كيف تفسر الماركسية ظاهرة البطالة؟

website-unemployment

آلين مايرز

في نهاية العام 1950، انخفض معدل البطالة في أستراليا إلى 0.02 بالمئة، وكان ذلك المعدل أقل معدّلٍ وصلت له البطالة على الإطلاق. ولعقدين من الزمن، أي حتى نهاية الستينات، كان من الشائع القول إن الحكومة ستسقط في اليوم الذي يتجاوز فيه معدلة البطالة 2 بالمائة.

ولكن، اليوم، يُعتبَر معدّل البطالة المُتراوح ما بين 5 و6 بالمئة أمرًا «طبيعيًا». وشهدت أغلب بقية دول العالم، خصوصًا في الدول النامية، ارتفاعاتٍ مشابهة في معدلات البطالة. لماذا الحال على ذلك؟ أو، كي نركّز بشكل أفضل على السؤال الحقيقي: لماذا يتواجد لدينا، وبشكل شبه دائم، أعدادٌ هائلة من البشر لا يستطيعون الحصول على وظائف؟

الأسباب الجوهريّة التي تفسّر ذلك هي أن الرأسمالية تخلق البطالة، لا بل وتحتاجها أيضًا.

كما ذكر كارل ماركس في كتاباته الاقتصادية الثورية، يمكن تقسيم استثمارات الرأسماليين إلى جزأين: الجزء الذي يوظِّف العمال، والجزء الذي يشتري ويؤجّر وسائل الإنتاج، أي: المكائن، ومواد الخام، والمصانع.

كلما نمت الرأسمالية، تقوم عمليّتان محددتان بتقليص جانِبَ الرأسمالية الذي يوظّف العمّال. فالتنافس يؤدي إلى التكتل: تستحوذ الشركات الكبرى على الشركات الصغيرة، أو تندمج شركتان متوسطتا الحجم أو كبيرتان لتشكّلا شركةً أكبر. فتتمتع الشركات المُدمجة بـ «وفورات حجمٍ» أعظم، والتي تعني، بصورة مبسّطة، تمكّنَ عاملٍ واحدٍ من تشغيل مقدارٍ أكبر من رأسمال الشركة. وهكذا يستطيع أن يُقِرّ أي شخص يتابع أخبار الأعمال التجارية ولو بشكل طفيف بأنه: كلما حدث اندماجٌ لشركتين، يكون تسريح العمال أحد أهم النتائج المضمونة.

العمليّة الأخرى هي اندفاع الرأسماليين لزيادة الإنتاجية، الأمر الذي يفرضه عليهم التنافس. فالإنتاجية الأكبر، بتعريفها، تعني إنتاج أعداد أكبر من المنتجات بواسطة استثمارات أصغر. وإحدى طرق القيام بذلك تتم بتخفيض الأجور ورفع عدد ساعات العمل، ولكن هنالك حدودٌ فسيولوجية للقيام بذلك. والطريقة الثانية، وهي الأكثر ديمومة ولا يحدّها شيء جوهريًا، تتم بزيادة الإنتاجية عن طريق توفير الأدوات والمكائن الأكثر كفاءة للعمال.

لكن حينما يتوجَّه العمال لاستخدام مكائن أكثر كفاءة، فإن عدد العمّال اللازمين لإنتاج أي عدد من المنتجات سينخفض بالطبع. ففي نظامٍ رأسمالي، تدمِّر التقنيات «الموفِّرة لليد العاملة»، بالضرورة، وظائف بعض العمال.

ولكن ذلك لا يعني استمرارية تقلّص عدد الوظائف المُتاحة. تستطيع المصانع جزئيًا أن تجد أسواقًا جديدة وأن تتوسع، ويمكن خلق صناعاتٍ جديدة تحتاج للعمالة، والحاجة للعمل سترتفع وتنخفض وفقًا للتغيرات في دورة الأعمال التجارية أيضًا. غير أنّ ذلك يعني فعلًا أن الرأسمالية لديها الميول البنيوي لرمي العمال خارج عملية الإنتاج.

وذلك هو الوضع الذي تحتاجه الرأسمالية تحديدًا، إذ يحتاج الرأسماليون إلى حوضٍ من العمال، ما يطلق عليهم ماركس «جيش الاحتياط الصناعي»، أولئك الذين يمكن دفعهم إلى عملية الإنتاج والتخلص منهم وفقًا للمتطلبات المتغيّرة للرأسماليين. فحينما يتحسن الاقتصاد، فإنهم سيحتاجون للعمال بشكل طارئ، وبالتالي يوظَّفُ بعض العاطلين عن العمل. وعندما تنتكس التجارة، فالشعار هو: حافظ على المال، تخلّص من العمالة. إذ يمكن لهؤلاء الرأسماليين دائمًا الحصول على العمالة عندما تتحسن الأمور.

يمكن للتوسّع والتقلّص في جيش الاحتياط الصناعي أن يحدث بوتيرة ضخمة حقيقية في فترات الأزمات. فخلال الحرب العالمية الثانية، دفعت أهم الدول المتحاربة الملايين من الرجال العاملين إلى قواها العسكرية، واستعاضت عنهم بالملايين من النساء من خلال العمل بمقابل مادي. وحينما انتهت الحرب، أُجبِرَت العديد من العاملات على العودة إلى الدور الذي لا يقابله تعويضٌ مادّي، أي دور «ربة منازل». ولم تُحتسَب غالبية النسوة كعاطلات في الإحصائيات الرسمية، ولكنهن كن بالتأكيد جزءً من جيش الاحتياط الصناعي.

مهما كانت الحالة الاقتصادية، فإن حوض العاطلين يساعد على إبقاء الانخفاض في أجور العمال، والمتطلبات الأخرى. يتحدث علماء اقتصاد الرأسماليين حول العرض والطلب للعمالة. وكما أشار ماركس:

إن الجيش الصناعي الاحتياطي…يثقل جيش العمل قيد الخدمة خلال فترات الركود وفترات الانتعاش الوسطي، أما خلال فترات فيض الإنتاج واشتداد حمأته، فإنه يلجم طموحات هذا الأخير. وعلى هذا فإن [الجيش الصناعي الاحتياطي] هو الأرضية التي يتحرك عليها قانون الطلب على العمل وعرضه. إنه يحصر…هذا القانون في حدودٍ معينة ملائمة ملاءمةً مطلقة لنهم رأس المال إلى الاستغلال وكَفَلِه بالهيمنة.

المصدر: ريد فلاغ