إشكاليات نظرية الامتيازات

9eba53562f4338cbba8c25d7823abb5c

عصمة تشونارا ويوري براساد

هل يمكن أن ينضم لمعارك التحرر من لا يواجهون اضطهادًا؟ هل كل البِيْض متواطئون مع العنصرية العرقية؟ أم هل بإمكانهم أن يكونوا جزءً من الكفاح لتحرّر السود؟ هل يمكن للمثليين والغيريين أن يعملوا يدًا بيد ويتعاونوا ضد التمييز؟ هل يمكن للرجال أن يكونوا جزءً من النضال من أجل حقوق النساء؟ ليست هذه سوى بعض المسائل الناتجة عن النقاشات المرتبطة بنظرية الامتيازات وبالموضوعات المتعلقة بالاضطهاد.

تجمعُ الملتزمين بإنشاء عالم خالٍ من الاضطهاد مصلحةٌ مشتركة في الكفاح ضد الشوفينية والتمييز. وبالتالي، ينخرط أناسٌ يحملون نظراتٍ متنوعة للعالم في قضية مشتركة، دفاعًا عمن يواجهون ويواجهن هجوما بسبب عرقهم/ن أو هويتهم/ن القومية أو جندرهم/ن أو ميولهم/ن الجنسي وغيرها من الأمور. يقومون بذلك لأن الطبيعية التنمرية للمجتمع تثير امتعاضهم ولأنهم يفهمون أيضا أن اتّحادهم ووقوفهم جنبًا إلى جنب هي الطريقة الوحيدة ليحصلوا على القوة الكفاية لمقاومة القوى المهيمنة الكامنة وراء هذا الاضطهاد. ولكن وراء هذه الوحدة تكمن اختلافات مهمة بإمكانها أن تأخذ بالحراك نحو توجهات متباينة. هنالك مسائل عدة يجب التعرض لها أثناء تكوين هذه الوحدة: من أصول الاضطهاد ووظائفه وطرق مواجهته وحتى الأهداف النهائية التي نحددها لأنفسنا. وهذه المسائل كلها مسائل سياسية لدى الاشتراكيين والاشتراكيات إجاباتٌ متميزة لها.

تقدم هذه المقالة نظرة نقديةً لنظرية الامتيازات ومفهوم التقاطعية (تفاعل عدد من أنواع الاضطهاد مع بعضهم البعض) إذ أن هذه النظرية وهذا المفهوم يهيمنان بشكل متزايد على كفاحات التحرر. وهذه الأفكار ليست أفكارًا جديدة، ولكن تأثيرها ازداد على مدى السنوات الماضية.

تكمن أصول نظرية الامتيازات في الولايات المتحدة، حيث أنتج الأكاديميون/ات ومدرّبو/ات التنوع والكتّاب والكاتبات وغيرهم/ن عددًا متزايدًا من الأدبيات، من دراساتٍ ووسائل تعليمية ومذكرات شخصية، طوّرت الأفكار المتعلقة بمفهوم الامتياز. وفي بريطانيا، تتمركز هذه الأفكار أكثر حاليا في سياسات الطلاب وفي الأوساط الأكاديمية وبين المدونين/ات والناشطين/ات، ولكنها بدأت أيضا بدخول السياسات العامة، حيث نراها في المناظرات الاعتيادية في قسم التعليقات في صحيفة «الغارديان» وفي غيرها من الأماكن.

أولًا، يجدر بنا الإشارة بأن منطلق الاشتراكيين والاشتراكيات يتوجب أن يكون الانخراط بصورة إيجابية مع مكافحي ومكافِحات الاضطهاد، ولكن هذا الانخراط لا يلزم بتاتًا إخفاء الاختلافات النظرية. ولهذا السبب يتوجب تحليل نظرية الامتيازات ومفهوم التقاطعية، والآثار الاستراتيجية المترتبة عليهما، من منظور ماركسي لتبيان صور الاختلاف وأسبابها. ونزعم أن نظرية الامتيازات، عن طريق تركيزها الرئيسي حول على العلاقات الفردية، عوضا عن نظام الاضطهاد الرأسمالي، تميل إلى إبعاد الناس عن صورة التضامن الاجتماعي اللازمة للتغلب على الاضطهاد بكافة أنواعه.

إن الماركسية، بسجلّها الطويل في العديد من حركات التحرر، وبتحليلها الدقيق لطرق الاضطهاد التي يواجهها الناس وأسبابها، تظل أكثر الأدوات قيمةً لكل الراغبين في العيش في مجتمع خال من الاضطهاد.

ما هي نظرية الامتيازات؟

في جوهر نظرية الامتيازات تكمن فكرة أن الاضطهاد يسير من خلال سلسلة من الامتيازات غير المستأهلة، يتمتع بها كل من لا يعاني من اضطهاد معين، وبذلك، كل الرجال، وكل البِيْض، وكل الغيريين، مثلًا، يجنون امتيازاتٍ ناتجة عن عدم مواجهتهم عنصرية جنسية أو عنصرية عرقية أو هوموفوبيا. والشخص المستفيد من هذه الامتيازات قد لا يكون مدركًا بوجودها البتة، بل وأن واضعي/ات نظرية الامتيازات يركزون كثيرا على ما يصفونه بـ«جعل الامتياز ظاهرا»، منبّهين أصحاب الامتياز بامتيازاتهم غير المستأهلة يعتبرها أصحاب الامتياز بديهية. وبالمثل، لا يختار الفرد ما إذا كان سيتمتع بهذه الامتيازات أم لا، فهي تُمنح تلقائيا للفرد بموجب عرقه أو جندره أو جنسانيته وغيرها من الأمور المماثلة. ومن خلال هذا الإطار، تصبح الطبقة مجرد نوع اضطهاد واحد ضمن عدد لا يحصى من التقسيمات الاضطهادية في المجتمع.

وفي هذا الإطار أيضًا، يكثر النظر لهذه الامتيازات كأمور تجري على المستوى السيكولوجي، أي أنّها تحيزات تنشط على مستوى اللا وعي (وبالتالي لا يمكن الهروب منها). ولهذا السبب يتكون جزءٌ كبير من نشاط وممارس واضعي/ات نظرية الامتيازات من حثٍّ للآخرين على «مراجعة» أو «كبح امتيازهم». بعبارة أخرى، يوحي هؤلاء أن الممارسات والأفكار الاضطهادية المعنيّة ناتجة عن تحيزات تنشط على مستوى اللا وعي، تنبع مباشرة من «المكانة المتميزة» الخاصة بالفرد.

وصفت إحدى أكثر رائدات نظرية الامتيازات تأثيرا، الناشطة الأمريكية بيغي ماكنتوش، الامتياز بعبارتها الشهيرة كـ«حقيبة ظهر غير مرئية» (invisible knapsack). وكتبت ماكنتوش، متحدثة عن موقعها كامرأة بيضاء، قائلةً:

أصبحت أنظر إلى امتياز البياض (white privilege) كحمولة مخفية من الأصول غير المستأهلة، بإمكاني الاعتماد على الاستفادة منها كل يوم، ولكن «قُصِد» لي أن أظل غافلة عنها. امتياز البياض يشبه حقيبة ظهر غير مرئية، وبلا وزن، تحوي تدابير خاصة وضمانات وأدوات وخرائط وإرشادات وكتب شفرات وجوازات وتأشيرات وملابس وبوصلة وعدة طوارئ وَشَيكًا مفتوحا.

وتستمر بسرد قائمة تحوي 46 ميدان من ميادين حياتها اليومية بإمكانها، كامرأة بيضاء، ألا تضطر لأن تضع لها اعتبارًا، وهو أمر ليس بإمكان أغلب السّود القيام به. يمكن النظر لهذا الأمر، على صعيدٍ ما، كاستكشاف لبعض أساليب تأثير العنصرية العرقية على الحياة اليومية، ولكن يكمن وراء الوصف الذي تقدمه ماكنتوش شرحٌ لكيفية سير الاضطهاد وشرحٌ للطرق الأنسب لمواجهته، وهو أمر تصرّح به ماكنتوش جليا، قائلة: «الأوضاع التي أصفها هنا تسير منهجيا لتزيد من قوة فئات معينة. يعمل امتياز مثل هذا، ببساطة، على منح الفرد قدرةً على الهيمنة وإعطائه تصريح للتحكم بسبب عرقه أو جنسه».

تعكس نظرية الامتيازات، بنظرها للعالم من خلال منظور «الامتيازات غير المستأهلة»، النظرة الشائعة لصور كيفية سير الاضطهاد: يحصل الرجال، في المتوسط، على أجور أعلى من النساء، واحتمالية إيقاف الشرطة للبِيْض أقل بكثير من احتمالية إيقافهم السّود أو الآسيويين. ولكن، لكي نحصل على فهمٍ فعلي لكيفية سير الاضطهاد، يتوجب علينا النظر إلى ما وراء ظواهر الأمور. فكما أشار كارل ماركس: «كل العلوم لن تكون لازمة لو كان المظهر الخارجي للأشياء متوافقا مع جوهرها توافقا مباشرا».

تماثل نظرية الامتيازات، بطرق عدة، روايات أقدم بكثير حول هوية المستفيد من الاضطهاد، مثل المزاعم القائلة إن كل الرجال مستفيدون من اضطهاد النساء وإن كل البِيْض مستفيدون من العنصرية العرقية. ترى النظرية فيمن تزعم ملكهم هذه الامتيازات كمستفيدين تلقائيين من اضطهاد الآخرين، بل ومتواطئين في ذلك الاضطهاد أيضا. تجادل إحدى واضعات نظرية الامتيازات فرانسيس كيندال، وهي مستشارة تنوّع أيضًا، أن «كلّ من يحمل امتيازا عرقيا، وكل البِيْض يحملونه، ويحمل بالتالي قوةً وسلطة تحويل تحيزاتنا نحن البِيْض إلى قوانين، هو عنصري تعريفا، لأننا نستفيد من نظام عنصري».

هذه النظرية نظرية متشائمة جدا وتجرّد الناس من القدرة على المقاومة، إذ ترى أنّ الأفراد غير قادرين على الهروب من تحيزاتهم أو من دورهم في اضطهاد الآخرين، وأفضل ما يأمل من الفرد في مثل هذه الأوضاع هو زيادة الوعي والإدراك الذاتي والتخفيف من حدة أسوء أشكال الممارسات الاضطهادية، فرديا، من أجل أن يصبح هذا الفرد حليفًا ملائمًا لمن يواجهون اضطهادا ما. وأما غاية هذه المواجهة، عموما، ليست واضحة.

متى ما قبلنا بإطار فهم التفاوتات في المجتمع كصورٍ مختلفة من الامتيازات، يزداد غموض هذه المفهوم ذاته. بالتالي، بينما يركز العديد من واضعي/ات نظرية الامتيازات على مسائل اضطهاد واضحة، مثل العنصرية العرقية والجندر والجنسانية والإعاقة، يوسّع البعض هذا المفهوم عمليا ليشمل كل الظواهر الاجتماعية. فعلى سبيل المثال، يسرد القائمون على «مشروع قانون العدالة التحويلية في إيلينوي» أشكالا عديدة من الامتيازات التي يتوجب على الناشطين/ات مراجعتها وكبحها، مثل: امتياز التعليم، وامتياز حجم الجسم، أي ما يتعلق بالسُمنة والنحافة، وامتياز «الحياة في الخارج» (ألا وهو «امتياز» ألا يكون الشخص مسجونا) و«امتياز» قُرب مظهر الشخص لمظهر لفئة ذات امتيازات أكثر، مثل أن يكون الشخص ليس بأبيض ولكن بشرته فاتحة اللون.

هذا المنهج يخلط بين المشاكل وأعراضها. التفاوتات والتحيزات حول حجم الجسم، على سبيل المثال، ليست عوامل متواجدة وجودًا مستقل، بل هي أعراضٌ مباشرة للعنصرية الجنسية ومفاهيم الجندر. وبالمثل، التفاوتات الشاسعة في احتمالية سجن الفرد، أو في تمكنه من الحصول على تعليم مناسب، ناتجة عن العنصرية العرقية والتفاوت الاجتماعي. لا ينتج عن سرد قائمة من «الامتيازات» بهذه الطريقة إلا الإشارة لوجود مجتمع غير متساوٍ، وذلك لا يساعدنا لا على فهم عدم المساواة هذه ولا على مواجهتها. بل إن هذه المنهج يجعل من إدراك هذه التفاوتات والاعتراف بوجودها غاية بذاتها.

من أين أتت نظرية الامتيازات؟

تستند نظرية الامتيازات إلى الإطار النظري لسياسات الهوية التي هيمنت على اليسار خلال الثمانينات والتسعينات. هذه السياسات عكست تشرذم الحركات الاجتماعية في الستينات السبعينات والتشاؤم السياسي الذي ساد أثناء سنوات حكم مارغريت ثاتشر ورونالد ريغن. نتج عن ذلك في بريطانيا انتقالٌ من نضالاتٍ تحدّت سلطة الدولة إلى أحد أمرين: إما إلى السعي نحو نوع من التصالح معها والتراجع إلى سياسات متزايدة في تركيزها على أساليب حياة الأفراد، أو إلى سياساتٍ مبنية على الهوية تجاهلت الدولة ومسائل التفاوتات الطبقية كليّا. وفي حالات عدة، في بريطانيا على الأقل، شجعت الدولة على مثل هذا التشرذم، عن طريق تمويل مشاريع «إثنية» منفصلة عن النضالات العامة على سبيل المثال. تزعم سياسات الهوية، في جوهرها، أنه لا يمكن لسوى المعانين من اضطهادٍ معين أن يفهموه حقًا، ولا يمكنهم الاعتماد على أحد سواهم في مواجهته. تقبل نظرية الامتيازات غالبا بهذا المنطلق، ولكنها تشكل، بطرق عدة، الوجه المقابل لهذا الإطار، كونها لا تركز على المُضطهَدين، بل على من يُزعم امتلاكهم امتيازات معيّنة، أي من تصنّفهم بالمُضطهِدين.

كان العماد النظري لسياسات الهوية هو صعود نظريات ما بعد الماركسية وما بعد الحداثة في الأوساط الأكاديمية. هذا الانفصال عن الماركسية حمل معه عقيدة قائلة بأن زمن «السرديات الكبرى»، أي محاولة فهم المجتمع بمجمله، انتهى. أصبح التركيز وقتها على عدم اليقين، وعدم التحديد، وعلى السمة المتعددة والمتشظية للواقع. عكست ما بعد الحداثة سياسات جيلٍ من الناشطين/ات والأكاديميين/ات فقدوا روحهم المعنوية نتيجة هزيمة الحركات الجماهيرية عام 1968، يجاورها التشاؤم العام لعصرٍ وصل لمرحلة من البؤس تمكن فيها فرانسيس فوكوياما من التصريح بإعلانه الشهير بأن انتصار الرأسمالية الليبرالية أدّى إلى «نهاية التاريخ».

تحوَّل المسرح السياسي كثيرا منذ التسعينات، والكفاح ضد منظمة التجارة العالمية في سياتل شهر نوفمبر/تشرين الثاني لعام 1999 استهل، رمزيا، عصرا جديدا من السياسات الراديكالية المتصفة برغبة جديدة لتعميم النضالات، وللوحدة عوضا عن التشرذم.

مضى الآن أكثر من عقد منذ أحداث سياتل، ومرت عدة سنوات منذ دخلنا في هذه الأزمة الرأسمالية العميقة وما جاورها من هجمات سياسات التقشف. نتج عن هذه الأزمة التشكيك في كيفية سير النظام الرأسمالي ولمصلحة من. ولكن رغم تنامي حركات اجتماعية ضخمة في أرجاء العالم، ما تزال الطبقة العاملة المنظمة قوة هامشية في أغلب النضالات، ولذلك تظل المزاعم الماركسية حول مركزية دور الطبقة العاملة في إحداث التغيير مشوشة بالنسبة للعديد من الناشطين/ات.

لم يتغير الإطار النظري والسياسي الرئيسي، المشكِّل لكلٍّ من يسار الأوساط الأكاديمية وحركات المناهضة للاضطهاد، تغيّرًا معتبرا، وذلك رغم تصاعد الحركات الاجتماعية وبعض الانتعاش المحدود للاهتمام بالاقتصاد الماركسي. وكما شرح كولين ويلسون في هذه مقالةٍ له في عام 2011 فيما يتعلق بسياسات المثليين/ات ومزدوجي/ات الميول الجنسي والمتحولين/ات، منذ حركة سياتل، اتسمت الحركات الاجتماعية «برغبة بالوحدة، ورفض صريح، مثلًا، لنوع سياسات الهوية السائد في الثمانينات وأخلاقويتها المقسّمة. وفي الوقت نفسه، لم يبرز أي بديل سياسي ليستبدل سياسات الهوية كأساس للتنظيم». يخلق هذا الأمر وضعا متناقضا وغير مستقر. وبينما من الحقيقي اليوم وجود نمو صادق للرغبة بالوحدة، وتظل هنالك فرص لتعميم النضالات، يحمل بروز نظرية الامتيازات، كمنظور التفكير السليم حول الاضطهاد، خطر إعادة إحياء بعض الأخلاقوية المقسِّمة ذاتها التي أمل اليسار تجاوزها.

القوة والامتياز

تعكس العديد من الأفكار الجوهرية لنظرية الامتيازات، على نحو مباشر أو غير مباشر، أفكار ما بعد الماركسية التي أعطت دفعة معتبرة لسياسات الهوية. رفضَ ما بعد الماركسيين/ات اهتمام الماركسية الكلاسيكية بالطبقة والصراع الطبقي كالقوة المحركة المركزية للتاريخ، ورفضوا فكرة كون الطبقة العاملة وكيلة التغيير الاشتراكي. دعا كتّابٌ مؤثرون مثل إرنستو لاكلو وشانتال موف اليسارَ، بصراحة، لرفض الأفكار الماركسية المتعلقة بالطبقة كأفكارٍ اختزالية، وصاغوا نسخة مشوّهة جدا من الماركسية من أجل دعم مزاعمهم. رأوا في انبثاق حركات اجتماعية مستندة على الهوية كأساسٍ لسياسات راديكالية جديدة ترفض محاولات شرح «الكليّة» لصالح «خطابات جزئية» (partial discourses) وتركّز على الذاتية (subjectivity). وبالتالي، بالنسبة إلى لاكلو وموف، المجتمع مقسم إلى «مواقع ذاتية متنوعة» و«عداوات ونقاط اختلال متنوعة» لا يمكن «أن يقتفى أثرها إلى نقطة يمكن من خلالها شمل كل هذه المواقع الذاتية والعداوات وتفسيرها بواسطة خطاب واحد». بعبارة أخرى، كان زعمهم هو أن محاولة فهم كيفية تناسب أنواع الاضطهاد المختلفة مع بعضها البعض في صورةٍ أوسع حول كيفية سير المجتمع هي محاولة مخطئة ولا جدوى منها.

ولو شكّل كلٌ من لاكلو وموف العماد النظري لسياسات الهوية في الثمانينات، كان لأفكار ما بعد ماركسيٍّ آخر، المنظّر الفرنسي ميشيل فوكو، أكثر أثر دائم على المناظرات المتمحورة حول القوة والاضطهاد. كان فوكو، في عدة جوانب، منظّرًا أكثر تعقيدا، وتناقضا أيضا، من لاكلو وموف. وكتاباته حول التكوين الاجتماعي للجنسانية، على سبيل المثال، تستحوذ على الاهتمام ويستند عليها جزء كبير من النظرية الحالية حول اضطهاد المثليين/ات ومزدوجي/ات الميول الجنسي والمتحولين/ات. ولكنّ فوكو يشارك لاكلو وموف رفضهم لمحاولة رؤية المجتمع ككليّة.

مفهوم فوكو المتميز للقوة مفهومٌ ذو تأثير شاسع على المنظّرين والناشطين/ات الذين يتعاملون مع مسائل الاضطهاد. زعمه المركزي هو أن «القوة في كل مكان»، أي أنها موجودة في كل مكان. يلخص أليكس كالينيكوس نظرية فوكو كالتالي:

عوضا عن أن تكون القوة قوّةً وَحدوية، فهي مكوّنة من تعددية علاقات تخترق كامل الكيان الاجتماعي. ونتيجة لذلك، لا يمكن تخصيص أولوية اعتيادية، كما هو معمولٌ به في الماركسية، للقاعدة الاقتصادية. علاوة على ذلك، القوة شيءٌ إنتاجي: أي أنها لا تسير عن طريق قمع الأفراد…بل عن طريق تكوينهم…وأخيرًا، القوة تحث بالضرورة على المقاومة، وإن كانت هذه المقاومة متشظيةً وغير مركزية، مثلما هي علاقات القوة التي تصارعها.

ماذا يعني ذلك؟ معناه هو أن القوة ليست شيئا يملكه بعض الناس ويفتقر له البعض الآخر. ليست القوة، وفق فوكو، متمركزة في أيدي الطبقة الرأسمالية أو الدولة كما يشير التراث الماركسي الكلاسيكي، وإنما هي شيءٌ متوزع في أرجاء المجتمع، وبالتالي يتواجد في كل العلاقات الاجتماعية والشخصية. من الواضح أن مثل هذا المفهوم سيؤثر على كيفية فهمنها وتحدينا للظلم واللا مساواة.

يجادل فوكو بصراحة أن القوة لا تكمن في الطبقة الحاكمة أو الدولة، حيث يقول: «لا الطائفة الحاكمة، ولا الجماعات المتحكمة بأجهزة الدولة، ولا من يتخذون أهم القرارات الاقتصادية يوجّهون كامل شبكة القوة النشطة في المجتمع»، ويجادل بوجود «تعدد في مواضع المقاومة» وبالتالي «ليس هنالك موضع واحد لرفضٍ كبير، ليس هنالك روح ثورة أو مصدر لكل الانتفاضات، أو قانونٌ خالص لما هو ثوري. بل هنالك، عوضا عن ذلك، تعدد مقاومات، كلٌّ منها حالةٌ خاصة…وهي، وفق التعريف، لا يمكن أن تتواجد إلا في الحقل الاستراتيجي لعلاقات القوة».

تستند على هذا المنظور فكرة تتخلل نظرية الامتيازات، وهي أن كل فرد هو جزءٌ من عدد من العلاقات الاضطهادية التي لا مفر له منها، وهو ما تسميه باتريشا هيل كولينز بـ«مصفوفة الهيمنة». اشتهرت كولينز بكتاباتها حول التقاطعية والنسوية السوداء، وهي مفاهيم سنعود لها لاحقا. بينما انتقدت كولينز أحيانا مفاهيم الاضطهاد الما بعد حداثية، فنظريتها حول القوة تتبنى مفاهيم الامتياز الفردي والهيمنة الشخصية، قائلة إن «كل واحد منا يشتق كميات متنوعة من الإعاقات والامتيازات من أنظمة الاضطهاد المتعددة التي تأطّر حيواتنا».

ومن يصادف أو يقرأ نصوصًا مستندة على نظرية الامتيازات سيصدمه التركيز الغالب على الفرد، يتضمن ذلك العديد من اعترافات «أصحاب امتياز» يصفون فيها كيفية «تصالحهم» مع امتيازاتهم، ويتضمن أيضًا نصوصًا يعظون فيها الآخرين بأن يراجعوا أو يكبحوا امتيازاتهم. ولكن على الرغم من هذا التركيز على التغيير الفردي، أغلبُ واضعي/ات نظرية الامتيازات يُقرّون بوجود تفاوتاتٍ بنيوية أوسع تقف وراء هذه الامتيازات التي مُنِحت، زعمًا، للأفراد. يجادل مايكل كيميل، على سبيل المثال، أن الحلول الفردية ليست كافية، حيث يقول: «التفاوتات بنيوية وممنهجة كما هي فردية وسلوكية (attitudinal)، وإلغاء هذه التفاوتات يتضمن ما يتجاوز تغيير سلوك وآراء الجميع».

ولكن، بينما من الحق ذكر وجود تفاوتات بنيوية وممنهجة، السؤال الفعلي هو: لماذا؟ أضف على ذلك أنه لو لم يُنظر لهذه التفاوتات البنيوية وأنظمة الاضطهاد كأمورٍ متأصلة في نظام الرأسمالية الاقتصادي، أو، فيما يتعلق باضطهاد النساء، في المجتمع الطبقي عمومًا، إذا، فبإمكان هذه التفاوتات الممنهجة أن تبدوا كأمور متواجدة في ميادين هيمنة مستقلّة عن بعضها البعض. ولذلك واحدٌ من معنيين: إما أن أنواع الاضطهاد هذه قديمة قدم الزمن وأنها نتاج حتمي للاختلاف، أي أن الرجال دائما ما سيكونون عنصريين ضد النساء بمقتضى كونهم رجالا، وما إلى ذلك، والمعنى الآخر هو، ببساطة، تجاهل هذا السؤال بالمرّة.

بعض واضعي/ات نظرية الامتيازات يحاولن فعلا اقتفاء الجذور التاريخية والاقتصادية للاضطهاد، بالخصوص فيما يتعلق بمسألة العنصرية العرقية. يقبل الكاتب الأمريكي المؤثر تيم وايز، على سبيل المثال، بأن أصول العنصرية العرقية مرتبطة بالرأسمالية والعبودية. ولكنّه يقترح أنه، بعد انتهاء العبودية، أصبحت العنصرية العرقية مترسخة حتى أن «عنصرية البِيْض أصبحت تسير بذاتها» بحيث لم تعد حاجات النخب الحاكمة والطبقة الرأسمالية هي ما يديمها، وإنما البِيْض أنفسهم هم من يقومون بذلك، وبالتالي تصبح العنصرية العرقية، كبنية قوة، منفصلة عن الرأسمالية. وفي هذا الادعاء، يتبع تيم وايز، من جوانب عدة، كتابات المنظّر الأمريكي ديفد رويديغر، وكتابات هذا الأخير حول العرق مؤثرة جدا وتستند إليها مفاهيم «البياض» والامتياز. يقدم رويديغر تحديا جديًّا للنظرية الماركسية، ويرتكز على أفكاره جزءٌ كبير من نظرية الامتيازات، وبالتالي علينا تفحصها بإسهابٍ أكثر.

أجور البياض

تهتم نظرية البياض (whiteness theory) غالبا بفهم كيفية انبثاق مفهوم الأناس «البِيْض» ككيان منفصل، وبالآثار الناتجة عن هذا التصنيف منذ انبثاقه. وتسعى لإعادة تقييم التاريخ عن طريق فحص كيفية تقولبه بواسطة «الهوية البيضاء» و«امتياز البِيْض»، بل وتحقق في طريقة صير «الأبيض» اليوم مرادفا لـ«الاعتيادي»، مرجئةً «غير الأبيض» لمكانة «الآخر». العديد من مناصري/ات هذه النظرية يشاركون مع الماركسيات/ين فهمًا لطرق تكوّن مفاهيم التفوّقية العرقية اجتماعيا كمفاهيمٍ تكوّنت بغرض تبرير التمييز والاستعباد. ولكن، بينما يفهم الماركسيون والماركسيات أن كل أشكال الوعي متأصلة في الكيان الاجتماعي، وأن العنصرية العرقية، مثلها مثل كل الإيديولوجيات، تكوِّنها الوقائع المادية، يعتقد العديد من أصحاب نظرية البياض أن العنصرية العرقية، في الغالب، لا تقيّدها هذه القيود. كون العنصرية العرقية، وفق اعتقادهم، ظاهرة سيكولوجية ثقافية، فهي تسير باستقلالٍ تام عن النظام، وأي فكرة تقول بلعب الطبقة الحاكمة دورا معينا في صيانتها وتطويرها تُضرَب عرض الحائط وتوصم بالحتمية الاقتصادية الفجّة.

يقول ديفد رويديغر، وهو على الأرجح أكثر المنظّرين تأثيرا في هذا المجال، إن «أدبيات الماركسيين/ات البِيْض في الولايات المتحدة عملت على ‹تطبيع› البياض وتسطيح العرق أيضًا». ولكي يبرز أهمية النقطة، يُكمل رويديغر قائلا:

فكرة أن العرق صُنِعَ تماما إيديولوجيًّا أو تاريخيًّا، بينما الطبقة ليست كذلك، كثيرًا ما تُستخلص في فكرة أن الطبقة (أو «الاقتصادي») حقيقيةٌ أكثر من العرق أو أكثر منه أساسية أو قاعديّةً أو أهمية في كلٍ من الصعيد السياسي وفيما يتعلق بالتحليل التاريخي.

عوضا عن إلقاء لوم التحريض على العنصرية العرقية على تجّار العبيد وملّاك المزارع وعلى كامل الصرحيْن الإنتاجي والمالي وصرح الدولة المستند عليهم، يزعم رويديغر أنها نتجت عن الطبقة العاملة الناشئة، ويقول إن الحِرفيين الأمريكيين-الأوروبيين في القرن التاسع عشر، لخوفهم من أن يُدفَعوا إلى الاسترقاق والكدح بواسطة الرأسماليين ومصانعهم، بدأوا بتعريف أنفسهم كـ«رجال أحرار» بِيْض، مقابل أولئك العبيد السّود المكبّلين بالأغلال. هذا «البياض» عاملٌ حاسم هنا لإرسائه أساس العنصرية العرقية. وبذلك يزعم تيم وايز أنّ معنى أن تكون أبيضًا هو:

تعريف أنفسنا سلبيا، موفّرين لأنفسنا هوية متأصلة في الخارجي، أي: متأصلة في الاضطهاد النسبي للآخرين…اللا مساواة والامتياز هما المكونان الحقيقيان الوحيدان للبياض…بدون الامتياز العرقي، ليس هنالك بياض، وبدون البياض، ليس هنالك امتياز. معنى أن تكون أبيضًا هو أن تكون صاحب امتياز.

يقول رويديغر إنه يستند في تحليله على المؤرخ والناشط العظيم ويب دو بويس. في كتابه الصادر عام 1935 حول فترة إعادة الإعمار التالية للحرب الأهلية الأمريكية، سعى دو بويس لتفسير سبب انتصار العنصرية العرقية على التضامن العمالي ما بين الأعراق، موضّحًا ما أسماه بـ«الأجر السيكولوجي» المدفوع للعمال البِيْض:

مُنِحوا [أي: العمال البِيْض] احتراما عاما وألقابَ ملاطفة لأنهم بِيْض. سُمِح لهم الدخول إلى المرافق العامة، والحدائق العامة، وأتيحت لهم أفضل المدارس على نحو مجاني، يشاركونها مع كافة طبقات البِيْض. جُنِّد جهاز الشرطة من صفوفهم، والمحاكم، كونها معتمدة على تصويتهم، عاملتهم بليونة مُعتبَرة كي لا تحفز على الفوضى.

يستشهد رويديغر بهذه الفقرة ولكنه يتعمد إساءة استخدامها كي يعير ذاته بعض المصداقية. كانت النقطة الفاصلة لدى دو بويس هي أن أرباب العمل هم من دفعوا الأجور السيكولوجية لتقسيم العمال. ففي النهاية، من غيرهم بإمكانه منح هذا النوع من «الامتيازات» التي يتحدث عنها دو بويس؟ الهدف كان توفير تنازلاتٍ صغيرة للعمال البِيْض من أجل جعلهم يعتقدون أنهم متفوقون على غير البِيْض، وبالتالي، استراتيجيًّا، كان غرضها تقسيم كل العمّال، إذ يشير دو بويس قائلًا:

نظرية العرق استُكمِلت بواسطة وسيلة مخططة بعناية ومطوّرة بتريّث، وقد خلقت شقًّا بين العمّال البِيْض والسّود حتى لم يعد هنالك اليوم في العالم على الأرجح فئتان من العمّال تملكان مصالحًا متماثلة عمليًّا وتكرهان وتخافان، رغم ذلك، من بعضهما البعض بعمقٍ وإصرار شديدين، ومبعدتان جدًا عن بعضهما البعض، حتى أن أيًّا منهما لا ترى أي مصالح تجمعها مع الأخرى.

لو أردنا استخداما ملائما على نحو كامل لمفهوم الأجر السيكولوجي الخاص بِدو بويس، سنجده لدى المؤرخ جاك بلوم. يجادل جاك بلوم أن العنصرية العرقية ومحاولة تشريب الفقراء البِيْض بحس انتماءٍ إلى طائفة متفوقة أتت استجابةً لمخاوف الطبقة الحاكمة في الجنوب الأمريكي من انتفاضة شعبية اجتاحت الجنوب في أعقاب الحرب الأهلية، حيث يقول: «قضّ الخوف من فقدان السيطرة مضاجع ملّاك المزارع وخلفائهم، مالكو الأراضي التجار. ففي أغلب هذه الحقبة، كان هؤلاء معرَّضين لهجوم من الطبقات المُخضَعة، واستجابوا لهذا التهديد ببرنامج التفوقية البيضاء ليحفظوا لأنفسهم المكانة العليا».

تضمن «برنامج التفوقية البيضاء» هذا منح مزايا بسيطة لبِيْض الطبقة العاملة، وذلك أثناء تخطيطهم، أي الطبقة الحاكمة الجنوبية، لهجمة على حقوق التصويت، وانتهت تلك الهجمة بإلغاء شبه تام لحق السود في التصويت. وعملت الطبقة الحاكمة هذه على تخويف الناس بشبح هيمنة السّود في كل فرصة تسنّت لهم. ولو كان بِيْض الطبقة العاملة كما يصفهم مناصرو/ات نظرية البياض، فالمتوقع من الفقراء البِيْض أن يرحبوا بمحاولات طبقة ملّاك الأراضي التجار إبعادَ المصوّتين السّود عن صناديق الاقتراع، ولكن ما حدث هو العكس: أغلب المعارضة لتلك الخطوة أتت من المعارضين البِيْض. لماذا؟ لأن العديد من الناشطين/ات في الحركة الشعبوية (Populist Movement) لأواخر القرن التاسع عشر أدركوا أنهم هدفٌ لمحاولات تقييد حقوق التصويت، وبالتالي لم تخدعهم العنصرية العرقية الموظّفة كمحاولة لتضليلهم. وأدركوا أيضًا أن أي فرضٍ لضريبة اقتراع أو شرط ملكية عقار ستعمل على إبعاد الفقراء البِيْض أيضا عن السجلات الانتخابية.

يجد أصحاب نظرية البياض صعوبة في تفسير أي نوع من مناهضة العنصرية لدى الطبقة العاملة، كون هذه المحاولات تبدو في نظرهم وكأنما العمال يتصرفون بما يخالف مصالحهم، سواءً أكانت تلك المصالح حقيقية أم متخيلة. لو كان العمّال البِيْض هم من طوروا نظرية تفوّقٍ تمنعهم بشكل دائم من رؤية العالم بأسلوب واعٍ طبقيا وعابر للأعراق، كيف يمكن تفسير ظاهرة تشكيك العديد منهم، أثناء فترات تصاعد النضال الطبقي، بفكرة التفوقية التي عاش بعضهم مؤمنا بها طوال حياته؟

كلّ إحياء لنضال الطبقة العاملة في الولايات المتحدة خلق معه تحديًّا للتقسيم العرقي، من الإضرابات الشعبية في الثلاثينات حيث ساعد الحزب الشيوعي على استهلال عصر من نقابيّة متعددة الأعراق، إلى الموجة النضالية العمالية الجديدة في أواخر الستينات وأوائل السبعينات، والتي شهدت عمّالا سودًا وبِيْضا، متّحدين في نضالات امتدت من مصانع السيارات مرورا بالموانئ لتبتلع غيرها من القطاعات. لا يمكن لأيّ شخص أن يزعم أن العنصرية العرقية لا تعمل كعائق معتبر للنضال العمّالي، سواءً في الماضي أو الحاضر، أو أن الانتصارات على العنصرية العرقية دائما ما كانت مترسّخة وباقية، ولكن التاريخ يبرهن لنا أنه في مسار النضال، يمكن التغلب حتى على أكثر التقسيمات ترسّخًا. فإن نزعم، كما يزعم مناصرو/ات نظرية البياض، أننا علينا أن استئصال العنصرية العرقية من عقول العمال قبل أن يتمكنوا من تحدي النظام، سيبقينا ذلك عالقين في حلَقة لا منتهية من اليأس.

من يستفيد من الاضطهاد؟

عوضا عن رؤية الاضطهاد كأمر ناتج عن صراع على القوة ما بين أفرادٍ عالقين في تنافس مع بعضهم البعض، تنطلق الماركسيّة من منطلق آخر. ترى الماركسية في الاضطهاد أمرًا ناتجا عن المجتمع الطبقي، تستفيد منه الطبقات الحاكمة، حيث تتقولب الأشكال المعيّنة للاضطهاد بواسطة القاعدة الاقتصادية للمجتمع. لنأخذ مثالا واحدا، أنشأ العنصرية العرقية، بادئًا، ملّاكُ المزارع البِيْض كتبريرٍ لاستعباد الأفريقيين السّود، واستمرت هذه العنصرية بصورة مختلفة جذريا بعد نهاية الاستعباد، وذلك لسببين، أولًا: وفرت العنصرية العرقية تبريرًا مفيدًا للهيمنة الاستعمارية، وثانيًا: عملت كعنصر يصرف النظر عن المسببات الحقيقية للفقر والاستغلال البؤس.

بحثَ عالم الاقتصاد الأمريكي مايكل ريخ في موضوع توزيع الدخل في ثمانية وأربعين منطقة حضرية في سبعينات القرن الماضي، ووجد أنه كلما ازداد الفارق بين مداخيل البِيْض ومداخيل السّود، كلما كان الفارق أوسع بين فقراء البِيْض وأغنيائهم، أي أنه كلّما قسّمت العنصرية العرقية العمّال، كلما استفاد الرأسماليّون. يلاحظ ريخ التالي:

ما تُحدِثه العنصرية العرقية من شقاق يُضعف قدرة العمّال على التفاوض مع أرباب العمل؛ لا تتضمن العواقب الاقتصادية للعنصرية العرقية مداخيل أقل للسّود فحسب، وإنما مداخيل أعلى للطبقة الرأسمالية ومداخيل أقل للعمّال البِيْض أيضًا. رغم أن الرأسماليين قد لا يكونون قد تآمروا عن وعي تام لخلق العنصرية العرقية، ورغم أنهم قد لا يكونون فاعليها الأصليين، فهي، رغم ذلك، تدعم استمرارية بقاء المنظومة الرأسمالية الأمريكية.

إذًا، مع أن الحياة كثيرا ما تكون أشقّ وأصعب جدًا على العمّال السّود مما هي عليه على العمّال البِيْض، فللعنصرية العرقية أثر ضار على مصالح الفئتين. وذلك الأمر صحيح فيما يتعلق بالمعنى المحدود للكلمة، حين نقارن المداخيل والتعليم والإسكان وما إلى ذلك، وأيضا في المعنى الأوسع، لأن العنصرية العرقية تصعّب من إمكانية توليد نضال عمّالي متوحّد وفعّال، حيث تعارض العنصرية التضامنَ الذي يرتكز عليه هذا النضال.

أثناء تحليلنا لأشكال الاضطهاد السابقة لعهد الرأسمالية، بالخصوص اضطهاد النساء، يصبح التعرّف على هوية المستفيد من هذا الاضطهاد أمرًا أصعب، وذلك لأن أنواع الإجحاف هذه كثيرا ما تُعتبر متأصلة ومترسّخة عميقا جدًا في المجتمع حتى أنها لا تظهر وكأنها تنفذ الدور الوظيفي ذاته الذي تنفّذه العنصرية العرقية في خدمة النظام الرأسمالي. وبالتالي هي، وفق هذا الاعتبار، نتيجة أمرٍ أكثر قاعديّةً، مثل البيولوجيا. ولكن اضطهاد النساء لم يكن متواجدا طول التاريخ، بل انبثق مع القدرة على إنتاج فائض طعام، وتقسيم المجتمع التالي لذلك إلى طبقات، ونشأة أشكال عائلة ساعدت على توريث الثروة عبر الأجيال. في أغلب الحالات، أصبحت مجموعة صغيرة من الرجال الأثرياء تسيطر على موارد المجتمع، وهذا بدوره شجّع على نشأة الأبوية في المنازل. إذًا، فالعائلة كانت نتاجًا لنشأة الطبقات، عوضًا عن أن تكون ترتيبًا هرميا قديمًا قدم الزمن طالما كانت النساء فيه مضطهدات.

في ظل المنظومة الرأسمالية، تغيّرت الوظيفة والشكل الذي تتخذه العائلة تغيّرًا جذريًّا كي يصبح دورها الأساسي هو أن تصبح المكان الذي يُخلق فيه الجيل الجديد من العمّال ويربّى. من أجل أن ندرك هوية المستفيد من اضطهاد النساء اليوم، من الضروري فهم الأثر الذي خلفته العائلة الرأسمالية على الأدوار المتصوَّرة لكلٍّ من النساء والرجال. أولًا: يضمن النظام أن تكلفة إعادة إنتاج الجيل القادم من العمّال مُخصخصة، محمّلًا عبء تكلفتها الوقتية والمالية بالكامل تقريبًا على ظهر العائلة، والهجمات الحالية على دولة الرعاية الاجتماعية تضيف على هذا العبء. بما معناه أن النساء بالخصوص يحمّلن على نحو متزايد عبئ العناية بالأطفال، لا بل والعناية بكبار السن والأقارب المرضى أيضًا. ثانيًا: عمل المرأة خارج المنزل تُخصص له أجور متدنية بسبب افتراض كون دورها الرئيس هو دور المعتني بالعائلة. ثالثًا: لا زال الاعتقاد الأوسع انتشارا هو أن مسؤولية الإعالة المالية لوحدة العائلة تقع على عاتق الذكر، مما يسمح للرأسمالية، بالتالي، أن تتنصل من أي مسؤولية وتخلق للرجل وترسخ لديه الخوف من خذلان عائلته في حال فشل في إيجاد وظيفة ليعيلهم من خلالها.

بهذه الطريقة، تعمل إيديولوجيا العائلة كالمبرر المركزي لاضطهاد النساء. رغم حقيقة أن أغلب الناس في بريطانيا، على سبيل المثال، لا يعيشون على شكل عوائل نووية، فإضفاء صورة مثالية على هذه الوحدة عنى أنها ما تزال يروَّج لها كطريقة العيش المرغوبة والأكثر «ملاءمةً للطبيعة».

يجب أن يكون واضحًا أن كلًا من العنصرية العرقية واضطهاد النساء يعملان في مصلحة النظام الرأسمالي، ولكن لا يترتب على ذلك أن الماركسيات/ين يرون أن كل هذه الانقسامات ناتجة عن تخطيط الطبقة الحاكمة بصورة تآمرية. بالطبع، بعض المنتمين لتلك الفئة، مثل أباطرة الإعلام، منخرطون بوعيٍ تام في تصعيد الانقسامات، ويسعون عمدًا لتشتيت الانتباه عن الأسباب الحقيقية للمشقة التي تعاني منها الطبقة العاملة، ليلوموا أناسًا لا شأن لهم في إحداثها. ولكن بصورة عامة، لا تنشط الإيديولوجيات المسببة للخلاف بطريقة مصممة بعناية، فبالنسبة لبعض النخب الحاكمة، يعكس إشعالهم نيران الاضطهاد تعصّبًا مترسخًا لديهم ورثوه من الأجيال السابقة من طبقتهم، وللبعض الآخر، تصرفاتهم مبنية على انتهازيةٍ خالصة.

هذه الأفكار تنفْذ في نواحي المجتمع وتنشط بمقدار معين من الاستقلال عن القاعدة الاقتصادية، ولكن هذه القاعدة الاقتصادية، في الوقت ذاته، تقيد هذه الأفكار. وفي ذلك الشأن يكتب فريدريك إنجلز:

التطور السياسي والقانوني والفلسفي والأدبي والفنّي، وغيرهم، كلهم يستندون على التطور الاقتصادي. ولكن كل هذه الأمور تتفاعل مع بعضها البعض، وتتفاعل أيضا مع القاعدة الاقتصادية. لا يعني ذلك أن الموقع الاقتصادي هو المُسبّب والفاعل الوحيد، بينما كل شيء آخر ليس سوى سبب مفعول به. هنالك، بالأحرى، تفاعل على أساس الحاجة الاقتصادية، والتي، في آخر المطاف، تفرض نفسها دائمًا.

ولكن ماذا عن التناحر والغيرة، لا بل والعصبية الصريحة أيضا، التي نجدها لدى العديد من العمال اليوم؟ يزعم تيم وايز أنه «قبل أن يصبح أي تعديل معتبر في النظام الطبقي ممكنا، يتوجب علينا أن نهاجم العنصرية البيضاء ونلغيها بمقدار معتبر». ولكن قوله هذا يخلق حجّة مستديرة: لا يمكن للعمّال البِيْض التصرف لتغيير المجتمع لأنهم أكثر عنصريّةً من أن يقوموا بذلك، ولكنّهم بهذا المقدار من العنصرية لأنهم لم يتمكنوا من تغيير المجتمع. إجابة ماركس على هذه الحجة هي إن النضال بإمكانه أن يلعب دورا حيويا في كسر خناق الأفكار الرجعية وتحويل المجتمع. ولأن الرأسمالية تجبر العمال على الكفاح من أجل أبسط الأمور، حتى أساسيات الحياة، فهي تنتج نضالاتٍ طبقية تمتحن الأفكار وتوضحها. على سبيل المثال، يستحيل فهم كيفية تراجع العنصرية ضدّ السّود والآسيويين في بريطانيا، من ثمانينات القرن الماضي فما بعد، دون النظر إلى النضالات المصيرية التي سبقت ذلك في مقرات العمل والمدارس والمجتمعات. هذه المعارك شجعت العمّال السّود والبِيْض على الاتحاد في النشاط، إذ كان ذلك أحيانا حول قضايا اقتصادية بالحصر، وكانت نتيجة ذلك أن أجبِر العديد من البِيْض المؤمنين سابقًا بالصور النمطية العنصرية على إعادة النظر فيها. بالنسبة لماركس، يحمل النضال أثرًا «تطهيريًا»، حيث يقول:

تنسى العقيدة المادية فيما يتعلق بتغير الأوضاع والتربية أن الأوضاع خلقها البشر، وأنه من الضروري تعليمُ المعلّم ذاته.  يتوجب على هذه العقيدة، بالتالي، تقسيم المجتمع إلى جزأين، أحدهما متفوق على المجتمع. لا يمكن لصدفة تغيُّر الأوضاع وتغيُّر النشاط الإنساني والتغير الذاتي أن تُتَصوّر وتُفهم عقلانيًا إلا كنشاطٍ ثوري.

يرى الماركسيون/ات النضال كأرض خصبة يمكن فيها تحدي جميع الأفكار المتخلفة المحيطة بنا، بشرط أن يكون هنالك أفراد ومجموعات عازمة على هذا التحدي.

الماركسية والاضطهاد

كثيرًا ما يزعم معارضو ومعارِضات الماركسية أن النظرية تختزل كل شيء في مسألة الطبقة وبالتالي لا يمكن لها أن تساعدنا على فهم أو مواجهة الاضطهاد، وحتى أن البعض على اليسار الراديكالي يرددون تهمة أن ماركس وإنجلز نظرا للعمال بنظرة شاعرية وقللا من أهمية التقسيمات الموجودة بينهم، ولذلك تقول باتريشا هيل كولينز ساخرة من الماركسيين/ات: «ألا يكفي التضامن الطبقي لإلغاء العنصريتين العرقية والجنسية؟ ألا يمكن للأقليات والنساء رؤية مصالحهم الطبقية الحقيقية؟!».

لو كان هذا هو موقف الماركسيات/ين الحقيقي، لرأيناهن يتجاهلن نضالات التحرر، معاملاتٍ إياها كملهياتٍ عن ضرورة النضال الطبقي، ولكن ما نراه في سجلهن التاريخي هو العكس: دائمًا ما انخرط الماركسيون/ات في عمق هذه الكفاحات، منذ الحركات الأولى لنساء الطبقة العاملة في شرقي لندن، حيث لعبت إيلينور ماركس دورا مهما، إلى الدور الذي لعبه الحزب الشيوعي ضد الفصل العنصري في الجنوب الأمريكي أثناء سنوات الكساد الكبير، وحتى الحركة الشعبية في بريطانيا ضد قانون بند رقم 28 المعادي للمثليين في الثمانينات الذي سُنّ في ظل حكومة ثاتشر.

والماركسية ذاتها، كنظرية، لا تتجاهل الاضطهاد أيضًا. أي قراءة خاطفة لكتابات ماركس وإنجلز ستبرهن أنهما نظرا للشوفينية والعصبية، بحق، كسرطان في حراك الطبقة العاملة، سرطانٌ تطلّب جُلّ اهتمام المنظمات الاشتراكية. كتب ماركس واصفا العنصرية العرقية المعادية للإيرلنديين في القرن التاسع عشر: «هذه العداوة هي سر عجز الطبقة العاملة الإنكليزية رُغم تنظيمها. هذا هو السر الذي من خلاله تحافظ الطبقة الرأسمالية على قوتها وسلطتها. وهذه الطبقة الرأسمالية واعية لذلك تماما».

وقبل حصول النساء على حق التصويت في بريطانيا، جادل ماركس (مستخدما، أحيانا، مصطلحات زمانه غير الملائمة) لإدخالهن بهن في قيادات منظمات الطبقة العاملة دوليًّا، كاتبًا: «أي شخص يحمل معرفة ولو بسيطة بالتاريخ يعلم أيضا أن الثورات الاجتماعية الكبرى مستحيلة دون تثويرٍ أنثوي. التقدم الاجتماعي يمكن حسابه بدقة بالموقع الاجتماعي للجنس الناعم». ومع تقيؤ الجرائد البريطانية هراءً عنصريًا حول التمرد الهندي الدموي لعام 1857 ضد الاستعمار البريطاني، دافع ماركس عن المتمردين وأساليبهم، حيث كتب: «هنالك في التاريخ البشري ما يسمى بالجزاء، وأحد قواعد الجزاء التاريخي هو أنه أداة لا يصيغها المتضرِّر، بل المعتدي ذاته».

صحيحٌ أن الماركسيات/ين يركزن على الطبقة، رُغم إدراكهن أن المكانة، أو الخلفية، الطبقية للفرد لا تتغلب دائمًا على جندره أو عرقه أو جنسانيته في طرق قولبة هذه الأمور لأوجه لحياته، ولكن الماركسيات/ين يقمن بذلك لسببين رئيسيين. أولًا: التحليل الطبقي ضروري لفهم جذور الاضطهاد، أي: فهم كيفية حدوثه وظروف نشأته وأسباب استمراره. يساعدنا التحليل الطبقي أيضًا على معرفة لصالح من يسير الاضطهاد المعني، وكيفية ارتباطه بالنظام الرأسمالي ككُل. تطوير منهج كهذا يتيح للماركسيين/ات تجنب الوقوع في المزالق الرئيسية التي تقع فيها المحاولات الأخرى لتفسير الاضطهاد، والتي تميل لرؤيته إما كنتيجة لقلة التعليم أو قلة التدريب الملائم، أو كشيء فطري ومنقوش بيولوجيًّا في أدمغتنا. ثانيًا: التحليل الطبقي ضروري كونه يحدد موقع المشكلة داخل النظام، بدلًا من الأفراد، وتحديده هوية قوّةٍ بإمكانها إسقاط النظام، وبالتالي يحمل هذه النوع من التحليل الإمكانية الفعلية الوحيدة لإحداث تغييرٍ جوهري ودائم. يقول الماركسيون/ات إن الرأسمالية بالإمكان إسقاطها، وحين تسقط، سترحل معها كامل حمولة الأفكار الرجعية التي يتكل عليها النظام.

مرّت الأفكار المهيمنة المتعلقة بالعرق والجندر والجنسانية بتحوّلاتٍ ضخمة في العقود التالية للحرب العالمية الثانية، ولكن هذه التغيرات، التي كانت في كل الحالات تقريبًا تغيّراتٍ إلى الأفضل، لم تحدث عن طريق الصدفة أو من خلال تطور تدريجي، وهي بالتأكيد لم تحدث بسبب عبور موجة تنوير في عقول الطبقات الحاكمة. بل كانت هذه التحولات نتاج الحاجات المتغيرة للرأسمالية ونضالات الناس لتغيير العالم الذي يعيشون فيه.

جادل ماركس أن الطبقة العاملة هي المجموعة الوحيدة في المجتمع الممتلكة كلًا من القوة والمصلحة المادية في الإطاحة بالمجتمع الحالي وخلق عالم جديد. وفِهَم ماركس الطبقة كعلاقة اجتماعية تتواجد باستقلالية عما إذا كان الناس يعرّفون أنفسهم كجزءٍ منها. إن نظرنا لها بهذه الطريقة، فالطبقة تختلف اختلافا جذريا عن التصنيفات التي يخلقها الاضطهاد، والطبقة العاملة لا يجب أن تُعتبر مجرد فئة مضطهدَة إضافية تُضاف إلى قائمة الفئات المضطهدة.

أحد النتائج الرئيسية في رؤية العمال يكسرون ارتباطهم الشوفينية هو أنه بإمكان من يواجهون الاضطهاد أن يروا في هؤلاء العمال حلفاء محتملين، عوضا عن منافسين وأعداء، مما يصعد من احتمالية تكوين نضالات موّحدة. وهي وحدةٌ لربما بدت مستحيلة قبل ذلك بوقتٍ قصير.

استراتيجيات نظرية الامتيازات وتداعياتها

أين تصل بنا نظرية الامتيازات فيما يتعلق باستراتيجيات التغيير؟ أحد الإيحاءات الضمنية لرؤية العالم ككيانٍ مبني على امتيازات غير مستأهلة هو أن «أصحاب الامتياز» يتوجب عليهم أن يُقرّوا بامتيازاتهم وأن يتنازلوا عنها. أنظر مثلا إلى مسألة فرق الأجور ما بين الرجال والنساء. هذا ما سمته عالمة الاجتماع ريوين كونيل وغيرها بـ«نصيب الفحولة» (masculinity dividend)، الفوائد غير المستأهلة التي يراكمها الرجال، زعمًا، لمجرد كونهم رجالًا. وتقول الكاتبة الصحفية في الغارديان آلي فوغ إننا يجب علينا أن نكف عن النظر للنساء بصفتهن تتقاضين أجورا أقل من استحقاقهن (underpaid) مقارنة بالرجال، وأن ننظر للرجال، عوضًا عن ذلك، بصفتهم يتقاضون أجورا أكثر مما يستحقون (overpaid) مقارنة بالنساء.

هل يتوجب على الرجال إذا أن يخفضوا من أجورهم لصالح المساواة؟ لو بدى هذا الأمر بعيد الاحتمال، يجدر بنا التذكير بأن هذا هو المنهج ذاته التي اتخذته العديد من السلطات المحلية في بريطانيا لتمويل مطالب المساواة في الأجور لصالح أقل عاملات المجالس أجرا أثناء خلافات الوضع الواحد التي حدثت ما بين عام 2005 و2007. لم تقم السلطات بذلك من أجل تحقيق العدالة، بالطبع، وإنما لتوفير المال، ولكن هذه الحالة تعمل كمذكرة عملية حادة: مسألة مساواة الأجور يجب أن يُنظر لها كمسألة طبقية لمنع أرباب العمل من التلاعب بفئة ضد الأخرى.

يتّفق أغلب واضعي/ات نظرية الامتيازات على أن «أصحاب الامتياز» لا يجب أن يُدعَون للتنازل عن امتيازاتهم. ولكن سبب اتفاقهم هذا ليس اعتقادًا بالحاجة لتضامنٍ أوسع، بل إيمانهم بأن الامتياز ليس شيءً يمكن التخلص منه. وعلى حد تعبير مايكل كيمل: «مثلما لا يمكن للإنسان التوقف عن التنفس، ليس بإمكانه التنازل عن امتيازاته». هذه النظرية نظريّةٌ تشاؤمية جدًا: مثلما لا يمكن للفرد التنازل عن امتيازه، ليس بإمكانه تجنّب التواطؤ في اضطهاد الآخرين. كل ما يمكن للبشر أن يطمحوا له هو تحقيق مقدارٍ أكبر من الوعي بماهية «امتيازاتهم» ومحاولة سنّ تشريعات ضد أسوء تمظهراتها أو السعي للحد منها.

هنالك مفارقة في فكرة أننا لا يمكن أن نتنصل من «امتيازاتنا»، وأن أفكار الفرد وتصرفاته تنبع مباشرةً من موقع «امتيازه» أو «مهانته»، إذ أنها تبدو وكأنها تردد صدى فكرة ماركسية، فكرة أن «الوجود يحدد الوعي». ولكن هذا المنظور الاختزالي والحتميّ للغاية لكيفية تشكّل الأفكار الاضطهادية، كما رأينا، أبعد ما يكون عن الماركسية. أولًا، «وجود» الشخص في الفكر الماركسي لا يمكن اختزاله في مجموع أنواع الاضطهاد التي يعاني أو لا يعاني منها. ثانيًا، هنالك طيفٌ متنوع من الأفكار في المجتمع، والمضطهَدون جزءٌ من هذا المجتمع، وليس هنالك ارتباطٌ مباشر بين الأفكار ومستوى الاضطهاد الذي يواجهه الفرد. أفكار الناس ليست ثابتة، فإن كانت كذلك، لم نبذل جهدًا في الجدال والتنظيم السياسي وما إلى ذلك؟ ثانيًا، ليس الناس أشياءً مفعولًا بها غير فاعلة، بل البشر، نحن البشر، نؤثر في العالم المحيط بنا ونتفاعل معه. وبصورة أخص، تجبر الخصومة الكامنة في قلب الرأسمالية الناسَ على المقاومة، خالقةً أوضاعاً تغيّر فيها الإرادة البشرية لا العالم المحيط بها فقط، وإنما الناس أنفسهم.

تعبّر نظرية الامتيازات أيضًا عن نوع من النخبوية: يُنظر لنا جميعًا كأفرادٍ مكبَّلين بأفكار اضطهادية وتحيّزاتٍ فطرية لا يمكن الهروب منها، باستثناء المنظِّرين أنفسهم، إذ تمكّنوا من الوصول إلى درجة من الوعي الذاتي المتنوّر. ومن يرون فينا جميعًا سجناءَ امتيازاتنا غير المستحَقّة لا يمكن أن يأملوا سوى إقناع أقليّة منا على إدراك امتيازاتهم. وعلى هذا النحو، ورغم مظهرها السطحي كنظرية متأصلة في الواقع المادي، تنهار نظرية الامتيازات إلى المثاليّة، رائية في الأفكار العامل الحاسم. ولهذا السبب تركيزها الرئيسي هو التعليم والتوعية.

هذا المنهج يحتوي العديد من العوامل المشتركة مع الليبرالية: تركيزٌ على تعليم الأفراد وواجب أخلاقي للسعي نحو العدالة، دون إيمان بإمكانية تجاوز اللا مساواة والتغلب عليها بصورة تامة (بِفرض أن ذلك لا يعني محو الرجال أو البِيْض أو الغيريين على الأقل).

يركّز جزءٌ كبير من أدبيّات نظرية الامتيازات ليس على تحدّي الآخرين وحسب، بل ومعه تحدّي الذات أيضًا. وحتّى كاتبةٌ لديها علم تاريخيٌ واسع مثل باتريشا كولينز نرى أنها تزعم قائلةً: «التغيير يبدأ من الذات، ويتوجب دائمًا أن تكون علاقاتنا مع المحيطين بنا الموضع الرئيسي للتغيير الاجتماعي».

ليس هنالك إشكالٌ، بالطبع، في النقد الذاتي للأفراد حول تصرفاتهم وتعاملهم مع الآخرين، ومن الجيد تحدّي جميع مظاهر التصرفات والممارسة والمصطلحات الاضطهادية. ولكن الكفاح ضد تقسيماتٍ منهجية ضخمة مثل العنصرية العرقية والجنسية والهوموفوبيا لا يمكن أن يتّكل على التأمل الذاتي لعدد من الأفراد التقدميين/ات.

وهذه الدعوات ليست دعواتٍ جديدة. حيث كتب أمبالافانر سيفاناندن قبل عشرين عامًا مشيرًا لمخاطر المناهج المركّزة على المجال الفردي ومجال العلاقات الشخصية: «عن طريق إضفاء طابع شخصي على القوة، يعمل مفهوم ‹الشخصيّ أمرٌ سياسيّ› على إضفاء طابع شخصي على العدو: عدوّ الأسود هو الأبيض مثلما عدوّ المرأة هو الرجل. وكلّ البِيْض عنصريّون عرقيًّا مثلما كل الرجال عنصريّون جنسيًّا».

تميل نظرية الامتيازات إلى اختزال الجدل السياسي في مناشداتٍ أخلاقية ومشاعر شخصية، كثيرًا ما تكون فيها هويّة قائل الشيء أكثر أهميّةً مما يقوله. وهذا أحد الأسباب كون مفهوم الامتيازات يضرّ، أحيانًا، بالمناظرات ويقع في خطر تركِ تصرّفات اضطهادية دون عقاب. إن تحدّث شخص أو تصرف بطريقة عنصريّة عرقيًّا أو جنسيًّا، من الأفضل بالتأكيد أن نتحدى ذلك التصرف عن طريق شرح أسباب كون ما يقوم عنصريّ عرقيًا أو جنسيًا، وذلك يحمل طابعًا تثقيفيًّا أكثر، ولجميع الأطراف المعنية، من الاكتفاء بتعزية ذلك التصرف إلى تعبير تلقائي لموقعه الجندري أو العرقي أو الجنساني «ذو الامتياز»، وما إلى ذلك.

وحتى حين يبتعد مناصرو/ات نظرية الامتيازات عن التركيز الدؤوب على الأفراد وينخرطون في حملات أوسع، يحافظون على إصرارهم على أن «أصحاب الامتياز» لا يمكنهم، في الغالب، إلا أن يلعبوا دورًا مساعدًا للمضطهَدين. تقول فرانسيس كيندال، على سبيل المثال، أن هدف تفقد امتيازاتنا وكبحها هو أن نصبح «حلفاء» متمكنين من بناء «علاقات أصيلة» مع من لا يشاركوننا امتيازاتنا.

هذا التركيز على تغيير الأفكار في ذواتنا وفي غيرنا قبل أن يصبح شنّ تحدٍّ معتبر للتفاوتات البنيوية الأوسع ممكنًا يمثل فهمًا معكوسًا للأمور. أغلب الناس المنخرطين في كفاحٍ ما، سواءً أكان ذلك من أجل حقوقٍ في مقر العمل، أو من أجل إيقاف حرب، أو ضد العنصرية العرقية أو الجنسية، أو غيرها من الحملات، يدخلون في ذلك الكفاح حاملين معهم خليطًا من الأفكار المتناقضة. قد يكونون قابلين ببعض الأفكار الرجعية، ورافضين لبعضها الآخر. وأثناء النضال من أجل التغيير، بالتحديد، يتعلم أغلب الناس أفكارًا جديدة حول كيفية سير الرأسمالية، وأثناء ذلك أيضًا يمكن هدم افتراضاتٍ وتحيّزاتٍ قديمة. وذلك لأنّه، أثناء الصراع من أجل التغيير، تدخل تجارب الناس المباشرة في تصارعٍ حاد مع المنظور العام الذي تروج له مؤسسات الرأسمالية.

الامتياز والتقاطعية

مفهوم «التقاطعية» مفهومٌ شائع جدًا في أوساط واضعي/ات نظرية الامتيازات. ولبّ التقاطعية هو إدراك أنّ الأفراد والفئات الاجتماعية يمكن لها أن تواجه عددًا من أنواع الاضطهاد، ويمكن اعتبار هذا المفهوم مقاربةً لمسألة صور تأثير أنواع الاضطهاد المختلفة على بعضها البعض، وكيفية تقاطعها.

مفهوم التقاطعية ونظرية الامتيازات ليسا الشيء نفسه. ولكن هنالك تداخلٌ كبير: يستخدم العديد من واضعي/ات نظرية الامتيازات مفهوم التقاطعية لتفسير كيف أنه يمكن للبعض أن يكونوا «ذوي امتياز» في بعض النواحي ويواجهون اضطهادًا في نواحي أخرى. على سبيل المثال، تكتب كورتني مارتن في «ذا نيو ستيتمن» أنّه عندما كتبَت بيغي ماكنتوش قائمة «الامتيازات اللا شعورية» الخاصة بها، «بدأت بالتفكير بصورة تقاطعية (وفي حالتها، ليس فقط حول كونها امرأة، بل كونها امرأة بيضاء غيريّة)». بعبارة أخرى، أدركت ماكنتوش أنّ النساء لا تتشاركن جميعًا المكانة الاجتماعية ذاتها، فمكانة النساء تعتمد أيضًا على الطبقة والعرق والجنسانية، وهلم جرًّا.

وبصورة مماثلة، يميل مناصرون رئيسيون لمفهوم التقاطعية لاستخدام مفهوم الامتياز ليبرهنوا أنّ الفئات التي تواجه العديد من أنواع الاضطهاد تواجه أيضًا تهميشًا في ظل النضالات الأوسع. وبالتالي تكتب كيمبرليه كرينشاو أنّ النسّاء السّود تُهمِّشهن النساء البِيْض ويهمّشهن أيضا الرجال السّود: «يعمل التركيز على المنتمين لأكثر الفئات امتيازًا على تهميش من يتكبّدون أعباءً عدّة».

تزايد تأثير مفهوم التقاطعية كإطارٍ لفهم الاضطهاد، وبذلك أصبحت عبارة «إمّا أن تكون نسويّتي تقاطعيّة أو ستكون هراءً!» شعارًا منتشرًا في الأعوام الماضية على شبكة الإنترنت في أوساط بعض المدوّنات/ين النسويّات/ين. وهذا المفهوم شائع في أوساط الناشطين/ات الشباب، إذ نرى، على سبيل المثال، أن المجلس الطلابي لجامعة إيدنبرغ صوّت مؤخرًا لصالح تصنيف اتحاد الطلاب كفضاءٍ يتبنى النسوية التقاطعية. وشهدنا نموًّا ضخما، في السنوات الأخيرة، في الأبحاث والكتابات الأكاديمية الزاعمة توظيف منهجٍ تقاطعيّ أو الزاعمة كونها تدرس «التقاطعات» الأكثر هامشيّةً في المجتمع. نقاش هذه الأدبيات بأكملها يخرج خارج نطاق بحثنا، ولكن، سنحاول أن نشرح ونقيّم بعض أفكار مفهوم التقاطعية المهمة، بالخصوص فيما يتعلق بكيفية توظيفها في أوساط الناشطات/ين وكيفية تفاعلها، أو، إنجاز القول، تقاطعها، مع نظرية الامتيازات.

تسير التقاطعية على مستويين، الأول: مستوى الوصف. هذا الدور الوصفي يشكّل، بعدة طرق، الوظيفة الرئيسية لمفهوم التقاطعية. بالتحديد، ترفض التقاطعية المنهج «الجمعي» لتعدد أنواع الاضطهاد. إذًا، فالاضطهاد الذي تواجهه امرأة سوداء لا يمكن أن يُفهم بمجرد جمع العنصرية العرقية مع العنصرية الجنسية. فالتقاطع المعين لهذين النوعين من الاضطهاد يخلق شيءً أكبر من مجموع أجزائه. فالأفكار العنصرية العرقية، على سبيل المثال، تسير من خلال صور نمطية مجندرة (gendered) محدّدة لا تتعلق فقط بمعنى أن تكون أسودًا بصورة عامة، بل بالمعنيين الخاصّين لأن تكون رجلًا أسودًا، أو امرأة سوداء.

ثانيًا: كثيرًا ما يعكس مفهوم التقاطعية، بالخصوص وِفق استخدامه الحالي بواسطة الناشطين/ات، نظريّة حول علاقات القوة تتبنى إطارًا مشابهًا جدًا لإطار نظرية الامتيازات. سنعود لهذه المسألة بعد إلقاء النظر بإسهاب أكثر على جزءٍ من تاريخ مفهوم التقاطعية وبعض أفكاره الرئيسية.

عادةً ما يُنظَر لمفهوم التقاطعية كمفهوم منشؤه هو أواخر الثمانينات وأوائل التسعينات، حيث صاغته إمّا الباحثة القانونية الأمريكية كيمبرليه كرينشاو أو الباحثة الأكاديمية الأمريكية باترشيا هيل كولينز، ولكن الأفكار المركزية لمفهوم التقاطعية تعود إلى أدبيّاتٍ أقدم كتابتها نساءٌ سود في الولايات المتحدة انتقدنَ حركة النساء في السبعينات والثمانينات وحركات تحرّر السود انتقادًا حادًا بسبب تجاهل هذه الحركات وإقصائها التجارب المعنية بالنساء السّود. شكّلت هذه الأدبيات ما عُرِف لاحقًا بمسمى النسوية السوداء، وكوّنت هذه الأدبيات موضوع وعنوان بحث باتريشا كولينز الريادي، «فكر النسويّة السوداء» (Black Feminist Thought). نشأ المفهوم، بالتالي، كطريقةٍ لفهم مكانة النساء السود والاضطهاد الذي واجهن، ولكنّه أُخِذ منذئذٍ ووُسِّع لمحاولة فهم الارتباط بين أنواعٍ متعددة من الاضطهاد.

النسوية السوداء وجذور التقاطعية

كانت نشأة النسوية السوداء استجابةً للطبيعة الخاصة بحركة النساء الأمريكية. نشأت حركة النساء في وقتٍ متأخر عن حركاتٍ أخرى مثل حركة الحقوق المدنية وحركة القوة السوداء والحركة المناهضة لحرب فيتنام، وشُكِّلت، في جزءٍ كبير منها، كردّ فعلٍ تجاه العنصرية الجنسية التي واجهتها العديد من الناشطات في داخل تلك الحركات. على عكس بريطانيا، نشأت حركة النساء في أمريكا في أوضاعٍ كان اليسار الاشتراكي فيها ضعيفًا للغاية، وعضوية النقابات المهنية منخفضة، وحتى المنظمات الإصلاحية العامة غائبة. وفي هذا السياق، ورغم سياساتها الراديكالية الأولية وأثرها الشعبي، أصبحت حركة النساء بحلول منتصف السبعينات ضيّقة للغاية ومحافِظة في قاعدتها الشعبية ومنفصلة عن النضالات الأوسع. وهذا الضيق هو ما عزز الأساس للنظريات القائلة بأن كلّ الرجال يضطهدون كل النساء.

صاغت نسويّاتٌ سود انتقادًا حادًا لما زعمته القابعات في مركز الحركة بأنهن يمثلن كل النساء. وأشرْن، بالخصوص، إلى أن الحركة عكست هموم وتجارب النساء البِيْض من الطبقة الوسطى على حساب إقصاء الأخريات. وعلى حد تعبير أودري لورد:

غالبًا، في حركة النساء اليوم، تركز النساء البِيْض اليوم على اضطهادهن كنساء ويتجاهلن الاختلافات في العرق والتفضيل الجنسي والطبقة والعمر. هنالك زعمٌ بتجانس التجارب، ملبّسٌ بكلمة «أخوية نساء» (sisterhood) غير موجودة في الواقع.

كانت النسويّات السود محقّاتٍ بشأن ذلك بعدة أوجه. أصبحت حركة النساء مبنية غالبًا على شريحة من نساء الطبقة الوسطى، أغلبها من البِيْض، وهموم هؤلاء النسوة ووسائلهن عكست ذلك. ولكنّ العديد من النسويات السّود عمّمنَ، خطأً، استنادًا على تجربتهن في حركة النساء ليرين تاريخًا مستمرًا ومتواصلًا لكلّ الناشطات النساء البِيْض يقمن، في أفضل الأحوال، بتهميش النساء السود، وفي أسوئها يلعبن دورًا فاعلًا في العنصرية العرقية ضدّهن.

لم تكن كل النسويات البِيْض قابلاتٍ بفكرة أن حركة النساء الأمريكية تجاهلت مسائل العنصرية العرقية والإمبريالية، فالعديد من هؤلاء الناشطات دخلن حركة النساء من نضالاتٍ ضد حرب فيتنام وانخراطٍ سابق في حركة الحقوق المدنية، وبالتالي جلبن همومهن هذه معهن إلى حركة النساء. في أوائل طلوعها، كانت الحركة ناشطة ضد الحرب وتظاهرت ضد ملاحقة الدولة واضطهادها حزب الفهود السود. رفضت الناشطة الأمريكية ليس فوغل، على سبيل المثال، فكرة أن النسويات تجاهلن مسائل العرق والطبقة حتى الثمانينات، وتؤكد أن بعض السياسات العامة الأولية ضاعت مع انهيار وانحسار الحركات الاجتماعية الراديكالية مع نهاية السبعينات. بعبارة أخرى، كانت المشاكل في حركة النساء متعلقة بالسياسات وليس بامتياز النساء البِيْض.

النص الأكثر شيوعًا في اعتباره أساسًا لما سيُعرف لاحقًا بالتقاطعية، وهو يدخل ضمن أدبيات النسوية السوداء، هو تصريح عام 1977 لـ«جماعة نهر كومباهي» (Combahee River Collective)، إذ يحوي تصريحهن بعض المواضيع الرئيسية للتقاطعية:

أكثر التصريحات عمومًا لسياساتنا في الوقت الحاضر هو أننا ملتزماتٌ بالنضال ضد الاضطهاد العرقي والجنسي والغيري والطبقي، ونرى في تطوير تحليلٍ وممارسة مدمجتيْن مهمتنا الخاصة، وذلك بناءً على حقيقة أن منظومات الاضطهاد الرئيسية متداخلة ومتشابكة.

وتسْهبن قائلاتٍ إن ما يحفزهن للتنظيم بانفصال هو تجربتهن في حركات التحرر الأوسع وتجربتهن مع «يسار الذكر الأبيض»، فمنها شخّصن الحاجة إلى «تطوير سياساتٍ مناهضة للعنصرية العرقية، بخلاف سياسات النساء البِيْض، ومناهضة للعنصرية الجنسية، بخلاف سياسات الرجال البِيْض والسّود».

يبدو تصريحهنّ، ظاهريًا، راديكاليًا جدًا، إذ يشير، على سبيل المثال، بأن «تحرّر كل الفئات المضطهدة يتطلب تدمير الأنظمة السياسية الاقتصادية الرأسمالية والإمبريالية ومعها الأبوية». ولكن سياساتهن كانت انتقائية على أقل تقدير، ومتناقضة جدًا في الواقع. وبذلك يُشرِن أنهن «في اتفاقٍ جوهري مع نظرية ماركس [الاقتصادية]»، ولكنهن ينهين حديثهن باقتباسٍ مستحسن لفقرة من النص النسوي «أخوية النساء قويّة» (Sisterhood is Powerful) الداعية بالتالي: «لا أملك أدنى شك بعدم إمكان الرجال البِيْض الغيريين أن يلعبوا دورًا ثوريًا، إذ أنّهم التجسيد ذاته لمصالح القوة الرجعية الراسخة». وبينما قد تكون هؤلاء النسويات السود قد انتقدن اهتمامات وتشكيلة حركة النساء الأوسع، لا يعني ذلك أنهن رفضن أساليبها بالضرورة. وبالتالي ركّزت جماعة نهر كومباهي على المجموعات الدراسية ورفع مستوى الوعي، وانقسام الجماعة حول مسألة الجنسانية عكس جدالاتٍ حول الانفصالية والهوية الممكن رؤيتها في الحركة الأوسع.

تتمحور النسوية السوداء، كفكر، حول عدد من المواضيع، ولكن ذلك لا يعني أن هذا الفكر فكرٌ متلاحم. وذلك ليس مفاجئًا، فمجرد كون الإنسان أسودًا وأنثى لا يحدد آراءه السياسية. ولكن هنالك محاولة، مثلًا في كتاب «فكر النسوية السوداء» الخاص بكولينز، لتقديم هذه الأفكار ككتلةٍ متلاحمة. وتصرّح كولينز أنها تبالغ في التركيز على ذلك التلاحم لغاياتٍ سياسية. هنالك في الواقع العديد من المناظرات المهمة بين شخصياتٍ رئيسية في هذا التراث. بينما تشارك بيل هوكس، على سبيل المثال، العديد من النسويات السود الانتقاد الحاد لحركة النساء، فهي ترى في قرار جماعة نهر كومباهي للتنظيم بانفصال كنساءٍ سود كخطوةٍ رجعية تهجر، في الأساس، ساحة النضال.

ولكن كان للنسويات السود ما يبرر انتقادهن لحركة النساء. والماركسيات/ون أيضًا ينتقدون فكرة وجود «أخوية نساء» غير متمايزة في داخلها تتشارك فيها كل النساء مصالح مشتركة. والإطار الذي تتبناه بعض النسويات/ون، والذي يفترض وحدة كل النساء، يخلط بين المصالح المختلفة للنساء المنتميات لطبقاتٍ مختلفة. بالطبع، كل النساء يعانين من اضطهاد النساء، ولكن نساء الطبقة الحاكمة بإمكانهن توظيف ثروتهن لتخفيف بعض أوجه العنصرية الجنسية. وفيما يتعلق بتحدي النظام ككل، لدى كل نساء الطبقة العاملة مصلحة في تحدي النظام، بينما تملك المنتميات للطبقة الحاكمة مصلحة في الحفاظ عليه كمصدر لثروتهن.

وصحيحٌ أيضًا أنه لا توجد وحدةٌ تلقائية بين المضطهَدين/ات، وأن بعض النسويات/ين لعبن دورًا رجعيًا فيما يتعلق بفئات مضطهدَة أخرى. خذ بعين الاعتبار، مثلا، الدور الذي لعبته العديد من نسويات التيار العام في فرنسا وخارجها في الدعوة ضد حقوق النساء المسلمات في لبس الحجاب. ولكن هذه المسائل كلها مسائل سياسية، أي أنها متعلقة بكيفية فهمنا لطرق سير الاضطهاد والاستغلال. وهي لا تمثل، كما يفترض البعض، الجريان غير الواعي للامتياز.

كيف يمكن للتقاطعية أن تفيد استراتيجياتنا؟

أنتجت مجموعة الأدبيات المعروفة بمسمى النسوية السوداء كتاباتٍ مذهلة ومستحوذة على الاهتمام زادت من فهمنها لعناصرٍ تاريخية، من ضمنها العبودية. كتبت أنجيلا ديفس وبيل هوكس وغيرهن كتاباتٍ شاملة جديرة بالاعتماد في هذا الموضوع، وغيرها من المواضيع حول النضال من أجل حق النساء في التصويت وتحليل المخيلة الجنسانية العنصرية عرقيًا. والمنهج المسمى اليوم بالمنهج التقاطعي نافعٌ جدًا في حقل السياسات الاجتماعية من أجل الوضع بعين الاعتبار، مثلما تفعل كرينشاو، الحاجات المعنية بالنساء السّود وغيرهن من نساء الأقليات الإثنية. فعن طريق التقاطعية يمكن أن نسأل، على سبيل المثال: ما هي العوائق الإضافية التي قد تواجهها النساء المهاجرات في محاولة الوصول إلى خدمات التصدي للعنف المنزلي؟ ولكن، ما يبدو أن التقاطعية تقوم به هنا، كما أشارت لاورا مايلز في مقال آخر، هو مجرد «وصفٍ للواقع»، أي أنها تبقى على مستوى الوصف.

الوصف مهمٌّ، بالطبع، فمن النافع الحصول على فهمٍ أفضل لآليات تجارة العبيد، وذلك لأن التاريخ يؤثر على الحاضر. ومن المفيد أن نفهم كيفية تزامن عرقنة المخيّلة العنصرية الجنسية، وكيفية جنسنة المخيلة العنصرية العرقية أيضًا، لأن ذلك من الممكن أن يساعدنا في فهم كفية جريان الأيدولوجيا الاضطهادية. ولكن ذلك الفهم، بحد ذاته، ليس كافيًا.

التقاطعية، كمفهوم، مجذوبة باتجاهين متعاكسين. تعكس شعبيتها الحالية، بأوجهٍ عدة، الرغبة بوحدةٍ أكبر. العديد من النسويات/ون وغيرهن من الناشطات/ين يؤكدون «تقاطعيّتهن/م» للتوضيح بأنهن يرغبن بسياساتٍ غير إقصائية، سياساتٌ مدركة للتجارب المختلفة، وبالخصوص، أن تكون النساء السّود مرحبًا بهن. هذا الخطوة خطوةٌ إيجابية بالتأكيد، بالخصوص لمن عانين منا من سنوات طويلة من سياسات هوية تقسيمية وأخلاقوية.

ولكن التقاطعية لا تتضمن بالضرورة رفضًا لسياسات الهوية أو مفاهيم القوة الما بعد ماركسية. توضح كرينشاو جليًا، على سبيل المثال، أنها ترى التقاطعية، بصراحة، كمحاولة لصهر النضالات المناهضة للاضطهاد مع عناصر ما بعد الحداثة.

واقعًا، مجمل إطار التقاطعية متوقف على مسألة الهوية. تقول جماعة نهر كومباهي، على سبيل المثال، إن «أكثر السياسات صدقًا، ولربما أكثرها راديكاليّةً، تنبع مباشرة من هويتنا، خلافًا للعمل على إنهاء اضطهاد فئة أخرى». السياسات التقاطعية، إذَا، عرضة لمخاطر التشرذم والتقسيم الأخلاقوي ذاته الذي عانت منه أشكالٌ سابقة لسياسات الهوية.

يشارك مقدارٌ من هذا المنهج مع نظرية الامتيازات وسياسات الهوية تركيزًا على التجارب الشخصية كمفتاحٍ للفهم، ولذلك بإمكان كولينز أن تزعم:

إن المصفوفة الشاملة للهيمنة تأوي فئاتٍ متعددة، لدى كل منها تجاربٌ متنوعة مع الإعاقة والامتياز، تُنتِج منظوراتٍ جزئية مقابِلة لهذه التجارب…ليس لدى أي فئة واحدة زاوية رؤيةٍ واضحة. ولا توجد فئة واحدة تمتلك النظرية أو المنهجية التي تسمح لها باكتشاف «الحقيقة» المطلقة.

يوحي بعض المؤلّفِين/ات والناشطين/ات بأن العيش المحض في تقاطعات الاضطهاد يشكّل، بحد ذاته، مقاومة. ولكن للعديد من الآخرين المعتنقين/ات مفهوم التقاطعية، ليس الهدف مجرد وصف الاضطهاد، بل النضال من أجل تحدّيه. يتحدث العديد من الكتّاب والكاتبات والناشطين/ات عن بناء الائتلافات، ليس فقط من أجل تحدّي الأفراد، بل من أجل السعي وراء تحقيق العدالة الاجتماعية. تشاركهم الاشتراكيّات/ون هذه الأهداف وهذه النضالات. ولكن التزامًا مشتركًا بأهدافٍ مشتركة لا يلغي الحاجة لفهمٍ أفضل لماهية ما نكافح ضده أو للتناظر حول استراتيجيات المقاومة.

أحد القيود الرئيسية للتقاطعية هو أنها منهجٌ يرضى بالبقاء على مستوى التجربة، عوضًا عن محاولة فهم مصادر أشكال الاضطهاد المتقاطعة التي تصفها. خلافًا لذلك، المنهج الذي بيّنه ماركس يتضمن تجاوز الإدراك الوصفي التجريدي لتعقيدات الحياة ويتجه إلى إيجاد ما أسماه ماركس بـ«أبسط المحدِّدات»، وفي هذه الحالة، يعني ذلك تحديد مصادر الاضطهاد داخل المجتمع الطبقي. ولكن الصورة لا تنتهي عند هذا الحد، فالماركسيّات/ون يتوجب عليهن أخذ هذه الرؤى المكتسبة عن طريق الإدراك النظري وتطبيقها على الواقع المادي، أي ما يسميه ماركس بـ«الصعود من المجرّد إلى المادي». ومن هذه الناحية، بإمكاننا فهم مصادر الاضطهاد، ويمكننا أيضًا، بفهمنا هذا، أن نحصل على فهمٍ أفضل لصور تشكّل تجارب الناس في ظل الرأسمالية.

تنبع نقطتان أخريتان من منهجية ماركس. أولًا، يؤكد ماركس على وجوب رؤية الظواهر المنفصلة سطحيًا كجزءٍ من كليّة المجتمع، وبالتالي، أشكال الاضطهاد وتجاربه لا يمكن فهمها بانعزالٍ عن مسألة أوسع، وهي مسألة كيفية جريان المجتمع. ثانيًا، دائمًا ما يكون المادّي تاريخيًا. يعني ذلك، فيما يتعلق بالاضطهاد، إدراك كون أشكال الاضطهاد المختلفة والتجارب المعيّنة للأفراد تتغير مع مرور الوقت. على سبيل المثال، أدخلت التغيرات البنيوية في الرأسمالية، خلال العقود الماضية، العديد من النساء إلى اليد العاملة في أرجاء العالم، مغيّرةً من طبيعة صور مقاساة النساء اضطهادهن، ومغيّرةً معها إمكانيات مقاومة ذلك الاضطهاد.

تنبع أفكار الماركسية الاستراتيجية من هذه المنهجية لفهم العالم: عن طريق تحديد منابع الاضطهاد في المجتمع الطبقي، يمكننا رؤية الإمكانيات البنيوية والقوة الكامنة لدى العمّال في ظل الرأسمالية. بينما تشير التقاطعية، محقّةً، لوجود عدد من التقسيمات المترابطة في المجتمع، فهي، مثل نظرية الامتيازات، ترجئ مسألة الطبقة إلى جزءٍ من سلسلة من أنواع الاضطهاد. يغفل هذا الأمر ما تستفرد به الطبقة في ظل الرأسمالية. فهي ليست مصدرًا للاضطهاد وحسب، بل للقوة أيضًا، وهي القاعدة المُحتملة والممكن للناس القادمين من خلفيات متعددة والمعانين من أنواع الاضطهاد المتقاطعة أن يتوحّدوا استنادًا إليها. وصف ماركس الطبقة العاملة بالطبقة العابرة للحدود ليس لأن الجميع في الطبقة العاملة متماثلون، وإنما لأن جميع المنتمين والمنتميات للطبقة العاملة تجمعهن علاقة مشتركة مع الرأسمالية، ومعًا يشكّلن القوة الفريدة التي تملك القدرة على إلغاء المجتمع الطبقي تمامًا.

خاتمة

ليس بإمكان نظرية الامتياز تسليحنا لكفاحٍ هو، في آخره، كفاحٌ مناهض للنظام الرأسمالي بكليّته، وذلك لكون تركيزها الرئيسي لا يقع على النظام بمجمله، بل على التفاوتات ما بين الأفراد. ولكن ضرر هذه النظرية ليس محصورًا في أوجه تضييقها أفق النضال، بل يمتد لكونها قد تقع في خطر إعاقة معاركنا الحالية ضد التحيز والإجحاف والتمييز. خذ مثلًا أحد أهم القضايا التي تواجه اليسار وتواجه كل مهتمٍّ بقضايا الاضطهاد: تشهد بريطانيا موجهة وحشية من إلقاء اللوم على المهاجرين والمهاجرات لما تمر به البلاد من شقاءٍ اقتصادي، وهي موجةٌ حرّض عليها السياسيّون ومعهم الإعلام أيضًا. الطريقة الوحيدة لمكافحة هذا السُّم هو عن طريق نضالٍ يجمع الطبقة العاملة بكافة أطيافها، سودًا وبِيْضًا، وأغلبهم اليوم لا يتعرضون للتعسف الذي يواجهه المهاجرون والمهاجرات بواسطة المحافظين واليمين المتطرف. ولكن نظرية الامتيازات تخبرنا أن العديد ممن نحتاج إلى تعبئتهم متواطئون، بوعيٍ أو دون وعي، مع العنصرية العرقية و«التفوقية البيضاء».

موجة اللوم الحديثة هذه ليست نتيجة «امتيازات» الشعب البريطاني أو البِيْض، بل هي نتيجة حاجات طبقةٍ حاكمة وحشية وانتهازيتها، إذ أنها عازمة على التنصل من المسؤولية لما تسببت به من بؤسٍ اقتصادي. إنّ فهم ذلك يخلق لدينا إمكانية إقناع الآخرين بالحاجة للوحدة الطبقية كأنجع طرق المقاومة. والوحدة الطبقية لن تحدث من تلقاء نفسها، والعديد من المنتمين والمنتميات للطبقة العاملة لا يزالون مقتنعين بالسياسات التقسيمية وبالأكاذيب المنتشرة حول المهاجرين. ولهذا السبب يتوجب أن يكون هنالك صراعٌ حول الفكر السياسي، ليس مع الطبقة الحاكمة وحسب، ولكن، وبصورة حاسمة، مع المنتمين لطبقتنا أيضًا. ولكن كون نظرية الامتيازات تحاول جعل الناشطين/ات البِيْض يشعرون بالحاجة لاتخاذ وضعية الدفاع حول الانخراط في نضالاتٍ ضد العنصرية العرقية، فهي تقع في خطر إبعاد حلفاء محتملين وترك المهاجرين/ات يدافعن عن أنفسهن لوحدهن.

تقف الكفاحات ضد الاضطهاد على تقاطع طرق. فتحت صراعات الأجيال السابقة الأبواب لشريحة من المضطهَدين/ات للتقدم، متّخذين موطئ قدمٍ لهم في الطبقتين الوسطى والحاكمة. وبالنسبة لهذه الشريحة، يُختزَل النضال إلى نضالٍ من أجل المساواة في إتاحة الفرص لطبقتهم/ن، أي أن يُسمح لهم بمقاعد كافية في طاولة الكبار. وبالتالي يمكن أن يكون لدينا رئيسٌ أسود في أقوى بلدان العالم، ومستشارةٌ أنثى، أنغيلا ميركل، في أقوى بلدان أوروبا، وأن يُسمح بزواج المثليين/ات في بريطانيا، وأن يُعتَرف بحقوق المعاقين في القانون، حتى وإن لم يكن ذلك بصورة كافية. وبينما القلّة في الأعلى يحاولون وضع أجندة للنضال تناسب حاجاتهم الخاصة، نرى في الطبقات السفلى للمجتمع أن الاضطهاد والتفاوت الاجتماعي لا زال باقيًا، والحياة تشتد صعوبةً كلما استشرى التقشف. ينتِج ذلك العديد من المناظرات حول كيفية القتال من أجل تحرّرٍ حقيقي، وهي مناظراتٌ يمتلك الماركسيات/ين الكثير ليقدموه فيها. وبالنسبة لبعض ناشطي/ات اليوم، المغزى الرئيسي لنظرية الامتيازات هي أن تعمل كطريق لتأكيد معارضة الاضطهاد. يمكن لهذه النظرة أن تكون نقطة بداية جيدة، إذ أنها تعبّر عن بعض الهموم التي تجمعنا، ولكنها ليست إطارًا يمكن له أن يقدّم النضال إلى الأمام. لدى اليسار مسؤولية كبيرة في مثل هذه الأوضاع، إذ عليه أن يعمل مع الآخرين ليجعل من النضالات ضد الاضطهاد شاملة لأكبر شريحة من الناس ونابضة بالحياة قدر ما يمكن، وعليه أيضًا أن يناظر من أجل سياساتٍ واستراتيجية ناجعة.

المصدر: إنترناشنال سوشالزم جورنال