ستاثيس كوفيلاكيس: «الاتحاد الأوروبي لا يمكن إصلاحه»

ستتطلب إعادة تأسيس حقيقية لأوروبا كسر القفص الحديدي للتقشف الأبدي والنيوليبرالية السلطوية.

EuropeanParliament

مقابلة أجرتها مجلة «ميديابارت» مع ستاثيس كوفيلاكيس، عضو سابق في اللجنة المركزية لائتلاف اليسار الرديكالي (سيريزا) اليوناني، وعضو حالي في «الوحدة الشعبية».

 

ما هي نظرتك لتصويت الخروج البريطاني من الاتحاد الأوروبي؟

أول ما يجدر الإشارة إليه هو أن الاتحاد الأوروبي يخسر كل الاستفتاءات الشعبية حول الاقتراحات المنبثقة منه أو المتعلقة بسلطته. وبالتالي يتوجب على من يدافعون عن المشروع الأوروبي دفاعا غير مشروط أن يسألوا أنفسهم عن سبب هذه الخسارات المتكررة. ولكن هذه أول مرة تُطرح فيها مسألة البقاء أو الخروج من الاتحاد الأوروبي، وفي نظري، يشكّل اختيار أحد البلدان الأوروبية الكبرى الثلاث الانفصالَ عن الاتحاد الأوروبي نهاية المشروع الأوروبي الحالي، فهذه النتيجة تكشف لنا أمرا علمناه مسبقا، وهو أن هذا المشروع مشروعٌ بُني بواسطة النخب ومن أجلها، ولم يتمتع بدعم شعبي.

هل يُسعدك خروج بريطانيا؟

نعم. ولكن، بالطبع، هذا الرفض المشروع للاتحاد الأوروبي عرضة لاختطاف القوى اليمينية والزينوفوبية، كما بينت لنا حملة الاستفتاء البريطانية، ولكني أعتقد أنه بالإمكان أن يكون فرصة للقوى التقدمية في خضم الكفاح ضد مشروع أوروبي نيوليبرالي وسُلطوي، ألا وهو الاتحاد الأوروبي على هيئته الحالية. وأعتقد أن القوى اليسارية المناهضة للنيوليبرالية بإمكانها أن تجد تمظهرا أكبر في بلدان أوروبية أخرى أكثر مما سنجد في المملكة المتحدة. ففي بريطانيا، كانت دعوى خروج بريطانيا على منحى يساري بالكاد مسموعة، وكان هنالك انشقاق ما بين قيادات القوى السياسية والنقابية على اليسار من جهة، وقواعدهم الشعبية والعمالية من جهة أخرى، حيث رفضت هذه الأخيرة، بأغلبيتها العظمى، الاتحاد الأوروبي.

شهد حزب العمال أيضا انفصالا بين ممثليه في البرلمان وآلة الحزب من جهة، ونسبة عالية من ناخبيهم من جهة أخرى، وأما منظّمو الحزب وأعضاؤه فقد انقسموا بين الاثنين. وعلاوة على ذلك، قائد الحزب الحالي، جيرمي كوربين، يحمل عداوة كبيرة واقعا تجاه الاتحاد الأوروبي، ولكنّه أُجبِر على تأييد البقاء نظرا لعلاقات القوة داخل آلة الحزب وقواه داخل البرلمان.

وفي فبراير/شباط لعام 2015، حين كنت لا أزال عضوا في اللجنة المركزية لسيريزا، حضرت تجمعا كبيرا في مبنى مؤتمر النقابات المنهية في لندن للاحتفال بفوز حزبنا في اليونان. أتى جيرمي كوربين، حيث لم يعتقد أحد وقتها أنه قد يصبح قائد حزب العمال، ليتحدث معي على جانب الاجتماع، وقال: «هل لديكم خطة باء؟ سيسحقكم الاتحاد الأوروبي، بدءا بالهجوم على نظامكم المصرفي».

وحدثني عن صدمته يوم كان ناشطا شابا، أعقاب انتصار حزب العمال في انتخابات 1974 ببرنامج حملة راديكالي، حيث هوجِم النظام المصرفي البريطاني مباشرة، مما أجبر بريطانيا على استنجاد صندوق النقد الدولي طلبا للديون، مقابل تطبيق سياسات تقشف. أراد كوربين مني أن أطمئنه بأننا نملك خطة بديلة. كنت في الأقلية في قيادة سيريزا وبالتالي قلت له أنه ليس بإمكانه إلا مناقشة ذلك الأمر مع تسيبراس ومحاولة إقناعه.

هذه الحكاية تبرهن أن كوربين لا يحمل أيّة أوهام فيما يتعلق بالاتحاد الأوروبي، الأمر وما فيه هو أن آلة حزب العمال ونوّابه معادون له بشده، ويلومونه الآن لكونه لم يقدم دعما معتبرا لحملة البقاء. والإعلام ذاته الذي نادى بالتصويت للبقاء يريده أن يتنحى، رغم أن الخروج البريطاني انتصر، بذريعة أنه لم يقم بما هو كافي…

هل أنت متفاجئ بهذه النتيجة؟

لا. ما فاجأني أثناء هذه الحملة هو الشعور بـ«ديجافو». كنت محظوظا كفاية لأعيش في فرنسا أثناء استفتاء 2005 حول الدستور الأوروبي، وفي اليونان أثناء استفتاء العام الماضي حول خطة التقشف التابعة لجان كلود يونكر، وفي هذا العام أثناء التصويت في بريطانيا. في كل حالة من هذه الحالات، أحضر المدافعون عن الاتحاد الأوروبي معهم خطابا متزايدا في السلبية ووظفوا حججا مستندة في جوهرها على التخويف والتهويل، مسلطين الضوء على كل المصائب التي ستحل على الملكة المتحدة لو صوت البريطانيون لصالح «الخيار الخطأ».

وكالعادة، صرّح فولفغانغ شويبله وجان كلود يونكر بتهديداتهم، وحتى أوباما لعب دورا هذه المرة في شرح لم سيكون خروج بريطانيا كارثة. في فرنسا، ركزنا كثيرا على حقيقة أن الحملة المؤيدة لخروج بريطانيا تحركها شخصياتٌ بغيضة، وهي بالفعل بغيضة، من بوريس جونسون وحتى نايجل فاراج. ولكن الإعلام لم يشر لحقيقة كون حملة البقاء دعمها كامل المؤسسة الحاكمة الراضية عن ذاتها، Y` كانت المؤسسات المالية المتعجرفة لمدينة لندن في الصفوف الأمامية، وكون هذا الأمر هو ذاته ارتبط بدفع القواعد الشعبية نحو الرفض.

هل تظن أنه لا يزال من الممكن تحقيق إعادة تأسيس ديموقراطية لأوروبا كما يرى العديد من الناس الآن إثر خروج بريطانيا؟

تفهم القوى اليسارية بتزايد الآن أن الاتحاد الأوروبي لا يمكن إصلاحه بطريقة تقدمية ونمط وظيفي أكثر ديموقراطية، لأن هيكله ذاته صُمِّم كي لا يمكن إصلاحه، فكل شيء مُحكم ومُقفل. كنت أعمل كمدرّس في قسم دراسات أوروبية، وبإمكاني أن أطمئنك أن زملائي الأخصائيين يدركون ذلك. لم يُصمّم الاتحاد الأوروبي ليسير وفق قواعد الديموقراطية البرلمانية، إذ دائما ما تخوّف من نزعاتها «الشعبوية».

التصويت البريطاني هو بالتالي فرصة جديرة بالاغتنام لكل من يفكر بخطة بديلة، ولكن من يعي أن البدائل الحقيقية تتطلب انفصالا عن الاتحاد الأوروبي. من جان لوك ميلينشون في فرنسا وحتى أوسكار لافونتين وزهرا فاغينكنخت في ألمانيا والجناح الأيسر لـ«بدويموس» في أسبانيا ومن انفصلوا عن سيريزا العام الماضي، كل هذه القوى التقدمية المناهضة للنيوليبرالية عليها أن تغتنم هذه اللحظة إن لم ترغب بأن يعاقبها أَسْرُ قوى اليمين القومي والزينوفوبي المحتمل للسخط الشعبي.

ولكن قوى اليسار المنفصلة عن تسيبراس في اليونان تبدوا اليوم باهتة…

تبيّن دراسة أقامتها «مؤسسة بيو» حول تأييد الاتحاد الأوروبي، مستطلعة عيّنة واسعة جدا من الشعوب الأوروبية، أن أكثر من 71 بالمئة من اليونانيين لا يقبلون اليوم بالاتحاد الأوروبي ويرغب ثلثٌ كامل منهم مغادرة منطقة اليورو. المسرح السياسي اليوناني اليوم مسدودٌ بالتأكيد، وبعد استسلام تسيبراس الصيف الماضي ظلّ الشعور بالهزيمة وفقدان الروح المعنوية قويا. ولكننا نشهد الآن الحركات الواقعة على يسار سيريزا وهي تحرز تقدما، سواءا أكانت حركة «الوحدة الشعبية» أو الحركة التي أطلقتها زوي كوستانتوبولو، «طريق الحرية». نحن الآن على أعتاب تغيّر مهم للموازين على المستوى الأوروبي، ونواجه توجها جذريا إما يتصف باليسارية والأممية أو باليمينية والزينوفوبية. ولو استمر اليسار الزاعم بمعاداة النيوليبرالية بتكرار شعارات «أوروبا اجتماعية» و«إصلاح المؤسسات الأوروبية» بابتهال، لن يؤدي ذلك لضعف اليسار فحسب، بل لانحلاله التام.

هل لعبت طريقة معاملة اليونان الصيف الماضي دورا في التصويت البريطاني؟

قام نايجل فاراج، قائد حزب استقلال المملكة المتحدة، ذلك الحزب القومي الزينوفوبي، بمداخلات في البرلمان الأوروبي، اتهم فيها الاتحاد الأوروبي بالتصرف بطريقة دكتاتورية تجاه اليونان. قال فاراج ما كان على اليسار البريطاني والأوروبي أجمع قوله. ليس الاستفتاء البريطاني سوى مؤشرا جديدا لرفض الاتحاد الأوروبي، والناخبون يفهمون أن ذلك يكمن في قلب مشكلة ميدان السياسة التمثيلية اليوم، ألا وهي مشكلة نخب مؤيدة للاتحاد الأوروبي تبغض الشرائح الشعبية وتبغض فكرة السيادة الشعبية ذاتها. استساغ الناس المشروع الأوروبي استساغةً سلبية حين بدى الوضع الاقتصادي سلسا، ولكن ذلك انهار مع تدهور الاقتصاد وفرض قيود سياسات التقشف في كل مكان وتعزيزها، بتحفيز من سلطات الاتحاد الأوروبي وبرقابتها المزعجة.

إن التقسيم الحيزي في التصويت البريطاني تقسيم صادم. نتعامل هنا مع بلدين مختلفين: تواجه فقاعة مدينة لندن والجنوب الشرقي بلادا مختلفة، وهي بلادٌ لا يتطرق الناس لها أبدا، لتفضيلهم الحديث عن لندن العصرية ومتعددة الثقافات. قبل عملي في التدريس في لندن، كنت أعمل في جامعة في مدينة مقاربة لبرمنغهام، ألا وهي ولفرهامبتون. كانت هنالك فجوة واسعة بين هتين المدينتين. كان مركز المدينة يعيثه الخراب. في إنجلترا ذاتها التي بدأت فيها الثورة الصناعية، يشعر الجميع بأنهم هُجِروا وحُكِم عليهم بموتٍ اجتماعي واقتصادي. هجر حزب العمال فئاتًا سكانية كاملة وأهملها وترك بذلك الساحة مفتوحة لأحزاب مثل حزب استقلال المملكة المتحدة.

المفارقة هي أنه بينما، في فرنسا، نجحت الجبهة الوطنية دائما في توظيف خطاب ولغة يمكن أن «تُكسِبها لمسةً عامية»، جسّد حزب استقلال المملكة المتحدة في بادئ الأمر كل ما سخرت منه الطبقات العاملة البريطانية على الدوام: كبار السن، كنيسة إنجلترا، والطبقات الوسطى التقليدية المكبوتة والبيضاء مئةً بالمئة…باختصار، تقليدية الأجداد. تخيّل مقدار السخط والشعور بالهجران الذي التزم وجوده كي يتمكن حزب كهذا، على الرغم من كل هذه الأمور، من الحصول على أصوات الطبقات العاملة.

ما هو الموقف الذي ستتخذه في حال حصول استفتاءات جديدة حول عضوية الاتحاد الأوروبي في بلدان أوروبية أخرى؟

الاتحاد الأوروبي لا يمكن إصلاحه، ولا أعتقد بوجود حل سوى حلّه. ستتطلب إعادة تأسيس حقيقية لأوروبا كسر القفص الحديدي للتقشف الأبدي والنيوليبرالية السلطوية. وكي نصل إلى تلك النقطة، نحتاج لانقطاع عن الآلية المؤسسية للاتحاد الأوروبي، ولذلك يتوجب علينا لعب لعبة الاستفتاء هذه، ونقوم، أثناء ذلك، بمنع وعرقلة قوى اليمين الزينوفوبي القومي من كسب الهيمنة وحرف مسار الانتفاضة الشعبية. كان اليسار الراديكالي خلال الفترة الماضية بطيئا. ولكن دون انفصال عن الاتحاد الأوروبي، ليس بإمكانه التفكير حتى بتغيير علاقات القوة داخل آلة مصممة خصيصا لمنع أي اختلاف أو انحراف عن مسارها، إذ يواجهه الجرافة التي رأيناها، مسبقا، تسحق اليونان.

المصدر: مجلة ميديابارت