المواجهة الشعبية للأبارتهايد: انتفاضات الضواحي والنضال النقابي

ut

ديفد وايتهاوس

في يونيو/حزيران لعام 1980، قام الجناح العسكري للمؤتمر الوطني، رمح الأمة، بتفجير معمل تحويل فحم إلى زيت مهم يقع 80 ميلا شرق جوهانسبرغ. كان ذلك «عملا خارجيا» نفذه عناصر من رمح الأمة مستقرون في منفاهم في موزمبيق.

اتهمت الشرطة الجنوب أفريقية باتريك تشاموسو، وهو رئيس في المعمل من أصول موزمبيقية، بالتجسس لصالح المفجِّرين، ولكن تشاموسو لم يكن متورطا معهم، بل كان قد تجنب السياسة واقعا حتى تلك اللحظة من حياته.

يحكي فيلم «Catch a Fire» قصة تعذيب تشاموسو الحقيقية بواسطة الشرطة، وتعذيب زوجته أيضا، وكيف أن ذلك دفعه للانضمام للمقاومة ضد نظام الأبارتهايد.

بُرّئ تشاموسو من تهمة الأعمال التخريبية، ولكنه هرب من البلاد لينضم إلى رمح الأمة، وهي رحلة أخذته أولا إلى موزمبيق ومن ثم إلى أنغولا. تأتي ذروة الفيلم حين يعود تشاموسو إلى جنوب أفريقيا ليُتمّ مهمة التخريب التي اتُّهِم زورا ببدئها.

يقدم هذا الفيلم صورة صادقة وأخاذة عن كيفية توجه شخص عادي للراديكالية بسبب معاناته من الوحشية العنصرية لنظام الأبارتهايد. وعلى ذلك النحو، كانت قصة تشاموسو قصة اعتيادية مر بها آلاف، لا بل ملايين الجنوب أفريقيين في الثمانينات، حين وصلت مقاومة الأبارتهايد إلى ذروتها.

ولكن هنالك ناحية مهمة جعلت من قصته غير اعتيادية بتاتا، وبالتالي لا يمكن لها أن تقف كصورة دقيقة تمثل الكفاح ضد الأبارتهايد.

حدث توجهه للراديكالية بانعزال عن محيطه، أولا حين عزل نفسه من النشاط السياسي داخل جنوب أفريقيا، ولاحقا، حين تدخل من المنفى. ولكن المقاومة نشأت عن طريق نسج ملايين الخيوط المماثلة لتجربة تشاموسو لتخلق مقاومة جماهرية أسقطت النظام.


في وقت أول هجوم على المصنع الذي عمل فيه تشاموسو، كانت أغلب القيادات الوطنية للتنظيمات المناهضة للأبارتهايد إما في السجن أو في المنفى.

انبعثت مقاومة النظام حينها على المستوى الشعبي، أولا بسلسلة من الإضرابات في ديربان عام 1973 و«انتفاضة سُوْيتو»، وهي انتفاضة طلابية بدأت في جوهانسبرغ وانتشرت في أرجاء البلاد. ومقارنة بانتفاضات كهذه، كانت هجمات رمح الأمة المستهدفة أهدافا اقتصادية أو عسكرية هجماتًا رمزية غالبا ضد النظام، وإن كانت مُلهِمة.

ومنذ السجن الجماعي والنفي الجماعي للجيل السابق، مر المجتمع والاقتصاد الجنوب أفريقي بتغيرات جذرية، وحين أُرسل نيلسون مانديلا إلى سجن روبين آيلاند في عام 1961، كان تعداد سكان المدن أكثر بقليل من 3 مليون نسمة. بحلول عام 1980، وصل تعداد سكان المدن إلى 5،6 مليون نسمة.

كانت القوة المحرّكة للتوسع الحضري هي نمو الصناعة والطبقة العاملة السوداء التي عاشت في «الضواحي» السوداء التي أوَت العمال الصناعيين وعوائلهم وغيرهم من القادمين بحثا عن العمل، وأحاطت تلك الضواحي بالمدن، إذ حوفظ على «بياض» هذه المدن. كانت الضواحي في المناطق المحيطة أصغر من سُوْيتو، ولكنها حملت طابعا صناعيا أكبر. على سبيل المثال، في منطقة راند الشرقية الممتدة بين جوهانسبرغ وسيكوندا، وهي المدينة التي عمل فيها تشاموسو، كان 50 بالمئة من الوظائف تقريبا موجودا في قطاع التعدين والصناعة والعمران. وأما مدينة الصفيح مترامية الأطراف، سيكوندا ذاتها، فقد بُنيت من لا شيء في عام 1974 لتأوي عمال معمل تكرير الزيت ساسول المدعوم بواسطة الدولة.

سرعان ما ركزت انتفاضة سُوْيتو، التي بدأت بمظالم طلابية، على مطالبة الدولة بالاعتراف بحق سكان الضواحي في السكن الدائم، إذ كانوا ذو أهمية حيوية للاقتصاد. وبعد اكتسابهم ذلك الحق، تلا ذلك بعض سنوات من القمع الممزوج بالإصلاحات، حيث سعى نظام الأبارتهايد، بعد أن أحكم السيطرة على الضواحي بالعنف، لتحقيق الاستقرار فيها عن طريق بناء المنازل وتوفير الكهرباء والسماح بـ«حكم ذاتي» محدود من خلال مجالس للضواحي.


وفيما يتعلق بوعود بناء المنازل وتوفير الكهرباء، فقد كانت وعودا لم يوفى بها أبدا، وأما مجالس الضواحي ذاتها فقد أصبحت في محور الغضب الشعبي، إذ تحملت المجالس «مسؤولية» إدارة شؤون الضواحي ولم تملك أي تمويل، وبالتالي لم يكن لديها سلطة، إذ أن الطريقة الوحيدة لتمويل ميزانية خدماتها كانت رفع الإيجارات. ونتيجة لذلك، سرعان ما أصبحت هذه المجالس في نظر الناس طريقة أخرى تقوم بها دولة الأبارتهايد بمهاجمة المستويات المعيشية للعمال السود.

توجهت خبرات الناشطين التي كُسِبت في انتفاضة سُوْيتو في ذلك الوقت بثلاثة اتجاهات.

في المدارس المفصولة عنصريا، حيث كان تمويل مدارس السود أقل بخمسة عشر مرة من مستوى تمويل مدارس البِيْض، استمر الطلاب السود بالتظاهر ضد الأوضاع المتدنية، وفي الأحياء، ضغطت «منظمات مدنية» مستقلة على مجالس الضواحي، حيث كانت مقاطعة الإيجارات سلاحا رئيسا، وأما في المصانع والمناجم، أسس العمال نقابات جديدة.

secunda-ctl
يعد مصنع ساسول للوقود الاصطناعي اليوم الأكبر في العالم.

أُجيز إنشاء نقابات السود في السبعينات نتيجة لإضرابات ديربان، وما بين عام 1980 وعام 1982، تضاعفت عضوية النقابات ثلاثة أضعاف، من 220 ألف حتى 670 ألف نقابي، حيث انتمى ربع هؤلاء إلى «النقابة الوطنية لعمال المناجم» المُنشأة حديثا بقيادة سيريل رامافوزا، والذي انضم بدوره لاحقا للمؤتمر الوطني كإداري. وفي معمل سيكوندا، انضم ثلاثة آلاف شخص إلى نقابة العمال الكيميائيين في السنوات التالية لهرب تشاموسو.

وحتى عام 1984، لم تسر أغلب هذه النضالات إلا على المستوى المحلي، ولم تنتج سوى ومضاتٍ نضالية، ولكن التجربة الشعبية، التي تراكمت منذ انتفاضة سُوْيتو، أعدّت الطريق للمواجهة القادمة مع دولة الأبارتهايد على المستوى الوطني: انتفاضات الضواحي ما بين 1984 و1986.

خلال صيف 1984، ازدادت تظاهرات الطلاب ومقاطعات الإيجارات، ولاحقا في سبتمبر/أيلول، حدثت فورة في «مثلث نهر فال»، أي في مدن فيرنيجنج وفاندربيجلبارك وساسولبرغ. وفي هذه المنطقة الصناعية الواقعة جنوب جوهانسبرغ، هاجمت الشرطة جمهورا من مقاطعي الإيجارات والطلاب المناصرين لهم. صد الجمهور الهجوم وقاوموه، بل وهاجموا منزلي عضوين فاسدين من أعضاء مجلس الضاحية. وخلال أيام معدودة قتل الشرطة 50 من السكان، وقتل المتظاهرون أربعة من أعضاء مجلس الضاحية.

funeral-uitenhage-1985
يوتينهاغي في عام 1985: حين تقتل الشرطة متظاهرين، تتحول الجنازات إلى مظاهرات شعبية

وأما في منطقة جوهانسبرغ-بريتوريا، إذ يقطنها نصف سكان جنوب أفريقيا، بدأت الشرطة بمهاجمة كل التجمعات السياسية. أدّى هذا القمع لاندلاع تظاهرات في ضواحي البلاد. هُمِّش أعضاء مجالس الضواحي واُتّهِموا بالعمالة للأبارتهايد، واستجابت حكومة الأقلية البيضاء بالاحتلال العسكري.

انخرط العمال في المظاهرات، إما بدورهم آباء أو أمهات أو كونهم مستأجِرين، ولكن في نوفمبر/تشرين الثاني، نهضوا بدورهم عمّالا، واندلع إضرابٌ عام سياسي تضمن 800 ألف عامل، يناصرهم 400 ألف طالب يتظاهرون ضد أوضاع المدارس، ولكن المطلب الرئيسي كان إخراج القوات الأمنية من الضواحي.

انتقاما لإضراب نوفمبر/تشرين الثاني، طرد معمل سيكوندا ستة آلاف عامل، ولكن نشاط النقابة داخل وخارج المعمل أعاد لسبعين بالمئة من هؤلاء وظائفهم، وأضف على ذلك أنه كسب اعترافا بممثلي النقابة أيضا لأول مرة. وبعد سنة كاملة، التقت أربعة وثلاثون نقابة في ديربان لتشكيل «كوساتو»، مؤتمر النقابات المهنية الجنوب أفريقية.

ومع تطور الحركة في عام 1985، أصبحت العديد من الضواحي أماكنا تخشى الشرطة دخولها، وبحلول نهاية العام، بدأت شبكات «لجان شوارع» بالتشكل على أساس حكم ذاتي حقيقي للضواحي، وتضمنت هذه الشبكات تقديم خدمات وحلّ نزاعات مستقلة عن نظام الأبارتهايد.

وعلى الرغم من أن نموذج الديموقراطية الشعبية هذا يثير الإلهام، فهو لم يتجاوز كونه حكما ذاتيا مؤقتا للعشوائيات الفقيرة. ولتدعيم حكم ذاتي حقيقي، كان العمال بحاجة للاستحواذ على مصادر الثروة، المصانع والمناجم، ولكن دولة الأبارتهايد لم تسمح للأمور بالوصول إلى تلك النقطة.

في ظل حالة طوارئ في عام 1986، سحب النظام وألغى الحقوق المدنية القليلة التي كُسِبت وأعاد احتلال الضواحي.


لم تلعب المنظمات الوطنية دورا معتبرا في اندلاع انتفاضات الضواحي، ولكن خلال عام واحد، بدأ تنظيم واسع اسمه «الجبهة الديموقراطية المتحدة» بتنسيقها.

udf-dont-vote
ملصق للجبهة الديموقراطية المتحدة يحمل شعار “لا تصوتوا في انتخابات الأبارتهايد” و”فلنسر نحو الحرية”.

كانت الجبهة الديموقراطية المتحدة مكونة من منظمات قانونية نائبة عن المؤتمر الوطني الأفريقي المحظور، وشاركت معها كنائس ونقابات وغيرها من التنظيمات المستعدة للعمل مع المؤتمر الأفريقي. كان نشاط الجبهة الأول في عام 1983 هو القيام بمقاطعة ناجحة للانتخابات للفرعين «الهندي» و«الملون» الجديدين للبرلمان، حيث كانت هذه محاولة فاشلة لتقسيم المعارضة بواسطة حكام الأبارتهايد.

على الرغم من أن أغلب فروع الجبهة الديموقراطية المتحدة بدأت من غير أي جذور في الضواحي التي اندلعت فيها النضالات، فقد اعتنقت الانتفاضات وساعدت على صقل تركيزها الوطني. توسعت حماسة هذا التنظيم الواسع ليشمل تجارب تضمنت لجان شوارع و«محاكم شعبية»، وهذه البنى الجديدة للسلطة، المبنية على أسس شعبية، سارت كلمحات للبديل الديموقراطي للسلطة القمعية لدولة الأبارتهايد.

ولكن مع اشتداد قمع الدولة في أواخر الثمانينات، بحث كل من حكام الأبارتهايد والقوى المنحازة للمؤتمر الوطني عن «تسوية» المأزق الاجتماعي، وكلا الطرفين حملا رؤية مفاوضاتٍ وناظما متجاوزا للأبارتهايد تُهندسه النُخب، لا القوى الشعبية.

وبحلول هذا الوقت، قَبِل «كوساتو» بزعامة المؤتمر الوطني، مفوتا فرصة تشكيل بدايات حزب عمّالي مستقل. شكل نشطاء الحزب الشيوعي الغراء الرابط بين الإثنين، مُعلنا أن سلطة العمال والاشتراكية لا يمكن لهما أن يُحققا إلا بعد فترة ديموقراطية رأسمالية غير عرقية.

ومع تفاوض المؤتمر الوطني نيابة عن الحركة جمعاء، لم يقبل بأي مساومة حول إبقاء أي أثر للعنصرية المُقنّنة، وأما حكام الأبارتهايد فلم يتنازلوا عن الموقع الاقتصادي لملاك المناجم والمصانع والمزارع.

وفي آخر المطاف، حتى التسوية التي ولّت نيلسون مانديلا كرسي الرئاسة في عام 1994 لم تكن ممكنة لولا انتفاضات شعبية متكررة. وأهم تدخّلين شعبيين في أوائل التسعينات كانا إسقاط لوكاس مانغوب، حاكم «وطن» بوبوتتسوانا وعميلٌ للأبارتهايد، والمظاهرات الشعبية التي اندلعت بعد أن قام يمينيون متطرفون باغتيال قائد الحزب الشيوعي كريس هاني.

كانت نتيجة ذلك انتصارا على نظام عنصري بشع، ولكن ليس على اللا مساواة أو الفقر المنتشر. ففي فيلم «Catch a Fire» لم يكن هنالك حاجة لبناء مشاهد الصفوف اللا محصورة لبيوت الصفيح، فهي تعكس واقعا باقيا حتى يومنا هذا.

ولكن هنالك طريق لتجاوز هذا الواقع البائس. يلمح الفيلم لانبعاث نضال جماهيري ولكنه لا يتطرق له بالتفصيل. ولتحقيق انبعاث حكمٍ شعبي، يتوجب على العمال تنظيم أنفسهم باستقلالية كقوة سياسية للتحكم بمصادر ثروة جنوب أفريقيا.

المصدر: وركس إن ثيوري