خروج بريطانيا، والطبقية، والهوية «القومية» البريطانية

g2cs1s3

غرمايندر بهامبرا

في اليوم السابق للاستفتاء حول استمرارية عضوية بريطانيا في الاتحاد الأوروبي، كنت أتساءل حول نتيجة هذا الاستفتاء القادم وبماذا أجيب فيه. بينما أملت أن يفوز التصويت لصالح البقاء، لم يكن بإمكاني، حتى في تلك اللحظة، وصف ذلك بالانتصار نظرا لما قد كلفنا الاستفتاء إياه. ما أطلِق عنانه في الأسابيع السابقة للتصويت كان أكثر الخطابات سُمّية فيما يتعلق بالمواطنة والانتماء، وبالتالي، بالحقوق المترتبة عليهما. وفّر هذا الخطاب سياقا للقتل الوحشي الذي تعرضت له عضوة البرلمان الاشتراكية التقدمية، جو كوكس، قبل التصويت، وتبع ذلك موجهة متزايدة من الهجمات العنصرية والزينوفوبية التي استهدفت المهاجرين والأقليات بعد قرار الخروج من الاتحاد الأوروبي.

وإلى جانب هذا الوضع السياسي، شعرت بعدم ارتياح متزايد حول المحو التام، على اليمين وعلى اليسار، لإدراك كيف أصبحت بريطانيا تبدو بمظهرها الحالي اليوم. ضمن الخطاب الشعبي للإعلام التقليدي، وأيضا، بشكل أعم، في وسائل التواصل الاجتماعي، دائما ما كان هنالك اعتقاد مقبول لدى الجميع تقريبا بفكرة كون بريطانيا أمة وكونها دائما ما كانت أمة. هذا الإيمان بتاريخٍ قومي، مع شعب قومي، حددَ بالتالي من يجب أن يملك حقوقا ومن لا يجب أن يملكها، من ضمن ذلك الحق في أوضاع معيشية كريمة.

هذا الحق في الانتماء وامتلاك حقوق كان مرتبطا بوجود تاريخي مُتَصوَّر قائم منذ حين داخل الأمة. أكثر الهجمات غريزيةً أتت مرتبطة بشعور بأن المجتمع القومي خانته النُخب الميتروبوليتانية التي بدت مهتمة أكثر بأوضاع «غير البريطانيين» من اهتمامها بمواطني بريطانيا «الشرعيين». «اجعلي بريطانيا أولويتك»، هذه الصيحة، التي أطلقها قاتل جو كوكس قبل إطلاق النار عليها، لم يكن صداها في باتلي وسبين[1] وحسب، وإنما ترددت، وبدرجات مختلفة من الحدة، شمالا وجنوبا وفي أرجاء البلاد. حُرِّكت هذه الصيحة في الروايات الإعلامية والاجتماعية والعلمية التي سعت لتركيز الاهتمام، بالأخص، على مأزق طبقة عاملة (إنكليزية) بيضاء.

ماذا يحدث حين يضطر الإنجليز البِيْض الفقراء، عوضا عن البولنديين مثلا، للتوجه كالقطيع للعمل في مشاتل مقاطعة كينت لقطف الفراولة لدى أرباب عمل قساة يعملون على سحق النشاط النقابي؟

حصر الطبقة العاملة في عرق معين وتعريفها به في سياق خطاب شعبوي يسعى «لاستعادة بلادنا» ينحدر إلى، لا، بل ويعزز أيضا، افتراضات إشكالية حول من ينتمي، ومن له حقوق، ومن يتوجب أن يكون لجودة حياته أولوية في السياسات العامة. ويسير ذلك أيضا في فهم مضلل حول من نكون «نحن» وكيف أصبحنا «نحن». وإذا لم نفهم كيف تشكلنا سياسيا كأمة، كبريطانيا، ستكون حلولنا المقترحة، بالتالي، للمشاكل المنبثقة والتي نواجه حاليا، مضللة بالفعل.

منذ يوم ولادتها كوحدة سياسية مشاعة عام 1707، لم تكن بريطانيا أبدا بلدا مستقلا، بل جزءً من كيانات سياسية أوسع؛ أهمها الإمبراطورية، ومن ثم رابطة الشعوب البريطانية (الكومنولث)، و، منذ عام 1973، الاتحاد الأوروبي. لم تكن هنالك أبدا بريطانيا مستقلة، أو «أمة الجزيرة».

على العكس، لأغلب هذه الفترة، كان هنالك تكوين سياسي مقسم عرقيا خلقته بريطانيا وقادته لصالحها. يبدو أن خسارة هذه المكانة ذات الامتياز هو ما يحرك ويدفع جزء كبير من هذا الخطاب الحالي، إذ وفرت هذه المكانة مسبقا فرصة للنخبة البيضاء وطبقة عاملة بيضاء أيضا لترى نفسها ككيان أفضل وأعلى مرتبة من رعايا الإمبراطورية الأكثر سُمرة (أهرام طبقية وطائفية، إن صح التعبير، متجسدة في أهرام عرقية). لم يعمل التقشف إلا على توفير أرض خصبة لانبثاقها وتمظهرها مجددا.

معنى أن تكون بريطانيا لا يمكن أن يُفهم بصورة منفصلة عن الإمبراطورية وعن أنماط الحكم الإمبراطورية التي ظلت مهيمنة امتدت حتى فترة طويلة من القرن العشرين. بينما يتواجد تاريخ أطول بكثير يستند على تقلبات الإمبراطورية وأشكال الحكم الإمبراطوري، لست أتحدث هنا إلا عن التاريخ الأقصر: تاريخ يُعدّ لانبثاق بريطانيا، ومعنى أن تكون بريطانيًّا، في سياق تصفية مستعمرات الإمبراطورية.

لم تبرز النقاشات حول المواطنة البريطانية في المركز الاستعماري إلا في أربعينات القرن العشرين، ولم يوضع تشريع قانون يحدد المواطنة البريطانية كتصنيف مختلف ومتميز عن الأشكال السابقة حتى عام 1981، وهذه الأشكال السابقة صنعت حالة مواطنة مشتركة لشعوب المملكة المتحدة ومستعمراتها. كان تفكيك شكل معين من المواطنة البريطانية من نسيج هذه النماذج السابقة وفصله عنها، عملية مطولة تضمنت حرمان بعض المواطنين من حقوق ما على أساس العرق والمكانة الاستعمارية.

وفي الفترة التالية مباشرة للحرب العالمية الثانية، رفضت بريطانيا بصراحة تصنيف ذاتها كأمة وحافظت على الإمبراطورية والكومنولث كمخيلتيها السياسيتين الرئيسيتين أثناء تفكيرها بمعنى أن تكون بريطانيًّا. وظل الوضع على ذلك المنوال على الأقل حتى عام 1973 حين دخلت المجتمع الأوروبي. وفكرة العلاقة الخاصة مع الكومونولث لعبت دورا أيضا في دعوات مغادرة الاتحاد الأوروبي في الوقت الحاضر، بصرف النظر عن كون تلك العلاقة قد ألغيت في السبعينات.

بل وإن دخول الاتحاد الأوروبي خلق تصنيف مواطنة يضاف على المواطنة القومية، ألا وهي «مواطن الاتحاد الأوروبي» وهو مواطن تُحرم حقوقه في البلاد الآن بعد خروج بريطانيا، مثلما تُحرم حقوق المواطنين البريطانيين في بقية أوروبا. ويبدو أن اليميني بوريس جونسون يعتقد أنه بإمكان المواطنين البريطانيين ممارستها ولكن على صيغة «امتيازات» (وليس حقوق) البقاء داخل السوق الأوروبية المشتركة، بينما لا تُمنح هذه الامتيازات، بالمثل، لمواطني البلدان الأوروبية الأخرى داخل بريطانيا.

باختصار، حتى عام 1948، حين سنّت بريطانيا قانون المواطنة البريطانية، اعتُبِر سكان بريطانيا ودومينيوناتها ومستعمراتها (السابقة والمستمرة أيضا) رعايا بريطانيين، وأما بعد عام 1948، أصبحوا مواطني الكومونولث. لم يكن الناس رعايا سلطة محددة بمناطق محلية، وإنما كانوا جميعا رعايا الإمبراطورية البريطانية أو، لاحقا، مواطني الكومونولث (سواء أكانوا في بريطانيا أو خارجها).

في اللحظة ذاتها التي سعت فيها الحكومة البريطانية لتوضيح ماهية المواطنة البريطانية، عُرِّفت شعوب المستعمرات باعتبارها تشارك مواطنة مع الناس في بريطانيا وأما شعوب المستعمرات والدومينيونات السابقة فاعتبِروا مواطني الكومونولث. معنى ذلك هو احتفاظ هؤلاء بحقوق السفر إلى بريطانيا والعيش فيها، بمقتضى بقائهم ضمن الكومونولث.

لم يكن عام 1948 عام قانون المواطنة البريطانية وحسب، بل تضمن ذلك العام دخول سفينة «إمباير ويندرش» نهر التيمز وإنزال قرابة 500 مهاجرة من سكان جزر الهند الغربية، بجوازاتهم البريطانية، على ميناء تيلبري. وهذا الحدث العادي، انتقال مواطني الكومونولث داخل حدود الكومونولث، أصبح لاحقا تأسيسيّا في خرافات الطبيعة المتغيرة، أو، ولربما هذا الوصف أكثر دقة، الوجه المتغير لبريطانيا. هذه الخرافات لا زال صداها يتردد في حاضرنا وقد اكتسبت حيوية سياسية جديدة في ضوء المناظرات حول استمرارية عضوية الاتحاد الأوروبي.

بينما كثيرا ما يُستشهد بأحداث إمباير ويندرش كتدشينٍ للتعددية الثقافية البريطانية، يجب أن نؤكد، كما أكدت الحكومة البريطانية سابقا، أن الإمبراطورية البريطانية وبعدها الكومونولث كانتا دائما، بتكونهما ذاته، متعددتي الأعراق ومتنوعتين ثقافيا. الأمر الوحيد الذي يجعل من أحداث إمباير ويندرش أحداثا مهمة هو حقيقة أنه، في هذه الحالة، كان مواطنو الإمبراطورية السُمْر هم من يمارسون حقهم في الانتقال بحرية وبشرعية (مثلما فعل العديد من أبناء وطنهم ذوي البشرة الفاتحة على مدى التاريخ، وإن لم يكن ذلك بتشريع قانوني من المناطق التي دخلوها).

بصرف النظر عن الربط السهل ما بين المواطنة والدولة القومية (وتاريخ الانتماء القومي)، نشأت المواطنة البريطانية في سياق الإمبراطورية والكومونولث المتعدد عرقيا والمتنوع إثنيًّا ولغويا، وعمل هذا السياق على قولبتها أيضا. وهذا التاريخ هو ما يشرعن وجود المواطنين البريطانيين السُمْر في المملكة المتحدة، وهذا التاريخ هو ما يوفر لهم حقوق الانتماء والمواطنة. لم يأتي مواطنو بريطانيا السُمْر، بغالبيتهم، كمهاجرين، وإنما أتوا/أتينا كمواطنين.

وتحول المواطنين السُمْر من مواطنين إلى أجانب، على مدى الستينات والسبعينات، كان مبنيا على فهم سطحي للاختلاف مستند على الأعراق وقد عمل على خلق درجتي مواطنة: مواطنة كاملة، ومواطنة من الدرجة الثانية. تأسيس مواطنة مشتركة، لمواطني المملكة المتحدة ومستعمراتها، في قانون المواطنة البريطانية لعام 1948 لا يمكن حلّه ما دامت بريطانيا تملك مستعمرات رسمية، وبالتالي أديرت الهجرة إلى البلاد بصورة متزايدة عن طريق سن قوانين تميّز ما بين المواطنين استنادا على عرقهم.

بينما التصويرات الاعتيادية للمواطنة تنحاز بها إلى حدود الدولة القومية، و«الأجانب» يُقبَل بهم (أو يمكن القبول بهم) ضمن هذه المواطنة. في السياق البريطاني، ارتكز تعريف المواطنة البريطانية على أساس تحويل المواطنين إلى مهاجرين استنادا إلى هرمية عرقية صريحة. حقا، وكما برهن جيمس هامبشاير في«المواطنة والانتماء» بصورة شاملة، «تطور ضوابط الهجرة في بريطانيا بعد الحرب العالمية الثانية حكمه منطق ديموغرافي عرقي».

يشير ذلك إلى الكيان السياسي البريطاني الحالي ككيان مبني حتى نخاعه استنادا إلى العرق، حتى أن الدولة ذاتها، ومعها كل المفاهيم المرتبطة، ومن ضمنها المواطنة، كلها مفاهيمٌ مبنية على أساس عرقي. ومسألة العرق ليست ببساطة متعلقة بحضور من يبدون مختلفين في المجتمع البريطاني، بل حول كيفية تكوّن الدولة ذاتها على إيديولوجية عرقية. وهذا هو الأمر الذي لا يبدو أن علماء الاجتماع ومحللي السياسات يضعونه بعين الحسبان حين يصدرون جدالات متعلقة فقط بالطبقة العاملة البيضاء، أو معطيةً إياها الأولوية.

على اليمين واليسار السياسيّيَن، يستخدم المعلّقون البِيْض مصطلح «بريطاني» أو «إنكليزي» أو «الطبقة العاملة» دائما بمقصد «البريطانيين البِيْض» و«الإنكليز البِيْض» و«الطبقة العاملة البيضاء». وليس هؤلاء بحاجة للتفكير بتوضيح معنى أن تكون بريطانيًّا، فالمنظور «الطبيعي» هو أن معنى أن تكون بريطانيًّا أو إنكليزيًّا هو أن تكون أبيضًا. ومن يدعون من أجل تحليل طبقي وفق هذا الأساس يقدمون، في الواقع، أكثر صياغات سياسات الهوية استنادا على العرق، رغم أنها صياغة غير واعية لذاتها.

تحريك القيم والحريات «التشرشلية» بوساطة بوريس جونسن، وتوظيف الرمزية العصبية بواسطة حزب استقلال المملكة المتحدة بقيادة نايجل فاراج، يتلاءم مع خطاب اليمين المتطرف في كل أرجاء الاتحاد الأوروبي، والذي يرى أن أوروبا ذاتها كيان أبيض يواجه تهديد رعايا سُمْر أخضعهم سابقا. خرافة أوروبا البيضاء، أو بريطانيا البيضاء تاريخيًا، هذه تحرّف جدّيا التكوينات السياسية متعددة الأعراق التي شكلت سياق نشأة وتطور العديد من البلدان الأوروبية، من ضمنها بريطانيا، إلى ما هي عليه اليوم.

لم يطلب أيٌّ من رعايا الإمبراطورية الإخضاع الذي تعرض له. كون هؤلاء قد ضُمّوا عن طريق الإخضاع، يبدو من الانحطاط اليوم أن يهمَّشوا بواسطة من هم، بسبب لا مبالاتهم بتاريخهم واستهتارهم في تحليلهم، يبلورون مفهوما حول الكيان السياسي والكيان الاجتماعي ككيان أبيض، ولا يرغبون بضم شروط المساواة.

نحن لم نرغب بأن نُضَم عن طريق الإخضاع، ولن نُهمَّش بسبب رغبات الآخرين. إن أردنا مستقبلا يتطرق إلى المظالم التي تشوب عصرنا الحاضر، علينا أن نعيد التفكير بتحليلنا وأن نضع بعين الاعتبار القالب الإمبراطوري لبريطانيا ولكل من كانوا رعايا ضمنه وخاضعين له. إن لم نقم بذلك، فذلك يبرهن التزاما بتاريخ قومي مبني على العرق لا حيز فيه للرعايا السُمْر. وهذا خيار يوضح جليا على أي جانب من الخط الفاصل نحن نقف أثناء انتقالنا من الألفية الجديدة إلى سبعينات القرن الماضي وحتى الثلاثينات.

المصدر: ديسكفر سوسايتي

——

[1] باتلي وسبين: الدائرة الانتخابية التي مثلتها جو كوكس.