العمل الخيري: بين تسعير حياة الإنسان ومحاولة إنقاذه

بدلاً من خلق «ثقافة عطاء» فردانية، ينبغي علينا التصدي للنهب المؤسسي الذي تقترفه الرأسمالية.

jolieماثيو سنو

هب أنك صادفت طفلاً يغرق في بركة صغيرة وكنت الوحيد بالجوار القادر على مساعدته. يمكنك بسهولة إنقاذ الطفل بالخوض في الماء رغم الضرر الذي سيلحق بملابسك وحذاءك جرّاء تبللها، غير أن الطفل سيفارق الحياة إن لم تفعل.

الأمر لا يستدعي التفكير، عليك إنقاذ الطفل! لكن هل كان سيختلف الجواب لو تواجد آخرون حول البركة وكان بإمكانهم تقديم المساعدة أيضًا؟ لا. هل سيكون هناك فرق لو أن الطفل البائس لم يكن أمام ناظريك؟ لا.

السؤال إذن، هل كانت ستقل ضرورة تدخلك لو لم يكن الطفل يغرق لكنه يواجه خطرًا مميتًا نتيجة نقص الغذاء أو الماء أو الدواء ووسيلتك الوحيدة للمساعدة هي التبرع بالمال للمؤسسات الخيرية؟

لا يعتقد بيتر سينغر بذلك.

يجادل الفيلسوف البارز في كتابيه «المجاعة والثراء والفضيلة» (Famine, Affluence, and Morality) و«الحياة التي يمكنك إنقاذها» (The Life You Can Save) المنشور عام 2009 بأننا مُلزمون بمساعدة أولئك الذين يعيشون في فقر مدقع من خلال أعمال البر  والإحسان مثلما أننا ملزمون بمساعدة الطفل الغريق.

لا يختلف المبدأ الأخلاقي في كلتا الحالتين: يجب علينا التخفيف من معاناة الآخرين طالما أن ذلك لا يستدعي «التضحية بأي شيء له الأهمية ذاتها». في حالة الطفل الغريق، لا يتساوى حذاءك ولباسك مع حياة الطفل من حيث الأهمية. وفي حالة التصدق، فالمقابل المالي لذلك اللباس والحذاء ليس بأهمية إنقاذ حياة طفل إن كنت تملك الوسائل المالية.

هذه هي الحجة الأساسية التي ساهمت في ظهور حركة اجتماعية متنامية تمنح نفسها اسم «الإيثار الفعّال» (Effective Altruism). يدرس الإيثاريون الفعّالون ويُقدِّرون أفضل مواطن إنفاق الدخل القابل للاستهلاك ويحثون الموسرين نسبيًّا على توجيه رساميلهم إليها. ومن بين أهم الجهات التي تحظى برعاية هذه الحركة مؤسسة «مكافحة الملاريا» (Against Malaria) التي توزع ناموسيات معالجة بالمبيدات، ومبادرة «مكافحة البلهارسيا» (Schistosomiasis Control) التي تعمل في إنشاء برامج مدرسية لطرد الديدان، و«العطاء المباشر» (GiveDirectly) التي تمنح تحويلات نقدية غير مشروطة للفقراء المعوزين.

تعهّد أكثر من سبعة عشر ألف شخص بمنح 1% على الأقل من دخلهم السنوي لمثل جهات الصدقة هذه، كما تعهّد أكثر من ألف شخص بمنح 10% من دخلهم. ويشاع بين شباب جيل الألفية خاصةً وصفها بـ«الحركة الاجتماعية الجديدة لجيلنا».

لقد حققت الحركة معظم نموّها في نصف العقد الماضي رغم مضي أكثر من أربعين عامًا على هذه الدعوات، وشهد هذا العام نشر العديد من الكتب حول هذا الموضوع مثل «كيف تكون ممتازًا في فعل الخير» (How to Be Great At Doing Good) و«فعل الخير بطريقة أفضل» (Doing Good Better) و«غرباء يغرقون» (Strangers Drowning) وآخر مؤلفات سينغر «أقصى خير يمكنك القيام به» (The Most Good You Can Do)، إلى جانب التغطية المكثفة والإيجابية في وسائل الإعلام المعروفة.

بيدَ أن هذه الحركة لم يتفق حولها الجميع، حيث يلفت نقادها النظر إلى أمور مثل الطابع غير الديمقراطي للأعمال الخيرية، وخطورة تقويض الخدمات الأساسية للقطاع العام، والحاجة طويلة المدى للتنمية الاقتصادية التي تعقب تحقيق المرامي القريبة عبر العمل الخيري.

ويذهب النقد اليساري للحركة إلى أبعد من ذلك، فعلى سبيل المثال يزعم بول غومبرغ بأن الإطار التحليلي الذي تدعمه حجة سينغر «يعزز الأمان السياسي» من خلال «تحويل تركيزنا من القضايا السياسية والاجتماعية والاقتصادية إلى حجج فلسفية مجردة».

علاوة على ذلك، يجادل غومبرغ بأن الموارد اللازمة للتخفيف من الفقر عبر العمل الخيري أو تحقيق تغيير جوهري وشامل ضخمةَ للغاية بحيث أن «التركيز على أحدها يستدعي التقصير في غيره» لذا ينبغي تفسيرها على أنها «وسائل تنافسية لاستثمار الوقت والطاقة وغيرها من الموارد».

يزعم سينغر والإيثاريون الفعّالون بـ«حب التغيير الشامل» مشيرين إلى دعمهم للأبحاث وتأييدهم للإصلاح السياسي (المعتدل) المرتبط بأمور مثل العدالة الجنائية والهجرة والتجارة الدولية. وبالطبع، ينعدم النقد الأعمق للرأسمالية، كالذي يراه غومبرغ، على نحوٍ بارز.

رد سينغر: «لو سنحت لك فرصة ضئيلة لتحقيق الثورة التي تسعى إليها، فستحتاج إذن للتفتيش عن استراتيجية تضم إمكانيات أفضل لمساعدة بعض الفقراء».

ولكن رغم قدرتنا على تقدير إمكانيات تحقيق مجتمع اشتراكي، إلا أن المشكلة المتعلقة بحركة الإيثار الفعّال تذهب إلى ما هو أبعد من مجرد خلاف حول الطريقة المثلى لتحسين حياة الفقراء حول العالم.

تتمثل المشكلة الأساسية في الفلسفة الأخلاقية البرجوازية التي تتكئ عليها الحركة، حيث يبتعد الإيثاريون الفعّالون عن ذكر الديناميات الاجتماعية المكوِّنة للرأسمالية وبذلك هم يبرؤونها، ما يسفر عن تحليل أخلاقي وبنيوي معيب يتطلع لإصلاح أكثر مشاكل العالم إلحاحًا وفق شروط رأس المال.

يعامل الإيثاريون الفعّالون الجمعيات الخيرية كالصناديق السوداء: يدخل المال فتخرج نتائج جيدة. وبذلك تتحول الرغبة في تحقيق نتائج فعّالة إلى إلحاحٍ بمنح المال للجمعيات الخيرية.

الجانب الوحيد الجدير بالتحليل في العمل الخيري لديهم هو مقدار القيمة التي يتوقع المتبرعون نيلها مقابل أموالهم، أي تكلفة كل حياة مُنقذة أو «كل حياة حُسِّنت جودتها». ما يقوم به الإيثاريون الفعّالون عمليًّا في المقام الأول هو تمويه العلاقات الاجتماعية الهامة وحجب فضيلة (وتأثير) التبرع للجمعيات الخيرية أو مطالبة الآخرين بفعل ذلك.

إن تمثيل العمل الخيري بالصندوق الأسود لا يُظهر سوى العلاقة بين المُحسن المحتمل والضحية المحتملة للمضرة التي يمكن تداركها. وحتى هذا الجزء من التشبيه مضلل بالفعل لأنه يقتضي أن التعامل يكون بين شخص يملك القدرة على الإغاثة وآخر في حاجة للغوث. لا يملك المحسن المحتمل في الواقع إلا سلطة الدفع للآخرين لأجل إغاثة الضحية المحتمل، فيصبح التبرع بالمال هو الوسيلة الأساسية التي تمكِّن المحسن من مساعدة المحتاجين؛ فمن دون تحويل المال، لا يُغاث أحد.

المفارقة في حركة الإيثار الفعّال أنها تناشد الأفراد باستثمار أموالهم في تأمين الضروريات التي يحتاجها المعوزين، ولكنها لا تفصح عن أي شيء بشأن النظام الذي يحدد كيفية إنتاج وتوزيع تلك الضرورات في المقام الأول.

لو نظرنا إلى المؤسسات التي تصنع الموارد التي يعوزها الآخرون بشدة وتخصصها، فلا بد لنا أن نسأل ما إن كان من الخطأ حبس تلك الموارد عن الآخرين لأجل المال والربح. ارتكاب هذا الفعل، أي حبس الموارد، لا يبدو مستهجنًا أخلاقيًّا فحسب، بل إنه مستهجن أخلاقيًّا لذات السبب الذي يحاول الإيثاريون الفعّالون باستخدامه برهنة أن الامتناع عن التبرع بالمال للجمعيات الخيرية أمرٌ مشين: من غير الأخلاقي الإعلاء من قيمة مبلغ ضئيل من المال (أو ما قد يشتريه هذا المبلغ) على حساب حياة أي إنسان أو على حساب إبقائه في مستويات معيشية أدنى.

بهذه الطريقة، تكوِّن حجة حركة الإيثار الفعّال تسويةَ مع حقيقة أخلاقية صريحة دون أي ذكر لمعارضتها المباشرة للتراكم الرأسمالي: بصفتنا رجال ونساء يملكون المال والضمير الأخلاقي، لا يمكننا تسعير الحياة؛ لكن باعتبارنا رجالًا ونساءً يساهمون في نظام يحكمه منطق رأس المال، فإنه يتوجب علينا ذلك.

والنتيجة العبثية هي أن الحركة تستجدي الأفراد لدفع أيًّا ما يتطلبه سعر السوق مقابل الضروريات الأساسية على أساس أخلاقي يعارض إطلاقًا إخضاع تلك الضروريات إلى منطق السوق الرأسمالي.

هنا يكمن انعدام الشبه بين إنقاذ الغريق الغريب في مثال سينغر المفترض والتبرع للجمعيات الخيرية. ففي الحالة الأولى، التكلفة المتكبدة هي تكلفة المنفعة الخاصة الضائعة لا أكثر والممثلة في اللباس والحذاء الملطخ عمدًا نتيجة القفز في الماء. أما في الحالة الثانية، فالتكلفة المتكبدة هي ما تفرضه المؤسسات الرأسمالية كشرطٍ لمنح ما تتطلبه الإغاثة.

كما أن الإطار التحليلي المعيب الذي ينقل هذه الوصاية/السياسة يتجاوز مدلول الصندوق الأسود، إذ أنه يخفي الفلسفة الأخلاقية البرجوازية المُحرِّكة لحركة الإيثار الفعّال. فهو لا ينصرف عن التطرق إلى منطق رأس المال فحسب، بل يحوِّل أيضا شروط ذلك المنطق التجارية إلى قيودٍ تفرضها الطبيعة.

ومن ثم فإن القياس على الغريب الغريق يصبغ الأمر بصبغة مختلفة كليًّا: يحتاج الطفل البائس إلى بعض الضروريات اللازمة لحفظ الحياة (كالغذاء والمياه النظيفة والدواء وما إلى ذلك) التي ينتجها الرأسمالي أو يملكها ويحدد شروط توزيعها على نحو غير ديمقراطي. ومن خلال أولئك الذين يُجسِّدون رأس المال، فإنه يخفق مع أي غريب غريق بثلاث طرق على الأقل.

أولاً، يملك رأس المال فعليًّا ما يحتاجه الغريب المنكوب. وفي حين لا يملك معظم الأفراد عمومًا سوى الضروريات التي تكفيهم هم وعائلاتهم، فإن المؤسسات المتقيدة بمنطق التراكم الرأسمالي تمتلك فعليًّا كافة الضروريات التي يتوجب على الأفراد شرائها للبقاء على قيد الحياة.

لا ينبغي علينا أن نتفاجأ من التبعات المستهجنة التي تنتج عن مثل هذا النظام، ونحن لا نرى هنا إلا واحدة منها: سيترك الرأسمالي الصبيًّ لمواجهة حتفه ما لم يتلق مالاً كافيًا من إنقاذه. وبغض النظر عما نفعله نحن، يلتزم الرأسمالي بموقفه: حياة الغريب الغريق لا تساوي في قيمتها الضرورة اللازمة لحفظ الحياة. فضلاً على أن مشاركته في عملية الإنقاذ منوطة بإمكانية التربح منها.

بالنسبة للرأسمالي، فهذه مجرد معاملة أخرى – ولما لا تكون كذلك؟ هذا المبدأ يكمن في كل مقابل للضروريات اللازمة لحفظ الحياة، حتى وإن كان لا يظهر صراحةً إلا عندما يعجز الفرد عن تأمينها.

ثانيًا، يخلق الرأسمالي «الغرباء الغرقى». إن عجز الشركات عن التكسب من أصحاب القدرة الشرائية البسيطة أو المعدومة هو ما يخلق حاجة عديد من الفقراء للإيثاريين.

ومع ذلك فقدرتهم الشرائية بحد ذاتها تُحددها حاجة الرأسمالي لكدحهم. فرغم الحقيقة القاضية بأن الفقراء لديهم القدرة على المساهمة في المجتمع على نحو فعال، إلا أنه من غير المربح للشركات أو الدول النيوليبرالية عادةً أن تدفع لهم ما يكفي لفعل ذلك. علاوة على ذلك، تسليع الرأسمالي للضروريات يقوض الاكتفاء الذاتي لمجموعة كاملة من السكان من خلال تحديد الطريقة التي تُخصص بها الموارد.

وبينما تعلن الجمعيات الخيرية والإيثاريون الفعّالون عن مدى شدة حاجة الفقراء للطعام مثلاً، يستولي الرأسمالي على أراضيهم الخصبة ويسيطر عليها لاستخدامها في زراعة المحاصيل التي يمكن بيعها بعوائد أعلى على سكان العالم الأغنياء. والأعمال الزراعية التي يجيء بها تتطلب موارد مائية نادرة أصلاً ومع ذلك فبُنيتها تفرط في الاعتماد على مصادر تلك الموارد، فضلاً عن الدمار البيئي كالانقراض الشامل والتغير المناخي العالمي.

في الوقت الحالي، ينتزع الرأسمالي حوالي 2 تريليون دولار سنويًّا من «الدول النامية» من خلال أشياء مثل التدفقات المالية غير المشروعة والتهرب الضريبي وخدمات القروض والسياسات التجارية المؤاتية للطبقة الرأسمالية.

ضياع هذه العوائد والموارد من الدول النامية وشعوبها يمثل كسبًا للرأسمالي. إن قدرة الأفراد على فعل أمور أولية كتوفير الطعام تصبح مرتهنة بقدرتهم على مزايدة الآخرين في السوق العالمية حيث يحدد الرابح كيف تُستخدم مواردهم المحلية.

حينئذٍ، تُستغل عوائد الحكومات المهدرة وبرامج التكيّف الهيكلي التي تُعجل بها هذه الظروف لتبرير تقليص الخدمات الأساسية، كبرامج القضاء على الملاريا، وهي إحدى الغايات الخيرة المفضلة لدى الإيثاريين الفعّالين، الأمر الذي قد ينتج عنه عشرات الألوف من الوفيات.

هذه الديناميات، التي تنبع من إصرار الرأسمالي على تسليع الضروريات، هي ما يحوِّل مليارات الناس إلى «غرباء غرقى» ويخلق الحاجة إلى المنظمات الخيرية التي تتزايد باطراد قبل كل شيء.

وأخيرًا، كل ما ذُكر أعلاه يقيد قدرة غير الرأسماليين على التدخل. فبغض النظر عن مناهضة الحكم الرأسمالي، الخيار الوحيد المتاح لغير الرأسمالي هو التبرع للجمعيات الخيرية ومن ثم تدعيم أرباحها من الضروريات الأساسية أو إغماض العين عن المحتاجين.

ذلك التراكم الرأسمالي المُدعَّم الذي أصبح السبيلَ الوحيد المتاح للأغلبية لإظهار التعاطف مع الآخرين لا يُمكن التحكم فيه. فحتى لو كانت الجمعيات الخيرية فعّالة ومؤثرة، وهي ليست كذلك، الاختيار بين مبلغ بسيط من المال وبين حياة إنسان آخر ليس خيارًا على الإطلاق، لكنه أمرٌ يواجهنا لأن الرأسماليين اتخذوا قرارهم مُسبقًا وكيفوا العالم ليتناسب معه.

يتمحور تحليل الإيثاريين الفعّالين مثل سينغر من بدايته حتى نهايته حول كيفية التعامل مع المعضلة الأخلاقية المنحدرة من تلك الديناميات. وهذا ما يجعل حركة الإيثار الفعّال وبيلةَ على نحو الخصوص. فمن خلال لغتها الاشتراكية المتعثرة وتركيزها المتحيز على المعضلات الأخلاقية البعدية، هي تعمل على توطيد تصور خاطئ جدًّا عن مشاكلنا الأكثر إلحاحًا، وذلك أنها، عوضًا عن إدانة الرأسمالي، تستنكر على أي شخص يملك دخلاً ضئيلاً قابلاً للنفاد.

يبدو جليًّا أن المشكلة لا تكمن فيما آلت إليه مأسسة الرأسمالية للمسلّمات الأخلاقية، التي تركت مليارات الناس لآفة الفقر وخلفت مئات الملايين الرازحين تحت وطأة الحاجة الوجودية للغذاء والماء والمأوى والرعاية الطبية الأولية. إنما المشكلة هي أن الميسورين نسبيًّا لم يشتروا تلك الضروريات من الطبقة الرأسمالية لمئات الملايين المحتاجين لها؛ إن الأثرياء نسبيُّا «يعيشون برخاء ويدَعون غيرهم يموت»[*] إما جهلاً بما قد تشتريه أموالهم أو ضعف إرادة أمام المجتمع الاستهلاكي.

الحل إذن هو رفع الوعي بما قد يشتريه المال وخلق «ثقافة العطاء». بيدَ أن هذا الأمر يضلل الباعث إلى طرح هذه القضايا فيصير الدافع انتقاد عادات الإنفاق الفردية لا أكثر.

إن التوافق النظري بين نقد الإنفاق الاستهلاكي وأي نقد لازم للرأسمالي لا يشكل أي فرق عملي. فالسوق المستهدف لحركة الإيثار الفعّال، وهم الأغنياء نسبيًّا، لن ينتقلوا من الأول إلى التالي دون حجة. يتحتم على ذلك التنبيه إلى الأوامر التي نصدرها وكيف نصدرها.

إتاحة المجال للتجارة يترتب عليه نتائج عبثية ومؤسفة. فمثلاً، يشجع كتاب سينغر الأخير الشباب اليافع الخيّر على أن يكون اختيارهم لوظائفهم المستقبلية مبنيًّا على ما يمكنهم تحقيقه عبر العمل الخيري والعمل ضمن جماعات الضغط. وخياراتهم فعليًّا هي: (أ) «الانضمام إلى وول ستريت لإنقاذ العالم» أو مزاولة مهنة مُكسبة بنيّة «الكسب بدافع البذل»، أو (ب) إنشاء منظمات خيرية عالية الأثر أو العمل لديها، بما في ذلك جماعات الإيثار الفعّال، أو (جـ) العمل في مجال بحثي محصور أو في السياسة أو في وظائف دعوية متوافقة مع الرأسمالية.

يجري الآن تحويل الطبقة الرأسمالية إلى المخلِّص الأقدر المحتمل، والفلاسفة الأخلاقيون الداعمون لها يتحولون إلى محاسبين ومسوقين للجمعيات الخيرية بذريعتيْ «المبادرة الفورية لإنهاء الفقر في العالم» ومعرفة «أفضل ما يمكنك بذله من الخير».

كان من الممكن تجنب هذا الوضع المغوي لو طبقنا بثبات المبدأ الأخلاقي غير المثير للجدل المضمر في حركة الإيثار الفعّال: يتوجب علينا مساعدة الآخرين عندما نملك القدرة على ذلك دون التضحية بأي شيء له ذات الأهمية.

يستشهد الإيثاريون الفعّالون عادةً عند إثباتهم لمزاعمهم بتفسير الفلاسفة والشخصيات الدينية المؤثرة لهذا المبدأ. أحد أولئك هو مينسيوس، أهم مفسر للمذهب الكونفوشي، الذي قيل إنه واجه الملك هيو، ملك ليانغ، وقال: «ثمة أناس يموتون من الجوع على الطرقات، وأنت تُغلق صوامع الحبوب أمامهم. عندما يموت الناس تقول: هذه ليست مسؤوليتي بل مسؤولية السنة. فيما يختلف هذا عن طعن رجل حتى الموت ثم قول: ليس أنا من قتله، بل السلاح؟».

إن المبدأ الكامن في هذه القصة لا ينطبق على أولئك الذين يملكون دخلاً ضئيلاً فحسب، لو أنه كذلك، لكنه ينطبق بصورة أكثر مباشرة على المنتمين للطبقة الرأسمالية، والذين وضعوا قبضتهم على ما يحتاجه الناس للحياة ولمستوى معيشي متدني، تمامًا مثل الملك. فعندما يموت الناس من نقص الغذاء والمياه النظيفة والرعاية الطبية، يقول أعضاء الطبقة الرأسمالية: «هذه ليست مسؤوليتنا، إنها مسؤولية السوق».

بدلاً من البحث في الكيفية التي من خلالها يؤمِّن المستهلكون الأفراد وسائل المعيشة الأساسية لمليارات الناس، ينبغي علينا التشكيك في هذا النظام الاقتصادي الذي لا يسعى إلى إنهاء العوز والجوع إلا حين يكون ذلك مربحًا. وبدلاً من خلق «ثقافة عطاء» فردانية، ينبغي علينا التصدي للنهب المصبغ بالطابع المؤسسي الذي تقترفه الرأسمالية.

لسنا مضطرين لقبول شروط الرأسمالية لمعالجة مشاكلها الخاصة أو لوازمها الأخلاقية المزعومة التي تسلّم بها، إذ يمكننا إسقاط تلك الشروط برمتها.

المصدر: مجلة جاكوبين

——

ملاحظات:

[*] إشارة إلى كتاب Living High and Letting die لبيتر أنغر