طارق علي: فيديل كاسترو (١٩٢٦ – ٢٠١٦)

tariq

في السادس والعشرين من يوليو عام ١٩٥٣، قاد المحام الشاب الثائر فيدل كاسترو، مجموعة صغيرة من الرجال المسلحين، في محاولة للاستيلاء على ثكنات مونكادا في سنتياغو دي كوبا، بمحافظة أورينته. لكن الهجوم فشل وقُتل على إثره معظم المتمردين. وقد حاول كاسترو الدفاع عن نفسه، بخطابٍ متقن ومفعمٍ بالمراجع الكلاسيكية، وأقوالٍ من بلزاك وروسو، الذي انتهى بعبارة: «أدينوني، لا يهم، فالتاريخ سيبرّئني» وحظي بعدها على شهرة وشعبية واسعة.

أطلق سراح كاسترو في عفو عام خلال عام ١٩٥٤، وغادر الجزيرة ثم بدأ بتنظيم تمردٍ في المكسيك، ومكث لفترةٍ في مزرعةٍ كانت تنتمي إلى الثوري المكسيكي الأسطوري، إيمليانو ساباتا. وفي أواخر شهر نوفمبر لعام ١٩٥٦، أبحر اثنان وثمانون شخصًا من بينهم فيدل كاسترو وتشي غيفارا، من المكسيك على متن يخت غرانما، وتوجهوا لتلال المُشجّرة المستحيل اختراقها لسلسلة جبال سييرا مايسترا، في محافظة أورينته. نصب رجال باتيستا كمينًا لهم، وبلغ عدد الناجين اثني عشر شخصًا، هبطوا على جبال سييرا مايسترا، وبدأت حينها حرب العصابات. كان المقاتلون مدعومين من شبكة مدنية قوية، من الطلاب، والعمال، وموظفي القطاع الخاص، الذين أصبحوا العامود الفقري لحركة ٢٦ يوليو. بدأت جيوش حرب العصابات، في عام ١٩٥٨ بالانتقال من الجبال إلى السهول: وبدأت صفوف كاسترو باحتلال المدن في أورينته، في حين قام جيش غيفارا غير النظامي، باحتلال مدينة سانتا كلارا في وسط كوبا. في اليوم التالي، فر باتيستا ورفاقه من المافيا من الجزيرة، أثناء مسيرة جيش المتمرّدين، الذي استقبله الناس الآن كجيش تحرير، في جميع أنحاء الجزيرة نحو هافانا.

كانت شعبية الثورة، محط أنظار الجميع. فاجأ انتصار كاسترو القارّتين الأمريكيتين، وسرعان ما أصبح واضحًا أن ما جرى لم يكن حدثًا اعتياديًا. كما بدد كاسترو، أي شكوك حول نوايا الثورة، في خطابه الأول بهافانا، حين أعلن عن الاستقلال التام عن الولايات المتحدة، أمام مليون شخص في ميدان الثورة. جاء رد واشنطن ساخطًا ومتعجلًا، في محاولةٍ لتطويق النظام الجديد وعزله عن بقية القارة. أدى ذلك إلى ردٍ راديكالي من القيادة الكوبية، وقررت تأميم الصناعات التابعة للولايات المتحدة بدون دفع أي تعويضات. بعد ثلاثة أشهر، في الثالث عشر من أكتوبر عام ١٩٦١، قطعت الولايات المتحدة علاقاتها الدبلوماسية مع كوبا، وقامت بتسليح تسلح الكوبيين المنفيين في فلوريدا، وقاموا بغزو جزيرةٍ بالقرب من خليج الخنازير، لكن محاولتهم باءت بالفشل.

فرض بعد ذلك الرئيس كينيدي الحصار الاقتصادي الشامل على كوبا، مما دفع الكوبيين للاستعانة بموسكو. في الرابع من فبراير عام ١٩٦٢، أدان خطاب كاسترو الثاني في هافانا، وجود الولايات المتحدة في أمريكا الجنوبية، ودعا إلى تحرير القارة بأكملها. بعد أربعين عاماً، أوضح كاسترو ضرورة هذه التصريحات:

في بداية الثورة.. قدمنا خطابين، أطلقنا عليهم الخطاب الأول والخطاب الثاني لهافانا. كان ذلك إبان المظاهرة التي جمعت أكثر من مليون شخص في ميدان الثورة. كنا من خلال هذه التصريحات، نرد على الخطط التي حاكتها الولايات المتحدة، ضد كوبا وأمريكا اللاتينية. فقد أجبرت الولايات المتحدة، كل دولة في أمريكا اللاتينية، على قطع علاقاتها مع كوبا. تذكر هذه التصريحات، أنه لا ينبغي تصعيد الصراع المسلح، بوجود الأوضاع القانونية والدستورية للصراع المدني والسلمي. كانت هذه رسالتنا، فيما يتعلق بأمريكا اللاتينية…

حين كان المقاتلون في جبال سييرا مايسترا، كان الاتجاه الذي اتخذته الثورة لا يزال غير واضح، حتى لكاسترو. إلى تلك اللحظة، لم يكن كاسترو اشتراكيًا، وكانت علاقاته مع الحزب الشيوعي الكوبي الرسمي، متوترة في كثير من الأحيان. لقد كانت ردّة الفعل من جارتهم الشمالية المزعجة والجبّارة هي ما ساعد على تحديد اتجاه الثورة. تباينت النتائج حينها؛ سياسيًا، أدى الاعتماد على الاتحاد السوفياتي، لمحاكاة المؤسسات السوفيتية، وكل ما ترتب على ذلك. واجتماعيًا، خلفت الثورة الكوبية نظامًا تعليميًا وخدمات صحية ما تزال موضع حسدٍ من كثيرٍ من دول العالم النيوليبرالية. التاريخ سيكون الحَكَم النهائي، لكن فيدل كاسترو قد صعد، بالفعل، في أنظار عدد كبيرٍ من أبناء أمريكا اللاتينية إلى مرتبة التي يحتلّها أولئك المحررون البارزون مثل بوليڤار، سان مارتن، سوكري، وخوسيه مارتي.

المصدر:فيرسو