواسطة هذه المؤسسات. فقد انطلقن في الشوارع وخلقن اقتصادً بديلًا كاملًا، له جذوره في زراعة الكفاف وهو عبارة عن تجاراتٍ صغيرة، يقمن فيها بإعداد الوجبات الخفيفة والمشروبات وبيعها بثمنٍ بخس لجيرانهن والعمال الآخرين. هذا اقتصادٌ تحاول المنظمات الدولية والحكومات تدميره أو التلاعب به، بطرقٍ عدوانية مثل القروض الصغرى، لأن هذا الاقتصاد البديل قدّم للنساء والناس بشكل عام استقلالية أكبر عن السوق.

— إذًا لو أمكننا ضم ذلك إلى طرق التنظيم التي تغلب عليها القيادة النسائية، كيف نتمكن من البدئ بتفكيك تقسيم العمل وحلِّه؟ نحن نعرف لغة إعادة الإنتاج الاجتماعي وهي مفيدة جدًا، ولكن ألا يبدو أن الممارسة لم تتغير؟

هذه مسألة صعبة وذات آثار واسعة. لقد عدت للتو من كولومبيا، وأحد الأحداث المعتبرة التي جرت هناك هي وقوع عملية سلبٍ شاسعة – هجومٌ على وسائل إعادة الإنتاج التي امتلك الناس نفوذًا إليها، في عمليةٍ غالبًا ما تفتتح بتهجير الناس من أراضيهم. وقد جرى ذلك بممارسة عنفٍ شرس ضد النساء، من مطاردة المشعوذات إلى المجازر الصريحة. ورغم ذلك، سؤالنا هو: لماذا تقتصر مناهضة مثل هذه الأمور على النساء فقط؟ هذه ليست مشكلةً خاصة بالنساء. النساء هن أول المستهدفات فيها، إلّا أنها مشكلة تتعلق بالرجال أيضًا، لأن معظم مرتكبي هذا النوع من العنف هم من الرجال.

تقف النساء في الخطوط الأمامية لأنهن يدفعن ثمن هذه التغيرات، ولكن يجب أن يكون لدينا حركة للرجال تناهض ممارسة العنف ضد المرأة. نحن بحاجة إلى رجالٍ ينظّمون أنفسهم ليقولوا لرجالٍ آخرين: كفّوا عن ذلك. وبشكل أعم، نحن بحاجة للنضال ضد إعادة تعريف مفهوم الذكورة الذي نشهده اليوم، بتمجيده للنزعة العدوانية. فنحن نرى الذكر القدوة اليوم في الجندي، وحارس الأمن، ومروج المخدرات، أي: دائمًا هو الرجل الذي يحمل معه بندقية.

كما أشارت عالمة الاجتماع الفرنسية النسوية جول فالكي، إن العمل الأساسي الذي أصبح يسيرًا على الرجال، في التقسيم الدولي الجديد للعمل، هو ممارسة العنف، مثل العمل بصفتهم جنودًا أو حرّاس أمنٍ أو سَجّانين. قد تكون هذه أحد أسباب ممارسة العنف ضد المرأة اليوم. فهناك تقدمٌ كبير في عسكرة الحياة اليومية، وفي تشكيل مفهوم جديد وعنيف للذكورة.

أعتقد أنّ على الرجال العمل أكثر في أعمال إعادة الإنتاج. بعض الشباب يقومون بذلك بالفعل، ولكن لا يزال هذا الأمر يمثل تحديًا هائلًا. فأحيانًا، يكون لهذه الصعوبات جذورٌ مادية، وذلك لحصول الرجال على وظائف وأجورٍ أفضل من النساء. ولذلك، إذا كان على الأسرة أن تختار، فالرجال هم من يتولون مهمة كسب العيش. فلدى الرجال، في النهاية، فرصة أكبر في الحصول على الوظائف، وعادةً ما يكسبون أجورًا أفضل من أجور النساء.

— لكن هناك تواطؤ حقيقي يقوم به الرجال اليوم مع رأس المال، بذات أسلوب تواطئهم في مسألة العنف ضد المرأة. كيف يمكننا التعامل مع مثل هذا الأمر؟

هناك وسيلة واحدة لإثبات مكانة النساء في المجتمع، دون اللجوء إلى أي نوع من التسوية. من المهم أن تكسب النساء فضاءهن السياسي المستقل، حتى لو عملن في منظماتٍ مختلطة. هذه هي الوسيلة الوحيدة التي يمكننا بها تحليل وضعنا وتأسيس استراتيجيات ونضالات كافية لإحداث تغيير ما. وإلا ستظل مناطق استغلالٍ عدة دون تمحيص وخارجة عن نطاق الرؤية مرة أخرى.

أتذكر كيف عارض رجالُ اليسار الحركةَ النسوية عام ١٩٧٠ بشدّة، باتهامنا بتقسيم الطبقة العاملة، وإيمانهم أننا يجب أن نكون مجموعة رعايةٍ لنضالهم. صَعُبَ عليهم الإقرار بإمكانيّتنا على السير في نضالنا باستقلالية استنادًا إلى عملنا الخاص، واستنادًا إلى شكل استغلالنا الخصوصي. فقط حين غادرت النساء تلك المنظمات، أُجبِرن على فتح أعينهن. لذا، نصيحتي للنساء أن يقمن ببناء قوتهن بشكل مستقل.

— هذا مثيرُ للاهتمام حقًا، لأنك حتى في الحركات العالمية الحديثة، كالحركات الأكثر استقلالية في ميادين أوروبا والولايات المتحدة، تحدثت بهذه اللغة مجادلةً أن «هنالك الكثير من التنوع والقبول، ونحن جميعًا نسير على ذات الخطى، بعيدًا عن الانقسامات» كنوعٍ من ما بعد النسوية غير السياسية.

لا أؤمن بمرحلة ما بعد النسوية وما بعد الكولونيالية، أو السياسات المابَعدية (Post-ism) بشكل عام. إن العلاقات الكولونيالية لهي أقوى من أي وقت مضى والنسوية ما تزال ضرورية، إنما، وهو من بداهة القول، ليس ما نحتاج إليه نسخة النسوية التي خلقتها الأمم المتحدة، إذ حاولت احتواء الحركة النسوية مثلما فعلت من قبل مع الحركة المناهضة للاستعمار.

يثير قلقي اتجاهنا نحو سياسات «ما بعد النسوية»، فهناك اليوم هجومٌ على «مفهوم المرأة» نفسه، وهو المشروع الذي بدأ مع ما بعد الحداثة، والذي رفض افتراض وجود أي قواسم مشتركة في صفوف النساء، حتى بين أولئك الكادحات. ترفض بعض الشابات اليوم مبدأ «النسوية» على افتراض أنه محضُ نتاجٍ بنائي للرأسمالية، ولكن ما يحدد مفهوم المرأة هو تلك النضالات التي خاضتها النساء، ولا سيما تحديهن ورفضهن للتعريف الرأسمالي لـ «الأنوثة» و«الجندر».

— هل تعتقدين أن سوء استخدام مثل هذه المصطلحات يشمل أيضًا لغة إعادة الإنتاج الاجتماعي وأعمال الرعاية؟ لقد شهدت استخدام مثل هذه المصطلحات في الأوساط الأكاديمية وعلى يد التقدميين والتقدميّات كذلك، لكنهم/ن يستعملنها بشكل غير واضح في كثيرٍ من الأحيان وفي أي ممارسة اجتماعية.

في اللحظة التي يتم فيها استعمال مصطلح مثل «أعمال الرعاية»، ننحو بعيدًا عن مجال الممارسة، ونترك المصطلح جامدًا ومتحجّرًا، وتصبح الفكرة عديمة الضرر مثل «مجتمع الرعاية» المنتشرة اليوم في بعض الأوساط النسوية على وجه التحديد، بسبب التفكير بها بمعزلٍ عما يتعين علينا القيام به من أجل تحقيق ذلك. إن اللغة أيضًا ترسم تضاريس النضال، فنحن نملك مثل هذه المصطلحات مثل «إعادة الإنتاج الاجتماعي» أو «المشاعات» التي خلت اليوم من أي معنى في الخطاب الأكاديمي. لذا أنا أنظر إلى اللغة باعتبارها جزءًا آخرَ من النضال يتعين علينا فيه محاولة استرداد معاني نضالاتنا.

على إعادة الإنتاج الاجتماعي، في رأيي، أن تكون بوابة لإعادة تفكيرنا بكل من الأحياء والمجتمعات المحلية، لنحقق معًا سياساتٍ توافق رغباتنا، وإمكانياتنا، وأزماتنا، وتحدد سير عملنا. يكمن موضع اهتمامي اليوم في تطوير سياساتٍ جديدة تعالج مفهومي الأجور والمشاعات. في الواقع، شعاري اليوم هو: «بين الأجور والمشاعات». هذا لأننا لا نستطيع التخلي عن نضالنا حول الأجور اليوم: فنحن نرى ذلك في كل شيءٍ من حولنا، كعمال مطاعم الوجبات السريعة وعمّال متاجر «وول مارت»، الذين كافحوا من أجل رفع مستوى الحد الأدنى للأجور.

قد لا يبدو ذلك ثوريًا للغاية ولكنه في الواقع مهم جدًا، كونه يوحد صفوف العمال الذين يعتبرون في أدنى درجات القوة في المجتمع اليوم، محولين تلك الصفوف إلى قوة اجتماعية جديدة. فاليوم حين يطالب عمال الوجبات السريعة بأجر قدره ١٥ دولار عن كل ساعة عمل، فهم يطالبون بالتحرر ووضع حدٍ للعبودية، بقولهم: «لقد سئمنا من كوننا مَنْ يمكن قطع أجورهنّ حتى لا يبقى منها إلا العظام، وسئمنا من عيشنا على الهامش». إن نضالهن يحمل معنىً متجاوزًا للمال الفعلي الذي يطالبن به، فارتباطه بالنضال ضد القوانين المقيدة للهجرة وحركة «بلاك لايفز ماتر» لم يكن على سبيل الصدفة.*

علينا أن نكون حذرين عند نضالنا من أجل الأجور، لأن الأجور تستخدم لتقسيم الشعب. لكن يمكن استخدامها بطريقة معاكسة بوصفها أداةً للتغيير. على سبيل المثال، بدأ العمال في إيطاليا أوائل عام ١٩٧٠، في فترة خصومةٍ طبقية مستفحلة، بالمطالبة بأجورٍ متناسبة عكسيًا، وبالتالي حصل أولئك الذين يكسبون أدنى الأجور على علاوات أكبر والعكس بالعكس. استخدمت حينها الأجور بطريقة سياسية، فهي كانت تستخدم كوسيلة لتوحيد الناس، وتقويض الترتيبات الهرمية للعمل التي بنيت من خلال نظام الأجور. يحدث اليوم أمر مشابه في نضال العمال من أجل ١٥ دولار كحد أدنى للأجور، فهذه محاولة لقلب التسلسل الهرمي بصعود الأدنى للأعلى.

لا تختلف الأجور والمشاعات بنظري عن بعضهما البعض، ولكن يحتمل أن تكونا، في بعض الحالات، أداتين تدعم كلٌ منهما الأخرى. نحتاج للمشاعات لنقوي من حدة النضال لأجل الأجور، ونحتاج للأجور لنقدم بعض الموارد للمشاعات. السؤال الأهم هو: كيف نفتح المجال لاستقلاليتنا الذاتية، ونبني علاقات تضامن جديدة، ونستردّ بعض الثروات التي أنتجناها، دون المبادلة باستغلالٍ أكثر أو الخضوع لتحكمٍ أكبر من الدولة على معيشتنا؟

— مثل بعض حركات الإسكان؟ تستحوذ الهيئة العامة للإسكان في إسبانيا، على سبيل المثال، على منازل، ثم تنظر فيما تحتاجه الأسر في رُزمٍ أسرية (يسمّونها بـ «القرى») ويوفرون لهم خدمات مشتركة، معيدين ترتيب عناصر مختلفة من الحياة اليومية.

تمامًا، ولكن أولًا على الناس أن يقرروا ماذا يريدون، فلا يمكن أن تسمح للدولة أن تقرر ذلك نيابةً عنك. على سبيل المثال، نحن بحاجة إلى بناء أساس يدعمنا، من خلال عقد اجتماعات منتظمة مع الناس الذين يعملون في الخدمات العامة، مثل: الممرضات والمعلمات اللواتي يعتبرن جزءًا من الدولة، ولكنهن اليوم غير راضيات عنها لعلمهن أنهن لا يستطعن القيام حقًا بعملهن بشكل جيد، بسبب ثبات المعدل المنخفض للأجور وتيلورية* عملهن التي لا تترك لهن أي فرصة لبناء علاقاتهن مع من يقدمن لهم الخدمات. من هنا يبدأ التغيير، بتوطيد علاقاتنا مع الأشخاص الذين يهتمون أيضًا بتحسين حالة إعادة الإنتاج الاجتماعي، والذين يعرفون مسبقًا مساوئ النظام الداخلي ومدى خطورة مشاكله على واقعنا.

المصدر: مجلة رور

ملاحظات فريق الترجمة:

* المشاعات (commons): أراضٍ غير مملوكة لجهات خاصة.

* الملوّنين (people of color): كلمة تشير للأقليات العرقية.

* «بلاك لايفز ماتر» (Black Lives Matter)، أو «حياة السود مُهمّة»: حركة انطلقت عام 2014 في المجتمع الأمريكي الأسود لمناهضة عنف الشرطة ضد السود.

* تيلورية (taylorization): أول نظام لإدارة العمال بطريقة علمية، وتعرف بوصفها مجموعة التقنيات التي ترتكز على المبدأ الميكانيكي الذي يميل إلى حصر العمل في حركات دورية مكررة وإلى تعجيل النسق من أجل الحد بأقصى ما يمكن من الوقت الضائع خلال يوم العمل، وفي ذلك تعبير عن الطابع التناقضي لعلاقات الإنتاج الرأسمالية. (أنظر: معجم الماركسية النقدي، دار الفارابي، صفحة ٣٥٠)