الحرب العالمية الثانية: حرب الخير على الشر؟

لم تكن الحرب العالمية الثانية حربا من أجل الديموقراطية والحرية، بل من أجل الدفاع عن المصالح الإمبريالية.

normandy1.jpg

آشلي سميث

يتراءى لمعظم الناس أن الحرب العالمية الثانية هي «الحرب الصالحة»؛ حربٌ تعادي الفاشية وتنادي بالديمقراطية. رُسِّخت هذه الفكرة مرارًا عبر الكتب والأفلام، فكرة النضال البطولي الأمريكي المزعوم لصد النازيين.

صورة الحرب العالمية الثانية هذه لا تُمس لدرجة أن حكامُنا يحيطون معظم مغامراتهم العسكرية الجديدة بِهالتها المتوهجة.

لكن لو تجاوزنا هذه الأسطورة وتأملنا ما جرى بالفعل في الحرب العالمية الثانية، فسيظهر جليًّا أن دور الولايات المتحدة لا يدعو للمفخرة.

خاضت الولايات المتحدة وحلفاؤها هذه الحرب إما لحماية إمبراطورياتهم أو لبنائها. وفي خضم ذلك، خذلت الولايات المتحدة اليهود، واستخفت بالديمقراطية وأججت لحرب عرقية ضد اليابان و«أعادت تأهيل» مجرمي الحرب النازيين لاستعمالهم جواسيسًا لها بعد الحرب. وبانتصارها في الحرب العالمية الثانية، نصّبت الولايات المتحدة نفسها القوة العظمى الأكبر والأخطر في العالم.

حرب لإعادة تقسيم العالم

شملت الحرب العالمية الثانية كل ركن من العالم، الأمر الذي جعل أكبر القوى العسكرية في العالم في مواجهة بعضها البعض: ألمانيا واليابان وإيطاليا من جهة، في مواجهة روسيا الستالينية وبريطانيا والولايات المتحدة من جهة أخرى. في هذه الحرب، تجاوز عددُ القتلى المدنيين عددَ القتلى العسكريين، حيث لقي خمسةً وخمسون مليون شخص حتفهم وفاقت وفيات المدنيين فيها ستة أضعاف وفيات المدنيين للحرب العالمية الأولى.

تعود جذور الحرب العالمية الثانية إلى الأزمة الرأسمالية الواقعة في ثلاثينات القرن العشرين، حين انهار الانتاج الصناعي بنسبة خمسين بالمئة بين عامي 1928 و1932، وهبطت التجارة بنسبة ثلاثين بالمئة خلال الفترة ذاتها. أرغم الرأسماليون من كل الدول عُمّالَهم على دفع ثمن الأزمة من خلال التسريح الجماعي وتقليص الأجور. في الوقت ذاته، دفعت الأزمة الطبقاتَ الحاكمة إلى إنشاء كتل حمائية لحماية اقتصاداتها الضعيفة. فأنشأت بريطانيا كتلة الإسترليني، بينما مررت الولايات المتحدة مشروع قانون سموت-هاولي (Smoot-Hawley bill) لعزل الاقتصاد الأمريكي عن المنافسة. وبالنتيجة، احتدمت المنافسة الاقتصادية فتحتّمت حربًا مفتوحة يتقاتل المتحاربون فيها على انتزاع الأسواق والأراضي من الدول الغريمة.

لم تختلف أسباب الحرب العالمية الثانية عن أسباب الحرب العالمية الأولى. عبَّر ليون تروتسكي عن ذلك بقوله: «الصراع قائم بين مُلاك الرقيق الإمبرياليين من معسكرات مختلفة للقيام بتقسيم جديد للعالم…إن الحرب الحالية هي امتداد مباشر للحرب السابقة». سعت كلٌ من بريطانيا وفرنسا، الظافرتان بالحرب العالمية الأولى والضعيفتان اقتصاديا، إلى التشبث بإمبراطوريتيهما، فكان منهما أن ظهرتا بمظهر الدولتان «المتعقلتان» الساعيتان إلى تجنب الحرب. في حين كانت ألمانيا واليابان تصارعان هيمنة القوى الأعظم. بينما الولايات المتحدة وروسيا الستالينية كانتا تتحينان الفرص لاستغلال الصراعات في بناء إمبراطوريتيهما الخاصة. كتب تروتسكي بهذا الشأن وقال:

إن الحرب الحالية، الحرب الإمبريالية الثانية، لم تحدث من قبيل الصدفة؛ فهي لا تصدر عن إرادة هذا الديكتاتور أو ذاك، إنما كان وقوعها متوقعًا منذ وقت طويل. لقد استمدت أصولها من تعارض المصالح الرأسمالية الدولية…السبب المباشر للحرب الحالية هو التنافس بين الإمبراطوريتين الثريتين القديمتين، بريطانيا العظمى وفرنسا، والناهبتين الإمبرياليتين المتأخرتين، ألمانيا وإيطاليا. تواجه الرأسمالية الأمريكية المشكلات ذاتها التي زجت بألمانيا في طريق الحرب عام 1914. العالم مُقسَّم؟ لا بد إذن من إعادة تقسيمه. بالنسبة لألمانيا، فقد كانت الغاية «تنظيم أوروبا». أما الولايات المتحدة فيجب عليها «تنظيم» العالم. إن التاريخ يجعل الإنسانية في مواجهة مع الثوران البركاني للإمبريالية الأمريكية.

كان الرئيس فرانكلين روزفلت ووزراؤه صريحين بشأن مخططاتهم الرامية إلى الهيمنة على العالم. إذ دعا الرئيس قائلا:

لا بد من استعادة الأسواق الأجنبية إن أراد صناعيو أمريكا استرجاع الرخاء المحلي لشعبنا وجعله دائمًا تامًّا. ما من سبيلٍ آخر لتحقيق تلك الغاية لو أردنا تجنب الاضطرابات الاقتصادية الحادة ومشاكل إعادة التكييف الاجتماعي والبطالة.

وصرَّح وزير الخارجية كوردال هال بقوله:

إن قيادة نظام جديد يحكم العلاقات الدولية في التجارة وغيرها من العلاقات الاقتصادية الأخرى ستؤول للولايات المتحدة بسبب قوة اقتصادنا العظيم. يتحتم علينا تولي القيادة والمسؤولية المترتبة عليها، وذلك لأسباب تتعلق بالمصلحة الذاتية المحضة.

كان هنري والاس، نائب الرئيس روزفلت، يتفاخر بأن «رجل الأعمال الأمريكي المستقبلي» سيدرك أن «الحدود الجديدة تمتد من مينيابوليس…وصولاً إلى آسيا الوسطى». أرادت الطبقة الحاكمة في ظل سياسة «الباب المفتوح» الخاصة بها، اقتحام الأسواق الاستعمارية للإمبرياليين الآخرين، وتحطيم القيود الحمائية وفرض هيمنتها على النظام الرأسمالي العالمي.

وضعت الدول المتقاتلة الاستراتيجيات الحربية التي تضمن هيمنتها في نهاية الاقتتال. فبعد انهيار ألمانيا، هرع الحلفاء لغزو أكبر مساحة ممكنة من أوروبا. فابتلعت روسيا البلقان وبقية أوروبا الشرقية، في حين قاتلت الولايات المتحدة وشركاؤها للسيطرة على أوروبا الغربية ثم نزلوا بمدينة يالطا لإقرار فتوحاتهم العسكرية. يصف تشرشل في مذكراته لقاءً جمعه بستالين كان يرمي إلى تقسيم القارة:

كانت اللحظة ملائمة للحديث عن التجارة، فقلت: «دعنا نسوِّي شؤوننا في البلقان. جيوشك في رومانيا وبلغاريا. لدينا مصالح وبعثات وعملاء هناك. لا تجعل مصالحنا تتعارض بهذه الطريقة التافهة. من حيث بريطانيا، ما رأيك في امتلاك السيادة على رومانيا بنسبة 90%، فيما نبسط هيمنتنا على اليونان بذات النسبة، ونتناصف السيادة في يوغوسلافيا؟» وخلال ترجمة حديثي كتبتُ على نصف ورقة:

رومانيا: روسيا 90% – الآخرون 10%

اليونان: بريطانيا العظمى 90% – روسيا 10%

يوغسلافيا 50-50%

هنغاريا 50-50%

بلغاريا: روسيا 75% – الآخرون 25%

مررتُ الورقة إلى ستالين، الذي كان قد سمع الترجمة حينئذٍ. ساد الصمت قليلاً ثم أخذ قلمه الرصاص ورسم عليها علامة صح كبيرة ثم أعادها إلينا. سوُّيت الأمور في برهة قليلة لم تبلغ الوقت المستغرق للجلوس…ثم ساد المكانَ صمتٌ طويل. كانت الورقة المخطوطة بقلم الرصاص ممدودة في منتصف الطاولة. وأخيرًا قلت:«أليس من المحتمل أن يُظن بنا الأنانية والنفاق لو بدا أننا تخلصنا من هذه المشاكل المصيرية لملايين الناس بهذا الأسلوب المرتجل؟ لنحرق الورقة». لكن ستالين قال: «لا، لا تتلفها».

إلقاء القنبلة الذرية لإثبات الزعامة

بعد هزيمة ألمانيا، سارع الحلفاء للسيطرة على آسيا. وبمجرد ما اتضح أن الولايات المتحدة ستسحق اليابان، انصبَّ اهتمام الرئيس هاري ترومان على ضمان خلو الساحة من أيّة قوة أخرى تتعدى على سيادة الولايات المتحدة. فألقت الولايات المتحدة القنبلة النووية التي أحرقت على الفور مدينتين يابانيتين، هيروشيما وناغاساكي، لتثبت أنها القوة المهيمنة في آسيا ولتزيح روسيا عن طريقها.

صرَّح ترومان بأنه لو لم يستخدم القنبلة، لاضطر إلى إصدار أمرٍ بغزو اليابان غزوًا كاسحًا، مخاطرًا بذلك بحياة مليوني أمريكي. لكنه كان يكذب. الحقيقة أن اليابان كانت على حافة الانهيار، فالحصار الاقتصادي ضيّق عليها الخناق وقضى على إمداداتها. لقد كانت الدولة بالفعل ممزقة إلى أشلاء. أخبر وزير الحرب هنري ستيمسون الرئيسَ ترومان وقال: «كنت أخشى أن تقصف القوة الجوية اليابان قصفًا مدمِّرًا قبل أن نجهز، ما قد يحول دون إيجاد مساحة جيدة لإظهار قوة السلاح الجديد». رد ترومان على حديثه ضاحكًا وقال إنه «كان يفهم».

قبل أن تلقي الولايات المتحدة القنبلة، عرض اليابانيون شروطًا للاستسلام. حتى أن الأميرال البحري ويليام لياهي اعترف بعد الحرب عام 1946 بقوله:

 إن استخدام هذا السلاح الوحشي في هيروشيما وناغاساكي لم يكن له نفع جوهري في حربنا ضد اليابان. كان اليابانيون مهزومين بالفعل وعلى استعداد للاستلام بسبب الحصار البحري الفعال والقصف الموفّق بالأسلحة التقليدية…إن حقيقة كوننا أول من استخدم ذلك السلاح تشعرني بأننا قد تبنينا معيارًا أخلاقيًّا لم يتّبعه سوى الهمجيون في العصور المظلمة.

وللأسباب ذاتها، قال الجنرال دوايت إيزنهاور في وقتٍ لاحق:«لم يكن من الضروري ضربهم بذلك الشيء المريع». وبعد الحرب، خلُص «المسح الرسمي للقصف الاستراتيجي الأمريكي» إلى أنه:

من المؤكد أنه قبل الحادي والثلاثين من ديسمبر عام 1945، ومن المرجح أنه قبل الأول من نوفمبر عام 1945، كانت اليابان ستستسلم حتى وإن لم تكن القنابل النووية قد أُسقِطت، وحتى وإن لم تكن روسيا قد تدخلت في الحرب، وحتى وإن لم يكن قد خُطِّط ودُبِّر لأي غزو.

لم تكن الحكومة الأمريكية تخشى من خوض حربٍ مطولة مع اليابان، ما كان يخيفها حقًّا هو امتلاك روسيا لأراضٍ شاسعة في آسيا. كان الروس قد دخلوا الحرب في الشرق بتردد، ولم يتحقق ذلك إلا بعد هزيمة ألمانيا. حينها أدرك ستالين أن بإمكانه توسيع إمبراطوريته ناحية الشرق فشنَّ زحفًا هجوميًّا باتجاه الصين وكوريا. صرَّح وزير الخارجية المكلف لدى إدارة ترومان، جيمس بيرن قائلاً: «بإمكان القنبلة النووية أن تضعنا في موقف يتيح لنا إملاء شروطنا في نهاية الحرب». إن من شأنها أن تجعل روسيا، بعبارته، «أكثر إذعانًا». قال ترومان بنفسه لمستشاريه: «عندما ينفجر هذا الشيء، فسيكون لدينا مطرقة نطرق بها على رؤوس أولئك الصبية»، ويقصد بـ«الصبية» الروس وليس اليابانيين.

وفي السادس من أغسطس عام 1945، أسقط ترومان القنبلة النووية على هيروشيما على حين غفلة، مخلفةً ورائها مدينة مدمرة بالكامل ومئة ألف قتيل مدني. ثم قصَف ناغازاكي بعد ثلاثة أيام حتى سوِّيت بالأرض، وقُتِل على إثر ذلك القصف سبعون ألف شخص. وبعد خمسة أيام من قصف ناغازاكي، استسلمت اليابان للولايات المتحدة وفق الشروط ذاتها التي تباحثوا فيها مع الولايات المتحدة قبل إلقاء القنابل. وإذا ما أضفنا تأثير التسمم الإشعاعي، فتكون الولايات المتحدة قد قتلت ما يقارب خمسة ملايين مدني في سبيل الإمبراطورية.

حربٌ لأجل الديمقراطية؟

رغم أن الطبقات الحاكمة كانت تسعى للسلطة والنفوذ، إلا أنها لم تكن لتجرؤ أن تقول صراحةً للطبقات العاملة انطلقوا وموتوا في سبيل الربح هكذا ببساطة. يتذكر العمال بمرارة «المتربحين من الحرب» و«تجار الموت» الذين قادوهم للموت في خنادق الحرب العالمية الأولى. إن الولايات المتحدة وحلفاءها كانوا يتاجرون بحربهم الإمبريالية بزعمهم أن القتال كان للدفاع عن الديمقراطية.

لقد أخفوا بشكل ممنهج دوافعهم الحقيقية. أصدر مجلس العلاقات الخارجية، وهو منظمة كانت تعمل بشكل وثيق مع وزارة الخارجية، سلسلة من الدراسات للمساعدة في تحديد أهداف الحرب الأمريكية. يورد أحد سجلات المجلس دراسة تنبه إلى أن «صياغة بيان حرب يرمي إلى أغراض دعائية يختلف كثيرًا عن صياغة بيان حرب يحدد المصلحة الوطنية الحقيقية». وتورد دراسة أخرى ما يلي:

عندما تُذكر أهداف الحرب ويظهر أنها معنية فقط بالإمبريالية الأنجلو-أمريكية، فإنها لن تقدم سوى القليل للناس في الجزء المتبقي من العالم وستستهدفها وعود النازيين المضادة. مثل تلك الأهداف ستعزز أيضًا العناصر الرجعية في الولايات المتحدة والإمبراطورية البريطانية. لذا، ينبغي التشديد على مصالح الشعوب الأخرى، ليس فقط مصالح أوروبا، بل أيضًا آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية. إن من شأن ذلك أن يحقق تأثيرًا دِعائيًّا أفضل.

فأعلن الرئيس روزفلت، متبعًا هذا النهج، أن الولايات المتحدة كانت «ترسانة الديمقراطية» التي تقاتل للدفاع عن «الحريات الأربع»، حرية الدين وحرية التعبير والتحرر من الخوف والتحرر من الحاجة. بيدَ أن ذلك كان كلامًا فارغًا. يجادل تروتسكي قائلاً:

لا يوجد ما هو أكذب من شعار الحرب المدافعة عن الديمقراطية ضد الفاشية…إن الديمقراطيات الإمبريالية في الواقع هي الأرستقراطيات الأكبر في العالم. إنجلترا وفرنسا وهولندا وبلجيكا، كلها بلادن تتكئ على استعباد الشعوب المستعمَرة. وديمقرطية الولايات المتحدة ترتكز على استملاك القارة الأمريكية بأكملها. إن كل مساعي تلك «الديمقراطيات» المزعومة ترمي إلى الحفاظ على مكانتها المتميزة وحسب.

في الحقيقة، لم يكن الحلفاء، الذن يسميهم روزلفت «رجال الشرطة الأربعة»، يهتمون كثيرًا لأمر الديمقراطية. والشرطي الأقدم، إنجلترا، حكمت المستعمرات غير الديمقراطية بالقوة الغاشمة طوال فترة الحرب. وبالفعل، الشمس لا تغرب أبدًا عن انتهاك إنجلترا للديمقراطية. لقد أودع جيشها نيهرو وغاندي السجن وقصَف أتباعهما في حركة «فارقوا الهند» (Quit India Movement) بذريعة جريمة النضال من أجل استقلال الهند. كما أن النظام البريطاني ألزم القوات الهندية بالمشاركة في الحرب دون السماح للهنود بالتصويت على الانضمام للحرب من عدمه.

كانت روسيا ستالين غير ديمقراطية بصورة لا تخفى على أحد؛ حيث كانت دولةً بوليسية. وكان الحكام الغربيون يواجهون مشكلة في هذا الصدد أثناء الحرب، فقامت مكاتب الدعاية التابعة لهم بتلميع صورة ستالين واصفةً إياه بالديمقراطي الفخري، وأصدرت كتابًا وفيلمًا باسم «مهمّة إلى موسكو» (Mission to Moscow) قدّما ستالين في أفضل صورة ممكنة. وبالغت مجلة لايف (Life) كثيرًا وكتبت أن الروس «يشبهون الأمريكان ويلبسون ويفكرون مثلهم».

أما الشرطي الآخر ضمن الحلفاء فقد كان القائد الصيني شيانج كاي شيكش، ولكنهم لم يتمكنوا من إخفاء كونه سفاحا. وأشار إليه المسؤولون الأمريكيون بصورة اعتيادية بـ«المجرم».

والشرطي المبتدئ، الولايات المتحدة، لم يكن أكثر التزامًا بالديمقراطية مما كان أي أحد آخر في قوات الشرطة العالمية هذه. حتى أن ترومان أعلن وقال: «حكومتنا ليست ديمقراطية، حمدًا لله. بل إنها جمهورية. نحن ننتخب الرجال لتسخير أفضل ما يجود به فِكرهم للمصلحة العامة».

في الواقع، قمعت الولايات المتحدة الديمقراطية في الداخل والخارج. فمن شدة حرصها على اللحاق بركب القوى الاستعمارية، نقلت الولايات المتحدة شكل إمبراطوريتها الفريد إلى أمريكا اللاتينية وبلدان الكاريبي ومدت ذراعها حتى وصلت للفلبين. حكمت أمريكا المنطقة من خلال الأنظمة العميلة مستمدةً قوتها من التهديد بالغزو. ولم تكن الولايات المتحدة تتردد في شن هجوم على من يخالفها. فبين عامي 1900 و1937، هاجمت الولايات المتحدة كوبا ست مرات، وباناما ست مرات، والهندوراس سبع مرات، ونيكاراغاوا مرتين، وغواتيمالا مرة واحدة. وعندما اجتاحت الفلبين عام 1900، قتل الجيش الأمريكي مليون فلبيني لتوسيع نطاق الإمبراطورية الأمريكية.

ولم يكن التزام الحكام الأمريكيين بالديمقراطية في الداخل أفضل بكثير من التزامهم بها في الخارج. لقد أنكروا الحقوق السياسية الأساسية للسود في الجنوب بفرضهم قوانين جيم كرو (Jim Crow) التي تفرض الفصل العنصري وذلك من خلال ضريبة الرؤوس واختبارات الأمية والإرهاب الذي يمارسه التنظيم العنصري «كو كلوكس كلان». ونتيجةً لذلك، فقد السود حقهم في التصويت وقاسوا قمعا شديدا.

وعلى نحوٍ غير مستغرب، لم يسلم السود في الجيش الأمريكي من عنصرية الطبقة الحاكمة تلك. حيث كان الجيش الأمريكي يضم وحدات منفصلة وكان يحرم السود بشكل ممنهج من الترقيات خلال الحرب العالمية الثانية. وقد برَّر وزير الحرب ستيمسون حرمان السود من القيادات الميدانية بقوله: «إن سمة القيادة لم تتأصل في العرق الزنجي بعد؛ ومحاولة جعلهم ضباطًا مقاتلين ستكون عملاً كارثيًّا». نتيجةً لذلك، قُيِّد السود الذين قاتلوا في الحرب العالمية الثانية البالغ عددهم سبعمئة ألف بأسوأ الوظائف وأدناها أجورًا.

كما استغلّت الطبقة الحاكمة الحرب لقمع الحقوق الديمقراطية للطبقة العاملة برمتها. حيث أرغمت العمال على صنع آلات الحرب بسرعة لا هوادة فيها وحرمتهم علاوة على ذلك من حق الإضراب عن العمل. ورغم تمكن الزعماء من إقناع البيروقراطيين النقابيين بالتوقيع على التعهد بعدم الإضراب، إلا أن العمال العاديين بادروا وأضربوا عن العمل رغم ذلك. في الواقع، أضرب أكثر من نصف أعضاء اتحاد العاملين بقطاع صناعة السيارات عام 1944. ولإيقاف تلك الإضرابات، مرر الحكام قانون سميث-كونالي لنزاعات عمال الحرب عام 1943، الذي منح الحكومة سلطة تولي المصانع القائمة بالإضراب، مع تجريم الدعوة للإضراب عن العمل ومنع النقابات من المساهمة في الحملات السياسية.

حتى أن روزفلت عطَّل حق المعارضة السياسية. ففي عام 1940، مررت الحكومة الأمريكية قانون تسجيل الأجانب، الذي جعل من غير القانوني الاحتجاج على الحرب أو طباعة مواد مناهضة للحرب أو الدعوة إلى الإطاحة بالحكومة. وبالفعل، اعتقلت حكومة روزفلت وحبست 18 أمريكيًّا تروتسكيين بموجب ذلك القانون.

ولكن أفظع إخلال قامت به الولايات المتحدة بخطابها الديمقراطي كان حبسها لمئة وعشرين ألف أمريكي من أصل ياباني في معسكرات اعتقال خلال الحرب. فبعد ضرب بيرل هاربر مباشرةً، حَشَدَ مكتب المخابرات الفيدرالي وسجَنَ 1،375 أمريكي من أصل ياباني في الساحل الغربي بحجة أن اليابان كانت مُنفذ الجريمة. علاوة على ذلك، سقط الجنرال جون ديويت، الذي نظم هذه الاعتقالات، في وحل العنصرية البغيضة ليسوِّغ حرمان الأمريكيين ذوي الأصول اليابانية من كل حرية مدنية كفلها الدستور لهم حينما صرَّح غاضبًا: «العرق الياباني هو عرق معادٍ لنا. وليس ثمة فرق سواء كانوا أمريكيين أم لا»، وقال أحد أعضاء الكونجرس: «أنا مع القبض على كل ياباني في أمريكا وألاسكا وهاواي الآن والزج بهم في معسكرات الاعتقال».

وفي خضم هذه الهستيريا العنصرية، وقّع روزفلت الأمر التنفيذي رقم 9066 بعد ثمانية أسابيع من حادثة بيرل هاربر الذي سمح بملاحقة الأمريكيين ذوي الأصول اليابانية واعتقالهم. وعليه، فقَدَ معظم اليابانيين أملاكهم ووظائفهم ومنازلهم. يصف التجربة أحد المحبوسين في معسكر مانزانار بكاليفورنيا بقوله:

وُلدت في هاواي وعمِلتُ في الساحل الغربي معظم حياتي. لم تسبق لي زيارة اليابان. كنا سنفعل أي شيء لنثبت ولاءنا. كل ما أردناه هو أن نُترك وشأننا في الساحل…لقد فقدت أنا وزوجتي عشرة آلاف دولار في ذلك الإخلاء…أيّ نوع من الأمريكانية تسمون هذا الفعل؟ هذه ليست ديمقراطية.

لم يكن زعماء الولايات المتحدة يلقون بالاً للديمقراطية؛ فعندما رأوا أن الحقوق المدنية تقف في طريق أهدافهم الإمبريالية، قمعوها.

حربٌ ضد الفاشية؟

مثلما لم تكن قوات التحالف منشغلة بالدفاع عن الديمقراطية، لم يكن شغلها الشاغل محاربة الفاشية. في الحقيقة، احتفت الطبقات الحاكمة في بادئ الأمر بهتلر وموسيليني باعتبارهما قائدين عظيمين تمكنا من هزيمة الحركة العمالية في ألمانيا وإيطاليا. ولم تعلِن الحرب على الفاشية إلا عندما اتضح أن معارك الجيش الألماني ستتعرض لإمبراطورياتها، أي الطبقات الحاكمة، العالمية.

في أوروبا، دعمت الطبقة الحاكمة الفاشيين باعتبارهم ثقلاً مضادا للاشتراكية والحركة العمالية، ووقف البعض في صف النازيين صراحةً. فقد أثنى اللورد البريطاني هاليفاكس على ألمانيا النازية واصفًا إياها بـ«الحصن المنيع ضد البلشفية»، وانحاز دوق ويندسور، الملك السابق لإنجلترا، علنًا مع النازيين. تشرشل نفسه صرَّح للصحافة الفاشية في إيطاليا عام 1972 وقال:

لو كنت إيطاليًّا، أنا واثق من أنني كنت سأدعمكم بتفانٍ من البداية حتى النهاية في نضالكم الظافر ضد الشهوات والميول الوحشية اللينينية.

دعت الطبقة الحاكمة الفرنسية النازيين تحديدًا لغزو فرنسا بغيّة سحق الحكومة الاشتراكية الإصلاحية التي شكَّلها ليون بلوم ومنعْ إمكانية قيام ثورة عمالية. كما دعمت الطبقة الحاكمة الأمريكية هجومَ الفاشيين على الطبقة العاملة، حيث وصف روزفلت موسيليني بـ«السيد الإيطالي الباهر» وكتب أنه كان «معجبًا جدًّا بما حققه [موسيليني] وبغايته الصادقة الجلية الرامية إلى إصلاح إيطاليا والساعية إلى الحيلولة دون وقوع كارثة أوروبية شاملة». وفي عام 1933، ادعى القنصل العام الأمريكي في هامبورغ أن الصحافة كانت تضخم من شأن الاعتداءات على اليهود وجادل قائلاً:

لا بد من الاعتراف بأن المنظمة «الاشتراكية القومية» [أي، الحزب النازي] قبل مجيئها للسلطة وبعدها الحكومة القومية النازية، قدمتا خدمات لا مثيل لها للعالم بأسره في سحق الشيوعية في ألمانيا، وهو أمر قد يكون له تأثير نافع في بلدان أخرى فيما يتعلق بالقضاء على الوباء الشيوعي.

وحتى عندما أصبحت الفظاعات النازية المرتكبة في حق اليهود معروفةً على نطاقٍ واسع، أبرمت شركات أمريكية مثل «دو بونت» (DuPont) و«ستاندارد أويل» (Standard Oil) عقودًا مع ألمانيا. وفي منتصف ثلاثينات القرن العشرين، ساعدت شركتا «فورد» و«جنرال موتورز» ألمانيا في إعادة التسليح من خلال إنشاء دباباتها العسكرية.

أثبتت الولايات المتحدة وحلفاؤها اللاحقون تفضيلهم للفاشية على الثورة العمالية خلال الحرب الأهلية الإسبانية. فعندما ثار الفاشيون الإسبان على الحكومة الإسبانية المُنتخَبة انتخابًا ديمقراطيًّا، وقفت ما تسمى بالقوى الديمقراطية مكتوفةً الأيدي وتركت الديمقراطية تغرق في الدم والحجيم. حيث أعرب تشرشل عن تعاطفه مع فرانكو، وسمّى روزفلت نفسَه «الصديق المخلص» لفرانكو في رسالة تضمنت وعدًا بعدم مهاجمة الفاشيين في شمال أفريقيا من جانب القوات الامريكية. وستالين، الحريص على إرضاء حلفاءه في الغرب، قيّد دعمه للحزب الجمهوري ودعا إلى اعتقال الثوار من الطبقة العاملة. وبذلك يكون فرانكو قد سحق الديمقراطية في إسبانيا بموافقة ضمنية من قوات التحالف.

وهكذا، دعمت الطبقات الحاكمة الرأسمالية هجومَ الفاشيين على الطبقات العاملة في إيطاليا وألمانيا وإسبانيا. وحتى بعدما هدد الفاشيون إمبراطوريات هذه الطبقات الحاكمة بالحرب التوسعية، كان رد فعل الحلفاء الأول هو استرضاء ألمانيا وإيطاليا. كانوا يأملون في تجنب خوض قتالٍ مع هتلر وظنوا أن بإمكانهم رشوته بمنحه قطعةً من أوروبا. وفي عام 1938، أبرم رئيس الوزراء البريطاني نيفيل تشامبرلين مع هتلر «معاهدة ميونخ» التي نتج عنها تسليم تشيسلوفاكيا الديمقراطية إلى ألمانيا النازية وقد هللت الطبقات الحاكمة بهذه المعاهدة. فعندما عاد تشامبرلين إلى إنجلترا معلنًا للجماهير أنه حقق «السلام في عصرنا»، أشاد روزفلت به واصفًا إياه بـ«الرجل الصالح».

وعندما غزا موسليني إثيوبيا، تردد روزفلت، لكنه سرعان ما زاد صفقات النفط مع إيطاليا. وأبرم ستالين مع هتلر اتفاقية عدم اعتداء عام 1939 سُلِّمت بموجبها فنلندا إلى ألمانيا وقٌسِّمت بولندا بين ألمانيا وروسيا. هذه المعاهدة المُبرمة بين ستالين وهتلر صَّيرت ستالين حاميًا لجبهتي هتلر الشرقية والشمالية، فخلا السبيل لهتلر لغزو أوروبا الغربية. ظن الحلفاء اللاحقون أن عقد الاتفاقات ستكون هي الطريقة المثلى للمحافظة على إمبراطورياتهم. يقول تروتسكي:«كانت القوى الاستعمارية السابقة تخشى من الصراع المسلح لأنها ستخسر الكثير دون أن تكسب شيئًا. فلم يكن تشامبرلين يجد ضيرًا من التخلي عن كل الديمقراطيات في العالم – ولم يتبق الكثير منها – مقابل عُشر مساحة الهند».

جادل تشرشل وآخرون ممن آزروا الحلفاء للتصدي لهتلر أنهم إن أرادوا حماية إمبراطورياتهم فسيتحتم عليهم مواجهة حرب النازيين الخاطفة. اتفق الساعون للتهدئة والساعون للعنف على حماية الإمبراطورية، بيدَ أنهم اختلفوا حول طريقة التنفيذ.

لم يهتم الاتحاد السوفييتي كثيرًا بمحاربة الفاشية كونه كان يسعى لتوسيع سيطرته على أوروبا الشرقية، مثله مثل حلفاءه الغربيين. فعلى سبيل المثال، منع ستالين عمدًا الجيش الأحمر من دعم انتفاضة «وارسو» لأنه لم يكن يريد دعم التمرد المسلح الذي من شأنه أن يُصعِّب خططه الهجومية الخاصة. فاحجتز قواته البرية والجوية خارج المدينة بينما قتل النازيون 166،000 متمرد.

خذلان اليهود

لكن الدليل القاطع على عدم التزام الحلفاء بمحاربة الفاشية هو خذلان ستة ملايين يهودي وتركهم لمواجهة المذبحة النازية. كتب آرثر مورس في كتابه الرائع «أثناء موت ستة ملايين» (While Six Million Died) أن الحلفاء خدموا هتلر بانتهازيتهم السياسية وتهربهم الدبلوماسي ولامبالاتهم وتعصبهم المجحف، حتى عندما نفَّذ المخططات النهائية لأكبر جريمة جماعية في التاريخ.

لم يهتم الحلفاء لأمر اليهود؛ فهم لم يحرِّكوا ساكنًا لوقف الإبادة الجماعية، بل وأعاقوا مساعي إنقاذ اليهود. أولاً، كانت واشنطن على دارية تامة بالفظائع المتزايدة التي ارتكبها النازيون ضد اليهود في ألمانيا. فمِن عام 1933 فصاعدًا، نقلت صحيفة نيويورك تايمز أنباء اعتداءات النازيين على اليهود التي تراوحت من وصف المضايقات البسيطة إلى إطلاق النار الجماعي والمذابح وحتى بناء معسكرات الاعتقال.

ومع ذلك أعاق روزفلت ووزير خارجيته كورديل هال كل محاولة لإدخال اليهود اللاجئين عندما رفضا فتح الحدود الأمريكية لليهود اليائسين الذين اصطفوا بعشرات الآلاف عند أبواب السفارات الأمريكية في جميع أنحاء أوروبا. حتى أنهما عيّنا بريكينردج لونغ، المعروف بعدائيته للسامية، لتولي مسؤولية اللاجئين، وقام هذا الأخير، مدفوعًا بأوهامه الشكوكية، باتهام المهاجرين اليهود إما بالانتماء للاشتراكية أو بالتجسس لصالح هتلر. واستخدم كل أنواع الحيل القانونية لحرمان آلاف اليهود من الدخول للولايات المتحدة.

وحتى بعد أهوال ليلة البلور عام 1938، عندما حشر النازيون عشرين ألف يهودي وأرسلوهم إلى معسكرات الاعتقال أمثال داخاو وبوخنوالد، لم يفعل روزفلت أي شيء حيال ذلك. كان بوسعه تغيير سياسة الهجرة أو على الأقل إصدار ردٍّ على ذلك الإرهاب. ففي عام 1939، تخاذل روزفلت عن دعم مشروع قانون كان من شأنه أن يخدم عشرة آلاف طفل يهودي لأنه خشي أن يؤدي ذلك إلى إثارة حنق القوى المناهضة للمهاجرين في الكونغرس، كونَ هذه القوى بوسعها تجميد ميزانيته المخصصة لعقود البحرية. ومجددّا في عام 1939، أرجع الرئيس سفينة سانت لويس التي كانت تحمل على متنها 936 من اليهود الفارين من الاضطهاد. كان معظم الركاب مستأهلين للجوء بالفعل، ولكن حتى بعدما بعثوا إلى روزفلت برقية استغاثة يلتمسون منه التدخل لإنقاذهم، تجاهل محنتهم. لقد أُجبِروا على العودة إلى أوروبا حيث قُتل الكثير منهم في غُرف الغاز الهتلرية.

لم تفعل الحكومة الأمريكية أي شيء لإيقاف أو حتى عرقلة «الحل الأخير» الخاص بهتلر، رغم إلمام حكام أمريكا بخطط هتلر وصولاً إلى التفاصيل الدقيقة. كانت التقارير تصل في وقت مبكر جدًّا حول الإبادة الجماعية لليهود في الجبهة الشرقية منذ عام 1941. وفي أغسطس عام 1942، تواصل رجل أعمال بارز مع الدكتور جرهارت ريغنير، رئيس المؤتمر اليهودي العالمي في جنيف، وحذَّر من مخططات هتلر المتعلقة بـ«الحل الأخير». فأرسل ريغنير برقية إلى الولايات المتحدة تُعلِمهم عن خطة هتلر، غير أن وزارة الخارجية تكتمت على تلك البرقية. ومع تدفق المعلومات، أجّلوا كل الردود إلى يناير من عام 1944. وأخيرًا، وتحت تأثير الضغط الجماعي وبعد مقتل أربعة ملايين يهودي، شكَّل روزفلت «مجلس لاجئي الحرب» الذي كان يعاني نقصًا في التمويل والكادر الوظيفي.

وحتى ذلك الحين، لم تفعل الولايات المتحدة إلا القليل لوقف الإبادة الجماعية. امتنعت الولايات المتحدة عن قصف الطرق المؤدية إلى أوشفيتز أو فرن الإحراق الموجود فيها، بالرغم من تحليق قاذفات الحلفاء فوق أوشفيتز لقصف مصانعها. زوَّد التشيكيون سرًّا الجيشَ الأمريكي بمعلومات تفصيلية تخص مواقع القصف، ومسارات القطارات مع جداولها أيضًا. لكن مساعد وزير الدفاع جون ماكلوي أفاد بأن قصفًا كهذا لن يكون عمليًّا وأنه لن يحوِّل الطائرات عن الأهداف العسكرية.

بذلت الجماعات الخاصة وكذلك الأفراد، مثل الدبلوماسي السويدي السابق راؤول وولنبرغ، جهودًا لإنقاذ اليهود فاقت ما فعلته أية حكومة حليفة.

الحرب العرقية ضد اليابان

عوضًا عن إنقاذ اليهود ومحاربة العنصرية، شن قادة أمريكا أنفسُهم حربًا عرقية ضد اليابانيين. لقد استعلمت الحكومة الأمريكية الجزء الأكبر من حملاتها الدعائية لتأجيج العنصرية ضد اليابانيين، بدلاً من استعمالها في تمجيد الديمقراطية وإدانة الفاشية.

ساهم كل مستوى من مستويات الحكومة الأمريكية في تلك الحرب، وجاءت مقترحاتهم مقاربة للإبادة الجماعية إلى حدِّ كبير. فقد صرَّح ممثل ولاية ميسيسيبي جون رانكين في قاعة الكونغرس قائلاً:

هذه حرب عرقية…حضارة الرجل الأبيض في صراع مع البربرية اليابانية. إن من الأهمية بمكان أن نتخلص من كل ياباني، في البر أو في البحر…اللعنة عليهم؛ لنقضي عليهم الآن.

وقال رئيس البحرية الأمريكية الأميرال ويليام هالسي لقواته: «اقتلوا اليابانيين؛ اقتلوا اليابانيين؛ اقتلوا مزيدًا من اليانيين». كما نصب الجيش لافتات تحمل شعارات عنصرية في جميع أنحاء جزر المحيط الهادئ التي استولى عليها. أحدها كانت توجه رسالة للجنود مفادها «اقتلوا اليابانيين؛ اقتلوا مزيدًا من اليابانيين. إنكم ستؤدون واجبكم إن أنتم ساعدتم في قتل أولئك الأوغاد الصُفْر». ونادى ابن روزفلت المقرب، إليوت روزفلت، بأن على الولايات المتحدة قصف اليابان «حتى نقضي على نصف السكان اليابانيين المدنيين». وأّيّد رئيس مجلس القوى العاملة في الحرب، بول ماكنوت «إبادة اليابانيين بالتمام».

من ناحية أخرى، أشعلت وسائل الإعلام الأمريكية نيران العنصرية بكل سرور. كتب المؤرخ جون دوير:

أعلنت صحيفة «ذا هيرست» (The Hearst) أن الحرب في آسيا تختلف تمامًا عن الحرب في أوروبا، حيث أن اليابان كانت تشكل «تهديدًا عرقيًّا» وثقافيًّا ودينيًّا، ولو حققت النصر في المحيط الهادئ، فستكون هناك «حربًا دائمة بين المُثل الشرقية والغربية». وصف معظم الكُتَّاب الحرب ضد اليابان بأنها «حربٌ مقدسة، حربٌ عرقية تفوق في أهميتها أية حربِ شهدها العالم حتى الآن».

وقالت مجلة تايم (Time) بتبجح أن «الياباني العادي الغِر جاهل. لربما يكون إنسانًا. ولكن لا شيء يدل على ذلك».

لقد نجحت الحملة العنصرية المعادية لليابانيين على نحوٍ واسع. يجادل بول فوسيل قائلاً:

بالنسبة لمعظم الجنود والبحارة الأمريكيين، فإن الولايات المتحدة، على الأقل، كانت تسعى إلى الحرب فقط لحماية نفسها من الوحوش الذين قصفوا بيرل هاربر على حين غرة…كتب صديق من شانوت فيلد، بولاية إلينوي في يوليو عام 1943، اسمه راندال جيريل يقول: «لا يملك 99 بالمئة من الأشخاص في الجيش أدنى فكرة عن دواعي الحرب. أقوى دافعين هما: (أ) القومية و(ب) التعصب العرقي – هم يكرهون اليابانيين على هذا النحو، ولكن ليس بقدر كرههم للزنوج.

دفعت الحرب العرقية التي شنها الحاكم الجنودَ الأمريكيين إلى تأييد بعض الممارسات البغيضة أو التغاضي عنها على نحوٍ مبالغٍ فيه، كجمع جماجم اليابانيين وآذانهم على أنها غنائم. حيث نشرت مجلة «لايف» (Life) صورًا لجنود أمريكيين يحملون سلاسل مكونة من آذان اليابانيين. حتى أنها طبعت صورة على صفحة كاملة لخطيبة جندي تقف إلى جانب جمجمة يابانية أرسلها إليها خطيبها الذي يُقاتل في المحيط الهادئ.

باكس أمريكانا (السلام في ظل هيمنة أمريكية)

هرعت الطبقة الحاكمة في أمريكا إلى ترسيخ هيمنتها في جميع أنحاء العالم بعد تغلبها على ألمانيا واليابان. فسارعت إلى إخماد الثورة العمالية الهائلة التالية للحرب والنضال من أجل الاستقلال في المستعمرات الأوروبية. وفي الوقت ذاته، شن الأمريكيون الحرب الباردة ضد منافسهم في سباق الإمبراطورية، ستالين روسيا. واستدعت الولايات المتحدة دعم الفاشيين السابقين، وحاكت ودعمت انقلابات نصّبت مستبدّين مؤيدين للأهداف الأمريكية في بلدان الجنوب العالمي وبعثت قواتها لفرض سيطرتها في الدول حول العالم.

يعبر المؤرخ غابرييل كولكو عن ذلك بقوله:

ناشدت الطبقات الحاكمة السابقة في أوروبا الولاياتِ المتحدة وإنجلترا لإنقاذها من البلشفية، وهي بذلك تكون قد استمالت اهتمام الغرب لحنقه على البلشفية وخوفه منها. ورغم أنه كان بوسع الأنجلو-أمريكيين فرض حكومات احتلال، إلا انهم قرروا الإبقاء على معالم النظام السابق للحرب، المُعدل تعديلاً متواضعًا ربما، بقوة السلاح إن لزم الأمر.

وكان الاستقرار الذي أعقب الحرب يصب في مصلحة البيروقراطية السوفييتية. فقد ساهم ستالين والأحزاب الموالية له في جميع أنحاء العالم في إعاقة النضال ضد الرأسمالية. يجادل كولكو بقوله: «لم يقف بين النظام القديم والثورة سوى التحفظ الروسي»، ففي مقابل بسط نفوذه على أوروبا الشرقية، أمر ستالين الأحزاب الشيوعية بقبول الحكم الأمريكي في أوروبا الغربية وأماكن أخرى. وعليه، توحدت القوّتان لنزع فتيل الثورة التالية للحرب وسحقها رغم تناحرهما على امتلاك العالم.

أنتج انهيار الفاشية فراغًا مؤقتًا في السلطة في أوروبا كلها. انهارت الفاشية، غير أن نوع المجتمع الذي سينهض في مكانها كان مسألة مفتوحة لفترة وجيزة. تصدى ملايين الناس للنظام القديم الذي تسبب في مثل تلك الفظاعات حينما نهضوا لمحو بقايا الفاشية. ففي إيطاليا، ساهمت حركة مقاومة جماهيرية، استنهضتها الإضرابات الجماعية، في إسقاط نظام موسليني وهزيمة المحتل النازي. جعلت الإضرابات، إلى جانب المقاومة المسلحة، المناطق الإيطالية مثل تورينو وميلان محظورةَ على الفاشيين والألمان. وفي فرنسا، ظهرت لجان التحرير الشامل بعد سقوط حكومة فيليب بيتين، وكانت بمثابة حكومة بديلة في بعض المناطق. وفي ألمانيا، ظهرت المجالس المناهضة للفاشية في جميع أنحاء البلاد، وقد ظهر 38 مجلسًا في لايبزيغ وحدها. كما أُنشِئت عديد من المجالس المناهضة للفاشية في أماكن العمل. وكما يكتب توني كليف:

كان هناك ثمة وعي بأن القضاء النهائي على النازية لن يتحقق إلا بتولي العمّال زمام الأمور بأنفسهم. دعا منْجم «الأمير الوصي» في بوخوم إلى إضراب سياسي عام ونشر شعار «فليحيا الجيش الأحمر»، في إشارة إلى القوة الثورية للثورة الألمانية 1918-1923، وليس إلى القوات السوفييتية. كانت الرؤية رؤية طليعية حيث «لن يكون في دولة المستقبل أرباب عمل كما في السابق. علينا أن نُنظمها ونعمل فيها كما لو أن المؤسسة لنا». تولى العاملون في بعض الأماكن زمام الأمور في المصانع فهرب أرباب العمل. وأنشأ المناهضون للفاشية ميليشيات المصانع الخاصة بهم واستبدلوا قادة الشرطة ورؤساء البلديات بمرشحيهم. وُصف الوضع في شتوتجارت وهانوفر بوصفه شكلاً من أشكال «السلطة المزدوجة»؛ فمع قيام المناهضين للفاشية بإنشاء قوى أمنية خاصة بهم، استولوا كذلك على مناصب محلية نافذة وبدأوا في تشغيل خدمات حيوية كالتموين الغذائي.

لكن القوى الغربية جرّدت حركات المقاومة من السلاح في كل مكان بمساعدة من الستالينيين واستعادت النظام القديم. لقد استعانت الولايات المتحدة وحلفاؤها بالنازيين السابقين والفاشيين ومعاونيهم لاستعادة كيانات أوروبا القديمة المتعفنة ذاتها التي أنتجت الفظائع الفاشية.

وفي ألمانيا، أحالت الولايات المتحدة مشروع استئصال النازية إلى الألمان بعد محاكمة معظم كبار القادة النازيين وتنفيذ حكم الإعدام فيهم. زحف آلاف من البيروقراطيين والسياسيين والشخصيات الاستخباراتية المنحدرين من نظام الحقبة النازية نحو السلطة مجددًا في ظل الاحتلال الأمريكي. وحسبما أفاد المؤرخ أحد المؤرخين:

اعترف جون ماكلوى، المندوب السامي للولايات المتحدة في جمهورية ألمانيا الفيدرالية، في خطابٍ إذاعي ألقي في أغسطس عام 1949 بأنه «نحو ثلاثين بالمئة» من المناصب الحكومية والصناعية كان يشغلها بالفعل نازيون سابقون.

كان إدخال النازيين في الحكومة موقوفًا على تخليهم عن انتماءاتهم النازية وقسمهم على الولاء للتحالف الغربي.

عيّن المحافظ كونراد أديناور، أول مستشار ألماني غربي مُنتخب بعد الحرب، ثيودور أوبرلاندر، محارب سابق في كتيبة العندليب (Nightingale) التابعة للقوات الوقائية (SS)، وزيرًا للاجئين. كما كان وزير داخليته، غيرهارد شرودر، عضو سابق في كتيبة العاصفة التابعة لهتلر. بادر شرودر إلى توظيف عدد كبير من ضباط القوات الوقائية في الشرطة السرية (الغيستابو) السابقين في جهاز الشرطة التابع لألمانيا الغربية. وأصبح هانس غلوبك، مدير مكتب الشؤون اليهودية في عهد هتلر، وزير دولة أديناور. وكان هانس قد عمل بشكل وثيق مع ضابط القوات الوقائية، أدولف إيخمان، في ترحيل يهود مقدونيا وتصفيتهم. كما استغل منصبه الجديد عام 1951 لتنسيق عودة الآلاف من موظفي الخدمة المدنية المعاصرين لهتلر إلى وظائفهم السابقة.

وأوضح الممثل الدبلوماسي لوزارة الخارجية جورج فورست كينان سبب عدم اهتمام الولايات المتحدة باستئصال النازيين من الحكومة والصناعة الألمانية:

سواء أحببنا ذلك أم لا، تسعة أعشار من يملكون القوة والقدرة والاحترام في ألمانيا مستبطن في تلك الفئات التي نخطط لها…هم أعضاء الحزب النازي الذين لم يكن انتماؤهم للحزب مجرد انتماء اسمي.

علَّق كينان أنه بدلاً من إزالة «الطبقة الحاكمة الألمانية الحالية» سيكون من الأفضل «زجرها بشدة وتعليمها الدروس التي نرتأي تعليمها إياها». في إيطاليا، موّلت وكالة المخابرات المركزية الفاتيكان بمبالغ مالية ضخمة بهدف مساعدته على إدارة الدعاية المناهضة للاشتراكية في الانتخابات الإيطالية. ووفق ما أشار المؤرخ كريستوفر سيمبسون، أتى جزء كبير من تلك الأموال المخصصة لتلك العملية من «الأصول الألمانية النازية المحتجزة، إضافة إلى المال والذهب الذي نهبه النازيون من اليهود».

وظّفت الولايات المتحدة النازيين سيئي السمعة أمثال كلاوس باربي، قائد الشرطة السرية، وضابط الاستخبارات النازية ريهنارد غيلين لتجنيد آلاف العملاء النازيين للتجسس على روسيا في أوروبا الشرقية. يقول مدير وكالة المخابرات المركزية آلان دوليس عن غيلين: «إنه في صفنا، وهذا كل ما يهم». وأحد الذين جندّهم غيلين كان فرانز سيكس، وهو رجل قاد فرق الموت المتنقلة في الجبهة الشرقية، وكان يُعتبر ربيبًا لقائد فرقة القوات الوقائية هنريك هيملر، وأشرف تحت إمرة أدولف إيخمان على بعض العمليات الأولى للمحرقة بصفته قائد قسم «الحرب الفكرية» التابع لجهاز الأمن. كما جنّدت وكالة المخابرات المركزية ألويس برونر في عصابتهم التجسسية، الذي كان قد تخصص في ملاحقة اليهود وترحيلهم إلى معسكرات الاعتقال في ظل النظام النازي. كان أدولف إيخمان يثني على برونر واصفًا إياه أنه «أحد أفضل رجاله». عُرف برونر من بين الفاشيين أكثر ما عُرف بقتله أطفال اليهود لأنه كان يرى أنهم «إرهابيو المستقبل». وتشير تقديرات مركز سيمون فيزنتال بأن برونر شخصيًّا كان مسؤولاً عن مقتل 128,500 شخص. كما حمت الولايات المتحدة 624 نازي آخر سيء الصيت وأدرجتهم في سلّم رواتب وكالة الاستخبارات المركزية.

أشار أحد ممثلي الوكالة التي ظهرت قبل وكالة الاستخبارات المركزية، مبررًا استعانتهم بالنازيين، بقوله:

إنهم يقولون «لماذا استعنتم بالنازيين؟» إن هذا سؤالٌ غبي. كان سيستحيل علينا العمل في ألمانيا الجنوبية دون الاستعانة بالنازيين. من كان يعرف ألمانيا أفضل من أي أحد آخر؟ من كان الأكثر تنظيمًا؟ من كان أكبر مناهض للشيوعية؟ النازيون السابقون. إن الامتناع عن الاستعانة بهم يعني العجز التام. ونحن استعنا بهم، والبريطانيون استعانوا بهم، وكذلك الفرنسيون والروس.

في اليونان، أعلنت الولايات المتحدة وبريطانيا الحرب على الثورة الشعبية المناهضة للفاشية. كان السفير البريطاني يقول: «إن ما يجري بين اليونانيين هنا ليس إلا ثورة». وتبعًا لذلك، دعم البريطانيون والأمريكيون النظام الموالي للفاشية في الحرب الأهلية بهدف إضعاف الطبقة العاملة اليونانية التي كانت قد حررت البلاد. وفي خطابه الشهير «عقيدة ترومان»، الذي شنّ على إثره الحرب الباردة، طلب الرئيس ترومان من الكونجرس 400 مليون دولار وحصل عليها لدعم النظام اليوناني باعتباره حصنًا منيعًا ضد الشيوعية. وفي عام 1947، اعتقل هذا النظام 30,000 ناشط سياسي وأودعهم السجن، ورحَّل 700,000 شخص وقتل 158،000 يوناني معارض للفاشية، أي حوالي 2% من مجموع السكان.

ولأجل ترسيخ هيمنتها في آسيا، قامت الولايات المتحدة بسحق الحركات القومية الجماهيرية المعارضة للنزعة الاستعمارية. كانت اليابان قد دمّرت معظم النظام الاستعماري القديم؛ لكن بعد هزيمتها، خشيت الولايات المتحدة من وجود فراغ في السلطة الذي كان من الممكن أن يملؤه القوميون والعمال المحليون. فأصدر ترومان «القرار العام رقم 1»، الذي نص على وجوب خضوع اليابانيين للولايات المتحدة أو لحلفاءها المحددين دون سواهم، وعلى عدم مد حركات المقاومة المحلية بالأسلحة في ظل أي ظرف من الظروف.

من مُجنَّدٍ مبتدئ إلى شرطي عالمي

دخلت الولايات المتحدة الحرب العالمية الثانية دون أن تصل للأسواق العالمية ودون أن يكون لديها قواعد عسكرية تفرض إرادتها من خلالها. ثم برزت بجيش تمركز في 56 دولة ورابَط في أكثر من 400 قاعدة عسكرية. واستحوذ الاقتصاد الأمريكي، الذي أنعشته الحرب، على 75% من الرساميل الاستثمارية في العالم.

عززت الولايات المتحدة هذه القوة الجديدة، فأعادت بناء الرأسمالية الأوروبية من خلال (خطة مارشال) وأنشأت حلف شمال الأطلسي (NATO) لفرض هيمنتها على القوى القارّية. وبعد تغلبها على اليابان، استحوذت الولايات المتحدة لنفسها على السيادة الاقتصادية والسياسية في آسيا. ودعمت الفرنسيين في الصين الهندية أولاً ثم استبدلتهم لاحقًا. وتقاسمت كوريا مع روسيا، ثم خاضت في وقت لاحق حربًا بالوكالة مع روسيا والصين على التقسيم. وقد أودت هذه الحرب، أي الحرب الكورية، بحياة أكثر من مليوني شخص.

انتزعت الولايات المتحدة إنجلترا من إمبراطوريتها وحلَّت محلها بصفتها القوة الرئيسية في الشرق الأوسط، حيث تؤمِّن السيطرة على احتياطي النفط (بمساعدة كلب حراستها في المنطقة، إسرائيل). بعد ذلك أسست الولايات المتحدة (الأمم المتحدة) لتعزيز هيمنتها السياسية وأنشأت البنك الدولي، وصندوق النقد الدولي، واتفاقية الجات لمراقبة السياسات الاقتصادية للسوق الحرة.

لقد شيدت الولايات المتحدة إمبراطوريتها من أنقاض المستعمرات الأوروبية. ولكن عوضًا عن إنشاء أنظمة استعمارية، بادرت بدعم الحكام الديكتاتوريين، أمثال شاه إيران وسوهارتو في إندونيسيا وموبوتو في زائير، الذين كانوا يذعنون لأوامر الولايات المتحدة الاقتصادية والسياسية. وفي فيتنام، حيث تدخلت تدخلاً مباشرًا، قتلت الولايات المتحدة مليوني شخص من أجل منع البلاد من تحقيق الاستقلال. لقد صدّت الولايات المتحدة الحركات المناهضة للإمبريالية والثورات العمالية في كل أنحاء العالم باسم محاربة الشيوعية. وبذلك تكون الولايات المتحدة قد نصّبت نفسها الشرطي العالمي الحامي للرأسمالية العالمية، العدو الأكبر للقوة العمالية في داخلها وفي خارجها.

المصدر: إنترناشنال سوشلست رفيو