ثدي، رحم، وَإمراطورية

photo_2016-08-03_09-21-48

شارون جيكوب

غالبًا ما تُفهم عملية الاستعانة بمصادر خارجية على أنها اختراع اخترعته الإمبراطورية الحديثة وحصيلة ثانوية للعولمة. لكن مفهوم استخدام عمال موضوعين في خانة «الآخر عرقيا» ومنتمين إلى طبقة اقتصادية اجتماعية محددة تحت غطاء التطور الاقتصادي والتوسع «الحضاري» مفهوم قديم بقدم الاستعمار نفسه. الأم البديلة المعاصرة التي تعيش وتعمل في الهند ما بعد الاستعمارية تسترق نظرات لنفسها في انعكاس جسد الأمَة والدّاية/الآية[*]. تصبح هؤلاء النساء اللواتي يعشن في الهند الاستعمارية وتستخدمهن الإمبراطورية، زوجات الأصحاب[†] البريطانيات على وجه التحديد، أمهات حاضنات لذرية الإمبراطورية الاستعمارية. وبناءً على ذلك، في حين يمثل رحم الأم البديلة المعاصرة نقطة اللقاء بين الذات والآخر، بالنسبة للأمَة/الآية المستعمِرة، صدرها/جسدها الأسمر هو ما يربط المضطَهد بالمضطهِد، جامعًا بينهما وموحدًا إياهما.

لعبت الأم البديلة المستعمَرة دورًا مهمًا في نمو الإمبراطورية البريطانية، لكن هذا الجسد الأمومي نفسه الذي استخدِم للقيام بوظائف الأم البديلة يصبح موضع شكّ وتوتر وسيطرة دائمين، بسبب تمكّن الآية الكبير من الوصول إلى الرضيع، وإلى جسده ومداركه السيكولوجية النامية. وكما يكتب شادوري: «مع أن الإحساس المطلق بالحاجة إلى المساعدة في تربية الرضّع هو ما أجبر زوجات الأصحاب على توظيف الخادمات الهنديّات، إلا أنهن لم يستطعن التغلب على تحيزهن العرقي. كنّ دائمًا قلقات من العلاقة الحميمة بين الآية والرضيع». عملت قدرة الأم المستعمَرة على الانزلاق بين حواجز العرق والطبقة والجندر، عبر التنقل ذهابًا وإيابًا بين المجال العام والخلوة الخاصة للسلطة الإمبراطورية، على إحداث زعزعة في وعي المستعمِر. تشير إندراني سن إلى أن الآية الأنثى، والمرضعة على وجه التحديد، انتقصت من سلطة زوجة الصاحب في المنزل. تمتعت الآية برابطة حميمية مع الجيل الاستعماري الصاعد الذي تخلت عنه زوجات الأصحاب، لكن بالرغم من هذا، تجلت نقاط ضعف الآية، أي عجزها عن القيام بكل شيء، بوضوح فيما يتعلق بالحضانة. وفي حين كان يُنظَر إلى هذه الشخصيات الأمومية بصفتها ضرورية لنمو الإمبراطورية والحفاظ عليها، إلّا أن وجودها، حسب المنظور الاستعماري، كان يهدد باحتمالية إفساد العقل الإمبراطوري و، تبعًا، إلى تفكك الإمبراطورية.

غالبًا ما قام الأدباء بإخضاع سرديات الأمهات البديلات الهنديات، في الهند المستعمَرة وما بعد الاستعمار أيضًا، لدراسات مستقلة، ونتيجة لهذا، تم في الغالب تجاهل عملية تطور ممارسة الأمومة البديلة في الهند. ولهذا السبب، يسلط تتبّع التاريخ الكامل للأمومة البديلة في الهند الضوء على بعض الروابط بين الأجساد الأمومية في الماضي والحاضر. أحد هذه الروابط التي تتكشّف، كما سنرى، أن كلا الأمهات البديلات تستخدمهن الإمبراطورية ليعملن كحاملات للمستعمِر.

لهذا المقال هدفان. أولًا: يهدف إلى إعادة بناء الشخصية التاريخية للأم البديلة في الهند الاستعمارية. وثانيًا: يحاول إظهار أن تأثير وتبعات الأمومة البديلة في الهند ما بعد الاستعمارية يتم إبرازها عندما تُوضع قبالة «القلق الاستعماري» الذي أشعلته الأم البديلة المستعمَرة. بعبارة أخرى: هذا القلق الاستعماري المترسب يُتَطرّق إليه، ضمنيًّا، تحت ستار التكنولوجيا والتجارة المعاصرة للأمومة البديلة في الهند. تصبح الأيديولوجيا الواقفة وراء تجارة البدائل في الهند أكثر وضوحًا عندما تُقرأ في ضوء صورة الأمهات البديلات المستعمَرات المُستَخدَمات للعب دور أم الإمبراطورية البريطانية.

في المنزل تحت حكم الإمبراطورية: الخاص يقلد العام

ترتكز إعادة رسم تاريخ الأمهات البديلات أثناء حقبة الاستعمار بشكل رئيسي على تجارب أحادية كتبتها زوجات الأصحاب البريطانيات. هذا يعني أنه على الرغم من اعتراف الإمبراطورية بوجود الأمَة/الآية المستعمَرة، إلّا أن صوت الأخيرة مُحي من صفحات تاريخ الهند المستعمَرة، وذلك أمر مؤسف (لكنه ليس مستغربًا). لا يتيح محو الأمهات البديلات الهنديات من النصوص بتأريخ منقوص للأم المستعمَرة، بوصفها موضوع خوف ورغبة في آن واحد، وحسب، بل إنه يظهر أيضًا تفاوت مستوى القوة داخل المجموعة المضطهدَة الواحدة، أي النساء في الميدان الاستعماري. وفي حين قام الرجال الأوروبيون البِيْض بإرساء موقعهم على قمة جميع التسلسلات الهرمية، العرقية منها والجندرية، بصورة جلية، احتلت نظيراتهم من الإناث مساحات أقل وضوحًا: حرصت نظيراتهم على فرض المنظومة الاستعمارية لكنهن خضعن ضمن هيكلية القوى ذاتها التي عملن على فرضها. يصبح الموقع المبهم للمرأة الأوروبية واضحًا حين تتأرجح بين دورها كمضطهِدة ودورها كمضطهَدة. ومن خلال قدرتها التأرجح ذهابًا وإيابًا بين المجالين الخاص والعام، تدخل أدوار زوجة الصاحب هذه عمليةَ إعادة تعريف مستمرة. وإن منزلها الاستعماري هو المكان الوحيد الذي تتحول فيه المرأة البيضاء من زوجة الصاحب (زعيمة سيدة) إلى صاحب (الزعيم الذكر). تصوير زوجة الصاحب بصورة المرأة البائسة المعرضة لمخاطر العالم المجهول، إذ سافرت بعيدًا عن مجتمعها وعما يصاحب هذا المجتمع من ترف صناعي، تصويرٌ يروي نصف تاريخ المرأة المستعمِرة بصفتها جزءً من تاريخ الذكور للاستعمار البريطاني للهند. بعبارة أخرى، دور زوجة الصاحب البريطانية في الإمبراطورية دور مزدوج، فعندما تتأرجح ذاتيتها بين كونها ضحية عاجزة وكونها ديكتاتورًا فاعلًا، تتحول من كونها متمكنّةً من وضع الآخرين في موقع الضحية، ومن يُوضَع هو ذاته في هذا الموقع. يصبح المجال المنزلي بالنسبة لزوجة الصاحب إمبراطورية مصغرة تحكم فيها الخدم المنزليين عبر سلطة إمبراطورية كاملة وغير مشروطة مع تدخّل بسيط، إن وُجد، من زوجها الغائب عن المنزل في معظم الأحيان، وتظلّ، على الرغم من هذا كله، خاضعة لسلطة الذكر الأبيض في المجال العام.

تحمل السرديات الاستعمارية أدلة على خضوع زوجة الصاحب للإمبراطورية في المجال العام. مثلًا، دور زوجة الصاحب البريطانية يُحجّم إلى صورة نمطية في سردية الذكر، حالها كحال الأم البديلة التي جُعلت أهميتها للإمبراطورية غير مرئية. وبهذا، يتم الحط من أهمية زوجة الصاحب البريطانية للأيديولوجيا الوطنية للإمبراطورية. قامَ روديارد كيبلينغ ودينيس كينكايد وسوريش غوش وآخرون بتصوير زوجة الصاحب بصورة المرأة الكسولة وغير الفاعلة التي ينحصر دورها في إيجاد زوج أو شغل دور الزوجة المحترمة، وهذه هي الأصوات التاريخية الغالبة (وإن كانت متخيّلة) فيما يخص هذا الموضوع، لأن الواجبات المنزلية التي كان من الممكن أن تمارِس زوجة الصاحب سلطتها الكاملة عليها غالبًا ما لا يتم توثيقها بأي طريقة رسمية. علاوة على ذلك، تكتسب زوجات الأصحاب البريطانيات سمعة «الانفصالية الاستعمارية». فالجسد الأنثوي الأبيض كان بمثابة إشارة تحذير من خطر التدنيس والفساد، دافعًا «المجتمعات البيضاء نحو تضييق صفوفها، وتحديد حدودها وتمييز مساحتها الاجتماعية». ونتيجة لذلك، تتضاعف جهود حمآية زوجات الأصحاب البريطانيات من الجنسانية السائبة المتخيَّلة للسكان الأصليين، في حين يعاد رسم الخطوط المتعلقة بالعرق والطبقة والجندر، غالبًا بهدف إقصاء غير البِيْض المُشتبَه في رغبتهم انتهاك غنيمة الرجل الأبيض، أي المرأة البيضاء. جنسانية المرأة البيضاء، وفق التصور الاستعماري، مهددة بشكل دائم، كونها تعيش وحيدة في أرض غريبة محاطة بالسكان المحليين.

وبصفتها موضوع «الرمق الأسمر»، تُصوَّر زوجة الصاحب البريطانية بصفتها موضوعًا مرغوبًا عاجزًا تجب حمآية سلامته بأي ثمن. لكن حمايتها تتشابك مع المشاعر القومية والأيديولوجية الإمبراطورية التي ترسم الرجل الأسمر-الأسود بصورة المفترس جنسيًا. جسد زوجة الصاحب الأبيض يصبح موضوعًا عاجزًا ومكشوفًا لرمق الرجل المستعمَر الثاقب والفاعل. يصبح عزل زوجة الصاحب البريطانية عن الرجل المحلي ميزةً أساسية للإمبريالية القومية، وعليه تُرسم المرأة الأوروبية، بجنسنتها بواسطة الرجل الأبيض بطريقة غير مباشرة عبر جنسنته لرغبات الرجل غير البِيْض المُختلقة، بصورة موضوعٍ ضعيف مفعول به، وذلك ليس في حضور نظرات السكان الأصليين وحسب، بل أيضًا بصفة المرأة البيضاء عاجزةً عن التحكم بنفسها. وبالتالي، كما تنوّه آن ستولر، كان أمرًا محتمًا قيام «المستعمرِين الذكور بوضع النساء الأوروبيات في موقع حاملات المنظومة الأخلاقية الاستعمارية المُعاد تعريفها». لكن السؤال الذي يجب أن نطرحه هو، هل إنتاج زوجة الصاحب البريطانية بصفتها عاجزة وقلقة حول جنسانيتها وعيون «الآخر» الشهوانية اقتصَّ لها دورًا دقيقًا تاريخيًا في الإمبراطورية الاستعماري؟

كانت المنازل الاستعمارية في الهند البريطانية تخدم هدفين، فهي لم تحمي النقاء الجنسي لزوجة الصاحب البريطانية وحسب بل أصبحت مكانًا استطاعت فيه زوجة الصاحب ممارسة سلطتها وقوتها الإمبراطورية على السكان المحليين فيما كانت تحاول «محاكاة الإمبراطورية على مقياس منزلي». في الوقت عينه، أتاحت إعادة هيكلة الميدان المنزلي ليحاكي هيكلية قوة الإمبراطورية لزوجة الصاحب التحول من موضوع مفعول به إلى ذاتية فاعلة. بعبارة أخرى، يصبح المنزل الاستعماري مساحة يعاد فيها تموضع الرمق ليتحول مَن كان يومًا «المفعول به المراقَب» إلى «الفاعل المراقِب». عندها، يقوم رمق زوجة الصاحب البريطانية المنتقل بإعادة هيكلة السكان الأصليين التام تهذيبهم وهندمتهم وتغيير مظهرهم لإشباع متعتها البصرية. تفكيك الهندي المحلي يتيح إعادة تركيب هوية هندية جديدة، أي موضوعًا أكثر إنجليزيةً بطبيعته و، تبعًا، أقل تهديدًا للإمبراطورية. وبالتالي، تقع مسؤولية إنتاج موضوعٍ محلي مهندم ومعلَّم ومهيكل وفقًا للأيديولوجية الإمبراطورية على عاتق البيضاء الرقيقة لزوجة الصاحب.

هذا يعني أيضًا أن الفرد المحلي الذي كان في البدء عدوانيًا جنسيًا ويهدد بانتهاك زوجة الصاحب يصبح الآن المفعول به المنتهَك من قبل رمق لزوجة الصاحب الأبيض بعد أن يصبح جسده منضبطًا ليعمل كـ«هندي مُأنجلز». يترتب على ذلك أن تصبح الجدران التي تفصل العام عن الخاص نقطة تحول في دور زوجة الصاحب البريطانية. بعبارة أخرى، المرأة البيضاء، أو الـ«غوري ميم» باللغة الهندية، العاجزة والمتعرّضة للعدوانية الجنسية الخاصة بالرجل الأسمر-الأسود خارج منزلها، تنجز واجبها الوطني نحو الإمبراطورية عبر تحولها إلى ديكتاتور فاعل في منزلها وعبر خلقها نسخًا مُأنجلزة من الهنود المحليين.

لعبت النساء المستعمِرات دورًا مهمًا في دعم الأجندة الإمبراطورية. كان يُنظر إلى عملية إنتاج الأطفال من أجل نمو الإمبراطورية على أنها المسؤولية الرئيسية لزوجة الصاحب البريطانية، وكان يُنظر إلى القدرة على إدارة منزلٍ يحاكي أعمال الإمبراطورية الكبرى بصفتها أمرًا يحمل الأهمية ذاتها. «هناك أبواب يجب إقفالها، وأروقة يجب كنسها دوريًا، وغرف يجب بخرها وتنظيفها من الأوبئة، أطفالٌ (أي سكان محليون) تجب معالجتهم وتعليمهم وكسوهم وتأديبهم، حسابات تجب متابعتها، حدود تجب إعادة رسمها، وأسوار يجب إصلاحها». كما سبق ورأينا، المنزل الاستعماري لم يكن مجرد موقع يخدم هدف حمآية زوجة الصاحب البريطانية، بل كان أيضًا مساحةً سمحت بتحول المرأة الأوروبية من ضحية ضعيفة إلى ديكتاتور إمبراطوري: «العمل المنزلي في المستعمرات غالبًا ما يتم تمثيله كحملة عسكرية/إمبراطورية». تسييس المجال المنزلي يحوّل النساء المستعمِرات إلى حراسٍ للثقافة الإمبراطورية. لكن تصوير المرأة الإنجليزية كروح شجاعة تلبي نداء وطنها بإخلاص يناقض السرديات النصية التي غالبًا ما كانت تصفها كملحق للإمبراطورية الاستعمارية:

ما قيمة الهند دون إنجلترا وما قيمة الإمبراطورية البريطانية دون النساء البريطانيات؟ هؤلاء النساء يستحققن الشكر لا من بلدهن وحسب، بل شكر العالم المتحضر. تنظر المرأة التي وُلِدت في بريطانيا في عين الخطر بشجاعة، وترفع بإخلاص وتضحية معيار الملك-الإمبراطور، معيار الحضارة وخدمة الإنسانية.

وفي نفس الوقت، لا تتوقف مسؤولية زوجة الصاحب البريطانية كحاملة للتقاليد عند تجسيدها للثقافة الإمبراطورية، إنما تكمن خدمتها في قدرتها على نشر وتعليم السكان المحليين طرقَ الحياة الإمبراطورية.

وبناءً على ذلك، يصبح المنزل الاستعماري موقعًا يساعد على حمل عقول أُنتجَت لتتشرب الثقافة الإمبراطورية وتقلدها كما شرح هومي بهابا مفصِلًا. وفي حين يركّز بهابا في عمله على الرجل المقلِّد الذي يمارس «بريطانيته» في المجال العام، عملي يركّز على عملية بناء المرأة/الرجل المتمدنيْن والمُأنجلزيْن المُنتجَان بواسطة زوجة الصاحب البريطانية. حاكى المنزل الاستعماري، الذي يعكس صورة الإمبراطورية البريطانية، هياكل قوتها الإمبراطورية والعرقية عبر ضبط السلوك المستعمِر والسكان المحليين والحفاظ على مسافة بينهما.

تصبح الخطوط التي ترسم الحدود بين المستعمِر والمستعمَر استنادًا إلى العرق والجندر والطبقة، وهي خطوطٌ غير مرئية ولكنها تظل قوية، المقدمة التي يرتكز عليها المنزل الاستعماري، فالميادين المنزلية سعت لمحاكاة الإمبراطورية عبر إعادة إنتاج الثنائيات العرقية وخلق تفاوتات في القوة بين المستعمِر والمستعمَر، فنرى منازل الخدم موضوعةً بعيدًا عن نزل المستعمِرين. تكتب إندارني سين أنّ «المسافة الآمنة» بين أماكن السكن «قامت بعرقنة (racialize) المجمع السكني وعززت التسلسلات الهرمية العرقية الطبقية”. لم تكن غآية الثنائيات العرقية في المنزل الاستعماري فصل الفاعل عن المفعول به فحسب، بل أيضًا رفع المرأة البيضاء التي كانت يومًا أدنى منزلة إلى مقام زوجة الصاحب البريطانية رفيعة المستوى:

كان معنى حقيقة اعتبار النساء الغربيات الجنسَ الأدنى منزلةً للعرق الأعلى منزلة هو أن النسويات كُنّ يراهنّ بالكثير عند محاولتهن مماثلة أنفسهن وقضيتهن بالحماس والسياسة والمجد الوطني-الامبراطوري البريطاني. كان الهدف، بالدرجة الأولى، هو تفكيك البناء الاجتماعي الفيكتوري للمرأة بصفتها «الآخر» عبر تماثلها مع «ذات» الأمَة والإمبراطورية.

لم يعمل التفوق العرقي لزوجة الصاحب البريطانية في السياق الاستعماري على بناء السكان المحليين بصفتهم الآخر «الأدنى منزلة» فحسب، بل برر أيضًا حاجة الإمبراطورية لحمل منظومة المستعمِر الأبيض الأخلاقية إلى المضمار المنزلي. وفي محاكاة الخاص للعام، تُبنى الهوية البيضاء لزوجة الصاحب البريطانية بصفتها الفاعلة، وتُعزَز فرديتها عندما تستخدم سلطتها الإمبراطورية لضبط ومعاقبة السكان الأصليين الواقعين تحت حكمها. وبصفتها خالقة الذاتية الأنجلو-هندية، أي الذات المقلِّدة للإمبراطورية، كان على زوجة الصاحب البريطانية مراقبة أي انزلاقات زائدة قد تؤدي إلى هياج الهندي المحلي. ولحظات الانزلاق هذه، أي تقليدٍ مبالغ فيه للهوية البريطانية أو أي سلوك يجعل من الإمبراطورية تبدو سخيفة أو، لا قدّر الله، غريبة الأطوار، هي ما كان يستدعي تأديبًا وعقابًا صارميْن للسكان المحليين. كان يُنظر إلى الخدم في المنازل المستعمِرين كأطفال يحتاجون لتوجيه زوجات الأصحاب البريطانيات في مهامهم المنزلية. مثلًا، في إحدى المجلدات الاستعمارية لعام 1904 التي حملت عنوان «مدبرة المنزل والطباخة الهندية الكاملة»، تكتب آن فلورا ستيل وغريس غاردينير قائلتيْن:

المهمة الأولى لربة المنزل هي بالتأكيد أن تكون قادرة على إعطاء أوامر مفهومة لخدمها، ولهذا، من المهم أن تتعلم الهندوستانية…

المهمة التالية هي بالتأكيد أن تتأكد من أن أوامرها تُنفذ…«كيف تقوم بذلك؟»…السر يكمن في سن القوانين والالتزام بها. الخادم/ة الهندي/ة طفل/ة على جميع الأصعدة ما عدا العمر…أولًا، يجب ألا تُترك الأخطاء دون عقاب.

يوصَف الهندي المُأنجلز الذي يتحدث لغة المستعمِر على أنه مقلِّد ذكي يتشرب صفات الثقافة «الأفضل» بحماس. في المقابل، توصف محاولة زوجة الصاحب البريطانية تكلم اللغة الهندية على أنها فعل تحتمه الضرورة أو «حفزه اهتمامٌ غير سياسي، جمالي/لغوي بحت في غالب الأحيان بثقافة غريبة». المثال الأفضل على هذا يمكن أن نجده في دليل مود ديڤير الاستعماري للتدبير المنزلي حيث يكتب قائلًا: «لا مشهد يبعث على الشفقة والضحك أكثر من امرأة مغتاظة وعاجزة، ولا يمكن لأي أحد أن يأمل بإبقاء حاشية من دزينة من الخدم تحت السيطرة». بهذا، تصبح اللفة المحلية أداة تُستخدم للتحكم بعقل «الهمجيين» وخلق حالة من الانسجام في المنزل المستعمِرين؛ إنها لغة الضرورة التي تُنطق فقط لتبليغ الأوامر. هذا يختلف عن اللغة الإمبراطورية، لغة الثقافة والتفوق التي تُعلّم للمستعمَرين لتمدينهم وتعليمهم أسلوب الحياة الإمبراطورية.

صَبْيَنةُ الخدم المحليين أدت إلى خلق نظام من العقوبات القاسية والمكافآت. تكتب ستيل وفاردنير: «ولكن سيُسأل، كيف سنعاقب خدمنا في حين لا نستطيع السيطرة على عقولهم وأجسادهم؟ كيف نقوم بذلك حين أنّ قطع مرتباتهم عمل غير قانوني وقليلٌ، لا، بل لربما لا أحد منهم يملك أي إحساسٍ بالخجل؟ الجواب واضح: قم بالسيطرة على عقولهم وأجسادهم». وفي تشبيهه المنزل الهندي بالإمبراطورية الهندية، شبّهَ هذا الدليل زوجات الأصحاب بـ«الموظف الحكومي في الهند». وكجزء من واجبهن، أعطاهن الدليل تعليمات «بالقيام بعمليات تفتيش دورية حول المجمع السكني» و«الإبقاء على تدقيقاتٍ حسابية شهرية» والإبقاء على «حسابات مسجلة تظهر جميع إيصالاتهن ومصاريفهن السنوية» وإدارة خدم المنزل عبر خلق نظام من «ميزان من المكافآت والعقوبات». لكن العقوبات المفروضة على الخدم من قبل زوجة الصاحب البريطانية خلقت تسلسلًا هرميًا بين المحليين. تشير كلٌ من ستيل وفاردنر:

يُعتبر هذا نكتة كبيرة ويصبح المذنب عرضة لكثير من السخرية من زملائه الخدم؛ لدرجة أن الكلمات التالية: «ميمصاحبة تم كو زرور كاستر إيلِ پيلا دينا هوچا» (ستضطر زوجة الصاحب لإعطائك زيت الخروع) غالبًا ما تُسمع من أفواه الخدم الأعلى منزلة عندما يشاغب الخدم الجدد. باختصار، دون وجود أدوات عقلانية وعطوفة من هذا النوع، يجب أن تظل الشكوى الاعتيادية بسبب الرغبة على السيطرة على الخدم أمرًا حقيقيًا حتى يتم تعليمهم بعض نواحي الالتزام بالواجب.

كانت زوجة الصاحب البريطانية تضمن سير أمور منزلها بسلاسة عبر موازنتها العقوبات بالمكافئات المناسبة. تلاحظ مارانغولي جورج بعض الطرق التي اتبعتها زوجة الصاحب لخلق نظام ناجح للمكافآت: «تكمن الحيلة في توظيف الخدم بأبخس سعر ممكن ومن ثم تقديم بعض الإضافات، أي البقشيش، في حال تأديتهم خدمة جيدة». عبر قيام زوجة الصاحب البريطانية بدمج المكافأة والعقوبات، تُعزَّز المنزلة الطفولية للخادم المحلي أكثر. منح المكافآت على شكل بقشيش يفضح، في نظر المستعمِر، الطبيعة الطماعة للخدم المحليين ويعزز الصورة النمطية الاستعمارية للسكان الأصليين كمتوحشين جشعين وشهوانيين يجب السيطرة عليهم عبر العقاب والمكافئات. والمنزل الناجح في المستعمَرة عنى أيضًا أن على زوجة الصاحب أن تتعلم متى ترخي المقاليد المنزلية عبر تجاهل بعض أعمال المحليين، وتشدد السيطرة عبر إعلامهم بأخطائهم: على زوجة الصاحب أن تتعلم «ألا ترى كل ما يمر أمام أعينها؛ فمع المحليين، كما مع الأطفال، فن عدم الرؤية عندما يمارس باعتدال وتروِّي يكون له أثر كبير في الحفاظ على السلم المنزلي». تأديب زوجة الصاحب للسكان المحليين تحت غطاء «تمدين الهندي ليحاكي الإنجليزي» لا يساهم في إنتاج نسخة منزلية من الإمبراطورية فحسب، بل يخفف من حدة القلق «الأبيض» للمستعمِرين الذين يشعرون بتهديد دائم من الإقدام الجنسي للرجل الأسمر-الأسود.

منازل للإمبراطورية: إرضاع الراج البريطاني

في نصها المعنون «المرضعة: للكاتب، القارئ، المعلم، الخاضع، المؤرخ…. » تقوم غايارتي شاكرافورتي سبيڤاك بتفكيك الفئات الصارمة للتاريخ والأدب. تشير سپيفاك إلى القصص القصيرة التي كتبتها ماهاسويتا ديڤي كأمثلة يقوم فيها التاريخ المتخيَّل بالسماح للخاضع بالانتقال بعيدًا عن تصويره كمفعول به تاريخي ليصبح، أخيرًا، الفاعل. تخفي الأمومة البديلة في فترة الاستعمار في الهند الخطوطَ التي تفصل الحقيقة عن الخيال حين تطوف أصوات الأمهات المستعمَرات الضائعة في صفحات التاريخ كشخصيات خيالية في الأدب والأفلام والفن. ونتيجة لذلك، في حين كان استخدام المرضعات في الهند «حقيقة»، إلا أن دخول عالمهن يعتمد بالضرورة على «المتخيّل». تكتب إيدراني سن قائلة: «الكتيبات الطبية بلا استثناء قامت باستثناء “المحلي” من منهجها. فالكتيبات أو الكراسات الطبية التي كتبها أطباء مستعمِرون استعمِلت كإرشادات لمساعدة المستعمِرين على استكشاف تضاريس الشرق الغادرة وغير المتوقعة. إنه أمر صاعق كيف أخفي الهنود في الكتيبات الطبية و”القاطن المحلي” الوحيد المذكور كان المرضعة، المسمّاة بالدآية أو الأمَة».

ومع أن وجود الدآية/الأمَة في هذه الكتيبات بحد ذاته يشهد على وجودهن التاريخي في الإمبراطورية، إلا أن غياب أصواتهن في هذه الكتابات دليل على تهميشهن ومرتبتهن الأدنى منزلة. يتحول جسد المرضعة الهندية بذلك إلى غرضٍ تحت رمق الإمبراطورية، فيُستخدم ثديها لتغذية الرضيع الإمبراطوري والحفاظ عليه، لكن صوتها يُكتَم ويُمحى ويوضع خارج التاريخ للتأكد من أنها لن تحصل على ذاتيتها أبدًا. تكتب سپڤاك: «إن كانت الحاجة لجعل الطبقات الدنيا موضوع تاريخها الخاص قد قدمت، إضافةً إلى أسباب أخرى، دفعًا جديدًا ونقديًا للكثير من الكتابات الحديثة حول التاريخ والمجتمع الحديثيْن للهند، فنصٌ حول (عدم) إمكانية “جعل” الجندر الأدنى موضوع سرديته الخاصة يبدو لي أمرًا ذو أهمية كبيرة». نتيجة لذلك، تسمح المرضعة الهندية التي تظهر في القصص الخيالية، مثل: «مرضعة ديڤي وهنري ميري شيروود الصغير وحاملته ولوسي ودايتها»، لهؤلاء الأمهات المتخيلات أن يكن الموضوع الفاعل لتاريخهن الخاص. إذًا، يبدو لي أنه من أجل الاعتراف بهؤلاء الأمهات المستعمَرات كموضوعاتٍ تاريخية فاعلة وإخراجهن من مواقعهن الثانوية، علينا، كما تقول سپيڤاك، السماح «للتاريخ والأدب بمقاطعة بعضهما البعض نقديًا والجر ببعضهما البعض نحو الأزمات».

باختصار، جسد المرضعة الهندية الذي تمت غرضنته وإسكاته ومحوه من التاريخ الكولونيالي، يظهر مجددًا في الأدب من خلال صوتها الذي يقاطع نقديًا خيالنا ما بعد الاستعماري لنصبح قادرين على تخيلها بصفتها الموضوع الفاعل لقصتها الخاصة.

كما سبق ورأينا، الأمومة في الإمبراطورية الاستعمارية كانت توضع عند «مركز…بناء الإمبراطورية». عنى ذلك أن الإنجاب كان يُصوَّر على أنه «مسؤولية قومية وإمبراطورية وعرقية» تحملها المرأة. لعبت زوجة الصاحب البريطانية، بصفتها موّلدة الأسلاف المستقبليين للإمبراطورية، دورًا أساسيًا في حفظ القوة الإمبراطورية. ولأن إنجاب زوجة الصاحب البريطانية كان مسعى أكثر خطورة في أرض غريبة خارج بريطانيا، زاد الإنجاب من قلقها. كان المستعمِر يرى الهند أرضًا غرائبية وخطيرة أيضًا، حيث يكمن خطرها في تمثيلها الموت المحتمل للجسد البريطاني. فالحرارة المقرحة للمناطق الاستوائية، مثلًا، تصبح موضوع خوف وخلاف عندما تكتسب شخصيتها الخاصة في الكتابات الاستعمارية. وكما لاحظ إدوارد جون تيلت، «باستطاعتنا غزو الهند، لكننا نخضع في وجه مناخها». إضافة إلى ذلك، يشير تيلت إلى الآثار الوخيمة للمناخ على صحة النساء بتسليطه الضوء على «تأثير ملاحظ على الأعضاء التناسلية للنساء البريطانيات» اللواتي يسكنّ الهند، مقترحًا أنهن يصبحن عرضة للإجهاض خصوصًا «خلال الفصل الحار». وفي الوقت الذي كان يزعم فيه البعض أن الحر يهدد وجود زوجة الصاحب البريطانية ويأثر على قدرتها على الحمل، أشار آخرون إلى حسنات المناخ الاستوائي على الرضّع البريطانيين بشكل خاص. تشير إحدى زوجات الأصحاب البريطانيات قائلةً: «من نواحٍ عدة، الهند بلد أكثر صحة للأطفال الصغار مقارنة ببريطانيا. فما أندر حالات الالتهاب الشعبي والخناق وأي مرض رئوي، و، عمومًا، ما أقل حالات اضطرابات الرضّع من الحصبة السعال الديكي». إلا أن هذه الرؤية جابهها كتّاب آخرون ظلوا مقتنعين بأن المناخ الهندي يحمل آثار وخيمة على صحة النساء ويهدد وجودهن.

وإلى هذا المناخ جاءت النساء البريطانيات اللواتي أصبحن منفصلات عن آليّات الولادة أكثر من أي وقت مضى بحكم التقدم الذي شهده طب التوليد الغربي. غياب الطبابة الغربية عزز صورة الهند كأرض متخلفة تؤمن بالخرافات وبررت العلاقة المبنية على تفاوت القوة. هذا «التفوق المرن» للغرب على الشرق شيّد السلطة على منحدر زلق تطلّب دفاع المستعمِرين عنها. بعبارة أخرى، عجزُ الغرب عن السيطرة على مناخ وأوبئة الشرق عنى أن سلطتهم لم تكن مرنة فحسب بل هشةً أيضًا وفي حاجة دائمة للحذر والحمآية. تنكشف هشاشة الإمبراطورية البريطانية هذه عندما تُناقَش مواضيع وفاة حديثي الولادة الرضّع والأمومة الاستعمارية في الهند. ولهذا السبب، يصبح حفظ الحياة الأوروبية في المناخ الاستوائي المستعمَر، متشابكًا مع حمآية العرق المستقبلي الإمبراطوري، مهَمَة أساسية لكلا من الإمبراطورية وزوجة الصاحب البريطانية.

رؤية الهند كأرض تحمل رمزية الموت والدما، مُهدِّدة بذلك وجود المستعمِر، كان يجب مجابهتها بنظرة من الداخل: شخص ينتمي إلى المستعمِرين والمستعمَرين في آن واحد. تصف جريدة «الرائد» (The Pioneer) الأنجلو-هندية والصادر في القرن التاسع عشر دور الآية (المرضعة/المربية) كالتالي: «الآية تملّس الأسطح الخشنة للحياة في الهند…الخدم يرون سيدتهم من خلال الآية…والسيدة ترى الخدم مأنسَنين من خلال غرائز الآية المفهومة والأنثوية». قدرة الآية على عبور الحدود بين الذات والآخر بسلاسة تجعل منها مشهدًا/موقعًا للقلق الاستعماري.

تُبنى الأمومة الاستعمارية عبر علاقة جدلية تحرَّض فيها الأمهات (أم هي جزءٌ من الإمبراطورية، وأم من أجل خدمة الإمبراطورية) ضد بعضهما البعض. وفي حين يُنسَب الفضل إلى زوجة الصاحب البريطانية في حمل وإنجاب مستقبل الإمبراطورية، المرضعة الهندية هي المسؤولة عن نمو وتغذية الموضوع الأبيض. في اقتباس عن مصدر يحمل عنوان «دليل منزلي للأمهات في الهند»، يكتب شادهوري: «في حين كان الأطباء ينتقدون استخدام القابلات الهنديات، لم يترددوا في التوصية باستخدام المرضعات الهنديات بشدة، إذ يقولون: لا يمكن لأي رضيع أن ينمو بجودة نمو الأطفال المُطعَمين بواسطة هؤلاء النساء». الرضيع الإمبراطوري «الضعيف» كان بحاجة لمرضعة هندية لضمان بقائه على قيد الحياة. وفي ذات الوقت، يصبح فم المستعمِر الزهري/الأبيض وهو يمص الثدي الأسمر للمرضعة الهندية موقعًا/مشهدًا تقلب فيه التفاعلات بين المستعمِر والمستعمَر علاقات العرق والقوة والتفوق حين تنشأ علاقة تكافلية بين الذات والآخر.

توجّب وضع الحلمة السوداء المُسمّرة التي تربط المستعمِر بالمستعمَر في مدى رمق الإمبراطورية الأبيض من خلال الطب الغربي. فقبل توظيفها، تخضع الآية لمعاينة مفصلة لجسدها. في قصتها الخيالية «المُرضِعة»، تتخيل ماهاسويتا ديڤي جسد الآية في عملية تحوّل إلى كائن إنسان-حيواني مقدس: «السيدة هالدير [سيّدةُ المُرضِعة جاشودا] تؤمن أنه كلما أكلت هذه البقرة أكثر، كلما درّت كمية أكبر من الحليب. مكانة جاشودا في المنزل أصبحت الآن أعلى بقليل من منزلة البقرات الأمهات. أبناء السيدة يصبحون تجسدًا لبراهما وينجبون ذرية. جاشودا تحفظ الذرية». وفي حين تربط ديڤي بوضوح جسد جاشودا بالبقرة، الحيوان المقدس الذي يعبده ويقدسه المجتمع الهندي، وتهدد علنًا بهدم العوائق التي تفصل الإنسان عن الحيوان، يظهر هذا الرابط بطريقة أقل وضوحًا في الكتيبات الطبية للأطباء المستعمِرين.

تكتب سين، مقتبسة من مؤلَّف جوزيف إيوارت «نصائح چوديڤ للعنآية العامة بالأطفال في الهند في غياب النصح الاحترافي، قائلًةً: “نصح چوديڤ أن عليها [أي الأمَة] أن تملك “جلدًا ناعمًا أملسًا…هيكلًا مغذى، ونظرة صافية، ولسانًا نظيفًا، وشهية جيدة”…وشدد أيضًا على وجوب أن تكون “معتدلة في عاداتها فيما يتعلق بالأكل والشرب والتدخين”». معاينة الأمَة لا تنتهي بمعاينة جسدها عن كثب بل تمتد المعاينة إلى أولادها: «على الأمَة أن تبدو يافعةً ومعافاة وعلى ولدها أن يبدو سمينًا وبصحة جيدة». وفي ذات الوقت، حمل الأمَة كان يعنى إبقاء علاقة الأم الهندية والطفل تحت المراقبة الدقيقة للتأكد من أن الثدي الأسمر المُستخدَم لإطعام الموضوع الأبيض التابع للإمبراطورية لا ينحرف اهتمامه نحو إرضاع الطفل المحلي. بل وأضف على ذلك أن التوتر الاستعماري الذي كان قد أُطلق في وجه الأمَة وطفلها، يُعاد توجيهه الآن نحو ثدي المرضعة الهندية، أي المصدر الذي ينتج الحليب للإمبراطورية.

ثدي المرضعة الهندية المستَعمَر يُصبح موقعًا/مشهدًا للمعاينة الدقيقة الحذرة من قبل الأطباء الغربيين وهم يقترحون أنه «من المفضل أن يكون ثدي الأمَة منتفخًا وممتلئًا وصلبًا…بحلمات ذات حجم وطول مناسبين». إضافة إلى الثدي، يخضع الحليب الذي تنتجه المرضعة أيضًا للمعايير الاستعمارية: «على حليبها أن يتدفق بحرية عندما تُعصَر الحلمة بلطف كما يجب أن يكون ذا لونٍ مائل إلى الزراق، وينتج كريمة سخية عندما يُجمع ويُترك ليبرد في الهواء الطلق». بُرّرَت المعاينة الطبية للمرضعة عبر قيام الإمبراطورية بتسليط الضوء على ما وصموها به من سلوكٍ جشع ومتلاعب. حذّر الأطباء المستعمِرون الأمهات من «الممارسات الخادعة المنتشرة التي تنتهجها المرضعات الجديدات كتقديم أطفال آخرين أصحاء على أنهم أطفالهن أو عرض صدورهن الممتلئة بالحليب بعد الامتناع عن إفراغها من الحليب لساعات قبل المعاينة وما إلى هنالك». نصح بعض الأطباء زوجات الأصحاب بحمآية أنفسهن من الأمَات المخادعات عبر تقديم الحل التالي لهن: «في جميع الحالات، يجب على الأمَة أن تضع مقدار نصف كأس نبيذ من حليبها في معاينتها الأولى بحضور السيدة، مع صب الانتباه بأكمله في حينها نحو طبيعة التدفق».

وفي حين كانت المرضعة تصوَّر بصفتها حاجة أساسية للإمبراطورية، إلا أنها صُوِّرت كخادمة استُغِّلت أهميتها داخل الإمبراطورية. كانت زوجات الأصحاب البريطانيات تتذمرن بسبب المطالب «الوقحة» للمرضعات اللواتي بدأن بالمطالبة برفع أجورهن ثم تحولت هذه المطالب إلى مضاعفات طائفية (caste) للأمَة مما عطّل أعمال المنزل الاستعماري أكثر فأكثر. من إحدى رسائل ميمصاحبة:

الأمَة امرأة طائفتها وأهوائها طاعون حياتي: أنا مضطرة على إبقاء طباخ خاص بها لأن طعامها يجب أن يحضره شخص من طائفتها، وحتى عندها ستقوم في بعض الأحيان بتجويع نفسها طول النهار بدل أكله إن راودها شك بأن أحدًا آخر اقترب منه: لديها منزل في المجمع مبني من أوراق جوز الهند بهدف طبخ طعامها داخله.

في معظم الحالات، انتمت المرضعات إلى الطوائف الدنيا للمجتمعات الهندوسية أو المسلمة. لكن توظيف مرضعات من طوائف دنيا أو أديان مختلفة لم يحل تعقيدات نظام الطوائف. تشير إيمّا روبيرتس، مؤلفة إنجليزية كانت قد سافرت إلى الهند وكتبت سنة 1835 كتابًا يحمل عنوان «مشاهد وخصائص هندوستان»، إلى نقطة مفادها أن المُرضِعات المسلمات اتبعن التحيزات الطائفية التي كن قد «اكتسبنها من نظيراتهن الهندوسيات». إضافة إلى هذا، اشتكت روبرتس من أن هؤلاء المرضعات يستعملن حجة «التدنيس من لمس الرضع الأوروبيين لاستخراج المزيد من الأموال الإضافية التعويضية لشراء إرجاعهن إلى ملّتهن». من المهم الإشارة إلى أنه على الرغم من أن طلبات الأمَة سمحت بتصويرها كخادمة متلاعبة ومستبدة، إلا أن قدرتها على التفاوض على شروط توظيفها تعطي القارئ لمحة عن استقلاليتها النسبية داخل المنزل الاستعماري.

بعبارة أخرى، تصبح أمُّ الإمبراطورية من الرضاعة الأم التي تحلبُ الإمبراطوريةَ لقاء خدماتها. عبر إدراك أهمية حليبها للإمبراطورية، تبني الأمَة مساحتها الخاصة ضمن المنزل الاستعماري عبر ممارسة حريتها في التفاوض على شروط استعبادها. الحقيقة أن العجز الذي أحست به زوجات الأصحاب يعكس القيمة الكبيرة لما وفرته الأيات لهؤلاء الدخيلات اللواتي اخترن الإقامَة على التراب الهندي، تحت تأثير المناخ الهندي والجمارك والبنى التحتية. من المهم أن نشير إلى أنه في حين أشارت تلاعبات المرضعات الهنديات إلى «حريتهن» في التفاوض على دورهن في الإمبراطورية، إلا أن «استقلالهن» لا يمكن الاعتراف به دون الاعتراف بالواقع الصعب الذي جعل من أثداء هؤلاء النساء، في ظل تحكم الاقتصاد الاستعماري، أغراضًا يدفعنها ثمنًا للتحرر. باختصار، جعل أثداء المرضعات «مواضيع مغرضنة» سمح بتحرير جزئي لهؤلاء النساء.

الحليب الذي تنتجه الأجساد المغرضنة للنساء المحليات يصبح القوة المحركة للإمبراطورية، لكنه يأتي على حساب الرضّع الهنود الذين يولدون لهؤلاء المرضعات المحترفات. في نقاشها لنص «الحياة» للسيدة ماري شيروود، تشير جويس چروسمان إلى أن تحوّل حليب الأيات نحو مستهلك آخر عنى أنه غالبًا ما كان أطفالهن يعانون من سوء تغذية أو يموتون حتى. قصة ماهاسوييتا ديڤي عن «المُرضِعة» تلعب على مفهوم «الثدي المستعار». البطلة تعيد تعريف ثدييها كأغراض ذات قيمة، محولة إياها إلى موضع للربح الاقتصادي. وجاشودا، امرأة من الطائفة البراهمية، تستخدم ثدييها أداةَ عملٍ تطعم بها أطفال الأسياد. تكتب ديڤي، «كانت جاشودا تعمل كأم، كانت أمًا محترفة، فجاشودا لم تكن أمًا مبتدئة كبنات وزوجات سيد المنزل. العالم ملكٌ للمحترفين». ولا تكتفي جاشودا بقبول دور المحترفة الأمومية بكل سعة صدر فحسب بل يصبح هذا الدور أيضًا وسيلة لبناء أمومتها بصفتها كاملةً ومصدرًا للفخر. هذا التحول أمرٌ نظّرت عنه سپيڤاك: حين يُرى الجسد أو جزء منه على أنه يحمل قيمة، يتم أولًا تأليهه ثم تسليعه. فائض الحليب الذي تبيعه جاشودا ومرضعات هنديات أخريات لأولاد الإمبراطورية/الأسياد يدمج أثدائهن بالاقتصاد الاستعماري عبر وضعهن في علاقة مباشرة بين الطلب والعرض.

أحد مصادر الراحة عند زوجة الصاحب البريطانية فيما يخص المرضعة كان وجود هذه الأخيرة لوقت قصير في المنزل الاستعماري. فغالبًا ما يترافق استخدام أم بديلة كوسيلة للنجاة مع قلق يهدد بتلويث «الذات الاستعماري». مثلًا، في حكآية «هنري وحامله»، يقوم بديل ذكر يدعى بوزي بالاهتمام بهنري. يكتب چروسمان: «مع أن لقب بوزي كـ”حامل” يشير إلى أنه العتال الذي يحمل المِحفة، إلّا أنه في واقع الأمر يشرف على العنآية بهنري». العلاقة الحميمة بين الطفل البريطاني والوالد البديل الهندي تصبح مصدرًا قلقٍ دائم عند الأم البريطانية، ويصبح هذا القلق حيًّا بطريقة مخيفة عندما تبدأ زوجة الصاحب برؤية بوزي مخنّثًا، بصفته شخصًا حمل ولدها، مما يعني أن ولدها يربى في علاقة مضطربة جندريًا وثقافيًا. الدمج بين هنري وبوزي يخلق خوفًا من أن التواصل الزائد مع المحليين «المنحلّين أخلاقيًا» قد يحوّل المستعمِر الذكر إلى جسد منحل أخلاقيًا وأنثوي. وفي حين يُصوّر بوزي بصفته صلبًا وصعب التأثر كونه لا يتبنى هوية هنري/الإمبراطورية، إلا أن هنري يُصوَّر بصفته سلسًا وسهل التأثر، مستوجبًا الحمآية من البديل الهندي. وكما يوحي ستولر: «يمكن للخدم أن يسرقوا ما هو أكثر من البراءة الجنسية عند الأطفال الأوروبيين. إذ يمكنهم إعادة توجيه تفضيلاتهم الثقافية والروائح التي يفضلونها والأطعمة التي يتوقون إليها ورغباتهم الجنسية». ولهذا، يصبح الفصل بين الطفل وأمه البديلة (أو في هذه الحالة أبيه البديل) مرحلة مهمة في بناء هوية المستعمِر. البديل/ة الهندي/ة يصبحون موضع تناقض، موضع حاجة الإمبراطورية ورغبتها وفي نفس الوقت موضع خوفها ونفورها، بانين منهم أجسادًا ضائعة محبوبة ومكروهة في الوقت عينه.

كان الخوف الاستعماري من أن العلاقة الحميمة بين الآية والطفل البريطاني قد تؤدي إلى بناء «موضوع بريطاني» غير أبيض بالقدر المطلوب خوفًا حقيقيًّا. اللغة الهندية على وجه الخصوص التي تتدفق من فم الطفل البريطاني لم تكن تهدد بتلويث عقل الطفل وحسب بل ذاتية الذات البريطانية، الـ«أنا» البريطانية. جهل زوجة الصاحب البريطانية باللغة الهندية أقصاها أكثر فأكثر عن علاقة طفلها براعيته الرئيسية، مما يفاقم، بذلك، قلقها وشعورها الآخذ بالتزايد بأن الطفل يجب أن يُرحّل إلى الجزر البريطانية لأسباب تتعلق بالتعليم والطبابة. يضع جهل الأم البريطانية باللغة الهندية ذاتيتها خارج حقل البناء. اللغة المتداولة المشتركة بين الآية الهندية والطفل البريطاني تبنيهما بصفتهما «الأنا»، مميِّزةً الأم التي تتكلم الإنجليزية بصفتها «غير الأنا/الأنت». هذا عنى أن ذاتية الطفل البريطاني المبنية من خلال اللغة الهندية تحوله إلى هجين خطير (هندي-بريطاني) يهدد الثنائيات الهرمية التي تعتمد عليها القوة الإمبراطورية.

تقاطعت أيديولوجية العرق (والدم) المحتدّة مع شعور بأن التأثيرات المحلية قد تفسد الشعب الإنجليزي «النقي» التي تتجذر سلطته، في الواقع، في فكرة التفوق العرقي الكامل. في السياق التاريخي للهند الإمبراطورية، «اللسان الملوَّث» للطفل الاستعماري، المتنافس مع «اللسان النقي» للإمبراطورية الأم، يهدد وجودها وحقها في حكم السكان المحليين الذين أصبحوا الآن جزءً من الإمبراطورية بدل كونهم منفصلين عنها. «أساسات الإمبراطورية» نفسها كانت تواجه التهديد في خضم تغبيش الحدود الثقافية بين الأطفال الأوروبيين ورعاتهم الهنود. نشوء ذاتية بريطانية تمثل المحلي الهجين المنحل كان هو مسبب القلق في عقل الأم-الإمبراطورية. وبناءً على ذلك، تاريخ الأمهات البديلات في الهند تحت الحكم البريطاني بُنِيَ حول قدرتهن على لعب دور الحامل لجسد آخر، إذ أن فعاليتهن تمحورت حول قدرتهن على إنتاج الحليب والتحول إلى رعاة أموميين. وذلك حولهن إلى مواضيع مبجّلة حينًا، مكروهة حينًا آخر، وغامضة دائمًا لدى للإمبراطورية.

خاتمة:

مشهد الطفل الأبيض مثبتًا على ثدي أو جسد الآية/الأمَة يرمز إلى أن الآخر المستعمِر وجد منزلًا محليًا في جسد الآية/الداية. بعبارة أخرى، الجسد المستخدم للآية/الأمَة المُستعمَرة والتي تعيش في المنزل الاستعماري، والتي تمثل مجازًا «للمنزل ضمن المنزل»، يصبح مشهدًا/موقعًا لقلق وتحكم استعماريّيْن متزامنَيْن. وفي الوقت ذاته، يصبح الأويكوس (مجال المنزل) الخاص بصفته انعكاسا للپوليس (مجال المدينة) العام، في ظل حكم زوجة الصاحب البريطانية، خاضعًا لسيطرة الإمبراطورية وكما نرى، امتدت هذه السيطرة لتشمل حاشية الملك من الخدم الذي يعملون في المنزل الاستعماري. تشير سپيڤاك إلى أن أحد أهم الانتقادات التي توجهها المجموعات النسوية إلى النظرية الماركسية حول العمل هي عدم قدرة هذه الأخيرة أن تأخذ بعين الاعتبار «الإنجاب الجنسي…عند الحديث عن إعادة الإنتاج الاجتماعي أو إعادة إنتاج قوة العمل». إعادة الإنتاج الجنسية التي تقوم بها الآية/الأمَة بعد وضعها تحت السيطرة الاستعمارية تسمح بخصخصة جسدها في الاقتصاد الاستعماري للإمبراطورية. وثدي الأمَة الدار بالحليب بالإضافة إلى إيماءات الآية الأمومية في المنزل الاستعماري «مستخرَجةً ومخصصةً» بواسطة الإمبراطورية الاستعمارية ضمن «الاقتصاد المُمَنزَل الممتد»، يسمح بإدخال قوة إعادة الإنتاج الجنسية للمرأة في اقتصاد العمل. غير أن إقحام الأم البديلة الاستعمارية داخل هياكل القوة التابعة للإمبراطورية ليس ممكنًا إلا عبر ترويض المنزل الاستعماري.

في نفس الوقت، انهماك الآية/الأمَة/الداية في المنزل الاستعماري وقيام الإمبراطورية بتخصيص خدماتها أمر يزيد من حدة قلق المستعمِر. فهدف بناء المنزل الاستعماري كعالم مصغر عن الإمبراطورية يواجه تهديدًا بواسطة الأم البديلة المحلية التي تُستخدَم «لتأوي» الذات البريطانية المستعمِرة. وبهذا، يصبح «المحلي ضمن المنزلي» مساحة منيعة من السيطرة الاستعماري، مهددة بذلك بتدنيس العقل الطفولي للموضوع البريطاني وبالتالي انحلاله، وأخيرا، انحلال الإمبراطورية البريطانية. وفي حين نسب لزوجة الصاحب البريطانية عمل حمل مستقبل الإمبراطورية، كانت «الأجساد المستخدمة» للمرضعات/المربيات الهنديات هي ما غذّت ذرية القوة البريطانية. وذلك حوّل جسد الأم البشديلة المستعمَرة إلى نوع من الشر الذي لا بد منه، المرغوب والمزدَرى في آن في عين الإمبراطورية البريطانية. وهذا القلق الاستعماري يبقى في إمبراطورية العولمة ما بعد الاستعمارية ليرسم الأم البديلة الهندية من خلال عدسة مزدوجة من الرغبة والازدراء.

—-

ملاحظات فريق الترجمة:

[*]الأمة والداية/الآية: تشير الأولى، في اللغة الهندية، للمُرضِعة، بينما تشير الثانية إلى من تعتني بالأطفال. ولكن العديد من الباحثين يستخدمون هذه المصطلحات بصورة متبادلة ليصفوا جميع أو بعض مهام الأمهات البديلات في الحقبة الاستعمارية.

[†]زوجة الصاحب أو (ميمصاحب): مُصطلح يُطلق على المرأة البيضاء الأجنبية المتزوجة من الطبقات العليا في الهند أثناء فترة الاستعمار.