الرأسمالية وأزمتها الحالية

financial-crisis

برابهات باتنايك

تلت «أزمة الثلاثين عامًا» للرأسمالية والتي شملت الحربين العالميتين والكساد الكبير فترةٌ يسميها بعض علماء الاقتصاد بالعصر الذهبي للرأسمالية. ولكن اليوم، غرقت الرأسمالية في أزمةٍ أخرى تنذر بعواقب سيطول أثرها. لست أشير هنا لظاهرة معدّلات النمو المنخفضة عمومًا فحسب والتي ميّزت النظام منذ منتصف السبعينات، بل أتحدث بالخصوص عن الأزمة التي بدأت مع انهيار فقاعة الإسكان الأمريكية في عامي 2007 و2008، والتي – أبعد ما تكون عن الانحسار – لم تزدد إلّا شدة.

كثيرا ما يعطينا الإعلام انطباعًا بأنّ العالم الرأسمالي ينهض ببطؤ من الأزمة. ولكون منطقة اليورو لا تزال غارقة في وحل الركود، يُشتق هذا الانطباع تماما من تجربة الولايات المتحدة، حيث نشهد كلامًا عن زيادة سعر الفوائد بذريعة انتهاء الأزمة وزعم بأنّ التضخم الآن هو التهديد الجديد. ولكن، هنالك نقطتان يجب الإشارة لهما بشأن «الانتعاش» الأمريكي.

أولا: ما يسمى زعمًا بالانتعاش أثّر عليه بشكلٍ كبير القفزة في الطلب على السلع الاستهلاكية، والذي بدوره حفّزه الانخفاض الحاد في أسعار النفط. ولكنّ زيادة الطلب هذه لم يجاورها أيّ زيادة معتبرة في النشاط الاستثماري، على الرغم من أنّ سعر الفوائد طويلة الأجل يقارب الصفر – بمعنى أنّ السياسة النقدية كانت داعمة للاستثمار بأكبر قدرٍ ممكن. نشهد، بعبارةٍ أخرى، تكرارًا لوضع أواخر الثلاثينات السابق لحملة إعادة التسلّح، حين تحسّنت الاستفادة من القدرات في قطاع البضائع الاستهلاكية بدون انتعاشٍ يُذكر في قطاع بضائع رأس المال.

ثانيا: حتى هذا الانتعاش المحدود الذي شهدته الولايات المتحدة تزامن مع نسبة بطالة عالية وغير اعتياديّة. تشير الإحصائيات الرسمية لصورةٍ معاكسة تماما: انخفاض في البطالة يصل إلى 5 بالمئة في الوقت الحالي. ولكن ما أهملته هذه الأرقام هو الهجرة الضخمة من اليد العاملة: أصيب الملايين بالإحباط حتى لم يعودوا يبحثون عن عمل، وبالتالي لا يُحسَبون في إحصائيات البطالة. لو أخذنا بعين الاعتبار واقعًا نسبة اليد العاملة إلى السكان في سن العمل (أي معدل المشاركة في اليد العاملة) لعام 2007، أي وقت بدئ الركود الكبير، وراجعنا حساب حجم اليد العاملة الحالية استنادًا لها، فنسبة البطالة الحالية ستقارب 11 بالمئة. يقدّر العديد الرقم بأعلى من ذلك بدعوى أنّ الحجم الرسمي لليد العاملة يقلّ عن الواقع حتى بالنسبة للتاريخ الأساسي.

إذا، فالزعم بأنّ الولايات المتحدة تشهد انتعاشًا تامًا لهو زعمٌ خاطئ، بالخصوص فيما يتعلق برفاهية الطبقة العاملة وأمنها الاقتصادي. وحين نضع بعين الاعتبار بقية العالم، وبالخصوص التطورات الأخيرة في «الاقتصادات الناشئة»، سنرى أنّ الوضع أشدّ سوءً.


كان أهمّ هذه التطورات انخفاض معدلات النمو في بلدانٍ مثل الهند والصين – أي أنّ الأزمة وصلت إلى ما يسمى بالاقتصادات الناشئة، بالخصوص الصين. دعنا نضع هذا الركود في سياقه المناسب.

منذ عام 2005، ارتفع سعر الصرف الصيني الموزون تجاريًا – سعر صرفها مقابل سلة عملات، حيث وزن كلّ عملة يعتمد على أهميّتها النسبية في التجارة الصينية – بنسبة 50 بالمئة. حتى ما بين عام 2009، حين قفز سعر الصرف الموزون تجاريا، وعام 2015 كان مقدار الارتفاع 20 بالمئة. يعني ذلك ببساطة أنّ الاقتصاد الصيني كان يخلق مساحة أكبر لبقية دول العالم لمنافسته، وبالتالي للنمو على حساب الصين. كان بإمكان الصين تحمّل ذلك لعمل فقاعة أسعار أصولٍ على استدامة معدل نموها المحلي. مما يعني أنّ الصين كانت نوعًا ما تدعم معدلات نمو بقية العالم، مثلما فعلت الولايات المتحدة قبل عقود مضت – مع أن التحفيز الذي وفرته الصين لم يكن بالطبع بتلك الضخامة. يفسر هذا الدعم الصيني لمَ استمرت الأزمة ولكن ليس بالمقدار المتفاقم الذي كانت ستؤول إليه لولا هذا الدعم.

ولكن فقاعة أسعار الأصول انهارت الآن، وأدّت – مشتركة مع آثار الركود العالمي على الصادرات الصينية – إلى تخفيض معدلات النمو الصينية. وهذا يفسر انخفاض قيمة اليوان الصيني مؤخرا بنسبة أقل من 4 بالمئة بقليل، واستعداد الحكومة الصينية الظاهر لخلق انخفاض أكثر للعملة مستقبلا، مقدّمةً هذا التخفيض تحت قناع جعل اليوان «مُحدّد بالسوق» بمستوياتٍ أعلى.

يشكل انخفاض قيمة اليوان، والتلميحات الرسمية بعدم استبعاد احتمالية تخفيضه أكثر، من عدة نواحي بداية ديناميٍ جديدة تماما. أولا: يعلّم ذلك بداية موجة تخفيض عملات تنافسيّ – تسببها الأسواق ولكن بتواطؤٍ من الحكومات المعنية – وبالتالي مؤديّة لبداية سياسات «إفقار الجار»، وهي صدى آخر للثلاثينات بعد انهيار معيار الذهب. بعد انخفاض قيمة اليوان، انخفضت قيمة عملات متعددة مقابل الدولار بالفعل. وهذا لأنّ «السوق»، أي المضاربين، توقع حدوث انخفاضات كهذه وبالتالي تصرف بطريقة أدّت لهذه الانخفاضات. وفيما يتعلق بالحكومات، فإما كانت غير مستعدّة للتدخل في دعم عملاتها، إذ أنّ ذلك سيضر بالتنافسية ويخفّض من صافي صادراتها، أو لم تكن قادرة على القيام بذلك، في حالات عدم امتلاكها احتياطيات نقد أجنبي ملائمة.

تمثّل موجة تخفيض قيم العملات المحتمل حدوثها، واقعا، صراعًا بين البلدان على حصّة أكبر من سوق دولي غير متوسع. سأناقش مسألة عدم التوسع لاحقا، وأما الآن فيجب الإشارة لنقطتين حول الصراع على الأسواق. أولا: ليست الولايات المتحدة في موقعٍ مؤات في هذا الصراع وذلك لأن تخفيض العملات كلّه يجري مقابل الدولار. يعني ذلك عدم وجود طريقة لتخفيض الدولار مقابل للعملات الأخرى. أجّلت الولايات المتحدة كما هو متوقع زيادة سعر الفائدة، وهو أمر وعد به الاحتياطي الفيدرالي منذ فترة من الزمن، وذلك لأن أي زيادة بهذا المقدار ستزيد من سعر الدولار أكثر. ولسوء حظها، ليس بإمكان الاحتياطي الفيدرالي تخفيض سعر الفوائد أكثر وذلك لأنه بالفعل يقارب الصفر حاليا، ويستحال على السياسة النقدية دفعه إلى ما تحت الصفر.

ولذلك، بينما الولايات المتحدة ليس بإمكانها استخدام سياستها النقدية لتحصين صافي صادراتها وبالتالي منع زيادة البطالة من تخفيض صافي الصادرات، ليس بإمكانها أن تأمل حتى باستقرار قيمة الدولار مقابل العملات الأخرى على المستويات الحالية. حين تنخفض العملات الأخرى مقابل الدولة، لا يعزز ذلك إلا توجه ملاك الثروات في أرجاء العالم للتدفق إلى الدولار. وذلك يعني أن تقويض موقع صافي صادرات الولايات المتحدة سيستمر، وبالتالي مُافقمًا البطالة في البلاد. باختصار، دور الدولار كالوسيط العام لامتلاك الثروة، والذي سمح للولايات المتحدة تمويل عجزها الحالي في ميزانياتها، سيعمل على إعاقة تقدمها على مستوى النشاط الداخلي وعلى مستوى البطالة.

إذا، ليس لدى الولايات المتحدة إجراءات بديلة للدفاع عن نشاطاتها الاقتصادية الداخلية سوى فرض قيود تجارية ضمنية أو صريحة، وقانون «إعادة الوظائف إلى الوطن» الذي عرِض على مجلس الشيوخ شهر يوليو 2014 هو مثال على ذلك، وذلك لكون الولايات المتحدة حتى لو تغلبت على تجنّب سعي النشاط الحكومي لخفض البطالة وقامت فعلًا بتحفيز مالي بدون قيود تجارية، فالآثار المنتجة للوظائف لمثل هذا التحفيز ستتسرب إلى الخارج أكثر من السابق. ولكن أي فرض للقيود التجارية سيقوض النظام النيوليبرالي، تترأسه الرساميل المالية الدولية، وهو نظامٌ تلتزم الولايات المتحدة بالدفاع عنه.

والنقطة الثانية التي يجب ذكرها حول هذا الصراع على سوق عالمي غير متوسع هو أنّه لن يظل «غير متوسع» بالمعنى المحدود للكلمة، بل أنّه سيبدأ بالانكماش، وذلك لأنه في وضع انتشار حالة تخفيض قيمة العملات، لا ترتفع قيمة العملات أو تنخفض بشكل متزامن. ونتيجة لذلك، يصبح حساب الأرباح على المشاريع أصعب، إذ يمكن للتكاليف والعائدات أن تتذبذب على مدى معيّن عشوائي من الزمن. تتزايد بالتالي المخاطر المرتبطة بالاستثمار، مسبّبة انكماش الاستثمار في كلّ مكان بمستوى أقلّ مما كانت ستؤول إليه لولا ذلك، ومع هذا الانكماش سنشهد انكماشًا عامًا في السوق العالمي.

يقودنا ذلك إلى الجانب الثاني من الدينامية الجديدة. أدّى الانخفاض الأخير لمعدل النمو الصيني لانخفاضٍ في الأسعار العالمية للسلع (مع أنّ بعض السلع، مثل النفط، بدأت بالانخفاض قبل ذلك)، وقدّ أثر ذلك بالفعل على معدلات النمو للعديد من الدول المعتمدة على تصدير السلع، مثل: أستراليا وتشيلي والبرازيل، إذ أنّ الأخيرة أُعلن «رسميا» معاناتها من ركود اقتصادي. والانخفاض العام لأسعار السلع سيعمل على كمش السوق العالمي أكثر.

وما قلته سابقًا عن كون انخفاض أسعار النفط عاملًا في تحفيز الطلب في الولايات المتحدة وبالتالي موفرة تحفيزا للطلب في السوق العالمي أمر صحيح، ولكن هنالك فرق بين أثر انخفاض أسعار النفط وحده وانخفاض أسعار السلع بشكلٍ عام. في حالة النفط، متوسط «الميل الحدي» للإنفاق – إن استخدمنا مصطلحًا كينزيًا – أعلى بالنسبة للمشترين من البائعين (إذ يرأسهم الملوك والشيوخ)، وبينما العكس هو الصحيح غالبًا بالنسبة للسلع الأخرى.

مع أنّ انخفاض أسعار السلع يشكّل بذاته سببًا إضافيًا لمفاقمة الأزمة، إذ ما زال يمثّل تهديدًا أعظم من خلال قناةٍ أخرى وهي قناة ما أسماه عالم الاقتصاد إيرفينغ فيشر في بدايات القرن العشرين احتمالية «انكماش الديون». يقول فيشر أنّه في حال انخفضت أسعار السلع الأساسية، ومن ثم أسعار السلع المصنّعة، فالثقل الحقيقي للديون يتصاعد بالنسبة لمن تظهر لهم هذه البضائع في جانب الأصول، مقابل التزامات الديون المقوَّمة بالأموال على جانب المطلوبات. ولتحسين الميزانيات العمومية الخاصة بهم، يحاول هؤلاء بيع هذه الأصول مما يزيد الأمور سوء ويؤدي لانخفاض ضخم في أسعار الأصول، وبالتالي لحالات إفلاسٍ تزيد من حدّة الأزمة. ظلّت البلدان الرأسمالية المتقدمة على حافة الانكماش لفترةٍ طويلة، ولكن التطورات الحالية قد تدفعهم من على حافة الهاوية وقد تضخّم من حدّة الأزمة.

والسمة الثالثة للأزمة الحالية هي نزعة أسعار الأسهم للانخفاض. بإمكان ذلك أن يكون جزء من سيرورة انكماش الديون الناجم عن انخفاض أسعار السلع المذكورة أعلاه. وبقدر ما يؤدي توقّع انخفاض النمو إلى انخفاض أسعار الأسهم، بغض النظر عن انخفاض أسعار السلع من عدمه، بإمكانه أن يكون مصدرًا مستقلًا لانكماش الديون. بعبارة أخرى، انخفاض أسعار الأسهم سيزيد أيضا من الضغوط لتعديل الميزانيات العمومية، وهو ما سيؤدي لانخفاضٍ أكبر وأكثر في أسعار الأسهم، وهلم جرا.

وما يجدر ذكره هنا بالذات هو أنّ هذه الجوانب الثلاثة – انخفاض أسعار الصرف (مقابل الدولار الأمريكي) وانخفاض أسعار السلع وانخفاض أسعار الأسهم – قد تعزّز بعضها بعضا، كما يحصل الآن. باختصار، تترقّب الرأسمالية العالمية تفاقما حادا للأزمة. وفي لب هذه الأزمة حقيقة عدم وجود عوامل توسّعية تعمل تجاه زيادة حجم السوق العالمي. على العكس، حتى التوجه طويل المدى الآن يتّجه في الاتجاه المعاكس: نحو الانكماش. دعنا الآن نعالج هذه المسألة.


يصرّح قولٌ قديم يعود لروزا لوكسمبورغ وميخال كالتسكي بأنّ الاقتصاد الرأسمالي يحتاج لمحفّزاتٍ خارجية، مختلفة عن محفزاته الداخلية، لنموّه المستديم. «المحفزات الداخلية» هي محفزات زيادة الإمكانيات الإنتاجية، وتنتج هذه المحفزات عن واقع جريان نموّ الاقتصاد بذاته، وأما عدم ملاءمة هذه المحفزات لتفسير النمو المستديم فتنبع هي بدورها من المسألة التالية: مع توليد اقتصاد متعرض للنمو توقعاتٍ بحدوث نمو مستقبلي، وبالتالي حاثًّا الرأسماليين على زيادة الإنتاج لتوقعهم حدوث نمو كهذا، وهو ما يبقي على زخم النمو متزايدا، يعني ذلك أن أي توانٍ عن ذلك سيجري في الاتجاه المعاكس. سيتوجب على الرأسماليين تقليص الزيادات إلى القدرات الإنتاجية، مما سيفاقم من التباطؤ الجاري للنمو. ولو علق الاقتصاد في ركودٍ من غير توسّع، فلن يوجد لدى الرأسماليين ما يدفعهم لتوقع حدوث أي نمو (لو كانت المحفزات الداخلية هي المؤثر الوحيد)، وبالتالي لن يزيدوا الإمكانيات الإنتاجية، مما سيكبّل بدوره – عن طريق كبح الطلب – الاقتصاد بالركود.

ولأنّ هذا المنطق لا يمثّل التجربة الفعلية للاقتصادات الرأسمالية، إذا فهنالك محفّزات خارجية تُحدث الاستثمار أو إضافاتٍ مستقلة للطلب، مستقلة جدًا عمّا إذا كان الاقتصاد ينمو أم لا. باختصار، تجنّب المحفزاتُ الخارجية الاقتصاد البقاء عالقًا في الركود وتفسّر ديمومة النمو طويل الأمد.

ينتج هذا الزعم ببساطة عن رفض قانون ساي، أي من إدراك احتمالية حدوث عجز في الطلب الإجمالي. حقيقة أنّ إجمالي الطلب قد يصاب بعجز هي ما يدفع الرأسماليين لتقييم توقعات الطلب قبل التقرير بزيادة الإمكانيات، وذلك بدوره هو ما يجعل المحفزات الداخلية غير كافية لتفسير النمو، مما يؤدي للحاجة لمحفزات خارجية.

من ضمن المحفزات الخارجية، تلقت ثلاثة أمور اهتمام علماء الاقتصاد: الأسواق ما قبل الرأسمالية والإنفاق الحكومي والابتكارات. استخدم المصطلح الأخير بأوسع معنى ممكن: تطورات تجعل الرأسماليين المالكين لعملية أو سلعة جديدة يباشرون في إضافة للقدرات الإنتاجية في أمل التقدم على منافسيهم (أو على الأقل في أمل عدم التراجع). ولكن دور الابتكارات كمحفزات خارجية شكّك به عددٌ من الكتاب، وهو تشكيك مشروع برأيي. في أسواق احتكار القلة، حيث يُتحاشى عمومًا تخفيض الأسعار بغرض البيع على حساب المنافسين، ينزع الرأسماليون لإعطاء أيّ استثمار – كانوا سيباشرون فيه لو كان الأمر خلاف ذلك – الشكل الذي تتطلبه الابتكارات عوضا عن المباشرة النشطة في استثماراتٍ إضافية (وبالتالي زيادة القدرات الإنتاجية)، وفي تلك الحالة لا تعود الابتكارات فعلا محفزا خارجيا. يؤكد ذلك أيضا مؤرخو الاقتصاد، إذ يشيرون لأنّه أثناء الكساد الكبير في فترة ما بين الحربين، عوضا عن أن تستخدم الابتكارات الموجودة لمساعدة الرأسمالية تجاوز أزمتها، فقد ظلت من غير استخدام ولم يتم إدخالها إلّا في فترة ما بعد الحرب المتصفة بطلب إجمالي عالي.

لعبت الأسواق ما قبل الرأسمالية – أو، بشكلٍ أعم، ظاهرة توسّع الرأسمالية خارج نواتها المتروبولية – دورًا مهمًا كمحفزٍ خارجي في فترة ما قبل الحرب العالمية الأولى. ولكن الصورة ليست بالبساطة التي افترضتها روزا لوكسمبورغ، إذ تقول بأن الرأسمالية ببساطة تبيع على حساب المنتجين ما قبل الرأسماليين في المستعمرات، فالصورة أكثر تعقيدًا بكثير. هاجر كلٌ من العمّال ورأس المال من عواصم أوروبا نحو مناطق المناخ المعتدل التي استوطنها البِيض، مثل الولايات المتحدة وكندا وأستراليا ونيوزلندا وجنوب أفريقيا والأرجنتين. اتجهت حواليّ أربعة أخماس كلّ صادرات رأس المال نحو هذه المناطق. ولكن البضائع المنتجة في العواصم الاستعمارية، بالخصوص في بريطانيا إذ كانت أكبر مصدّرٍ لرأس المال في تلك الفترة، لم تكن بالضرورة البضائع الأكثر طلبا في هذه «المناطق الجديدة» النامية والتي تطلبت موادًا خامًا وموادًا غذائيةً من المناطق الاستوائية. بيعت بضائع العواصم في المستعمرات الاستوائية، والبضائع الاستوائية صُدِّرت إلى المناطق الجديدة.

النقطة المهمة هي أنّ البضائع الاستوائية المصدّرة من المستعمرات الاستوائية إلى المناطق الجديدة في هذا النظام الذي هيمن عليه البريطانيون لم تكن متساوية في القيمة مع بضائع العواصم المستوردة إلى المستعمرات الاستوائية. بعبارة أخرى، لم تُستخدم العواصم الاستوائية لمجرد تغيير شكل البضائع المصدّرة إلى المناطق ذات المناخ المعتدل التي استوطنها البِيض. كانت الصادرات الاستوائية إلى «العالم الجديد» تحمل قيمة أكبر بكثير من البضائع التي تسلّمتها البلدان الاستوائية كوارداتٍ من العواصم الاستعمارية، وبينما تسديد العملات المحلية إلى المنتجين المحليين لفائض التصدير هذا نتج عن إيرادات ضرائب الحكومات الاستعمارية (المستخلصة غالبًا من هؤلاء المنتجين ذاتهم)، استحوذت البلدان الاستعمارية على عائدات العملات الأجنبية والذهب، دون أن تستحوذ المستعمرات الاستوائية على أيّ شيء من العواصم. هذا الفارق إذا يشكّل استخلاصًا غير مسوّغ تقوم به العواصم الاستعمارية للمستعمرات الاستوائية دون أيّ مقابل (وهو اختلالٌ في التوازن سمّاه الكتّاب القوميون الهنود، وهم أول من كشفوا عنه، بـ«استنزاف الفائض» من المستعمرات).

بعبارةٍ أخرى، أتى المحفز الخارجي في فترة ما قبل الحرب العالمية الأولى من النظام الاستعماري والذي تضمّن كلاً من الاستعمار الاحتلاليّ، مثل الصين، والاستعمار الاستيطاني، مثل الولايات المتحدة، من خلال آليّة معقدة. لهذه الآلية عناصر ثلاثة مرتبطة: عمليّة «تصفية الصناعات»، وهي عملية إزاحة المنتجين ما قبل الرأسماليين، لا سيما مصنّعي الغزل والنسيج، تُفرض على المستعمرات الاحتلالية عن طريق واردات من العواصم الاستعمارية، وهو ما أشارت له روزا لوكسمبورغ. والعنصر الثاني هو استنزاف الفائض المذكور أعلاه، ومن خلال هذا الاستنزاف نتجت قدرة العواصم على تصدير رأس المال إلى المناطق النامية للمستوطنات الحديثة، على صورة سلعٍ أساسية من المناطق الاستوائية، احتاجتها تلك المستوطنات. حقّقت أكبر مستعمرة احتلالية –الهند – ثاني أكبر فائضٍ تجاري للبضائع في العالم لمدة خمسين عامًا قبل عام 1928 – ولم تتفوق عليها سوى الولايات المتحدة – ولكنّ إيرادات التجارة استُحوِذ عليها تمامًا لدعم ميزان المدفوعات البريطاني.

هذا الترتيب بأكمله الذي قامت عليه الطفرة التدريجية الممتدة طوال العصرين الفيكتوري والإدواردي انهار بعد الحرب العالمية الأولى. لا يتوجب علينا هنا الدخول في تفاصيل أسباب هذا الانهيار، والتي تضمنت أمورًا منها «انغلاق الغرب الأمريكي القديم»[*]، واختراق اليابان الأسواق البريطانية الاستعمارية في آسيا، والأزمة الزراعية العالمية والتي أدت إلى انهيار العائدات النقدية للمستعمرات، والذي بدوره قاد لتقويض نظام التسديد المثلّثي المذكور آنفا.

كانت الفترة التي تلت، أي فترة ما بين الحربين العالميتين، فترة لم تملك فيها الرأسمالية أي حوافز خارجية، حيث لم يكن النظام الاستعماري ناجعًا وتدخل الدولة في «إدارة الطلب» لم يكن حتى جزءً من الخطاب النظري. هل من المفاجئ إذا أن الكساد الكبير للثلاثينات حصل في تلك الفترة ذاتها؟

جُرِّب تدخل الدولة لدعم الطلب الإجمالي أولًا في اليابان في ظل إدارة وزير المالية تاكاهاشي في عام 1931 ولكن ذوي النزعة العسكرية وسّعوا تلك الجهود لأبعد ببعيد مما أراده تاكاهاشي، حتى قتلوه حين اعترض على زيادة الإنفاق العسكري، واستحدث في ألمانيا في عام 1933 مع حملة إعادة التسليح النازية. وفي الاقتصادات الليبرالية البورجوازية قدمت هذه الجهود على أعتاب الحرب ذاتها مع زيادة الإنفاق العسكري التي اقتضاها التهديد الفاشي. ولكن ذلك لم يصبح سمة عادية للرأسمالية – خلافًا لمجرد كونه ضرورة طارئة – حتى سنوات ما بعد الحرب حين أجبِرت الرأسمالية المتروبولية على هجر مبادئ «التمويل المتعقل» (موازنة الإنفاق الحكومي سنويا) على أثر التهديد الاشتراكي من الخارج وانتفاض الطبقات العاملة من الداخل. تنامى التحريض العمالي من الداخل لأن العمال الذين قدموا تضحيات كبيرة أثناء الحرب أبوا أن يعودوا إلى أوضاع ما قبل الحرب المتسمة بالبطالة والفقر.

وصِفت سنوات ما بعد الحرب بـ«العصر الذهبي» للرأسمالية، واتسمت تلك السنوات بتدخل الدولة في إدارة الطلب والذي أنتج مستويات منخفضة من البطالة غير مسبوقة في تاريخ الرأسمالية وبالتالي مستويات عالية للنمو (استجابة للطلب المتزايد) ومستويات عالية من نمو إنتاجية العمال ومستويات عالية من نمو الأجور الحقيقية. بينما حدث تدخل الدولة في كل أمة تقريبا، عزز النظام بأكمله الإنفاق العسكري الضخم للولايات المتحدة والذي فتح (وحافظ على) شبكة من القواعد العسكرية في أرجاء العالم. ومع تفاقم حرب فيتنام تضخم الإنفاق العسكري الأمريكي، تموله الدولارات المطبوعة، إذ أعطيت الدولارات مكانة الذهب في ظل نظام بريتون وودز، اضطرت بقية العالم على الحفاظ على هذه الدولارات حتى مع توليد فائض الطلب تضخما. هذه التضخم حض على الانتقال إلى السلع ومن ثم إلى الذهب مما أدى إلى هجر نظام بريتون وودز. تبع ذلك ركود مُهندس فاقمته حقيقة أن سعر سلعة حيوية جدا، النفط، أبقى عليه كارتل واحد، ألا وهو منظمة الأوبيك، مرتفعًا حتى مع انخفاض بقية الأسعار.

ولكن إن كانت أزمة منتصف السبعينات في العالم الرأسمالية بداية تفكيك وحل تدخل الدولة في إدارة الطلب فأساس هذا التفكيك يكمن في مكان آخر، وهذا المكان هو ظاهرة عولمة رأس المال، بالخصوص الرساميل المالية، والتي بدأت منذ أواخر الستينات وازدادت زخمًا في العقود التالية. عنى النظام المالي المعولم أنّه على الرغم أنّ التمويل أصبح دوليًا، فالدولة لا تزال دولة قومية. وتوجب على كل الدول القومية إذًا الخضوع لمطالب رأس المال المالي لتجنب هروب الرساميل.

وذلك بدوره عنى التحكم بالعجز المالي وذلك لأنّ الرساميل المالية، كما رأينا، تفضل «التمويل المتعقل» وتكره العجز المالي، وعنى أيضًا تخفيض العبء الضريبي على الرأسماليين. وهذين العاملين، مجتمعين، جعلا أيّ نشاط تحفيزي، سواءً أكان من خلال عجز ميزانية أو من خلال مضاعف الموازنة المتوازنة (حيث تُرفع الإيرادات لتماثل الإنفاق الحكومي الزائد عن طريق رفع الضرائب على الأغنياء) أمرًا شبه مستحيل. وتبع ذلك بالطبع أن نُظِر للتقشف في الإنفاق الحكومي كفضيلة بذريعة أن الاستثمار الخاص يزاحمه «التبذير» الحكومي، وهو زعمٌ لم يكن سوى قانون ساي ذاته، القائل بأن العرض يخلق الطلب الخاص به، ولكن بحلة جديدة.

هدف الإسهاب في هذه النقطة هو توضيح أن الرأسمالية في العصر الحديث، أي عصر العولمة المترتب عليه أولًا عولمة النظام المالي، لا تملك أيًّا من حافزيها الخارجيين الرئيسيين، أي الأسواق ما قبل الرأسمالية والإنفاق الحكومي لتحفيز الطلب. المحفز الوحيد للطفرة إذا، فضلًا عن تعزيز الإنفاق الاستهلاكي الممول بالديون (إذ لا يمكن له إلا أن يكون عابرا)، ينتج عن تكوّن فقاعات أسعار الأصول بين الحين والآخر. ولكن هذه الفقاعات مصيرها الانهيار، وذلك على الرغم من أنها قد تنتج طفرات عابرة، حيث أن متوسط مستوى النشاط أثناء الطفرات والأزمات أقل من مستواه في ظل نظام تدخل الدولة. يضاف لذلك أنّ فقاعات أسعار الأصول لا يمكن تكوينها على الطلب؛ فالنظام ليس بإمكانه أن يجبر المضاربين على الشعور بالتوقعات المتحمسة التي تترتب عليها الطفرات. وقد تمر بالتالي فترات طويلة، حتى أثناء فترة انخفاض نمو عام كهذه، يكون فيها النظام منغمسًا في ركود وكساد مطول. ولكن هنالك عامل إضافي ذو أهمية كبيرة يزيد من استياء الأمور في فترة العولمة هذه. دعنا الآن ننتقل لهذا العامل.


في الفترة السابقة للعولمة الحالية كان الاقتصاد العالمي مجزّأً جدا. لم يسمح وقتها للطبقة العاملة في الجنوب العالمي الانتقال بحرّية إلى الشمال العالمي، وكما أشار ويليام آرثر ليويس، كان هنالك تدفقان كبيران للهجرة في القرن التاسع عشر: هجرة العمال من المناطق الاستوائية وشبه الاستوائية مثل الهند والصين، حيث انتقلوا كـ«كولية» (coolie) أو كعمال سخرة، إلى مناطق استوائية وشبه استوائية أخرى، وهجرة العمال من المناطق ذات المناخ المعتدل في أوروبا إلى مناطق أخرى ذات مناخ معتدل مثل الولايات المتحدة وكندا وأستراليا. ومنذ انتهى عصر الاستعباد، حوفظ على انفصال هذين التدفقين انفصالًا حادًا عن طريق قيود متينة على الهجرة الاستوائية إلى مناطق المناخ المعتدل.

وبينما لم يكن لدى عمال المناطق الاستوائية حرّية الانتقال إلى مناطق المناخ المعتدل، فقد كان لدى رساميل مناطق المناخ المعتدل حرية الانتقال إلى المناطق الاستوائية. وعلى الرغم من هذه الحرية الرسمية، فالرساميل اختارت عدم القيام بذلك إلا في قطاعات معينة مثل التعدين والمزارع والتجارة الخارجية، وهي لم تنقل بالخصوص الصناعة إلى المناطق الاستوائية رغم الأجور المنخفضة جدًا السائدة هناك، وذلك نتيجة سيرورة تصفية الصناعات المذكورة أعلاه. انتقلت الرساميل من مناطق المناخ المعتدل عمومًا إلى مناطق أخرى ضمن المنطقة معتدلة المناخ ذاتها، مكمّلة تدفق الهجرة العمالية.

كان الاقتصاد العالمي إذًا مقسمًا لمناطق استوائية ومناطق مناخ معتدل. وفي هذا العالم المقسم، لم تقوض احتياطات العمالة في الجنوب تصاعد الأجور الحقيقية في الشمال مع تزايد الإنتاجية العمالية. كان هنالك تفاوت متنامي بين الشمال والجنوب شمل حتى العمال، وبالمقابل فزيادة الطلب في الشمال نتيجة الأجور المتصاعدة لم تكن ستحصل لولا هذا التقسيم.

أنهت العولمة الحالية هذا التقسيم. على الرغم من أن العمال في الجنوب لا يزالون لا يملكون حرية الانتقال إلى الشمال، فرساميل الشمال الآن، خلافًا لما كانت عليه، أصبحت على أتم الاستعداد لنقل نشاطات قطاع الصناعة والخدمات إلى الجنوب، إذ تم نقل نشاطات قطاع الخدمات عن طريق إسناد الأعمال لشركات أجنبية. يجعل ذلك الآن الأجور الحقيقية للشمال عرضة للتأثير المهلك للاحتياطات العمالية الضخمة للجنوب. ليست الأجور الحقيقية للولايات المتحدة أو غيرها من الدول المتقدمة مقاربة حتى لمساواة الأجور الحقيقية الجنوبية، ولكن الأجور الحقيقية للشمال تظل راكدة حتى مع زيادات إنتاجية العمالة في الشمال. في الواقع، بينما منحنى الأجور الحقيقية في أرجاء العالم في فترة العولمة هذه ظل من غير تغيّر تقريبًا جراء التأثير المقوّض الآتي من احتياطات العمالة في العالم الثالث، فمنحنى إنتاجية العمالة يتزايد في أرجاء العالم. وبالتالي في كل بلد وفي العالم ككل نجد التوجه نحو زيادة حصة فائض القيمة من الإنتاج. وهذا السياق هو ما يفسر استنتاج جوزيف ستيغليتز بأنه على الرغم من تزايد إنتاجية العمل في الولايات المتحدة تزايدًا ضخمًا ما بين 1968 و2011، فالأجور الحقيقية للعامل الأمريكي الذكر لم تزدد خلال هذه الفترة، بل وقد انخفضت واقعا.

لهذا الأمر تداعيان رئيسيان، أولا: لم يعد تزايد اللا مساواة كما كان سابقًا بين منطقتين جغرافيتين من الكوكب (واقعا، شهدت عدة بلدان من العالم الثالث نمو الناتج القومي للفرد أسرع من بلدان العالم الرأسمالي المتقدم) بل أصبح بين شعوب العالم أجمع من جهة ومن جهة أخرى رأسماليي العالم وغيرهم من المقتاتين على فائض إنتاج الباقين. هذه الزيادة في اللا مساواة «العمودية» تختلف هذه عن «الأفقية» وهي الزيادة التي نراها في كتابات صدرت حديثًا لعلماء اقتصاد من الاتجاه السائد، من أمثال توماس بيكتي، مع أنهم يعزّون هذه اللا مساواة لأسباب مختلفة تمامًا وغير مقنعة.

الأمر الثاني هو أنه لأن «الميل الحدي للاستهلاك» – مرة أخرى نستخدم عبارة كينزية – لدى أصحاب الدخل القادم من الأجور أعلى من «الميل الحدي للاستهلاك» لدى أصحاب الدخل القادم من الفائض الاقتصادي، وهذه اللا مساواة العمودية المتنامية للدخول (أو كي نكون أدق، التوجه نحو زيادة حصة الفائض من الإنتاج العالمي) يولد توجها نحو عجز في الطلب الإجمالي ويولد مشكلة امتصاص الفائض.

وهذا بالطبع توجه يمكن التنبؤ به، ولذلك بالإمكان ضبطه – كما جادل باران وسويزي مشيران لتوجه نحو ركود كهذا في الولايات المتحدة قبل نصف قرن مضى – وبالإمكان زيادة إنفاق الدولة بشكل ملائم لإبطال أثره. ولكن ما هو جدير بالذكر حول فترة العولمة الحالية هو أنها تنتج توجهًا يمكن التنبؤ به نحو عجز عالمي في الطلب وتمنع على الرغم من ذلك أي إنفاق حكومي لإبطال أثر هذا العجز والتغلب عليه، وذلك بسبب رفض أصحاب المصالح الشخصية أي عجز في الميزانية أو فرض ضرائب على الأغنياء. (يجب الإشارة هنا أن الإنفاق الحكومي الأكبر الممول بفرض ضرائب على الفقراء والطبقة العاملة، المالكين ميلًا حديًا عاليًا للاستهلاك بأية حال، لا يزيد من الطلب الإجمالي وبالتالي ليس بإمكانه إبطال التوجه نحو عجز في الطلب).

التعويض الوحيد إذاً ضد هذا التوجه نحو عجز الطلب لا يمكن أن يأتي إلا من فقاعات أسعار الأصول المذكورة أعلاه. ولسوء الحظ، كون هذه الفقاعات لا يمكن صنعها على الطلب، ولكون انهيارها أمر حتمي، يصبح الاقتصاد العالمي في عصر العولمة عرضة بالخصوص لأزمات التراجع والركود، وهو الأمر ذاته الذي نشهده الآن.

بعبارة أخرى، حين ندمج سمتي العولمة الحالية، أي غياب محفزات خارجية مع التوجه الداخلي نحو عجز في الطلب العالمي، نحصل على لمحة عن الضعف البنيوي لدى الرأسمالية الحالية أمام الوقوع في ركود طويل المدى. أي من هتين السمتين، أي التناقضات الداخلية والخارجية، ستنتج توجها نحو الركود بحد ذاتها. ولكن في هذه الفترة بالذات تعمل هتين السمتين مجتمعتين، وهذه هي الحقيقة التي تترتب عليها مشاق الرأسمالية الحاضرة.


التداعيات الاقتصادية للركود طويل المدى والاستجابات الممنهجة المحتملة له على المستوى الاقتصاد الكلي أمور لن أناقشها هنا، ولكني سأنهي هذا المقال عن طريق توجيه الاهتمام لتداعيات سياسية واضحة، أحدها يتعلق بالتهديد الذي يشكله هذا الركود طويل المدى على الديموقراطية. والهند، بلدي، حالة ذات الأهمية خاصة في هذا السياق.

عدم التوافق العام ما بين الرأسمالية والديموقراطية أمر أوضح من أن نعيده هنا: الرأسمالية نظام عفوي تدفعه نزعاته المتأصلة فيه، بينما الديموقراطية تكمن في تدخل الناس من خلال النشاط العملي السياسي الجماعي لتشكيل مصائرهم، بالخصوص مصائرهم الاقتصادية، مما يكافح هذه العفوية. مصير الكينزية، التي ظنت أن الرأسمالية بالإمكان جعلها تسير بما يقارب التوظيف التام وبالتالي بالإمكان جعلها نظامًا إنسانيًا من خلال تدخل الدولة في إدارة الطلب، يبرهن لنا استحالة مشروع الإبقاء على الرأسمالية مع التغلب على عفويتها.

هذا الصراع يحتد بالخصوص في عصر العولمة، حيث أصبحت الرساميل المالية معولمة بينما الدولة، حيث تبقى الأداة الممكنة الوحيدة التي يمكن للناس من خلالها التدخل نيابة عن أنفسهم، دولة قومية. هنا، كما ذكرنا آنفًا، تخضع الدولة لمطالب الرساميل المالية حتى أصبحت السياسات ذاتها تطبق مهمن كان الشخص الذي انتخبه الناس طالما تظل البلاد داخل دوامة النظام المالي المعولم. وليست اليونان إلا آخر مثال يبرهن هذه النقطة.

ولكن متى ما أدركنا توجه النظام في عصر العولمة للوقوع في أزمة مطولة، عدم التوافق هذا يصبح أكثر خطورة. في سياق حدوث بطالة شاسعة نتيجة الأزمة، تقوم الأوليغارشيات المالية الشركاتية التي تحكم العديد من البلدان بترويج نشط لحركات مسببة للانشقاق وحركات فاشية وشبه فاشية حتى يحافظوا على قشرة الديموقراطية ولا يتم مع ذلك تهديد حكمهم عن طريق نشاط طبقي متضافر. والحكومات التي تشكلها عناصر كهذه، أي الفاشية وشبه الفاشية، حتى وإن لم تتجه مباشرة نحو فرض دولة فاشية بما يماثل سيرورة الفاشية الكلاسيكية، تتجه على الرغم من ذلك نحو زيادة النزعة الفاشية (fascification) للمجتمع والكيان السياسي المشكل نفيًا للديموقراطية. في مجتمعات العالم الثالث، زيادة نزعة فاشية كهذه لا يكمَل فقط بل ويزيد نطاق «التكديس البدائي لرأس المال» على حساب المنتجين الصغار (وهو ما يضمن أن الاحتياطات العمالية العالمية لا يتم استنزافها).

ولكن ليس هذا كل شيء. لكون فاشية كهذه تستدعي ثأرًا على شكل حركات مناهضة للفاشية، كما هو حال التفوقية الهندوسية في الهند اليوم والتي قد حثت على نشأة استجابة تتصف بالأصولية الإسلامية، الحاصل النهائي هو الانحلال الاجتماعي. هذا التفكك هو المآل النهائي للعولمة الحالية في مجتمعات كمجتمعي، ولكن في المفترق الحالي حيث لا نجد حركات عمالية أممية، ناهيك عن حركات مزارعين أممية، وبالتالي انعدام احتمالية تجاوز متزامن للعولمة الرأسمالية، أي صراعات كهذه يجب أن تبنى بالضرورة على أجندة «فك الارتباط» مع العولمة الرأسمالية. ويجب أن يترتب على فك ارتباط كهذا زيادة الضوابط على الرساميل وإدارة التجارة الخارجية وتوسيع الأسواق المحلية وحماية وتشجيع الإنتاج على المستوى الصغير، من ضمن ذلك زراعة الفلاحين، ومن خلال زيادة نفقات الرعاية الاجتماعية للدولة ومن خلال توزيع أكثر مساواة للثروة والدخل.

المصدر: مونثلي رفيو

—–

ملاحظات فريق الترجمة:

[*] الغرب القديم أو «منطقة الحدود الأمريكية» مصطلح يشير للمنطقة المقابلة لحدود المستوطنات الأوروبية-الأمريكية الواقعة غالبا غرب نهر المسيسيبي حيث استمر توسع المستوطنات حتى أواخر القرن التاسع عشر، حيث أُعلن انتهاء إمكانية التوسع الاستيطاني عام 1890.