الجذور التاريخية للملكية الفكرية

ترجع جذور حماية الملكية الفكرية إلى قوانين إنجلترا في القرن السابع عشر والثامن عشر، وأصلها يعود لبدايات الرأسمالية ذاتها

copy

شون أندروز

في أواخر يونيو/حزيران لعام 2013، استقل مغني السول ستيفي وندر طائرة إلى المغرب ليقيم أداءً في مؤتمر ديبلوماسي للمنظمة العالمية للملكية الفكرية. ذهبت وفود المؤتمر لتوقع اتفاقية تمنح استثناءاتٍ قليلة لحمايات حقوق النشر الدولية تحسّن الوصول للمنشورات للكفيفين وذوي الإعاقات البصرية. قال وندر حينها أن الاتفاقية كانت مهمة لأنها ساعدت على «جعل المعلومات متوفرة إلى الأبد» وأنها برهنت «إمكانية القيام بالتجارة وفعل الخير في الوقت ذاته».

اختلف قادة الأعمال مع رؤية التناغم والعدالة الاجتماعية الخاصة بمغني السول هذه. حثّت منظمات مثل رابطة أصحاب الملكية الفكرية ممثلي التجارة الأمريكية لعدة أشهر على رفض الاتفاقية لأنه «على الرغم من الفروق الكبيرة بين حقوق النشر وحمايات براءات الاختراع»، فإن السماح بمثل هذه الاستثناءات قد يفتح الباب للبلدان المعوزة وغيرها من المحتاجين للتضرع من أجل استثناءات متعلقة بتقنيات الطاقة النظيفة أو الأدوية والمستحضرات الصيدلية. هذه الاستثناءات «ستهدد»، وفق زعمهم، «بزعزعة التوازن الجوهري الذي بني عليه نظامنا الأمريكي ونظام الملكية الفكرية العالمي».

هذه الإشارة إلى «التوازن تبرهن أنه بينما القرصنة قد تكون أحيانا فعلا راديكاليا، فنظام حقوق النشر في الغالب نظام رجعي. يمكن لـ«التوازن» أن يشير للتركيز الأكثر نفعية المعطى لحقوق النشر في الدستور الأمريكي، ألا وهو احتكار لمدة محدودة «للتشجيع على الفنون والعلوم المفيدة»، ولكنه حين يخرج من أفواه النخب الرأسمالية، يكون معنى «التوازن» هذا عموما هو أنه رغم استعدادهم للنظر في تحسينات هامشية لهذه الحمايات الاعتباطية، فهم يرغبون ببساطة بالحفاظ على الوضع الراهن فيما يتعلق بهرمية الملكية والقوة والنفوذ.

بالإمكان اقتفاء أثر هذا الموقف الرجعي إلى جون لوك، حيث أن أفكاره حول العمل والملكية واللا مساواة تتخذ دور الملهم الأخلاقي غير المذكور للعديد من المناصرين المتطرفين المعاصرين لحقوق النشر. بينما شعر لوك أن العمل هو مصدر كل التحسينات وأنه يشكل التبرير الجوهري لحقوق الملكية، فقد آمن أن العمال أنفسهم يجب أن يُبقى عليهم في حالة «حدِّ أدنى من الكفاف» حتى «لا ينسوا احترام» ملّاك الأراضي التي يكدحون عليها. كان لوك يشير للعمال الزراعيين، ولكن القياس على البريكاريا المعاصرة ليس عرضيا البتة. ففي آخر المطاف، وُلدت كل من الملكية الخاصة والملكية الفكرية من الرحم نفسه.

يقتفي العديد من الباحثين في حقوق النشر جذورها إلى «قانون آن»، وهو قانون مرّره البرلمان الإنجليزي عام 1710. ومع هذا القانون، مُنِحت حقوق النشر إلى المؤلفين وليس إلى الناشرين، إذ فضّل القانون «الفرد الخلّاق» المزعوم كونه في طليعة الابتكار. أن تبدأ بتاريخ حقوق النشر من هذه النقطة لهو أمرٌ معقول نوعًا ما، بالخصوص لو كان هدفك هو أن تعود إلى زمن يمكن النظر إلى حقوق النشر فيه كبديل عادل براغماتي لسابقه الإقطاعي. يقول لورانس ليسيغ في كتاب «الثقافة الحرة/المجانية» أن القانون كُتِب لتقويض قوة «أسوء أنواع المحتكرين، وهم أدوات قمع التاج البريطاني، إذ باعوا حرية إنجلترا ليضمنوا لأنفسهم أرباحًا ناتجة عن الاحتكار».

وفيما يتعلق بالأفكار غير الواضحة مثل «الثقافة» أو «التوازن»، لا يبذل ليسيغ أو غيره جهدًا في توضيح المعنى الفعلي لـ«القمع» الذي مكّنته قوانين الترخيص السابقة، ويرجع ذلك جزئيًا لكون ذلك القمع ساعد على إقامة نظام الملكية الخاصة الذي يتوجب عليهم الدفاع عنه خطابيًا أثناء انتقادهم المحدود لقوانين الملكية الفكرية المعاصرة. كل ما علينا أن نعرفه هو أن الثقافة خيرة، وأن القمع شرير. في ضوء هذا المنظور يكاد قانون آن أن يبدو معقولًا. ولكن أغلب القمع قد حصل وانتهى قبل سنّ هذا القانون.

لم يكن انفصال إنجلترا عن روما في القرن السادس عشر انفصالًا خاليا من الشوائب. فهنري الثامن عشر فتح على نفسه تشكيلة خطيرة من المشاكل حين قرر الانفصال عن الكنيسة الكاثوليكية. فعلى أي حال، بدون البابا، لم تتضمن الرواية الوحيدة باطنية المنشأ والمشرعنة للسلطة الملكية سوى أن الملك ورث الحكم عن أبيه، وذلك الأب عن أبيه هو الآخر. ولكن كان للانفصال عن روما فوائده، فقد مكّن طلاق الملك من زوجته، وتضمن سيادة ملكية عوضًا عن سيادة بابوية، وسمح بمصادرة الأراضي المشاعة ودير العبادة التي تملكها الكنيسة. ولكن قلب النظام القروسطي السياسي أدى لتمرد على نطاق واسع.

استمر ابن هنري الثامن، إدوارد السادس، بالإصلاح، ولكن حكمه كان قصيرًا: حين قامت أخت إيدوارد، المكلة الكاثوليكية «ماري الدموية»، بإصدار أول قوانين الترخيص في عام 1556، كان هدفها بوضوح هو ما نسميه اليوم قمع المعارضة السياسية، فقد خولت شركة واحدة بإدارة كل عمليات الطباعة والنشر القانونية في إنجلترا. سرعان ما أصبح الإصدار الملكي للاحتكارات وسيلة اقتصادية لدعم الدولة الإنجليزية. وفي خاتمة كتبها بودو بالاج لتقرير «القرصنة الإعلامية في الاقتصادات الناشئة» الصادر عن مجلس أبحاث العلوم الاجتماعية، يشير لكون ذلك أدى لأثر متوقع حاليًا، وهو خلق سوق سوداء ضخمة للنشر المقرصن.

وبحلول وقت تجديد قوانين الترخيص مرة أخرى في عام 1662، كانت هذه القوانين رجعية بالمعنى المعاصر. عملت هذه حينها لحماية المشروع الشبه ثوري للحرب الأهلية الإنجليزية ضد الهوامش الراديكالية مثل جماعتي «المساواتيون» و«الحفارون»[*]، والذين هددوا أنظمة المُلكية الخاصة والتراكم البدائي[†] والعمل المأجور، إذ عملت الدولة طوال العقود السابقة على هندستها.

أثناء الحرب، حرّض «ناشرون قراصنة» مثل جون ليلبرن وريتشارد أوفرتون جماعة المساواتيين بمنطق ديني شكل تهديدًا مباشرًا للشرعية الإنجيلية الهشة للدولة الإنجليزية. ولقولهم إن «الله لا يحابي أحدًا»، أصر المساواتيون أن الجميع، سواء أَمتلكوا أرضًا أم لم يمتلكوا، يجب أن يسمح لهم بترشيح أعضاء البرلمان. وأما الحفارون، إذ أطلقوا على أنفسهم مسمى «المساواتيون الحق»، اتجهوا إلى ما هو أبعد من الآليات الدستورية؛ قاموا، ببساطة، باحتلال رقعة أرض، تل سانت جورج، خارج لندن وأعلنوا أن الأرض «ثروة مشاعة لكل الناس».

كانت هذه الأفكار متباينة بصورة صارخة مع صورة الحضارة الرأسمالية الوليدة التي كانت المملكة المتحدة تتخذها. وكانت هذه الأفكار ردودًا راديكالية لمشروع بناء الأمة الضخم وحركة التراكم البدائي التي حصلت قبل الحرب. يصف كريستوفر هيل في كتاب «العالم مقلوبا رأسا على عقب» (The World Turned Upside Down) كون تهديد إرهاب الدولة، بالإعدام أو الاسترقاق الاستعماري أو سجون العمل الإجباري (وهو الخيار المفضل لدى جون لوك)، قام باستهداف من وُصِفوا بـ«الرجال غير المرؤوسين»: أناسٌ بإمكانهم تحقيق اكتفاء ذاتي عن طريق صيد الحيوانات والأسماك أو رعي المواشي أو زراعة المحاصيل على الأراضي المشاعة. أُجبِر هؤلاء على العمل على مشاريع بنى تحتية، وبها أنتجوا أنفسهم فعليا كعمال مأجورين: سيّجوا الأراضي المشاعة وجففوا المستنقعات واجتثوا الغابات وغيرها، وبذلك أُجبِروا على محو مناطق كان بإمكانهم استخدامها للعيش خارج نظام الأجور.

وكما أشار محرر مجلة جاكوبين في عام 2012، «يتطلب بناء عالم من الملكية الخاصة أمرين: عنف الدولة والدعاية الأيدولوجية». اتفق جون لوك وتوماس هوبز وأغلب المنظرين السياسيين لذلك الوقت أن الدين كان أفضل الوسائل لكبح الجماهير الحانقة. لم يشكل الناشرون القراصنة تهديدا على قوة التاج البريطاني وأرباح الناشرين المحتكرين وحسب، بل شكلوا تهديدًا على النظام الاقتصادي السياسي الناشئ ذاته أيضًا. يقول كريستوفر هيل أنه بعد أن قُمِعت المقاومة قمعا تاما وغُرِست روح الرأسمالية في الثقافة المحلية «سُمِح لقانون الترخيص بأن يزول عام 1695، وليس على المبادئ التحررية للراديكاليين، بل لأن الرقابة لم تعد ضرورية، فقد أصبح صنّاع الرأي لهذا المجتمع يمارسون الرقابة على أنفسهم».

في هذه النقطة من الزمن، لم يعد قانون آن سوى زخرفا على واجهة نظام بورجوازي مترسخ. وكما يذكر بالاج، كان جون لوك مناصرًا متحمسا لإلغاء قانون الترخيص لأنه، كباحث وجامع للكتب، كان ممتعضًا من أن الكتب القانونية غالية وذات طباعة سيئة في إنجلترا، ولذلك فضل النسخ الجيدة غير المشروعة المطبوعة في أمستردام.

ولكن على الرغم من تلاطفه الوجيز مع النفعية، كانت فلسفة جون لوك فلسفة القانون الطبيعي. وكما يشير بيتر فريز، هذه السمة تجعل حججه مناسبة تماما للرجعيين المعاصرين المدافعين أخلاقيًا عن فرض حقوق النشر. فكتابه «مقالتان عن الحكومة» الذي نشره باسم مستعار (وقُرصِن كثيرا) رسم الفلسفة الجنينية للنيوليبراليين المعاصرين. أُسِّس تبرير جون لوك الفريد من نوعه لفكرة الدولة الرأسمالية-الديموقراطية، وهي فكرة تجمع الراديكالية بالرجعية، على نسخة من نسخ نظرية قيمة العمل. فحقوق الملكية بالنسبة لجون لوك «حقوق طبيعية»، سابقة لأي ترتيب سياسي. هذه الحقوق بررها استخدام الناس عملهم لتحسين الأملاك العقارية التي أخذوها من الخزينة العامة. خلافًا لـ«الحق الإلاهي للملوك» أو غيرها من الأسس الدينية، قال لوك إن شرعية الدولة تكمن في دفاعها القاطع عن حقوق الملكية.

ولكن، ليس كل الكدح والعمل متساويا بالنسبة لجون لوك، ففي دعواه المصاغة طبقيا بصورة جلية، يبرر لكبار ملاك الأراضي ملكهم حقوق عقارات حسّنها عمّال آخرون سدد لهم هؤلاء الملاك أجرا مقابل عملهم. زاد ذلك كمية الأراضي المسموح للفرد امتلاكها وماثل ممارسات الشركات المعاصرة، مثل استديوهات الأفلام، التي تستخدم عقود «الأعمال المُعدّة للشركة»[‡]، وبالتالي تملك هذه الاستديوهات حقوق النشر لأعمال أنتجها موظفوها. ولا يرى جون لوك في مثل هذا الترتيب سوى عيب أخلاقي واحد وهو أن المحاصيل الزائدة للأراضي المُحسّنة قد تنتج أكثر من حاجة مالك الأرض، مما سيخلق نفايات. ولكن لوك حافظ على زعمه قائلا إن ممارسة ملاك الأراضي هذه لا تزال مبررة لأنه بإمكانهم بيع المحصول الزائد وتخزين عائده على صورة ذهب، والذهب لا يفسد!

ثقافتنا المعاصرة مشبّعة بأسس المقدمات المنطقية الرجعية الخاصة بجون لوك، بالخصوص فيما يتعلق بالملكية الفكرية. في الطرح الشائع لهذا الموضوع، يُفترض أن المالك الحالي لحقوق النشر أو براءة الاختراع هو القائم بالعمل، أو «الفرد الخلاق» الذي أنتج أي اختراع أو منتج ثقافي. الواقع هو أن الأفلام والموسيقى ومجلات الجمعيات البحثية والممتلكات ذات العلامات التجارية ومكتبات براءات الاختراع كثيرا ما يُستحوذ عليها ويتاجر بها وترخصها منظمات لا ارتباط لها مع العمل المتضمن في خلقها سوى قدرتها على شراء هذه الأمور. يدافع الطرح الشائع عن حقوق النشر وكأنما هي تشكل الحماية اللازمة للمساعي الخلاقة ذاتها، عوضا عن عرضها على حقيقتها: حصنٌ للتراكم البدائي في عصر الرأسمالية الفكرية.

هنالك بالتأكيد عمّال ثقافيون يتمتعون بأسلوب حياة مترفة: بإمكانك أن تجد العديد من الممثلين والموسيقيين وكتاب الأغاني ضمن السكان الحاليين والسابقين لتل سانت جورج، وقد أصبحت اليوم عقارًا خاصًا معدل أسعار المنازل فيه 3 مليون جنيه إسترليني. ولكن أغلب الفنانين والمبرمجين والباحثين بالكاد يحصلون على قوت يومهم، بينما تتمتع القطاعات التجارية المتكلة على عملهم بأرباح قياسية وحمايات غير مسبوقة. استنتج تقرير جوناثان باند المحدّث مؤخرا حول ربحية القطاعات الصناعية كثيفة الاستخدام لحقوق النشر أن هذه القطاعات أكثر ربحية من قطاع العمران والنقل والتعدين والمعادن. نمت هوامش أرباح حقوق النشر بمقدار ضخم خلال العقد الماضي بينما انخفضت هوامش أرباح الصناعات الأخرى، مما يعني أن المستوى الحالي من الحماية أكثر من كافي.

ولكن هذا الاستنتاج الأخير لا تعير له إدارة أوباما اهتماما، مثلها مثل سابقاتها من الإدارات الأمريكية. بينما أصدرت السلطة القضائية بعض الأحكام مؤخرا لصالح الاستخدام العادل والمجال العام، كانت السلطة التنفيذية أكثر حذرًا من ذلك. فملاحقة آرون سوارتز القضائية بلا هوادة لم تكن سوى أكثر الحالات بروزًا وأكثرها أسى.[§] في شهر فبراير/شباط طلبت وزارة العدل من المحكمة العليا تجاهل العريضة التي قدمتها جامي توماس-راسيت، التي قالت إن الغرامة التي فُرِضت عليها عقوبة لمشاركتها أربعة وعشرين أغنية على شبكة ند لند (peer-to-peer)، وقيمتها 220 ألف دولار، مفرطة لدرجة أنها تخالف الدستور. ولكن وزارة العدل ظلت على رأيها، قائلة إن الحكم الأساسي المقارب لمليونين دولار كان مشروعا وقتها. وعلاوة على ذلك، عين أوباما أحد محامي الادعاء في تلك القضية حينها كنائب مساعد للمدعي العام.

وعلى الرغم من معدل ربحيتهم العالي والمزايا الضريبية الممنوحة لهم والحمايات المدعومة بضرائب الناس، لا يزال أصحاب الملكية الفكرية يضغطون من أجل منظومة حقوق نشر أكثر رجعية، بالخصوص على المستوى العالمي. فبالإضافة لمعارضة اتفاقية المنظمة العالمية للملكية الفكرية المتعلقة بالاستثناءات للكفيفين والمعاقين بصريا، حارب ممثلو التجارة للبلدان الصناعية الكبرى لعدة شهور في منظمة التجارة العالمية ضد توسيع إعفاءات الملكية الفكرية لتشمل البلدان الأقل نموا.

يبرز هنا الدفاع المعاصر عن حقوق النشر على صورته الحقيقية: دفاع عن حقوق الملكية الخاصة بشكل عام. تساعد الملكية الفكرية الشركات على الحفاظ على التقسيم الاجتماعي للعمل وللقوة والنفوذ على مستوى أممي، متكلة على أرباح مشتقة من سلاسل معقدة للسلع. تسري العملية هكذا: أنتج السلعة في الخارج، ومن ثم أعد المنتج إلى أرض الوطن لتبيعه بسعر أعلى، مطمئنا لمعرفتك أن المتعاقدين الأجانب (وموظفيهم ذوي الأجور المنخفضة ومنعدمي الحقوق) سيحولون كل الأشياء الحاملة علامة تجارية أو حقوق نشر أو براءات اختراع إلى أسواق مشروعة، ومن ثم ستعود كل الأرباح إلى شركتك في بلادك.

تساعدهم حقوق النشر أيضا على نقل هذه الأرباح إلى الملاذات ضريبية خارجية، باستخدام واجهة ترتيبات تسعير النقل[**] أو تقاسم التكاليف. وكما كان الأمر في زمن لوك، يحتاج الرأسماليون الدوليون الدولة لتحمي حقوق ملكيتهم، ولكنهم لا يرغبون أبدا بدفع تكاليف تلك الحماية. يشير الباحث الضريبي ديفيد كي جونستون أن أحد أهم آليات التهرب الضريبي على مستوى عالمي هي تحريك جزء من حق الملكية الفكرية إلى ملاذ ضريبي في بلاد أخرى، ومن ثم فرض عوائد ابتكار عالية عليها. استخدمت شركة أبل هذه الآلية للتهرب من تسديد مليارات الضراب، وذلك حسب ما كشفته جلسة استماع في الكونغرس الأمريكي. منتجات أبل «صُممت في كوبرتينو، وصُنعت في الصين»، ولا تُفرض عليها الضرائب في أي مكان، وذلك بفضل حقوق الملكية الفكرية.

حقوق النشر، مثلها مثل حقوق الملكية بشكل عام، يستخدمها غالبا من يحتلون مواقع قوة ونفوذ اقتصادييَن وسياسييَن للحفاظ على مكانتهم في الهرم. والقرصنة ليست سوى حل هامشي، مع وجود استثناءات قليلة، لهذه النظام الشامل، وهي منشغلة غالبا بالتوزيع عوضا عن الإنتاج. وبتركيزها المنفرد على الملكية الفكرية، تتجنب القرصنة التصدي لإشكاليات الاقتصاد السياسي المادي الذي يجعل من الملكية الفكرية مركزا ربحيا في بادئ الأمر، نتحدث هنا عن دوائر المصالح المترسخة المالكة لوسائل الإنتاج والتوزيع المهيمنة. أغلبنا لا نزال بحاجة للعمل لنحصل على لقمة عيشنا، وهذا الأمر يخلق شبكة من المصالح المتضادة بين العمال لا يمكن حلّها بمجرد جعل المعلومات مجانية.

على سبيل المثال، نصح المدير السابق للرابطة الأمريكية لأساتذة الجامعات كاري نيلسون مؤخرا أعضاء هيئات التدريس بحماية حقوق نشرهم كي يمنعوا الجامعات من الاستحواذ على محتويات المقررات لاستخدامها في المقررات الضخمة المفتوحة على الإنترنت أو غيرها من المشاريع المتعلقة بالإنترنت. ومع ذلك فهذا يعتمد على العقود الفردية بين أساتذة الجامعات وإداراتها، وهي عقود قد تتضمن مسبقا أن أي أعمال ينتجها الأساتذة هي «أعمال مُعدّة للجامعة». لا يحمل أي أستاذ منفرد أو أستاذة منفردة على الأرجح القدرة على المطالبة بمثل هذه الأمور، إلا مع وجود صورة من صور التفاوض الجماعي إما على مستوى الجامعة أو على المستوى الوطني. ثلاثة أرباع المقررات الجامعية في الولايات المتحدة يدرسها أساتذة مؤقتون لا يملكون أمانا وظيفيا وكثيرا ما لا يحملون أي قدرة على التفاوض بشأن عقودهم. نظرا لهذه العوامل، من الصعب أن ننظر لحقوق النشر كشيء غير رجعي، حتى لو أقررنا، بشكل عام، بالمؤسسات المحافظ عليها والعمل الممارس.

ولكن في حالات معينة نرى أن المنتجين ذاتهم يؤيدون، بمساعدة التفاوض الجمعي، نزعات حقوق النشر الرجعية. أثناء إضراب كتاب هوليوود عام 2007، ساعد النشاط النقابي والمناشدات العلنية والتفاوض الجمعي الكتّاب، والذين، مثل الأساتذة، ينتجون محتوى معدّ لموظِّفيهم، على تأمين حصة أكبر من كعكة عوائد حقوق النشر الإلكترونية في مفاوضات عقودهم. ولكن أثناء التظاهرات ضد «قانون وقف القرصنة على الإنترنت» (سوبا)، وقفت العديد من نقابات هوليوود، من ضمنها «نقابة الكتاب الأمريكية، غرب»، على ما يمكن اعتباره الجانب الأخر، قائلين إن حقوق النشر قوة تحمي حياة ومهن عمّالهم. ولكونهم يتعمدون على صناعات كثيفة الاستخدام لحقوق النشر في توظيفهم، أي قوانين أو ممارسات قد تهدد فكرة ثقافة السلع (أو الثقافة المسلّعة بالخصوص) لها القدرة على تهديد رزقهم.

ستظل هذه الصراعات باقية حتى نستهدف نظام الملكية العام وثقافة السلع والعمل المأجور. تُستخدم حقوق النشر، كونها في يد النخبة العالمية المعاصرة، كهراوة رجعية أغلب الأحيان، ولكن لن يزعم سوى أكثر القراصنة تطرفا أن هذه وظيفتها الوحيدة. على سبيل المثال: ولو كان مشروع المشاع الإبداعي ليس خاليا من العيوب، فهو يعتمد على حقوق النشر وآليات الفرض المذكورة أعلاه. حين نرجع إلى الجذور، فالعديد منا لا زال يؤمن بفكرة وجوب امتلاك المبدعين والمبدعات صوتا في كيفية توظيف منتجاتهم، بالخصوص إن تضمن الأمر جني أموال.

هل سنستيقظ من هذه السكرة «اللوكية» لو عشنا في مجتمع تتدفق فيه كل الموارد بحرية وتكون حياتنا فيه أقل اعتمادا على العمل المأجور؟ يبدو أن الاهتمام بمعرفة ما إذا كان الأمر كذلك في ازدياد، وفي هذا الاهتمام قد نجد بعض الأمل.

المصدر: مجلة جاكوبين

——

ملاحظات فريق الترجمة:

[*] المساواتيون: حركة سياسية في الحرب الأهلية الإنجليزية ركزت على السيادة الشعبية وتوسيع حق الاقتراع والمساواة أمام القانون والتسامح الديني، ولكنهم رفضوا فكرة الملك المشاع، إلا في حال توافق ملّاك الأراضي. الحفارون: كانوا مجموعة من البروتستانتيين الراديكاليين، يُنظر لهم أحيانا كأسلاف الأناركية المعاصرة، وسُمّوا بهذا الاسم لمحاولتهم حرث الأراضي المشاعة.

[†] التراكم البدائي: انطوى على ما يسمى بالتراكم البدائي، حسب توصيف ديفيد هارفي، «الاستحواذ على الأراضي، قل عن طريق تسييجها، وطرد الساكنين فيها لخلق طبقة كادحة لا تملك أرضا، ومن ثم إطلاق تلك الأرض إلى التيار المخصخص لتراكم رأس المال».

[‡] «الأعمال المُعدّة للشركة» أو (work made for hire): لو كان العمل «معدّ للشركة» أو «للموظِّف»، حسب العقد، معنى ذلك أن حقوق النشر لا يملكها الصانع الفعلي للعمل بل صاحب الشركة.

[§] ملاحقة آرون سوارتز: كان الشاب آرون سوارتز مبرمجًا وناشطًا على الإنترنت شارك في تطوير عدة مشاريع منها المشاع الإبداعي. اتهمته النيابة العامة الفيدرالية عام 2011 بإحدى عشر انتهاكا قانون الاحتيال والإساءة في استخدام الحاسوب نتيجة تحميله أكثر من أربع مئة ألف مقال من مكتبة جايستور الرقمية بنية إتاحة الأبحاث العلمية للناس بالمجان، حيث حملت تهمه عقوبة قصوى قدرها غرامة مليون دولار و35 عاما في السجن. انتحر سوارتز في بدايات عام 2013 قبل أن يتم الحكم عليه.

[**] تسعير النقل: تحديد سعر بيع وشراء البضائع والخدمات بين كيانين مرتبطين داخل الشركة ذاتها. بالإمكان استخدام تسعير النقل كوسيلة لتوزيع صافي الأرباح (أو الخسائر) بين فروع الشركات متعددة الجنسيات قبل فرض الضرائب في البلدان المعنية، وهي أحد أكثر أدوات التهرب الضريبي شيوعا.