كيف لا نتجاهل الطبقة: إعادة إنتاج العمل والطبقة العامِلة العالمية

6a00e55290e7c4883301b8d111d72e970c-800wi

تثي باتاكاريا[i]

«…قوة العمل هي السلعة التي يبيعها مالكها – العامل المأجور – للرأسمالي. وَلماذا تبيعها؟ من أجل أن يعيش».

– كارل ماركس، «الأجر والعمل ورأس المال»

واجهت الطبقة العاملة العالمية منذ تكوّنها، وبالخصوص منذ أواخر القرن العشرين، تحديًا مهولًا: كيف تتجاوز كلّ انقساماتها لتنهض بشكلٍ متّسق وفي بُنيةٍ نضاليّة متكاملة من أجل إسقاط الرأسمالية. بعد فشل نضالات

الطبقة العاملة العالمية للتغلب على هذا التحدّي، أصبحت الطبقة العاملة ذاتها موضع نطاقٍ واسع من الاستنكارات النظريّة والفعليّة. غالبًا ما تأخذ هذه الاستنكارات إحدى طابِعيْن، إمّا إعلاناتٌ أو توقّعاتٌ باضمحلال الطبقة العاملة، أو ببساطة الادعاء بأنّ الطبقة العاملة لم تعد وسيطًا مُمكنًا للتغيير. تمّ تقديم بدائل محتملة، مثل النساء، والأقليّات العرقية والإثنية، والحركات الاجتماعية الجديدة، و«الشعب» المتمرّد غير المتبلور، من بين آخرين، كمرشّحين لهذا التصنيف (أي الطبقة العاملة) المُفترض كونه محتضرًا/إصلاحيًا، أو فحوليًّا واقتصادويًّا.

ما تتشاركه العديد من هذه الاستنكارات هو سوء فهمها المشترك للماهية الحقيقية للطبقة العاملة. عوضًا عن الفهم المعقّد تاريخيًا والمُقترح من النظرية الماركسية، والذي يكشف عن نظرة لقوّة طبقةٍ عاملة متمرّدة قادرة على تجاوز التصنيفات المقطعية، يتكّل النقّاد والناقدات اليوم على نظرةٍ مختزلة جدًا لـ«طبقةٍ عاملة» يكون العامل  حسب تعريفها ليس سوى شخص يملك مِهنةً محدّدة ما.

في هذا المقال سأدحض هذا التعريف الزائف للطبقة عن طريق تفعيل رؤىً ماركسية أساسيّة حول تشكيل الطبقة، رؤىً شوّشت عليها أربعة عقودٍ من النيوليبرالية ومعها الهزائم العديدة التي أُلحِقَت بالطبقة العاملة العالمية. أزعم هنا أنّ إطار «إعادة الإنتاج الاجتماعي» هو مفتاحُ تطوير فهمٍ ديناميكيّ ملائم للطبقة العاملة. ففي تفكيرنا حول الطبقة العاملة، من الضروريّ أن ندرك أنّ لدى العمال وجودٌ خارج مقرّات العمل. والتحدّي النظري يكمن إذًا في فهم العلاقة بين هذا الوجود، وبين حياتهم الإنتاجية تحت هيمنة الرأسماليّين المباشرة. هذه العلاقة بين هذين المجالين، أي مجال الإنتاج ومجال إعادة الإنتاج، ستساعدنا بدورها على تحديد توجّهاتٍ استراتيجية للطبقة العاملة.

ولكن قبل أن نصل لتلك النقطة، نحن بحاجة لأن نباشر من البداية نفسها، أي من نقد كارل ماركس للاقتصاد السياسي، إذ أنّ جذور الفهم المحدود اليوم للطبقة العاملة تنتج غالبًا عن فهمٍ اختزاليّ للاقتصاد نفسه أيضًا.

الاقتصاد

إنّ مزاعم كونِ الماركسية نظريّةً اختزالية أو اقتصادويّة لا تكون معقولة إلّا إن فهم الفرد الاقتصاد بصفته قوى سوقٍ محايدة تحدّد مصير البشريّة عن طريق الصدفة، أو كبيروقراطيي النقابات المِهنية اللذين تختزلون مفهوم «العامل» في الشخص الحاصل على أجر. دعونا هنا نتعامل أولًا مع سبب نقد ماركس المتكرّر لهذا الفهم الاختزاليّ لتعريف المجال «اقتصاديّ».

لم تكن مساهمة ماركس للنظرية مجرّد إشارةٍ للأسس التاريخيّة المادية للحياة الاجتماعية، وإنّما تضمّنت اقتراحه أنّه، من أجل الوصول لهذا الأساس الماديّ، يجب على المعتقدين/ات بالماديّة التاريخيّة أن يفهمن أولًا أنّ الواقع ليس كما يبدو.

و«الاقتصاد» كما يبدو لنا هو مجالٌ نمارس فيه عددَ ساعاتٍ معيّنة من العمل ونحصل مقابلها على أجر. بعض الأجور قد تكون منخفضة، وبعضها الآخر مرتفع، لكنّ القاعدة التي تهيكل هذا «الاقتصاد» هي أنّ الرأسماليين والعامِلات هما كائناتٌ متساوية تنخرط في صفقة متكافئة: يعمل العامل مقابل أجرٍ يحصل عليه من ربّ العمل.

لكن وِفقً لماركس، هذا المجال هو «جنّة عدنٍ فعليّة لحقوق الإنسان الطبيعية. ولا يسود فيها سوى الحريّة والمساواة والملكية وبنتام».[1] في جملةٍ واحدة يهزّ ماركس إيماننا بالدعائم الرئيسية للمجتمع الحديث: الحقوق القضائية. وماركس هنا لا يقول أنّ الحقوق القضائية التي نملكها كرعايا متساوين غيرُ موجودة أو مُختلقة، بل يقول أنّ هذه الحقوق راسيةٌ في علاقات السوق. هذه التعاملات والصفقات ما بين العمّال والرأسماليين تأخذ شكلَ تبادلٍ ما بين جهتين متساويتين قانونيًا، ذلك إن نظرنا لهذه التعاملات فقط من وجهة نظر تبادلات السوق. لا يزعم ماركس هنا بعدم وجود حقوقٍ قضائية، بل إنّ هذه الحقوق تقنّع حقيقة الاستغلال.

وإذا كان فهمنا الشائع لماهية «الاقتصاد» هو القشرة فحسب، فالشيء الذي تمكّن رأس المال من إخفائه عن أنظارنا هو كون العمل الإنسانيّ يمثّل القوّة المحرّكة لرأس المال.

متتبّعين خطى ماركس، حالما نعيد للعمل دوره كمصدر القيمة في ظلّ الرأسمالية، وكتمظهرٍ للحياة الاجتماعية ذاتها، سنعيد للسيرورة الاقتصادية مكوّنها الفوضويّ، والحسيّ، والجندريّ، والعرقيّ، والجامح، ألا وهو تلك الكائنات البشريّة القادرة على الانصياع للأوامر، وعلى مخالفتها أيضًا.

المجال الاقتصاديّ كعلاقة اجتماعية

إن ركّزنا على القشرة «الاقتصادية» (للسوق) وكأنما هي الواقع الوحيد فسنخفي بالضرورة سيرورتين مرتبطتين:

أولًا: الفصل، الذي تتّسم به الرأسمالية، ما بين المجال «السياسي» والمجال «الاقتصادي».

ثانيًا: سيرورة الهيمنة/المصادَرة الفعليّة التي تحصل ما وراء مجال التبادل «المتكافئ».

تضمن السيرورة الأولى أن تكون أنشطة مصادرة الملك، التي يقوم بها الرأسماليّ، متخفيّةً تمامًا تحت ستارٍ اقتصاديّ، كشيءٍ لا يمكن فصلة من عمليّة الإنتاج ذاتها. وكما تشرح إيلين ميكسينز وود في ذلك: «إذًا…حيث نظر المنتجون السابقون [ما قبل الرأسماليين] لأنفسهم كأشخاصٍ يصارِعون من أجل الحفاظ على ما هو حقّهم، تشجّع بُنية الرأسماليّة العمالَ على رؤية أنفسهم كأشخاصٍ يتصارعون من أجل الحصول على حِصّةٍ ممّا هو حقّ رأس المال: ‹أجرٌ مُنصف› مقابل عملهم». ولأنّ هذه السيرورة تخفي نشاط الاستغلال، تظل العامِلة عالقةً في شرك مجال «المساواة» القضائية، حيث تفاوض على الأجر عوضًا عن تشكيكها في شكل الأجر ذاته.

ولكنّ السيرورة الثانية هي التي تشكّل محور الحياة الاجتماعية. حين نغادر مجال المساواة القانونيّة البنتاميّ ونتّجه لما يسمّيه ماركس بـ«مخبأ الإنتاج السرّي»، نجد التالي:

فذلك، الذي كان من قبل مالكَ النقد، يتبختر الآن في المقدمة بصفته رأسماليًّا، ومالك قوة العمل يسير في أعقابه كعاملٍ تابع. الأول يبتسم بتكلف وتبدو عليه سيماء رجل أعمالٍ خطير الشأن مستغرق في شؤونه، والثاني مذعورٌ متردد مثل إنسانٍ يأتي بجلده إلى السوق وليس أمامه سوى المدبغة.

يشدّد ماركس هنا على عكس «الاقتصادوية» أو «سوقيّة التجارة الحرّة» كما يسميها. يدعونا ماركس هنا لأن ننظر إلى «المجال الاقتصاديّ» كعلاقة اجتماعية، علاقةٌ اجتماعية تتضمن هيمنةً وقسرًا، حتى لو سعت الصياغات التشريعية والمؤسسات السياسية لحجب تلك الأمور عن أعيننا.

دعونا نتوقف هنا قليلًا لنعيد ذكر ثلاثة مزاعم أساسيّة قلناها حول الاقتصاد حتى الآن. الأولى هي أنّ الاقتصاد كما نراه – وِفق ماركس – ليس سوى قشرته الظاهرة، والثانية هي أنّ هذه القشرة المتشبّعة بخطاب العدالة والحرية تخفي «مخبأً سريًا»، تسود فيه الهيمنة/القسر حيث تشكّل تلك العلاقات محور الرأسمالية، وبالتالي، ثالثًا، أنّ المجال الاقتصاديّ هو أيضًا علاقة اجتماعية، أي أنّ القوة اللازمة لتشغيل هذا المخبأ السريّ، أو، بالأحرى، لإخضاع العامِلة لأنماط الهيمنة، هي أيضًا بالضرورة قوّةٌ سياسية.

إن غرض هذا القسر وهذه الهيمنة، وصُلْبُ الاقتصاد الرأسمالي باعتباره علاقة اجتماعية، هو جعل العامِلة تُنتج أكثر من قيمة قوّة عملها، حيث يشير لنا ماركس: «إنّ قيمة قوّة العمل هي قيمة وسائل المعيشة اللازمة للحفاظ على حياة مالكها [ألا وهي العاملة]». وأمّا القيمة الإضافية التي تُنتِجها أثناء ساعات عملها، يقوم رأس المال بمصادرتها على صورة «فائض قيمة». وبذلك نرى أنّ شكل الأجر ليس إلّا القيمة الضرورية لإعادة إنتاج قوّة العمل الخاصة بهذه العامِلة.

من أجل شرح كيفية جريان واستمرارية هذه السرقة على مدىً يوميّ، يستحدث ماركس مفهومَيّ «وقت العمل الضروريّ» و«فائض وقت العمل». وقت العمل الضروريّ هو: تلك المدّة من ساعات العمل اليومية التي تصنع فيها المُنتِجَةُ المباشِرة – عاملتنا هذه – قيمةً تكافئ ما تحتاجه من أجل إعادة إنتاج ذاتها. وأما فائض وقت العمل هو: كلّ ما يتبقى من ساعات العمل التي تصنع فيها قيمةً إضافية لصالح رأس المال.

تشكّل باقة التصنيفات المفاهيمية التي يستحدثها ماركس هنا ما يُعرف عمومًا بـ«نظرية العمل للقيمة». في هذه الباقة هنالك صنفان جوهريّان سنحضرهما، بالخصوص، وهما (أولًا) قوّة العمل ذاتها: تشكيلتها وتوظيفها وإعادة إنتاجها وتبديلها النهائيّ، و(ثانيًا) فضاء العمل، أي مسألة العمل في موضع الإنتاج.

قوّة العمل: «السلعة الفريدة» وإعادة إنتاجها الاجتماعي

يستحدث ماركس مفهوم قوّة العمل باستقصاءٍ كثيف. قوّة العمل – لدى ماركس – هي قُدرتنا على العمل، حيث يشرحها ماركس قائلًا: «ينبغي أن يُفهم من تعبير قوة العمل أو القدرة على العمل على أنّه مجموع تلك القدرات الذهنية والجسدية الموجودة في إهاب الكائن البشري، أو في شخصه الحي، والتي يستخدمها حيثما أنتج قيمةً استعمالية أيًّا كانت خصائصها». بالطبع، وكما هو واضح، القدرة على العمل هي خاصية ملكها البشر عبر التاريخ أيًا كان التكوين الاجتماعيّ الذي عاشوا فيه. ولكن ما تختصّ به الرأسمالية هو أنّه فقط في ظلّ نظام الإنتاج هذا، يتمّ تعميم إنتاج السلع في أرجاء المجتمع ويصبح العمل المُسلَّع، المعروض للبيع في السوق، نمط الاستغلال المهيمن. ما يتمّ تعميمه بالتالي في ظلّ الرأسمالية على شكل سلعة هو قدرة الإنسان. في عدّة فقرات يشير ماركس لذلك بالوحشية التي يستحقها تشويه الذات هذا: «عوضًا عن أن يكون مالك قوّة العمل هذا قادرًا على بيع السلع التي تمّ تشييء عمله فيها، يصبح مجبرًا على عرض قوّة العمل ذاتها التي تتواجد فقط في جسده الحيّ كسلعةٍ للبيع».

بالإضافة إلى ذلك، لا يمكننا الحديث عن قوّة العمل إلّا حين يستخدم العامل تلك القدرة، فهي «لا تتحول إلى واقع إلا من خلال الإعراب الظاهر، ولا يمكن لها أن تنشط إلا من خلال العمل ذاته». إذًا، يتبع ذلك وجوبًا أنّه مع استهلاك قوّة العمل في عمليّة إنتاج سلعٍ أخرى، يشير ماركس أنّه بالتالي «يتمّ إنفاق كميّة معيّنة من عضلات الإنسان وأعصابه ودماغه»، وهي المكوِّنات الخام لقوّة العمل، وهذه المواد الخام «تتطلب تعويضًا عنها».

كيف يتمّ استعادة قوّة العمل؟ كلام ماركس حول هذا الأمر مُبهم:

فإذا عمِل مالك قوّة العمل اليوم، ينبغي أن يكون قادرًا في الغد على معاودة العمل ذاته، وبظروفٍ صحيّة وقوّةٍ متطابقة. وينبغي لوسائل عيشه أن تكون كافية للحفاظ عليه كفرد عامل في حالته الحياتية الطبيعية من القدرة على العمل. وتتنوع حاجاته الطبيعية، كالغذاء، والملبس، والوقود، والمسكن، تبعًا لمناخ البلاد وخصائصها الطبيعية الأخرى. ومن جهة أخرى فإنّ عدد ومدى ما يُدعى بالحاجات الضرورية، وكذلك أنماط إشباعها، هي نتاج تطوّرٍ تاريخي، وتتوقف هذه الحاجات، إذًا، إلى حدٍّ كبير على درجة المستوى الحضاريّ الذي وصلت له البلاد المعيّنة، ومن ضمن ذلك، بوجهٍ خاص، الظروف، وبالتالي، العادات ومتطلبات الراحة التي نشأت في ظلها طبقة العمال الأحرار.

هنا نشكّك ونشعر أنّ محتوى نقد ماركس لا يلائم صيغة طرحه. هنالك عدّة أسئلة تثيرها الفقرة أعلاه وتتركها من غير جواب.

قامت ماركسيّاتُ ونسويّاتُ نظرية إعادة الإنتاج الاجتماعيّ، مثل ليز فوغل، بِلَفت الانتباه إلى «إنتاج» الكائن البشريّ، وهو، في هذه الحالة، العامِلة، إذ أنّ ذلك الإنتاج يجري بعيدًا عن موقع إنتاج السلع. ترغب طارحات نظريّة «إعادة الإنتاج الاجتماعي» بتطوير وتنمية ما تركه ماركس من غير دراسة، وهو ما يمكن تلخيصه في السؤال: ما هي تداعيات كون قوّة العمل تُنتَج خارج دورة إنتاج السلع، وكون هذا الإنتاج، على الرغم من ذلك، جوهريٌ بالنسبة لها؟ إنّ أقرب موضعٍ صامد تاريخيًا لإعادة إنتاج قوّة العمل هو تلك الوحدة المبنية على القرابة، المُسمّاة بالعائلة، فهي تلعب دورًا مهمًا في إعادة الإنتاج البيولوجية، كاستبدال الجيل القديم من الطبقة العاملة بجيلٍ جديد، وفي إعادة إنتاج العمّال، عن طريق الطعام والمأوى والعناية النفسية، ليكونوا مستعدِّين ليوم العمل القادم. كلٌ من هاتين الوظيفتين تتحمل أعباءها النساء غالبًا في ظلّ الرأسمالية، وهما مصدر اضطهاد النساء في ظلّ هذا النظام.

ولكن القفرة المدرجة أعلاه تحتاج إلى تطويرٍ من نواحي أخرى أيضًا. قوّة العمل، على سبيل المثال، وكما أشارت فوغل، لا تُجدَّد في المنزل فحسب، ولا يُعاد إنتاجها دائمًا عبر الأجيال. قد تشكّل العائلة موقع التجديد الفرديّ لقوة العمل، ولكن ليس بإمكانها منفردةً أن تفسّر «الظروف و…العادات ومتطلبات الراحة التي نشأت في ظلها» أيُّ طبقة عاملة في أي مجتمعٍ معني. ما هي العلاقات والمؤسسات الاجتماعية الأخرى التي تشكّلها دورة إعادة الإنتاج الاجتماعيّ؟ التعليم العام، وأنظمة الرعاية الصحية، والمرافق الترفيهية في المجتمعات المحليّة، والفوائد، ومعاشات التقاعد لكبار السنّ، كلّها تشكّل، مجتمِعةً، تلك «العادات» الناشئة تاريخيًا. وبشكلٍ مماثل، مع أنّ الاستبدال الجيليّ، عن طريق الولادة، في وحدة العائلة المبنية على القرابة هو النمط المهيمن، فهو ليس الطريقة الوحيدة الممكن عن طريقها استبدال يدٍ عاملة ما. فالاستعباد والهجرة هما إحدى أكثر الطرق التي وظّفها رأس المال شيوعًا لاستبدال العمالة داخل الحدود الوطنية.

يجدر بنا هنا ذكر نقطة متّصلة. دعنا نفترض استلزام حزمة حاجيّات معيّنة من أجل «إعادة إنتاج» عاملةٍ معيّنة. تقوم العامِلة المُتخيَّلة هذه باستهلاك «حزمة الحاجيّات» هذه، والمحتوية على المأكل والمأوى والتعليم والرعاية الصحية وما إلى ذلك، من أجل إعادة إنتاج نفسها. ولكن هل يتنوّع حجم حزمة الحاجيات هذه ومحتواها وفقًا لعرق العامِلة وهويتها الوطنية وجندرها؟ يبدو أنّ ماركس يعتقد بذلك. فلنضع بعين الاعتبار نقاشه حول «العامل الإيرلندي» و«حاجاته» مقارنةً بباقي العمّال. لو خفّض العمّال والعاملات من استهلاكهم/ن (من أجل الادخار)، يزعم ماركس أنّهم «حتمًا سيحطّون…من مكانهم لمستوى الإيرلنديين، وهو مستوىً يصل له العامل المأجور يبدو فيه أنّ غرض صفقته مع رأس المال وهدفها الوحيد هو الحصول على أبسط وأقلّ الحاجات الحيوانية ووسائل الاكتفاء».

سنناقش لاحقًا مسألة إنتاج الحاجيات المختلفة لأنواعٍ مختلفة من قوّات العمل، ولكنّنا الآن سنكتفي بالإشارة لكون مسألة إعادة إنتاج قوة العمل ليست مسألة بسيطة البتّة. كما نرى، هنالك تلميحٌ بوجود كليّة معقدة حين نضع بعين الاعتبار عبارة ماركس «المخبأ السري للإنتاج» ونزعتها تجاه هيكلة «اقتصاد» ما هو ظاهر. بعد أن تمّ، عن طريق إطار إعادة الإنتاج الاجتماعي لقوة العمل، إثراءُ الخطوط العريضة الأولية التي رسمها ماركس، أصبحت تُضفي تعقيدًا وعمقًا بصورة شاملة، وبطرقٍ جوهريّة، على التعريف البرجوازي الاختزاليّ لـ«الاقتصاد» و/أو «الإنتاج» الذي افتتحتنا به.

متجاوزين الصورة السطحية للفرد المُنتِجٍ المباشر، حبيس العمل المأجور، تنبثق لنا تفرّعاتٌ لا تعد ولا تحصى من العلاقات الاجتماعية الممتدة ما بين مقرّ العمل، والمنزل، والمدارس، والمستشفيات؛ كليّةٌ اجتماعية أوسع، مُستدامةٌ ومُنتجةٌ تشاركيًا عن طريق عمل الإنسان بطرقٍ متناقضة، بل وتكامليّة أيضًا. إن سلطنا جلّ اهتمامنا على هذه التفرّعات العميقة لتجسيدات العلاقات الاجتماعية في أي مجتمعٍ فعليّ في يومنا هذا، فكيف لنا أن نفشل في إيجاد ذلك الفاعل المضطرب ومتعدد الإثنيات ومتعددّ الجندر ومختلف القدرات، ألا وهو الطبقة العاملة العالمية.

ثنائيّة الإنتاج وإعادة الإنتاج

من المهم في هذا السياق أن نبيّن أنّ ما عيّناه أعلاه في حيّزين منفصلين، ألا وهما (أ) حيّز إنتاج القيمة (مواضع الإنتاج) (ب) وحيّز إنتاج قوّة العمل، قد يكونان منفصلين بالمعنى الحيّزي البحت، ولكنهما متحدان واقعًا في كلٍ من الجانب النظريّ والتشغيليّ. إنهما شكلان تاريخيان خاصان للمظهر تطرح فيهما الرأسمالية ذاتها. فعلًا، قد تجري هاتان العمليتان أحيانًا في داخل الحيز عينه. فلنضع في عين الاعتبار المدارس العامة، فهي تعمل في الوقت ذاته كمقرّات عمل، أو بالأحرى مواضع إنتاج، وأيضًا كحيّزٍ تتم فيه إعادة الإنتاج الاجتماعي لقوة العمل (لعمّال المستقبل). وفي حالة معاشات التقاعد، والصحة والتعليم العام أيضًا، تنفق الدولة بعض الأموال من أجل إعادة الإنتاج الاجتماعي لقوة العمل. لا تكون سيرورة إعادة الإنتاج الاجتماعي إذًا غير مأجورة إلّا في حيز المنزل.

إنّ مسألة المجالات المنفصلة وسبب كونهما أنواعًا تاريخية للمظهر مسألةٌ مهمة تستحقّ الإسهاب.

هنالك فهمٌ خاطئ شائع حول «نظرية إعادة الإنتاج الاجتماعي» ألا وهو الاعتقاد بأنها تتحدث عن حيزين منفصلين وعمليّتي إنتاج منفصلتين: الاقتصاديّة والاجتماعيّة، وموقعهما مكان العمل والمنزل على التوالي. وِفق هذا الفهم، العامِلة تنتج فائض القيمة في العمل، وبالتالي هي جزءٌ من إنتاج إجماليّ ثروة المجتمع. وفي نهاية يوم العمل ولأنّ العامِلة «حرّة» تحت النظام الرأسمالي، يجب على رأس المال أن يتخلى عن السيطرة على عملية إعادة توليد العمّال، وبالتالي أن يتخلى عن السيطرة على إعادة إنتاج اليد العاملة.

ولكن ماركس لديه فهمٌ واقتراحٌ أكثر خصوصية لمفهوم إعادة الإنتاج.

أولًا، هذا المفهوم النظري يوظفه ماركس لجلب الانتباه لإعادة إنتاج المجتمع ككلّ وليس فقط لإعادة توليد قوة العمل الخاصة بالعمّال، أو إعادة إنتاج اليد العاملة. هذا الفهم لمسرح الرأسمالية ككُليّة مهمّ لأنّه في هذه النقطة من النقاش في المجلد الأول من رأس المال، برهن ماركس، خلافًا لعلم الاقتصاد البرجوازي الذي ينظر للسلعة بصفتها البطل الرئيسي في هذه الحكاية (العرض والطلب يحدّد السوق)، أنّ العمل هو واقعًا بطل هذه الرواية. بالتالي، ما يحدث للعمل – وبالخصوص كيف يخلق العملُ القيمة و، نتيجة لذلك، فائض القيمة – يشكّل عملية الإنتاج الرأسمالية بمجملها. يكتب ماركس في «الغروندريسة»: «في مفهوم القيمة، يتمّ إفشاء سر» رأس المال.

إنّ إعادة الإنتاج الاجتماعي للنظام الرأسمالي هي بالتالي لا تتعلق بالفصل ما بين المجال غير الاقتصادي والمجال الاقتصادي وإنما بكيفيّة قيام الغريزة الاقتصادية للإنتاج الرأسمالي بتكييف ما يسمى بغير الاقتصادي. والمجال «غير الاقتصادي» هذا يشمل، ولا يقتصر على، نوع الدولة والمؤسسات القضائية، ونوع المُلْكيّة المتواجدة في المجتمع. ولكنّ هذه الأشياء، بدورها، وإن كان الاقتصاد يكيّفها، فهو لا يحدّدها دائمًا. يفهم ماركس كلّ مرحلةٍ من مراحل تثمين رأس المال بصفتها لحظةً في كليّة، مما يقوده للقول بوضوح في «رأس المال»: «لذلك، فإن أي عملية إنتاج اجتماعية، حين ننظر إليها ككلٍّ دائم الترابط وسير متصل من التجدد، تؤلف في الوقت نفسه، عملية لإعادة الإنتاج».

يمكن أن نجد أفضل شرحٍ لهذا المنهج في كتاب مايكل ليباوتز، «ما وراء رأس المال» (Beyond Capital). كتب ليباوتز تحليلًا تكامليًا بارعًا للاقتصاد السياسي لقوة العمل، يبين فيه أن فهم إعادة الإنتاج الاجتماعي للعمل المأجور ليست حدثًا خارجيًا أو عرضيًا يتوجب «إضافته» إلى فهم الرأسمالية ككلية، بل إن هذه الظاهرة تكشف ميولاتٍ داخلية مهمة لهذه المنظومة. يصف ليباوتز لحظة إنتاج قوة العمل بأنها «لحظة ثانية» للإنتاج ككل. هذه اللحظة «تتمايز عن عملية إنتاج رأس المال» ولكنّ دورة رأس المال «تستلزم بالضرورة دورةً ثانية، ألا وهي دورة العمل المأجور».

يلخص ماركس ذلك، محقًا، وملوّحًا بعض الشيء بأهميّة هذه النقطة:

شهدت عملية الإنتاج الرأسمالية، بالتالي، عمليةً مرتبطة تمامًا، ألا وهي عملية إعادة الإنتاج، وهي عمليّةٌ لا تنتج السلع وحسب، وليس فائض القيمة وحسب، وإنما تنتج وتعيد إنتاج علاقة رأس المال ذاتها: الرأسماليّ من جهة، والعامل المأجور من جهة أخرى.

وفي هذا الموضع، ما يقصده ماركس بإعادة الإنتاج الاجتماعي هو إعادة إنتاج المجتمع بمجمله، مما يعيدنا إلى السلعة الفريدة، قوة العمل، اللازم تعويضها واستبدالها، في آخر المطاف، دون استراحة أو انقطاعٍ في الدورة المستمرة لإنتاج وإعادة إنتاج المُجمل.

يتوجب، لأسبابٍ نظرية واستراتيجية أيضًا، أثناء فهم عملية إنتاج السلع وإعادة إنتاج قوة العمل كعملية موحدة، وليس فقط، على وجه التحديد، لحاجتنا إلى هجر إطار المجالين المنفصلين للإنتاج وإعادة الإنتاج، بل أيضًا لأن إعادة الإنتاج مرتبطة في داخل الرأسمالية بالإنتاج، وبالتالي نحن بحاجة لمراجعة النظرة الشائعة بأن رأس المال يتخلى عن كامل تحكمه بالعامِلة حالما تغادر الأخيرة هذه مقر العمل.

نظريًا، إن سلّمنا بأن إنتاج السلع وإعادة إنتاج قوة العمل ينتميان إلى عمليتين منفصلتين، فلن يكون لدينا تفسيرٌ لأسباب كون العاملة خاضعةً حتى قبل حدوث لحظة الإنتاج. لماذا يبدو العامل، على حد وصف ماركس، «مذعورًا مترددًا مثل إنسانٍ آت بجلده إلى السوق»؟ لأن ماركس لديه فهمٌ وحدويّ للعملية بإمكانه إن يرينا أن لحظة إنتاج السلعة البسيطة ليست بالضرورة لحظة الدخول الوحيدة لاستعباد العامِلة. بالتالي، «وفي الواقع»، يخبرنا ماركس، «يصبح العامل مُلكًا لرأس المال قبل أن يبيع نفسه إلى الرأسمالي. إن عبوديّته الاقتصادية تتحقق وتتموه، في آن واحد، بواسطة البيع الدوري لنفسه، وتغييره لسادته كأفراد، وتقلّب أسعار قوة عمله في السوق».

ولكن هذا الرابط بين الإنتاج وإعادة الإنتاج، وتوسّع العلاقة الطبقية لتشمل الأخير، يعني أن النشاطات ذاتها التي تسعى من خلالها الطبقة العاملة لسد حاجاتها يمكن لها أن تكون أساسًا للنضال الطبقي، وهذا ما سنراه في القسم التالي.

إعادة الإنتاج الممتدة: مفتاح النضال الطبقي

ما الذي يقيّد العامِلة برأس المال؟

في ظل الرأسمالية، ولكون وسائل الإنتاج، أي وسائل إنتاج القيم الاستعمالية، يملكها الرأسماليون، لا يملك العمّال قدرة على الوصول إلى وسائل العيش إلا من خلال عملية الإنتاج الرأسمالية، عن طريق بيع قوة عملهم/ن إلى الرأسماليين مقابل أجورٍ يشترون بواسطتها وسائل حياتهم/ن أو عيشهم/ن ويصلون إليها.

هذا الرسم لعلاقة العمال مع رأس المال يستند بصورة كبيرة على أمرين، أولًا: أنّ العاملة مُجبَرة على دخول هذه العلاقة لأنها بحاجة إلى إعادة إنتاج حياتها، كونها بشرًا، وليس بإمكانها القيام بذلك من تلقاء نفسها، كونها فُصِلَت عن وسائل الإنتاج بواسطة رأس المال، وثانيًا: أنها تدخل علاقات الأجور من أجل حاجاتها المعيشية، أي، بعبارة أخرى، أن حاجات «الحياة» (العيش) لها ارتباط مدمج، وبعمق، بحقل «العمل» (الاستغلال).

كل ما دخلنا فيه حتى الآن لا جدال فيه غالبًا في النظرية الماركسية.

ولكن التفاصيل الدقيقة للعلاقة بين قيمة قوة العمل، وحاجات العامِلة، وكيفية تأثير هذين الأمرين على فائض القيمة، ليست أمورًا مسلّمًا بها، لا بل وليست مشروحة بصورة لائقة في «رأس المال»، ولذلك سنقضي بقية هذا القسم في شرح ذلك.

دعنا نقم بزيارة جديدة إلى تلك اللحظة في «رأس المال» حيث يكون حتى الاستهلاك الفردي للعامل/ة جزءًا من دورة رأس المال، لأن إعادة إنتاج العامل/ة، كما يسميه ماركس، «عنصرٌ في إنتاج وإعادة إنتاج رأس المال».

أحد المنطلقات المركزية التي يقدمها ماركس حول قوة العمل هي أن قيمة قوة العمل تحددها «قيمة الحاجات اللازمة لإنتاج، وتطوير، وصيانة، وتخليد القوة العاملة». ولكن هنالك وجهٌ آخر لهذه الصياغة. يقوم ماركس، بغرَض طرح حجة منطقية (خلافًا للتاريخية)، بالتعامل مع معيار الحاجات كشيء ثابت: «إن متوسط مقدار وسائل العيش الضرورية للعامل مقدارٌ معلوم في بلدٍ معيّن وفي حقبة معيّنة».

في «رأس المال»، يُنظر إلى قيمة قوة العمل على أساس معيار الحاجة بصفتها ثابتًا، والتغيرات في سعر قوة العمل تعزى إلى إدخال المكائن إلى عملية الإنتاج و/أو تصاعد وانخفاض العرض والطلب على العمّال في سوق العمل.

إن اعتبار هذا الافتراض المنهجي كحقيقة، كما أشار ليباوتز، سيضع ماركس في أقرب موضعٍ له لعلماء الاقتصاد الكلاسيكيين، متبنيًا الصياغة القائلة بأن تغيّرات الطلب في سوق العمل، وإدخال المكائن، يكيّفان سعر العمل حتى يصل إلى قيمته، مثلما يفعلان ببقية السلع.

ولكن هناك ما يجعل من قيمة عمل العمّال لدى ماركس سلعةً فريدة، خلافًا للسكر والقطن على سبيل المثال. ففي حالة العمل، من الممكن حصول عمليّةٍ معاكسة: تتكيّف قيمة قوة العمل حتى تصل إلى سعرها، عوضًا عن العكس. يمكن للعاملة تكييف حاجاتها (عن طريق رفعها أو خفضها) وفقًا لما تتلقاه من أجر.

ووفق ليباوتز، لا يملك ماركس مفهومًا عموميًا للأجور الحقيقية الثابتة (وسائل عيش)، وإنما يتبناه بصفته «فَرَضًا لائقًا منهجيًا». وخلافًا لعلماء الاقتصاد السياسي البرجوازيين، طالما رفض ماركس «الميل…إلى معاملة احتياجات العمال كأشياء تتحدّد طبيعيًا ولا تتغير». واعتقد ماركس أنه من الخطأ الفادح تصوير مستوى احتياجات العيش «كشيءٍ ذو مقدار لا يتغير، إذ في نظرهم [أي علماء الاقتصاد البرجوازيين] تُحدِّده الطبيعة بالتمام، عوضًا عن مرحلة التطور التاريخي، حيث أن الأخيرة هذه بذاتها تحمل مقدارًا خاضعًا للتقلّب». يؤكد ليباوتز أنه «لا يوجد شيءٌ أكثر غرابةً عن ماركس» مِن «الاعتقاد بحزمة ثابتة من الاحتياجات».

دعنا نضع في عين الاعتبار سيناريو يكون فيه معيار الحاجة ثابتًا، وفق ما يملي ماركس، ولكن يجاوره زيادة في الإنتاجية. في مثل هذه الحالة، ستنخفض قيمة حزمة بضائع العمّال المأجورين (سلة البضائع «س»)، بالتالي مُقلِّلة قيمة قوة العمل. في هذا السيناريو، يقول ماركس أنّ قوة العمل «سيظلّ سعرها ثابتًا» ولكنّه سوف «يرتفع فوق قيمتها». معنى ذلك أنه، وبسبب امتلاك العمال مقدارًا أكبر من الأجور النقدية القابلة للتصرف، بإمكانهم/ن شراء بضائع أو خدمات أكثر لتلبية حاجاتهم/ن. ولكن، وفق ليباوتز، هذا الأمر لا يحدث أبدًا. ما يحدث، عوضًا عن ذلك، هو أن الأجور النقدية تميل للتكيّف لتتوافق مع الأجور الحقيقية، وبالتالي يتمكن الرأسماليون من الاستفادة من انخفاض قيمة قوة العمل. يقوم ليباوتز بعد ذلك بالإسهاب مفصّلًا أسباب استفادة الرأسماليين، عوضًا عن العمال، من هذا السيناريو.

باختصار، يقول ليباوتز إن معيار الحاجة هذا ليس شيئًا ثابتًا، بل هو واقعًا أمرٌ «يفرضه الصراع الطبقي». بالتالي، مع أيِّ ارتفاعٍ في الإنتاجية و«انخفاضٍ في قيمة بضائع العمّال المأجورين، حيث يوفر ذلك رخيًّا في ميزانية العمّال، يتشجّع الرأسماليون…ويحاولون تخفيض الأجور النقدية لتحصيل الفائدة لأنفسهم على صورة فائض قيمة». ولكن، حالما نرى أن معيار الحاجة متغير ويمكن تحديده بواسطة الصراع الطبقي، يصبح جليًا لنا أن الطبقة العاملة بإمكانها القتال على هذه الجبهة أيضًا. حقًا، فهذه أحد آثار فهم المعنى الأوسع الذي يكون فيه المجال الاقتصادي، في الواقع، عبارةً عن حزمة علاقاتٍ اجتماعية يتخللها صراعٌ من أجل القوة الطبقية.

متى ما ندرك كون الصراع الطبقي عنصرًا من عناصر علاقات الإنتاج، يصبح جليًا لنا، كما يبرهن ليباوتز، وجود «لحظتي إنتاج» مختلفتين، وهما مكوّنتان من هدفين مختلفين، ومنظورين مختلفين حول قيمة قوة العمل: «بينما قيمة قوة العمل، بالنسبة لرأس المال، هي وسيلة لتحقيق هدف فائض القيمة…فهي، بالنسبة للعامل المأجور، وسيلة لتحقيق التنمية الذاتية».

إعادة الإنتاج هي، بالتالي، وباختصار، موضع صراعٍ طبقي. ولكن هذا الصراع تشوبه نزعاتٌ متناقضة معيّنة. على سبيل المثال، الطبقة الرأسمالية، بصفتها منظِّمة عملية الإنتاج، تسعى، من جهة، للحد من حاجات واستهلاك الطبقة العاملة، ولكنها، من جهة أخرى، ومن أجل ضمان التحقيق المستمر لفائض القيمة، عليها أيضًا خلق حاجاتٍ جديدة للطبقة العاملة، بصفتهن مستهلكين ومستهلكات، وبالتالي تسعى أيضًا لـ«تلبية» تلك الحاجات الجديدة بسلع جديدة؛ فتنامي حاجات العمّال في ظل الرأسمالية، إذًا، هو ظرفٌ متأصّل في الإنتاج الرأسمالي وتوسعه.

وأحد التداعيات الإضافية في هذا الصراع الطبقي حول ظروف إعادة الإنتاج هو أنّ تنامي حاجات العمّال ليس تدريجيًا وليس مطلقًا، فموضع الطبقة العاملة في ظل الرأسماليّة موضعٌ نسبيّ، أي أنّ موضعهم متصّل بعلاقة نسبية مع موضع الطبقة الرأسمالية. مما يعني أنّ أي تغيّراتٍ في حاجات العمّال ومستوى اكتفائهن متّصلٌ أيضًا بتغيّراتٍ في الأمور ذاتها لدى الرأسماليين. استخدم ماركس مثالًا مميزًا: يرتبط تصوّرنا لحجم منزل ما، أي ما إذا كان كبيرًا أو صغيرًا، بعلاقة نسبية مع حجم المنازل المحيطة به. وبالتالي قد يتلقى جيلٌ معيّن من الطبقة العاملة، بالقيمة المطلقة، أكثر من الجيل السابق لهن، ولكن اكتفاءهن ورضاهن لن يكون مطلقًا، إذ أنّ الجيل الرأسمالي المعاصر لزمنهن دائمًا ما سيكون لديه أكثر. ولأن نموّ حاجات العمّال، إذًا، جزءٌ من عملية تضخيم رأس المال، وحيث أنّ اكتفاء العمال لا يمكن أن يتحقق في ظل إطار هذا النظام، فنضال العمّال من أجل تلبية حاجاتهن هو أيضًا جزءٌ متأصّل في النظام ولا يتجزّأ منه.

وإن أدرجنا النضال من أجل أجورٍ أعلى (بغرض تلبية تلك الحاجات المتزايدة باستمرار) في دعوى كتاب «رأس المال»، فهل سيكون هذا الإدراج «إضافةً» خارجية، وبالتالي تركيبية، إلى الماركسية؟ يبرهن لنا ليباوتز عكس ذلك.

ما يشرحه لنا كتاب «رأس المال» هو مسار إعادة إنتاج رأس المال. يصوّر ماركس حركة رأس المال على صورة دورة:

CircuitCapital

النقود (ن) تُبادَل مقابل سلع (س)، وهذه السلع مزيجٌ من، أولًا، وسائل الإنتاج (و. إ) و، ثانيًا، قوة العمل (ق. ع). وهذان العنصران يندمجان عن طريق عملية الإنتاج الرأسمالي (ج) لينتجا سلعًا جديدة وفائض قيمة (سَ)، حيث تُستبدَل هذه مقابل مقدارٍ أكبر من النقود (نَ). هذه الدورة مستمرّة ومكتملة بذاتها، مستبعدةً أي عناصر خارجية.

ولكن ماذا عن دورة إعادة إنتاج العمل المأجور؟

تكمن الطبيعة «الفريدة» لقوة العمل في حقيقة أنها ضرورية في دورة إنتاج رأس المال ذاته، رغم أنّ رأس المال لا يُنتِجها ولا يجدّد أو يعيد إنتاجها. لا يضع ماركس شرحًا نظريًّا لهذه الدورة في كتاب «رأس المال»، ولكنه يشير ببساطة قائلًا: «تبقى صيانة وإعادة إنتاج الطبقة العاملة شرطًا ضروريًا لإعادة إنتاج رأس المال»، وأن «الرأسماليّ بوسعه أن يوكل تلك المهمة، باطمئنان، لغريزتي حب البقاء والتكاثر». وهنا يجادل ليباوتز بوجوب الاعتراف بوجود دورة إنتاج وإعادة إنتاج مفقودة، وهي الدورة الخاصة بقوة العمل. لربما كان ماركس سيتطرق لها في المجلدات اللاحقة لـ«رأس المال»، ولكنّها تظل غير كاملة مثلما هو «الكتاب المفقود حول العمل المأجور».

متى ما دمجنا نظريًا هاتين الدورتين: دورة إنتاج وإعادة إنتاج رأس المال، ودورة إنتاج وإعادة إنتاج قوة العمل، ستكشف لنا السلع، بذاتها، وظيفتها المزدوجة.

السلع المنتَجة في ظل الإنتاج الرأسمالي هي، في آنٍ واحد، وسائل إنتاج (تشتريها الطبقة الرأسمالية مقابل النقود) ووسائل استهلاك (يشتريها العمال مقابل أجورهن). بالتالي يتوجب طرح دورة ثانية، متمايزة عن دورة رأس المال، وذات علاقة نسبية معها. هذه الدورة هي كالآتي:

Circuilabor

النقود (ن)، في يد العامل، تُستبدل مقابل وسائل استهلاك (و ك)، تُستَنفد في عملية إنتاج مشابهة (ج). ولكن الشيء الذي يُنتج في «عملية الإنتاج» هذه هو سلعة فريدة، ألا وهي قوة العمل الخاصة بالعامل (ق ع). متى ما أنتِجَت هذه السلعة (أو أعيد إنتاجها)، تُبَاع لاحقًا إلى الرأسمالي مقابل أجور (ن).

إذًا، فإنتاج قوة العمل يحصل خارج الدورة المباشرة لرأس المال ولكنه يظل أمرًا ضروريًا لها. في ظل دورة رأس المال، قوة العمل هي وسيلة إنتاج غرضها إعادة إنتاج رأس المال أو تضخيمه. ولكن في ظل دورة العمل المأجور، تستهلك العامِلة سلعًا بصفتها قيمًا استعمالية (مأكل، ملبس، مأوى، تعليم، وما إلى ذلك) من أجل إعادة إنتاج ذاتها. هذه الدورة الثانية هي عملية إنتاج الذات بالنسبة للعامل، أو هي عملية تحويل الذات.

الدورة الثانية للإنتاج تضمن نشاطًا هادفًا، يتم تحت إدارة العمّال الذاتية. وهدف هذه العملية ليس تضخيم رأس المال، بل التنمية الذاتية للعامِلة. والحاجات المترسخة تاريخيًا للعاملة، وهي حاجاتٌ تتغير وتتنامى مع النمو الرأسمالي، توفّر دافعًا لسيرورة العمل هذه. ووسائل إنتاج هذه الدورة هي القيم الاستعمالية العديدة التي تحتاجها الطبقة العاملة من أجل تطوير ذاتها. وهذه الأمور ليست مجرد وسائل تخدم إعادة الإنتاج البيولوجية البسيطة، بل هي «حاجاتٌ اجتماعية» كما يوضّح ماركس في «الغروندريسة»:

مساهمة العامل في مُرضِياتٍ أعلى، ومُرضِياتٍ ثقافية حتى، والتحريض من أجل مصالحه الذاتية، والاشتراك في الجرائد، والذهاب للمحاضرات، وتعليم أبنائه، وتنمية ذوقه، وما إلى ذلك، وهي تمثّل حصته الوحيدة من الحضارة التي تميّزه عن العبيد، وذلك الأمر أمرٌ لا يمكن تحقيقه، اقتصاديًا، إلا من خلال توسعة ميدان ملذّاته في الأوقات التي يكون فيها الاقتصاد متحسنًا…

ما إذا كان يمكن للطبقة العاملة الوصول لمثل هذه البضائع الاجتماعية، ومقدار وصولهن، لا يعتمدان فقط على وجود مثل هذه البضائع والخدمات في المجتمع وإنما على الصراع بين الطبقة الرأسمالية والطبقة العاملة على فائض القيمة (وهي ما يعيد إنتاج رأس المال) وسلة البضائع (وهي ما يعيد إنتاج العامِلة). من جهة، تستهلك العامِلة القيم الاستعمالية من أجل توليد قوّة عمل جديدة، ولكن من جهة أخرى، إن إعادة إنتاج قوة العمل تقتضي ضمنًا هدفًا مثاليًا لهذه العاملة، وذلك ما يبديه ليباوتز ببصيرة:

الجانب الثاني من العامل، المنظور له بصفته سيرورة عمل، هو أن النشاط الداخل ضمن هذه العملية هو «نشاطٌ هادف». بعبارة أخرى، هنالك غايةٌ مُتصوَّرٌ مسبقًا، غايةٌ متواجدة مثاليًا، سابقة للعملية ذاتها…[وهذه الغاية] هي تصوّر العامل للذات، كما يحدّد المجتمع…غاية الإنتاج المُتصوَّرة مسبقًا، هي ما أسماه ماركس بـ«حاجة العامل الشخصيّة للتنمية الذاتية».

ولكن المواد اللازمة لإنتاج العامِلة بالصورة المتوافقة مع حاجاتها وأهدافِها، سواءً أكانت مأكلًا، أو مأوىً، أو «وقتًا من أجل التعليم، ومن أجل التنمية الفكرية»، أو «التوظيف الحر للقوى الجسدية والذهنية»، لا يمكن تحقيقها في ظل عملية الإنتاج الرأسمالي، وذلك لأن العملية، ككُل، تتواجد من أجل تضخيم رأس المال، وليس من أجل تنمية العمّال الاجتماعية. بالتالي، فهذه العامِلة، وبسبب طبيعة هذه العملية ذاتها، دائمًا ما يُعاد إنتاجهُا كشخصٍ ناقص في حاجاته، ولهذا السبب نجد أمرًا مدمجًا في نسيج العمل المأجور كتكوين، ألا وهو النضال من أجل أجورٍ أعلى: النضال الطبقي. وهنا، أخيرًا، نصل إلى التداعيات الاستراتيجية لنظرية إعادة الإنتاج الاجتماعي، أو بالأحرى، نصل إلى أسباب ضرورة فهمٍ تكامليّ للرأسمالية من أجل معاركنا الفعلية ضد رأس المال.

إطار إعادة الإنتاج الاجتماعي بصفته استراتيجية

يخبرنا ماركس أن «المستوى الفعلي» للأرباح «ا يحدده إلا الصراع المستمر بين العمّال ورأس المال، حيث يميل الرأسمالي باستمرار إلى خفض الأجور إلى حدّها الأقصى، وزيادة يوم العمل إلى حدّه الأقصى، بينما العامل يضغط دائمًا في الاتجاه المعاكس»، وهذا الصراع «ينحلّ إلى مسألة القوّة الخاصة بكلٍّ من المتحاربَيْن».

ضع بعين الاعتبار أن ماركس، حين يشرح المنطق الداخلي للنظام، لا يتحدث عن الفرد الرأسمالي ومقرات العمل التي يدير، بل عن رأس المال ككُل. حقًا، يشير ماركس جليًا أنّه، رغم أنّ النظام يبدو لنا كمجموعة مكوّنة من «العديد من الرساميل»، فـ«رأس المال بِعمومه» هو البطل الفعلي لهذه الرواية، والرساميل المتعددة تقولبها، في آخر المطاف، المُحدِّدات المتأصّلة الخاصة بـ«رأس المال بِعمومه».

إن أردنا تطبيق ما أسميه منهج نظرية إعادة الإنتاج الاجتماعي للعمّال، على مسألة نضالات مقرات العمل، يمكننا الآن الحصول على بعض المعطيات:

أولًا: أن الرأسماليين الأفراد، في تنافسهم مع بعضهم البعض، سيحاولون زيادة فائض القيمة المأخوذ من العمّال.

ثانيًا: أن العامِلة ستجرّ في الاتجاه المعاكس لزيادة الوقت (الكمية)، والأجور، والمستحقات (جودة الحياة) الممكن لها الحصول عليها من أجل تنميتها الاجتماعية الذاتية. وسيتّخذ ذلك، في أغلب الأحيان، شكل صراعٍ من أجل أسبوع عملٍ أقصر، أو أجورٍ أعلى، وظروف عملٍ أفضل في مقر العمل.

ما هو الوضع المثالي بالنسبة للعامِلة؟ أن تَجُرّ الحبل في الاتجاه المعاكس حتى نهايته وتلغي فائض القيمة بتمامه، أي أنها لا تعمل إلا للساعات اللازمة لإعادة إنتاج عيشها، وأما بقية الوقت فيكون مخصصًا لها لتقوم بما يرضيها. وهذا الحل حلٌ مستحيل، حيث أن رأس المال لن يعود حينها رأسَ مال. إذًا، فالكفاح من أجل أجورٍ ومستحقاتٍ أعلى، وما إلى ذلك، في مقر العمل، ضد ربِّ عملٍ ما، أو حتى في عددٍ من مقرات العمل ضد أرباب عملٍ محدّدين، ليس إلا جزءًا من الصراع الحاسم بين رأس المال بعمومه ضدّ الطبقة العامِلة المأجورة بعمومها. يمكن للعاملة أن «تترك» ربّ عملٍ ما، ولكن ليس بإمكانها أن تخرج من النظام بأكمله (ما دام النظام باقيًا كما هو)، حيث يشير ماركس:

العامل يترك الرأسمالي الذي باع نفسه له متى ما أراد، والرأسمالي يفصله عن العمل متى ما شاء، حالما لا يرى حاجة له، أو لا يجد فيه الحاجة المطلوبة.

ولكن العامل الذي لا يملك مصدر دخل سوى بيع قوة عمله، لا يمكنه ترك طبقة المُشتَرين بأكملها، أي الطبقة الرأسمالية، إلا إن تخلّى عن وجوده. وهو ليس مملوكًا بواسطة هذا الرأسمالي أو ذاك، بل بواسطة الطبقة الرأسمالية، ومهمّته هو إيجاد سيّده، أي إيجاد مشترٍ من هذه الطبقة الرأسمالية.

أغلب النقابات الحِرفية، حتى أشدّها نضاليّةً، معدّة عادةً للقتال ضد ربّ عملٍ واحد أو ضد مجموعة من أرباب العمل، وهم، وفق اصطلاح ماركس، يتخذون شكل «الرساميل العديدة»، ولكن النقابات المِهنية لا تتطرق لمهمة مواجهة «رأس المال بعمومه»، وهنالك سببٌ جيّد جدًا وراء ذلك.

قوّة رأس المال، كما يبرهن ليباوتز، «كمالك منتجات العمل…هي مُطلَقة ومُربِكة أيضًا»، وهذا هو ما يسند، في آخر المطاف، قدرتها على شراء قوّة العمل وإخضاعها لإرادتها في عملية الإنتاج. ولو أرادت العاملة تجاوز الصراع الجزئي من أجل أوضاع عمل أفضل، وتوجيه كلّ العمل الاجتماعي نحو إنتاج قيمٍ استعمالية وحسب، للتنمية الاجتماعية والفردية، يتوجب عليها إذًا مواجهة هذه القوّة الكامنة لرأس المال. ولكن قوّة رأس المال في هذه الحلبة مختلفة نوعيًا عن قوّتها في صراعات مقرّات العمل، إذ يؤكد ليباوتز: «ليس هنالك، في هذا المجال، منطقة مواجهة مباشرة بين رأسماليين مُحدَّدين وعمّالٍ مأجورين محدَّدين يمكن مقارنتها مع تلك المنطقة المنبثقة عفويًا في سوق العمل ومقرّات العمل…[عوضًا عن ذلك]، تتمظهر قوّة رأس المال، كمالك منتجات العمل، على صورة اتّكال العمّال المأجورين على رأس المال بمجمله».

تأمل الطريقتين اللاتي يتزايد من خلالهما فائض القيمة: إحداهما هي التمديد المُطلق ليوم العمل، والثانية هي تخفيض الأجور أو تخفيض تكلفة المعيشة، وبالتالي تخفيض وقت العمل الضروري. بينما يتحدث ماركس جليًا عن كون الفائض المُطلق والفائض النسبيّ مفهوميْن مترابطين، من الواضح أيضًا أن بعض نواحي عملية التحقيق هذه (مسعى أرباب العمل لتخفيض الأجور، مثلًا) يسهل مواجهتها في مقرّ العمل أكثر من غيرها.

دعنا نأخذ مثالًا تاريخيًا حول قيام النظام بِمجمله، في بعض الأحيان، بزيادة فائض القيمة النسبي عن طريق تخفيض تكاليف معيشة الطبقة العاملة بِمجملها. أثناء القرن الثامن عشر، فُرِض على قسمٍ من الطبقة العاملة البريطانية نظامٌ غذائي مستند على البطاطا، وهو خيارٌ غذائي أرخص مقارنة بالقمح، كي تنخفض تكلفة إطعام العمّال قسرًا، وبالتالي مخفّضةً تكلفة العمل بمجمله. وصفها أحد أفضل مؤرّخي حياة الطبقة العاملة وأحد أكثرهم موسيقيّةً، إيدوارد بالمر تومبسن، بأنها «حربٌ طبقية نظاميّة غذائية» شُنَّت لأكثر من خمسين عامًا على الطبقة العاملة الإنجليزية. ما هي الأشكال المادية التي اتخذتها هذه الحرب الطبقية؟ بينما عمل تخفيض تكلفة العمل على زيادة فائض القيمة في موضع الإنتاج، وبالتالي نفع ذلك أرباب العمل في مقرات العمل، لم يجري تخفيض تكلفة العمل في مقر العمل فقط، أو بواسطة أرباب العمل وحسب. يسرد لنا تومبسون روايةً مؤثرّة حول كيفية «سعي ملّاك الأراضي، والملّاك المزارع، والكهنة، وملّاك المصانع، والحكومة ذاتها لإبعاد العمّال عن نظامهم الغذائي المستنِد على القمح وإلى نظامٍ غذائي مستند على البطاطا». أجبرت الطبقة الحاكمة، بصفتها طبقة، زيادة المساحة الأكرية للبطاطا على حساب القمح، مما دفع المؤرخ رادكليف سالامان لأن يقول مُحقًّا: «إن استخدام البطاطا…مكّن، بالفعل، العمّال من العيش بأقلّ أجرٍ ممكن». وبصورة مماثلة، عرضت لنا ساندرا هاليبرين كيف أن الاستثمار البريطاني الخارجي في أواخر القرن التاسع عشر، والتحكم بالمستعمرات، وسككها الحديدية، وموانئها والتحكم ببناء السفن الخاصة بالحبوب الشمال أمريكية والبلطيقية، «أنتج تدفّقًا عكسيًا للمواد الخام والمواد الغذائية المُنتَجة بتكلفة رخيصة لم تترك للزراعة الإنجليزية المحلية فرصةٌ للتنافس معها، وبالتالي دفعت بأجور الطبقة العاملة إلى الأسفل».

تناضل النقابات المهنيّة، حتى أفضلها، بطبيعتها، ضد رساميل معيّنة ومحدّدة، ولكن الأمثلة السابقة هذه تبيّن لنا لزوم مواجهة رأس المال بكلّيته. يستنتج ليباوتز بدقّة: «في غياب معارضة كليّة كهذه، تقاتل النقابات المهنيّة ضد الآثار داخل سوق العمل ومقرات العمل، ولكن ليس ضد مسببات هذه الآثار».

وطلب ماركس من رفاقه في الأممية الأولى التيقّظ لهذه النقطة بالذات في نضالات النقابات المهنية، حيث أشار لكون النقابات المهنية «متّكلة حصرًا، وبإفراط، على النضالات المحلية والمباشرة ضد رأس المال» ولم «تدرك تمامًا بعد قوّتها وقدرتها على التحرك ضد نظام عبوديّة الأجور ذاته». واستنادًا لماركس، إن الدليل على ضيق الأفق هذا هو «أنها ظلّت منعزلة بإفراط عن الحركات الاجتماعية والسياسية العامة». نصيحة ماركس لهم كانت بالتغلب على ضيق الأفق هذا وتجاوز النضالات الاقتصادية، صرفًا، من أجل الأجور:

عليهم الآن تعلّم كيفية التصرف، بإدراكٍ ووعي، كالمراكز التنظيمية للطبقة العاملة، ومن أجل مصلحتها الأوسع الكامنة في تحرّرها التام. وعليهم مساعدة كلّ حركة اجتماعية وسياسية مائلة بذلك الاتجاه، ناظرين لأنفسهم ومتصرّفِين كمناصري وممثلّي الطبقة العاملة بمجملها، وبذلك لا يمكن لهم الفشل في ضمّ العمّال غير النقابيين إلى صفوفهم. عليهم أن يسهروا على العناية بمصالح أقلّ الحِرف والمِهن أجورًا، مثل العمال الزراعيين، إذ جُعِلوا عاجزين [ويضيف النص الفرنسي: غير متمكنين من المقاومة المنظمة] بسبب أوضاعٍ استثنائية. عليهم أن يُقنِعوا العالم بأسرِه [تُستبدَل هذه الجملة في النص الفرنسي والألماني بالتالي: عليهم أن يُقنِعوا جماهير العمّال الضخمة] أن مساعيهم، أبعد ما تكون عن ضيق الأفق والأنانية، تهدف إلى تحرّر الملايين المسحوقة.

لو أخذنا منطلقنا من ماركس نفسه، فلن يعود جليًا البتّة لماذا لا يتوجب اعتبار أيّ نضال، ما عدى النضال الاقتصادي من أجل الأجور والمستحقات في مقر العمل، نضالًا طبقيًا. أيّةُ حركةٍ اجتماعية وسياسية «تميل» باتجاه مكاسب للطبقة العاملة ككل، أو تحدّي قوة رأس المال ككل، يتوجّب اعتبارها جانبًا من جوانب النضال الطبقي.

وما يُلحظ هو أن أحد أكبر مآسي تدمير قوّة الطبقة العاملة، وانحلال المجتمعات المحليّة البروليتارية الحيّة، خلال الأربعين سنةً الماضية، كان الفقدان الفعلي لهذه الفكرة حول الكليّة الاجتماعية لإنتاج القيمة وإعادة إنتاج قوة العمل.

في أيّ زمنٍ من التاريخ، قد تكون طبقةٌ عاملة قادرة، أو قد لا تكون، على الكفاح من أجل أجورٍ أعلى في موضع الإنتاج، وأمّا النقابات المِهنية فقد لا تكون متواجدة، أو قد تكون ضعيفة وفاسدة. ولكن، مع تغيّر الأشياء الموجودة في سلّة البضائع (انخفاض أو تزايد جودة وكمية البضائع الاجتماعية)، تكون الطبقة مُدرِكة تمامًا لمثل هذه التغيرات لحياتها ككل، وهذه المعارك قد تنبثق بعيدًا عن موضع الإنتاج، ولكنها تعكس، رغم ذلك، حاجات وضرورات الطبقة. بعبارة أخرى، حين وحيث لا يكون النضال من أجل أجورٍ أعلى ممكنًا، قد تندلع نضالاتٌ مختلفة النوع حول دورة إعادة الإنتاج الاجتماعي أيضًا. أمِنَ المحيّر، إذًا، أنه في حقبة النيوليبرالية، في وقتٍ ضَعُفَ فيه أو انعدم تحريض النقابات المهنية في موضع الإنتاج (من أجل الأجور) في أجزاءٍ كبيرة من العالم، لدينا حركاتٌ اجتماعية متصاعدة متمركزة حول مسائل الظروف المعيشية؟ من النضالات من أجل الماء في كوتشومبابا (بوليفيا) وفي إيرلندا، وحول إخلاء الأراضي في الهند، ونضالاتٍ من أجل إسكانٍ عادل في المملكة المتحدة وخارجها. وهو نسقٌ لربما أفضل ما يلخصّه هو شعار المتظاهرين/ات المناهضين/ات ضد التقشّف في البرتغال: «تبًّا للترويكا! نريد حياتنا!»[2]

الطبقة العاملة: التضامن و«الاختلاف»

علينا إذًا أن نعيد النظر في منظورنا المفاهيمي للطبقة العاملة. ولست أقترح هنا أطروحةً متكاملة حول هوية من يشكّلون الطبقة العاملة العالمية، وإن كان القيام بذلك أمرًا مهمًا. بدلًا عن ذلك، وانطلاقًا من نقاشنا أعلاه حول الحاجة لرسمٍ جديد لصورة أوفى لـ«الاقتصاد» و«الإنتاج»، أقترح هنا ثلاثة أمور، أولًا: تجديد الطرح النظريّ للطبقة العاملة بصفتها موضوعًا ثوريًّا، وثانيًا: فهمٌ للطبقة العاملة أوسع من فهمهم المحدود بالموظَّفين كعمّالٍ مأجورين في أي وقتٍ محدد، وثالثًا: إعادة النظر في النضال الطبقي بحيث لا ينحصر في النضال من أجل الأجور وأوضاع العمل.

منطلق إعادة النظر هذه هو فهمٌ معيّن للمادية التاريخية. يذكّرنا ماركس «إنّ الشكل الاقتصادي المعيَّن لاعتصار فائض العمل غير مدفوع الأجر من المُنتِجين المباشِرين يحدّد العلاقة بين الحكّام والمحكومين، بصورة تنمو بها مباشرة من الإنتاج نفسه، ثم تؤثر فيه، بدورها، تأثيرًا عكسيًا مُحدِّدًا».

العمل المأجور، في ظلّ الرأسمالية، هو الشكل المُعمَّم الذي من خلاله يقوم الحكّام بمصادرة أملاك المُنتجِين المباشرين. نظريًا، لا يبالي رأس المال لعرق المنتِجة المباشرة أو جندرها أو قدراتها ما دام يمكن لقوّة عملها تحريك عملية التكديس. ولكن علاقات الإنتاج، كما رأينا في القسم السابق، عبارةٌ عن سلسلة من العلاقات الاجتماعية المتواجدة، يقولبها التاريخ، ومعه المؤسسات الحالية، وأشكال الدولة. وليست العلاقات الاجتماعية خارج العمل المأجور بهذا الأخير علاقاتٍ عرضيّةً، بل هي تتخذ شكلًا محدّدًا تاريخيًا استجابةً له. على سبيل المثال، الطبيعة المجندرة لإعادة إنتاج قوة العمل لها نزعاتٌ تكييفية لاستخلاص فائض القيمة. وبصورة مماثلة، الشكل العنصريّ الجنسيّ الغيريّ (heterosexist) لوحدة العائلة تصونه وتسنده حاجة رأس المال لتعويضٍ جيليّ لليد العاملة.

ومسألة «الاختلاف» في وسط الطبقة العاملة مسألةٌ مهمةٌ جدًا في هذا الصدد. كما ذُكِر سابقًا، يوحي ماركس في نقاشه حول العمّال الإيرلنديين بوجود قطاعات من الطبقة العاملة «مُنتَجة» بصورٍ مختلفة، حيث «يُنتَج» العامل الإنجليزي بقدرة وصولٍ أفضل لسلة البضائع، حيث تكُيّف حاجاته وفقًا لمستوىً أعلى، بينما يظل العامل الإيرلندي يعيش في درجة منحطةٍ قاسية من الوجود لا يمتلك فيها سوى «أبسط وأقلّ الحاجات الحيوانية». لم يؤمن ماركس بالتأكيد أن قيمة القوة العامِلة للعامل الإيرلندي كانت شيئًا ثابتًا سيظلّ، بسبب إثنيته، أقل من نظيره الإنجليزي، بل كانت نتيجةً للصراع الطبقي، أو انحساره. والعامل الإنجليزي هو من يتوجب عليه إدراك المصلحة الطبقية التي تجمعه مع الإيرلنديّين ضدّ رأس المال بِمجمله.

إن إلحاق الصراع الطبقي كعنصرٍ حاسم يحدّد مدى وَجودة إعادة الإنتاج الاجتماعي للعاملة، لهو أمرٌ يمكّننا من الفهم الفعلي لأهميّة وجود مفهومٍ ماركسي لـ«الاختلاف» في وسط الطبقة. وإن الإقرار، في أيّة لحظة تاريخية مُعطاه، بأن الطبقة العاملة قد تكون مُنتَجة بصور مختلفة (بأجورٍ متباينة، وقدرة وصولٍ متباينة لوسائل إعادة الإنتاج الاجتماعي) يتجاوز كونه تصريحًا بحقيقةٍ إمبريقية. عن طريق عرضنا كيفية إسهام العلاقات الاجتماعية الفعلية وتواريخ النضال في «إعادة إنتاج» قوة العمل، يشير هذا الإطار واقعًا إلى خيوط التضامن الطبقي المُتوجَّب صياغتها، داخل مقرّ العمل في أحيان، وخارجه في أحيان أخرى، كي يزيد كلّ العمّال «حصّتهم من الحضارة».

أدرك ريمون وليامز مخاطر خلق ثنائية زائفة بين «النضالات الطبقية» و«الحركات الاجتماعية الجديدة»، كاتِبًا في أوائل الثمانينات، في بريطانيا، في فترةٍ كانت الطبقة العامل تُهاجَم فعليًا وبوحشية بواسطة الثاتشريّة[3]، ونظريًا بواسطة عدد من النظريات الليبرالية:

كلّ الحركات الاجتماعية ذات الحجم المُعتبَر خلال الثلاثين عامًا الماضية بدأت خارج المؤسسات والمصالح الطبقية المُنظَّمة. حركة السلام، وحركة البيئة، وحركة النساء، ووكالات حقوق الإنسان، وحملات مناهضة الفقر والتشرّد…كلّها تحمل هذه السمة، فهي نبعت من حاجاتٍ وتصوّراتٍ لم يكن لدى المنظمات المستندة على المصالح مجالٌ أو وقتٌ لها، أو أنها لم تلاحظها ببساطة.

واليوم، بإمكاننا أن نضيف لهذه القائمة النضالات المناهضة لوحشيّة الشرطة في الولايات المتحدة.

ولكن، بينما قد تنبع هذه النضالات خارج مقرّ العمل، أو تُفهَم كنضالاتٍ خارجة عن المصالح الطبقية، يشير وليامز إلى سُخف هذا الوصف:

من السخف إذًا أن نتجاهل هذه الحركات أو ننتقص منها بصفتها متعلقة بـ«قضايا الطبقة الوسطى»، فتشويه صورة هذه القضايا ونعتها بهذه الطرق هما نتيجتان للنظام الاجتماعي ذاته. ومن السخف أيضًا أن نزيح هذه القضايا جانبًا ناعتين إياها بأنها قضايا غير مرتبطة بالمصالح المركزية للطبقة العاملة. فهذه القضايا تنتمي لمصالحها المركزية، بكلّ المعاني الحقيقية للكلمة. فالعمّال هم الأكثر عرضةً لمخاطر العمليات الصناعية والضرر البيئي، ونساء الطبقة العاملة هنّ أكثر النساء حاجةً لحقوقٍ نساءٍ جديدة.

إن فشلت المنظمات المُفترَض منها أن تكون مناصرة «النضال الطبقي»، مثل النقابات المهنية، في أن تكون ثوريّة، ولأيّ أسبابٍ تاريخية كانت، لا يعني ذلك اختفاء «النضال الطبقي»، أو أن تلك النضالات «تتجاوز الطبقة». حقًا، فكما يلاحظ وليامز بذكاء، «كلٌّ من هذ القضايا تقودنا، إن استمرّينا بتتبعها، إلى الأنظمة المركزية لنمط الإنتاج الصناعي-الرأسمالي و…إلى نظام الطبقات الخاص به».

إن فهم الطرق المعقّدة، والموحدة، التي يتم من خلالها إنتاج السلع وإعادة إنتاج قوة العمل يساعدنا على فهم كيفية جندرة وعَرقَنة (racialization) طُرق التنظيم الاجتماعي للتوزيع الفعلي لعمل المجتمع من خلال دروسٍ تعلّمها رأس المال من حقبٍ تاريخية ماضية، ومن خلال صراعه ضدّ الطبقة العاملة. عمليّة التراكم، بالتالي، لا يمكن لها، في الواقع، ألا تبالي بالأصناف الاجتماعية، مثل العرق أو الجنسانية أو الجندر، وإنما تسعى لتنظيم وقولبة تلك الأصناف، والتي تؤثر بدورها على الشكل المحدِّد لاستخراج فائض العمل. وبالتالي تقوم علاقة العمل المأجور بصبغ فضاءاتِ الحياة اليومية غير المأجورة.

«نموّ قوى الطبقة العاملة، يعطّل رأس المال ذاته»

لو مُنِحت إعادة الإنتاج الاجتماعي لقوة العمل ما نقترحه من مركزيّة نظرية، ما هو مقدار نفع ذلك لمقترحنا الآخر، أي إعادة النظر في الطبقة العاملة؟

تُبرِز نظرية إعادة الإنتاج الاجتماعي لنا العلاقاتِ الاجتماعية والطُرُق المتعلقة بإعادة إنتاج قوة العمل، موسِّعةً بالتالي نظرتنا لكيفية تطرقنا لمفهوم الطبقة العاملة.

يبرهن لنا إطارها أسباب وجوب عدم الاكتفاء بحصر فهمنا لهذه الطبقة فيمن هم مُوظّفون/ات آنيًا في دينامية الصراع ما بين رأس المال والعمل المأجور. فإن اكتفينا بذلك، سيحدّ ذلك من منظورنا للقوة الطبقية، ومعها تعرّفنا على الوكلاء المُحتملين للتضامن الطبقي.

قد يمثّل مصطلح «العامِلة المأجورة» التعريف المناسب لمن يعملون مقابل أجر، ولكن منظورًا كهذا، نعيد ونكرّر، هو منظور «بيروقراطيي النقابات». الطبقة العاملة، بالنسبة للماركسيّ/ة الثوريّ/ة، يجب أن يُنظَر لها بصفتها كلّ شخصٍ منتمٍ للطبقة المُنتِجة ساهم/ت في حياته/ا في كليّة إعادة إنتاج المجتمع، بصرف النظر عمّا إذا كانت قد تلقّت أجرًا مقابل عملها أم لا. تجمعُ نظرة تكاملية للطبقة العاملة كهذه العامِلةَ المؤقتة اللاتينية في فندق في لوس أنجيلوس، والأم العاملة بأوقاتٍ عملٍ مرنة في إنديانا المُضطرّة للبقاء في منزلها بسبب تكاليف الحضانات العالية، والمعلِّم الأمريكي ذو الأصول أفريقية العامل بدوامٍ كامل في شيكاغو، والذكر الأبيض العاطل اليوم، العامِل سابقًا في قطاع صناعة السيارات في ديترويت والمنتمي لنقاباته. ولكّنهم لا يجتمعون هنا ليتنافسوا، وفق النظرة مستندة على معايير السوق، وإنّما ليتضامنوا مع بعضهم البعض. بإمكان تنظيمٍ استراتيجي على أساس نظرةٍ كهذه أن يستحدث من جديد فكرة أن أيّ ضررٍ يصيب معلّم مدرسة واحد في شيكاغو هو ضررٌ على كلّ الباقين.[4]

حين نسترجع إحساسًا بالكليّة الاجتماعية للطبقة، يمكننا، مباشرةً، أن نعيد تأطير حلبة النضال الطبقي.

ما هو شكل الصراع الطبقي أحادي الجانب الذي شنّته الطبقة الحاكمة خلال العقود الأربعة الماضية من النيوليبرالية؟

من المهم جدًا أن نفهم أن هذا الصراع شكّل هجمةً ثنائية بواسطة رأس المال على الطبقة العاملة العالمية من أجل محاولة إعادة هيكلة الإنتاج في مقرات العمل، ومعها العمليات الاجتماعية لإعادة إنتاج قوة العمل في المنازل والمجتمعات المحليّة ومنافذ الحياة اليومية.

في مقرّات العمل، اتخذ ذلك جوهريًا شكل كسر شوكة النقابات. بُنيَ الصرح النيوليبرالي، كما جادلتُ في مقالٍ آخر، على ظهر سلسلةٍ من هزائم الطبقة العاملة العالمية، أكثرها إبهارًا كانت هزيمة نقابة المراقِبين الجويين في الولايات المتحدة (1981)، وعمّال الطواحين في الهند (1982)، وعمّال المناجم في المملكة المتحدة (1984-1985).

ولكن، وإن كانت هجمة الطبقة الحاكمة على مقرات العمل، أو على العمل الإنتاجي، قد اتخذت صورة معاداةٍ عنيفة للنقابيّة، فهي بالتأكيد لم تنتهي هناك. عادلت الهجمات على العمل المعيد للإنتاج خارج مقرّات العمل، في وحشيّتها، الهجمات التي جرت داخلها. وفي بعض الدول المحددة، هذا الهجوم الثاني اتّخذ صورًا أكثر وحشية. في الولايات المتحدة، بيّن لنا باحثون، من ديفد مكنالي وأنور شيخ وحتى كيم مودي، كيف أن توسّع الثمانينات الرأسمالي بُني على انخفاضٍ مُطلق في مستويات معيشة الطبقة العاملة وظروف عملهنّ. هوجِمت مجالاتٌ معينة خاصّة بإعادة الإنتاج الاجتماعي من خلال خصخصة متزايدة للخدمات الاجتماعية، وتخفيضٍ للنفقات على برامج فدرالية مهمّة مثل برنامج «مساعدة الأطفال المُعالين/المساعدة المؤقتة للعوائل المحتاجة»، وبرنامج التأمين ضد البطالة، والضمان الاجتماعي. وفي الجنوب العالمي، اتخذ ذلك صورة رفع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، قسرًا، أسعار الواردات، حيث كانت أغلبها، بالنسبة لهذه الدول، هي الأطعمة، والحبوب، والوقود، والأدوية.

كانت هذه حربًا طبقية مُعلنة شُنّت استراتيجيًا على الطبقة العاملة بأكملها، ولم تقتصر على أفرادها المأجورين وحسب، وكانت هذه الحرب فعّالة جدًا لكونها، بالتحديد، توسّعت إلى ما وراء حدود مقرّات العمل. عن طريق الخصخصة الممنهجة لمواردٍ كانت، سابقًا، مملوكةً اجتماعيًا، وتخفيض جودة الخدمات، هدف رأس المال لجعل أنشطة إعادة الإنتاج اليومية أكثر ضعفًا وهشاشةً، بينما قام، في الوقت نفسه، بإلقاء حمولة مسؤولية وخطاب إعادة الإنتاج على ظهر العوائل الفرديّة. كانت عمليات الضعضعة من أعمال إعادة الإنتاج فعّالةً للغاية في السياقات الاجتماعية التي تمكّن رأس المال فيها من التربّح من ممارساتٍ وخطاباتٍ اضطهادية موجودة، وإن لم تكن، وفي حال تطلّب الأمر، قام أيضًا باستحداثها أو تحفيزها مجددًا: مِنَ الهتافات العنصرية العرقية ضدّ «ملِكات الرعاية الاجتماعية»[5]، وأشكالٍ جديدة من جنسنة الأجساد ألغت الخيارات الجنسية، وحتى الإسلاموفوبيا المتصاعدة، وجدت النيوليبرالية في هذه الأمور أساليب خلّاقة، متزايدة في إبداعيّتها، للإضرار بالطبقة العاملة. سحقت الثقة الطبقية، ضعضعت ثقافاتِ التضامن المتأصلة سابقًا، والأهم من ذلك، وفي بعض المجتمعات، نجحت في إلغاء إحساسٍ مهم بالاستمرارية والذاكرة الطبقية.

فضاءات الكفاح: مواجهة رأس المال خارج أرض المصنع

في الهند، شرحت إحدى قياداتِ عمليّة احتلالِ مصنع بواسطة موظّفي المصنع ذاته لصحفيّ أعمال مصدوم: «تصل القوّة التفاوضيّة للعمال إلى أقصاها في المصنع، ولكن لا أحد يصغي لك حين تصل إلى جانتار مانتار [ميدان مظاهرات شهير في عاصمة الهند، دلهي]».

فطنة هذا العامل المنتفِض المستندة على تجربته كثيرًا ما تمثّل الفهم الاقتصادي السياسي الشائع للماركسية الثورية حول علاقات العمّال ورأس المال. هذه القراءة «السائدة» لماركس تحدّد موضع إمكانيات الاشتباك السياسي الحاسم للطبقة العاملة مع رأس المال في موضع الإنتاج بصورةٍ رئيسية، إذ أنها المكان الذي يصل فيه تأثير قوّة العمّال على الأرباح إلى أقصاه.

هذا المقال، حتى الآن، كان قراءةً مخالفة للقراءات البديهية حول الاستيراد النظريّ لصنف «الإنتاج»، وبالتالي علينا الآن أن نعير انتباهنا للاستيراد الاستراتيجي لمكان العمل كفضاءِ تنظيمٍ مركزي. لم تكتفي أبحاثٌ حديثة حول الجنوب العالمي، مثلًا عن «صفوف مساكن الحمّالين» (coolie lines) في الهند أو «نظام العمل السّكني» (dormitory labor regime) في الصين، بالإتيان بأماكن عمل الطبقة العاملة إلى صدارةٍ تحليلية باهرة وحسب، بل سلّطت الضوء أيضًا على الفضاءات التي تنام فيها الطبقة العاملة، وتلعب، وتذهب إلى المدرسة، أو، بعبارةٍ أخرى، على حياتها الحسِّية الكاملة خارج مكان العمل. ما هو الدور التي تلعبه هذه الفضاءات في التنظيم ضد رأس المال؟ والأهم من ذلك، أما تزال النضالات في موضع الإنتاج تمتلك أهميّة استراتيجية؟

إن ملامح الطبقة العاملة (أو ما يُتَصوَّر تقليديًا أنه كذلك) واضحةٌ جدًا في مقرات العمل. فتجربة العامِلة تشعرها بهيمنة رأس المال بصورة يومية، والأولى هذه تُدرِك قوّتها المُحدِّدة على حياتها، ووقتها، وفرص حياتها، و، حقًا، قدرتها على الوجود ورسم مستقبلٍ لذاتها. وبالتالي، نضالات مقرّات العمل لها نقطتا قوّةٍ لا بديل لهما في أي مكانٍ آخر. أولًا: لهذه النضالات أهدافٌ وغاياتٌ واضحة. ثانيًا: العاملات متركّزاتٌ في تلك المواضع في دورة إعادة إنتاج رأس المال ذاته، ولديهن القدرة الجمعية على تجميد نشاط أجزاءٍ من تلك العملية. ولهذا السبب بالذات وصف ماركس النقابات المهنية بـ«مراكز تنظيم الطبقة العاملة». ولهذا السبب أيضًا، دائمًا ما تستهدف هجمة رأس المال الأولى القطاعاتِ المنظّمة من الطبقة من أجل كسر هذه القوة.

ولكن، دعونا نعيد التفكير بالاستيراد النظري للنضالات خارج مقرات العمل، مثل تلك المطالبة بهواء أقلّ تلوثًا، أو مدارس أفضل، أو ضد خصخصة المياه، أو ضد التغيّر المناخي، أو مع سياسات إسكانٍ أكثر عدلًا وإنصافًا. هذه النضالات – أؤكد – تعكس حاجات الطبقة العاملة تلك الضرورية لإعادة إنتاجها الذاتي. وهي أيضًا تمثّل مسعى الطبقة للمطالبة بـ«حصّتها من الحضارة». وبهذا المعنى، هي أيضًا نضالاتٌ طبقية.

خلّف تدمير النيوليبرالية المجتمعاتِ المحلّية للطبقة العاملة في الشمال العالمي مبانيَ مُغلقة، ومكاتب رهونات، ومنازل مهجورة. وفي الجنوب العالمي، خلق أحياءً عشوائيةً ضخمة كأرضٍ خصبة للعنف والحرمان. وبالتالي، مطلب هذه المجتمعات بتوسعة «مجال ملذّاتهم» هو مطلبٌ طبقيٌّ حيوي. طرح ماركس وإنجلز، في عام 1850، فكرة أنّ العمّال عليهم «جعل كل مجتمع محليّ النقطة المركزية ونواة صعود رابطات العمّال، حيث مواقف ومصالح البروليتاريا تُناقَش باستقلالية عن المصالح البرجوازية».

دورنا الآن هو أن نعيد لأجهزتنا وممارساتنا التظاهريّة هذا الفهم التكامليّ للكليّة الرأسمالية. إن ظلّ المشروع الاشتراكي مشروعَ تفكيك العمل المأجور، فسنفشل فيه إن لم نفهم أن العلاقة بين العمل المأجور ورأس المال تُديمُها طرقٌ غير مأجورة عديدة وأنواعٌ عديدة من الفضاءات الاجتماعية، وليس فقط فضاء العمل.

حين توجهت نقابة عمّال صناعة السيارات (United Automobile Workers) لتنظيم نقابةٍ في مصنع فولكسفاغن في الجنوب الأمريكي، أبقت قياداتها على فصلٍ تام بين حياة عمّال نقابتهم في المصنع ومعيشتهم في المجتمع. وقّعت قيادات النقابة عقدًا مع أرباب العمل تضمّن أنهم لن يتحدثوا أبدًا مع العمّال في منازلهم. ولكن هذه المجتمعات المحليّة لم تمرّ بتجربة قوّة النقابة وتشعر بها مسبقًا، ولم تغني أغاني العمّال، ولم تذهب في رحلاتٍ إلى قاعات النقابات. لم تلعب النقابات إلا دورًا محدودًا في نسيج حياتهم الاجتماعي. في مجتمعٍ كهذا، سحقه رأس المال وشظّاه، لا يمكن بناء الحركة النقابية إلّا إن كان لذلك معنىً في الجانب الكلّي لحيوات الناس، وليس بصورة مقطعيّة وحسب في مقرّ العمل فقط.

قارن هذا التكتيك مع التكتيك الذي استخدمته نقابة المعلِّمين في شيكاغو من أجل إعادة بناء نقابتهم. قاموا بما لم تقم به نقابة عمّال صناعة السيارات، ألا وهو وصل نضالات مقّرات العمل بحاجات المجتمع الأوسع. لعدّة سنوات، جلبوا شعارات نقاباتهم للأحياء المُعانية واحدًا تلو الآخر حين كانت تلك الأحياء ستخسر مدارسها لصالح دعاة الخصخصة، وتظاهروا ضدّ إغلاق المدارس. وفي سياق الفقر العرقيّ بعمق في شيكاغو، كان لنضال نقابةٍ تحاول إنقاذ حقّ طفلٍ من عائلة عمّالية في التعليم تغييرٌ فعليّ. ولذلك، حين دخلت هذه النقابة ذاتها إضرابًا، فقد أسست مُسبقًا لتاريخ عملٍ ونضالٍ في الفضاءات خارج مكان العمل، ولهذا السبب رأت الطبقة العاملة الأوسع في شيكاغو في ذلك الإضراب نضالًا لهم، نضالًا من أجل مستقبل أطفالهم. وحين احتشد المعلّمون المُضرِبون والمعلّمات المضربات بقمصانهم الحمر في شوارع المدينة، منحتهم طبقتها العاملة تضامنها ودعمها.

نريد من مناضلي الطبقة العاملة أن يتدفقوا في شوارع المدن كما فعلوا في شيكاغو أثناء إضراب المعلّمين. ومن أجل أن نجهّز نظريّتنا وممارستنا لنكون متأهّبين لمثل هذه الأزمان، يجب أن تكون أول وجهةٍ لنا هي فهمٌ متجدّد للطبقة، فهمٌ مُنْقَذ من عقودٍ من الاختزالية الاقتصادية والنقابية التجارية. يتوجّب تجديد تنظيم الأدوار المشكِّلة التي يلعبها العرق، أو الجندر، أو الإثنيّة، على الطبقة العاملة، بينما النضال ذاته يجب أن نعيد له الحياة بمنظورٍ أوسع للقوّة الطبقية، منظورٌ يتجاوز التفاوض حول عقود العمل.

لا يمكن إلّا لمثل هذا النضال أن يحمل القوة اللازمة ليمزّق «المخبأ السرّي» لرأس المال ويُعيد التحكم بقدرات عملنا الحِسِّية، واللمسية، والخلّاقة، إلى حيث تنتمي، إلى أيدينا.

المصدر: مجلة فيوبوينت

ملاحظات فريق الترجمة:

[1]  تكملة الاقتباس: «الحرية! لأنه ما من قوة ترغم البائع وشاري سلعة من السلع، ولتكن قوة العمل، غير الإرادة الخاصة الحرة التي يتمتعان بها معًا. فهما يبرمان عقدًا ثنائيًا بوصفهما شخصين حرين متكافئين حقوقيًا. والعقد الذي يتوصلان إليه، ليس سوى الشكل الذي يسبغان في على إرادتهما الموحدة طابعًا قانونيًا. والمساواة! لأن كلًا منهم يقيم علاقته مع الآخر بصفته مجرد مالك لسلعة، ويبادل مُعادِلًا لقاء مُعادِل. الملكية! لأن كل واحد لا يتصرف إلّا بما يملك. وبنتام! لأن كلًا منهما لا يكترث إلا بذاته. والقوة الوحيدة التي تجمع بين الاثنين وتدفعهما للدخول في علاقة ثنائية، هي قوة الأنانية، قوة المنفعة والمصلحة الخاصة. فكلٌ منهما لا يفكر إلا بنفسه ولا يبالي بسواه…».

[2] الترويكا: مسمى يُطلق على: المفوّضية الأوروبية، صندوق النقد الدولي، والبنك المركزي الأوروبي.

[3] ثاتشريّة: نسبة إلى مارغريت ثاتشر.

[4] «أيّ ضررٍ يقع على واحد منا هو ضررٌ على الجميع» أو (an injury to one is an injury to all): شعار أشاع استخدامه «عمّال العالم الصناعيّون» (Industrial Workers of the World)، وهي نقابة عمّال دولية راديكالية تأسست عام 1905 في شيكاغو.

[5] «ملِكات الرعاية الاجتماعية» (welfare queens): عبارة ازدرائية شائعة أطلقها الرئيس الأمريكي رونالد ريغن أثناء محاربته للرعاية الاجتماعية على ما وصفه بالنساء اللاتي يخدعن الحكومة من أجل الحصول على مبالغ طائلة من برامج الرعاية الاجتماعية. اتّخذت العبارة صورة امرأة سوداء ولعبت دورًا عنصريًا في البلاد، وهذه الظاهرة التي زعم ريغن وجودها لم تكن، واقعًا، ظاهرةً حقيقية في المجتمع، بل كانت مجرد خرافة.

[i] استندنا في ترجمة الفقرات المقتبَسة من «رأس المال» على ترجمة فالح عبد الجبار مع بعض التصرّف فيها، فيما يحسّن من سلاسة النص.