الانتفاضة العمّالية الصينية الجديدة

تبعث  الأحداث الجارية في «بؤرة الاضطرابات العمّالية في العالم» على التفاؤل الحذر، والسياسات العمّالية العاصفة هناك توفّر دروسًا مهمة لليسار.

shootingsta

إيلاي فريدمان

تلعب الطبقة العامِلة الصينيّة دورًا ذو وجهين في مخيّلة النيوليبراليّة السياسية. فمن ناحية، يتمّ تخيّلها كالمنافس المنتصر في العولمة الرأسماليّة، والعملاق الغازي الذي بصعوده هزم طبقات العالم الغنيّ العاملة. فما هي آمالُ نضالات العمّال في مدينة ديترويت الأمريكية أو رين الفرنسية حين يكون المهاجر السيشوانيّ سعيدًا بالعمل بأجرٍ أقلّ بكثير؟

وفي الوقت نفسه، يُصوَّر العمّال الصينيّون كضحايا العولمة المثيرين للشفقة، والضمير المتأنِّب للمستهلكين في العالم الأوّل. فهم كادحون ساكِنون ومُستغلّون، يعانون بصبرٍ مِن أجل صُنع أجهزة «آيفون» ومنشفات الاستحمام الخاصة بنا. ولا يمكن أن ينقذهم سوانا، عن طريق امتصاص موجة صادراتهم، أو عن طريق التصدق عليهم بإطلاق حملاتٍ من أجل أن تعاملهم شركاتـ«نا» مُتعددة الجنسيات بإنسانيّة.

ترى قطاعاتٌ من يسار بلدان العالم الغنية أنّ العبرة من هذه الروايات المتناقضة هي أنّ مكان المقاومة العمّالية في بلدانهم – وفي مجتمعاتهم هم – أصبح مزبلة التاريخ. فهذه المقاومة في نظرهم ليست إلّا مقاومةٌ عوجاء ومنحطّة. مِمّا يعاني عمّال الشمال العالمي «المدلّلين» هؤلاء – بمشاكلهم التافهة – كي يقدّموا مطالبًا ماديّة من نظامٍ يوفِّر لهم بالفعل وفرةً كهذه صنعها مُعَذّبو الأرض؟ وعلى أيّ حال، فمحاولة مقاومة عملاقٍ مهولٍ منافس كالطبقة العاملة الصينية محاولةٌ عقيمة بالتأكيد. هكذا يعتقدون.

عن طريق تصوير العمّال الصينيين كـ«الآخر» – إما كمُخضَعين بائسين أو كأعداءٍ منافسين – يشوّه هذا الرسم بشدّة واقع أوضاع الطبقة العاملة في الصين. العمّال الصينيوّن أبعد ما يكونون عن الانتصار التام، فهم أيضًا يواجهون الضغوط التنافسية الوحشية ذاتها التي يواجهها العمّال في الغرب وخارجه، وكثيرًا ما يكون ذلك على يد ذات الرأسماليين. وفكرة أنّ ما يميّزهم عنّا هو شدّة بأسهم هي أيضًا فكرةٌ خاطئة.

واليوم، تناضل الطبقة العاملة الصينية. بعد أكثر من ثلاثين عامًا من بداية مشروع الحزب الشيوعي الصيني لإصلاح السوق، أصبحت الصين من غير شك البؤرة العالمية للاضطرابات العمّالية. على الرغم من عدم وجود أيّ إحصاءاتٍ رسمية، فمن المؤكد حصول آلاف إن لم يكن عشرات آلاف الإضرابات سنويًا. كلّ هذه الإضرابات إضراباتٌ غير رسميّة إذ أنّ الإضراب فعلٌ غير قانونيّ في الصين. إذًا، في اليوم الاعتياديّ يحدث ما بين نصف دزّينة إضراباتٍ وعشرات الإضرابات.

والأهم من ذلك هو أنّ العمال يحقّقون انتصارات بسبب هذه الإضرابات، حيث حاز العديد من المضربين على زياداتٍ كبيرة في الأجور بما يتجاوز المتطلبات القانونية بكثير. كانت المقاومة العمّالية ولا تزال مشكلةً مُعتبرة بالنسبة للدولة والطبقة الرأسمالية الصينيتين. وكما حدث في الولايات المتحدة في ثلاثينات القرن الماضي، اضطرّت الحكومة المركزية لتمرير حزمةٍ من التشريعات العمّالية، فالحدّ الأدنى للأجور على سبيل المثال ارتفع في عدّة مدنٍ في أرجاء البلاد ارتفاعًا مُعتبرًا، وأصبح العديد من العمّال يحصلون اليوم على تأمينٍ اجتماعيّ لأوّل مرة.

تنامت الاضطرابات العمّالية خلال العقدين الماضيين، وفي عاميّ 2011 و2012 حصل تقدّمٌ نوعيّ في طبيعة النضالات العمّالية.

ولكن لو كانت هنالك دروسٌ بإمكان اليسار تعلّمها من تجربة العمّال الصينيين، فإيجاد هذه الدروس سيتطلب فحصًا للأوضاع الفريدة التي يواجهها العمّال، وهي أوضاعٌ تبعث اليوم بالتفاؤل والتشاؤم أيضًا.


على مرّ العقدين الماضيين من التمرّد العمّالي، نشأ فهرسٌ متّسق نسبيًا لتكتيكات المقاومة العمّالية. حين يكون لدى العمّال مظالم وشكوى، فأوّل خطوةٍ يقومون بها عادةً هي التحدث مباشرةً مع الرؤساء. وهذه المطالب غالبًا ما يتم تجاهلها، بالخصوص إن كانت متعلّقة بالأجور.

وفي المقابل، غالبًا ما تحقّق الإضرابات مغازيها. ولكنّ هذه الإضرابات لا تنظّمها أبدًا النقابات الصينية الرسمية، وهي خاضعة رسميًا للحزب الشيوعي الصيني وتتحكم بها عمومًا رئاسة الشركة التي تنشط فيها. يُنظّم كل إضرابٍ في الصين باستقلالية، وفي كثير من الأحيان يُنظّم ذلك بمعارضةٍ صريحة للنقابات الرسمية، إذ تقوم هذه الأخيرة بتشجيع العمال على محاولة حلّ مظالمهم من خلال القنوات القانونية عوضًا عن الإضراب.

يحاول النظام القانونيّ – المكوّن من التوسّط في مقرّات العمل والتحكيم والقضايا القانونية – فردنة المشاكل وعزلها عن بعضها البعض. إن نظرنا لهذا الأمر بالإضافة إلى تواطؤ الدولة مع الطبقة الرأسمالية، فسنرى أنّ معنى ذلك هو أنّ النظام لا يتمكن عمومًا من حلّ مظالم العمّال، فهو مصمّمٌ في الغالب لمنع الإضرابات.

حتى عام 2010، كان السبب الأكثر شيوعًا لقيام العمّال بإضرابات هو عدم تلقّي الأجور. المطالب في هذه الإضرابات واضحة وصريحة: ادفعوا لنا حقّنا من الأجور. وأمّا مطالب تحسين القوانين الحالية فهي نادرة. ونظرًا لتوطّن الاختراقات القانونية، نشأت أرضٌ خصبة لمثل هذه النضالات الدفاعية.

تبدأ الإضرابات عمومًا بأن يترك العمّال أدواتهم ويبقوا داخل المصنع أو على الأقل على أراضي المصنع. المفاجئ هو قلّة استخدام العمّال الكاسرين للإضرابات في الصين، وبالتالي نادرًا ما يتم توظيف تكتيك خطوط الاعتصام. وليس من الواضح مباشرةً سبب عدم استخدام أرباب العمل للعمّال الكاسرين للإضرابات. أحد التفسيرات هي أنّ الحكومة لن تدعم مثل هذه الخطوة لأنها قد تزيد الاحتقان وتؤدي لعنف أو لاضطراباتٍ اجتماعية أكبر. أحد العوامل الأخرى هو أنّ الإضرابات نادرًا ما تستمر لأكثر من يومٍ أو يومين، إذ أنّ المُضرِبين لا يملكون دعمًا مؤسسيًا من نقابات وكثيرًا ما يتعرّضون لضغطٍ شديد من الدولة. النتيجة هي عدم الحاجة لكاسري الإضرابات من جانب أرباب العمل.

وحين يواجه العمّال إدارةً معاندة، يصعّدون الوضع أحيانًا بالتوجه إلى الشوارع، وهذا التكتيك يستهدف الحكومة: عن طريق التأثير بالأمن العام، يجذب العمّال اهتمام الدولة مباشرةً. يسير العمّال أحيانًا إلى المكاتب الحكومية المحلية أو يقتصر نشاطهم على سدّ طريقٍ ما. ولكنّ هذه التكتيكات محفوفةٌ بالمخاطر، إذ أنّ الحكومة قد تدعم المُضرِبين أحيانًا ولكنّها قد تلجأ إلى العنف في أحيانٍ أخرى. وحتّى لو توصّلوا إلى تسوية، كثيرًا ما تؤدي المظاهرات إلى اعتقال المنظّمين وضربهم وسجنهم.

والأخطر من ذلك والمعادل له شيوعًا هو قيام العمّال بتخريب وتدمير ممتلكات الشركة والقيام بأعمال شغب وقتل رؤسائهم ومواجهة الشرطة. ويبدو أنّ هذه التكتيكات تشيع أكثر كردّ فعلٍ تجاه التسريح الجماعي أو الإفلاس. حصل عددٌ من المواجهات الحادة جدًا في أواخر 2008 وبداية 2009 تصديًا لتسريحٍ جماعيّ حصل في قطاع تجهيز الصادرات نتيجة الأزمة الاقتصادية في الغرب. وكما سنُبيّن لاحقًا، يبدو أنّ هنالك وعيٌ عدائيّ ناشئ لدى العمّال تجاه الشرطة.

ولكنّ أقل الأمور إثارةً للدهشة في فهرس المقاومة هذا هي ما يشكّل القاعدة التي تستند عليها كلّ الأمور الأخرى: تزايد رفض المهاجرين – بكلّ بساطة – أخذ الوظائف السيئة التي تدفّقوا لها سابقًا في مناطق تجهيز الصادرات في الجنوب الشرقي.

نشأ نقص في اليد العاملة في عام 2004 أولًا. وفي بلدٍ لا زال يحتوي على 700 مليون نسمة من سكّان الريف، افتُرِض أنّ ذلك النقص سيكون عثرةً مؤقتة لا غير. وأمّا الآن، فمن الواضح حدوث نقلةٍ بنوية. انخرط علماء الاقتصاد في مناظرات حادّة بشأن أسباب هذا النقص، وهي مناظراتٌ لن ألخصها هنا. يكفي القول بأنّ عددًا ضخمًا من أصحاب المصانع في المناطق الساحلية مثل قوانغدونغ وتشجيانغ وجيانغسو لم يتمكّنوا من جذب عمالةٍ كافية والحفاظ عليها.

بغضّ النظر عن الأسباب المعيّنة، النقطة الملحوظة هنا هو أنّ نقص العمّال دفع بالأجور إلى الأعلى وعزّز قوّة العمّال في السوق، وهي نقطة قوّةٍ عِملوا على توظيفها.


جاءت نقطةٌ فاصلة في صيف 2010، اتّسمت بموجةٍ إضراباتٍ مُعتبرة بدأت في مصنع صناديق تروس تابع لهوندا في نانهاي.

منذ ذلك الحين، حدث تغيّرٌ نوعيّ في طبيعة المقاومة العمالية، وهو تغيّرٌ لاحظة العديد من المحلّلين. أهمّ سمات هذا التغيّر هو أنّ مطالب العمّال لم تعد دفاعيةً فقط، بل هجوميةً أيضًا. بدأ العمّال بالمطالبة برفع الأجور بمستوياتٍ تتجاوز بكثير المستويات المؤهلين لها قانونيًا، وفي العديد من الإضرابات بدأ المُضربون بالمطالبة بانتخاب ممثّليهم في النقابات. لم يطالب أحدٌ بنقاباتٍ مستقلة خارج اتحاد نقابات عموم الصين الرسميّ، إذ أنّ ذلك سيؤدي بالتأكيد لقمعٍ عنيف من الدولة. ولكنّ الإصرار على الانتخاب يمثّل نشوء مطالبٍ سياسية، ولو كانت هذه المطالب مُنظمة على مستوى الشركات لا أكثر.

انطلقت موجة الإضراب في نانهاي، حيث تشكّى العمّال لأسابيع عدّة بسبب الأجور المنخفضة وناقشوا فكرة القيام بإضراب. وفي 17 مايو 2010، بالكاد علم أيٌّ منهم أنّ موظفًا واحدًا – سمّته عدّة تقاريرٍ بعد ذلك بالاسم الوهمي «تان جيجينغ» – سيبدأ الإضراب من تلقاء نفسه ببساطة عن طريق ضغط زرّ الطوارئ، موقفًا كلًّا من خطّي الإنتاج في المصنع.

خرج العمّال من المصنع. وبحلول النهار، تضرّعت لهم الإدارة كي يعودوا إلى العمل ويبدوا التفاوض. عاد العمّال للعمل واقعًا في ذلك اليوم، ولكنّ العمّال صاغوا مطلبهم المبدئي: زيادة الأجور بمقدار 800 يوان شهريًا، وهي زيادة قدرها 50 بالمئة للعمّال العاديين.

تلا ذلك مطالب أخرى: «تغيير نسق تنظيم» نقابة الشركة الرسمية، والتي لم توفّر للعمّال أيّ دعمٍ في معانتهم، وإعادة عاملّين مطرودَين سابقًا إلى منصبيهما. وأثناء المفاوضات، قرّر العمّال الإضراب مرّةً أخرى وخرجوا من المصنع، وبعد أسبوعٍ واحد من الإضراب، أوقِفت كلّ معامل التجميع الخاصة بهوندا في الصين نتيجة عدم توفّر القطع.

وفي تلك الأثناء، بدأت أخبار إضراب نانهاي بإشعال اضطرابات على مدىً واسع لدى عمّال المصانع في أرجاء البلاد. نقلت الصحف الصينية في عناوينها الرئيسية: «كل موجة تتلوها موجة أعلى، اشتعل إضرابٌ آخر في مصنع أقفال هوندا»، و«سبعون ألفًا يشاركون في موجة إضرابات داليان في 73 شركة، وينتهي الأمر بزيادة أجورٍ قدرها 34،5 بالمئة»، ونقلت صحيفة أخرى: «إضرابات عمّال هوندا تشكّل ضربةً لنموذج التصنيع منخفض التكلفة». في كلّ إضرابٍ كان المطلب الرئيسي هو زيادةً عالية للأجور، وفي العديد من هذه الإضرابات تحقق مطلب إعادة تنسيق التنظيم النقابيّ أيضًا، وهو تطوّرٌ سياسيّ ذو أهمية كبيرة.

كان أحد الإضرابات المستلهمة من إضراب نانهاي ملحوظًا جدًا لروحه النضالية وجدّية تنظيمه. على مدى عطلة نهاية الأسبوع بتاريخ 12 و20 يونيو، اجتمعت مجموعة من مئتي عامل وعاملة في دينسو – وهو مصنع قطع غيار سيارات مملوك يابانيًا ويزوّد تويوتا – بشكلٍ سريّ لمناقشة خطط النشاط. وأثناء الاجتماع قرّروا اتخاذ سياسة «اللاءات الثلاثة»: لمدّة ثلاثة أيّام، لا عمل، ولا مطالب، ولا ممثّلون.

كان العمّال مدركين أنّ تعطيلهم لسلسلة التوريد سيجبر معمل تجميع تويوتا المجاور لهم على التوقف خلال أيامٍ معدودة. وبالتزامهم بالإضراب لثلاثة أيّام بدون مطالب، ترقبّوا تزايد الخسائر لكلٍّ من دينسو وخطّ الإنتاج الأكبر الخاص بتويوتا.

خطّتهم نجحت. في صباح يوم الإثنين، بدأوا إضرابهم عن طريق الخروج من مواقع عملهم ومنع الشاحنات من مغادرة المصنع. وبحلول الظهر، توقّفت مصانع ستة أخرى في المنطقة الصناعية نفسها، وفي اليوم التالي تسبّب عدم توفر القطع لتوقّف مصنع التجميع الخاص بتويوتا.

وفي اليوم الثالث، وَوفق خطتهم، انتخبوا سبعة وعشرين ممثّلٍ لهم ودخلوا في مفاوضاتٍ مطلبها المركزي هو زيادة أجورهم بمقدار 800 يوان. بعد ثلاثة أيام من المحادثات التي تضمّنت رئيس شركة دينسو، والذي استقلّ طائرةً من اليابان ليحضر المفاوضات، أعلنوا أنّهم حقّقوا مطلبهم بالكامل وحصلوا على الزيادة.

ولو كان صيف 2010 قد اتّسم بمقاومةٍ راديكالية وإن كانت نظاميّةً نوعًا ما ضد رأس المال، فصيف 2011 أنتج انتفاضتين شعبيّتين ضدّ الدولة.

خلال أسبوعٍ واحد من يونيو 2011، هزّت تظاهراتٌ عمّالية مهولة مناطق التصنيع في ضواحي تشاوتشو وقوانغتشو، وأدّت في كلتا الحالتين إلى تدميرٍ شاسع ومستهدف جدًا للأملاك. في قرية هوشيانغ من مدينة تشاوتشو، تعرّض عاملٌ سيشواني سعى للحصول على أجورٍ لم تُسدّد له لهجومٍ وحشيّ من مجموعة بلطجية يحملون سكاكين ومعهم رئيسه السابق. استجابةً لذلك، بدأ آلاف المهاجرين الآخرين بالتظاهر أمام مكاتب الحكومة المحلية، فقد عانى العديد منهم من سنواتٍ من تمييز واستغلال أرباب عملهم المتواطئين مع المسؤولين الحكومي.

يُزعم أنّ المظاهرة نظّمتها «رابطة مدينة» سيشوانية غير مركزيّة، و«روابط المدن» هذه هي أحد التنظيمات الأشبه بالمافيا التي انتشرت في بيئةٍ لا تتسامح مع الروابط التنظيمية العلنيّة. بعد إحاطة مكاتب الحكومة، وجّه المهاجرون غضبهم بسرعة تجاه السكّان المحليين، إذ شعروا بالتمييز منهم أيضًا. وبعد إحراقهم عشراتٍ السيارات ونهبهم المتاجر، تطلّب إخماد أعمال الشغب وحلّ جماعات الأمن الأهلية التي شكّلها السكان المحليون استخدام الشرطة المسلّحة

بعد أسبوعٍ واحد، حصلت انتفاضةٌ أكثر إبهارًا في أطراف قوانغتشو في منطقة زينجتشينج. أتت الشرطة لبائعة جوّالة حامل من سيشوان تبيع بضائعها على قارعة الطريق ودفعوها بعنفٍ طارحين إياها أرضًا. انتشرت إشاعاتٌ مباشرةً بين عمّال المصانع في المنطقة تقول بأن عُنف الشرطة أدّى لإجهاض حملها. سرعان ما أصبحت صحّة تلك الإشاعة من عدمها أمرًا عديم الأهميّة.

لغضبهم بسبب حالةٍ أخرى من اعتداء الشرطة، انتفض العمّال الغاضبون في أرجاء زينجتشينج وأحرقوا مركز شرطة واعتركوا مع قوات مكافحة الشغب وأغلقوا أحد الطرق السريعة الوطنية. وفي آخر المطاف، استُدعي جيش التحرير الشعبي لإخماد التمرّد وضرب المتمرّدين بالرصاص الحي. على الرغم من إنكار الحكومة، الأرجح أنّ ذلك تسبب بمقتل عدّة متظاهرين.

انتقلت المقاومة العمالية خلال سنواتٍ قليلة من الدفاع إلى الهجوم. والحوادث الصغيرة في ظاهرها أشعلت انتفاضاتٍ شعبيّة، وهو مؤشرٌ على انتشار الغضب على المستوى الشعبي. وأمّا نقص اليد العاملة المستمر في المناطق الساحلية فهو مؤشّر على تحوّلاتٍ بنيوية عميقة غيّرت أيضًا من دينامية سياسات الطبقة العاملة.

وهذه الأمور مجتمعةً تشكّل تحديًا جادًا لنموذج النموّ الموجّه بالصادرات وقمع الأجور التي اتّسم بها الاقتصاد السياسيّ لمناطق الصين الساحلية الجنوب شرقيّة لأكثر من عقدين قضوا. وبحلول نهاية موجة إضرابات 2010، كان المحلّلون الإعلاميون الصينيّون يردّدون أنّ زمن العمل بأجورٍ منخفضة انتهى.


ولكن لو كانت هذه المكاسب المادية مدعاةً للتفاؤل، فترسُّخ عدم تسييس النضالات يعني أنّ العمّال لا يمكنهم أن يرتضوا بهذه الانتصارات. فأيُّ محاولة من العمال لصياغة سياساتٍ واضحة يقمعها اليمين مباشرةً وحلفاؤه في الدولة عن طريق الخويف بشبح الفوضى: هل تريد حقًا العودة إلى فوضى الثورة الثقافية؟

إن لم يكن هنالك في الغرب «بديل» للنيوليبرالية، ففي الصين، البديلان الرسميان هما تكنوقراطية رأسمالية فعّالة وسلسلة (ألا وهو التصور الوهمي لحالة سنغافورة)، أو عنفٌ سياسيّ وحشيّ وغير متعقّل ومن غير كوابح. ونتيجةً لذلك يقوم العمّال، لإدراكهم بالعواقب، بالخضوع للفصل الذي تفرضه الدولة ما بين النضالات الاقتصادية والنضالات السياسية ويقدّمون مطالبهم كمطالب اقتصادية وقانونية وبما يتّفق مع فلسفة «التناغم» الخانقة، إذ أنّ القيام بخلاف ذلك سيجلب عليهم بطش الدولة.

لربما يتمكن العمّال من كسب زيادة أجورٍ في مصنعٍ واحد، وكسب ضمان اجتماعي في مصنعٍ آخر، ولكنّ هذا النوع من التمرّد المتشتت والعابر والفاقد للوعي الطبقي فشل في بلورة أيّ نوعٍ متين من تنظيم الهيمنة المضادة القادر على ليّ ذراع الدولة أو رأس المال على المستوى الطبقي.

والنتيجة هي أنّه في الأحيان التي تتدخل فيها الدولة لصالح العمّال – إما عن طريق دعم مطالبهم المباشرة أثناء مفاوضات إضراب أو عن طريق تمرير تشريعاتٍ تحسّن من موقعهم الماديّ – تُعزّز صورتها كـ«المستبدّ العادل»، فهي تقوم بهذه الأمور، وفق هذا التصور، ليس لأنّ العمال طالبوا بها، بل لأنّها تهتم بـ«الفئات الضعيفة والمحرومة» (وهو مُسمّى العمال في معجم خطاب الدولة).

ولكنّ الدولة لا تتمكن من الحفاظ على الزعم القائل بأنّ العمّال «ضعفاء» إلّا من خلال القطع الأيديولوجي للسبب من الأثر على المستوى الرمزيّ. نظرًا لنجاح هذا المشروع نسبيًا، نجد الطبقة العاملة مُسيّسة، لكنها مغتربة عن نشاطها السياسيّ الذاتي.

يستحيل فهم كيفية الحفاظ على هذا الوضع دون استيعاب الموقع الاجتماعي والسياسي للطبقة العاملة في يومنا هذا. العمّال الصينيون اليوم أبعد ما يكونون عن بروليتاريي ملصقات بروباغاندا الثورة الثقافية المتّصفين بالبطولية والفحولة المفرطة. في القطاع الحكوميّ، لم يكن العمّال يومًا «أسياد المشاريع» كما تدّعي الدولة. ولكن ضُمِن لهم توظيفٌ مدى الحياة، بل وإنّ وحدات العمل تضمّنت أيضًا تكلفة إعادة الإنتاج الاجتماعي عن طريق توفير الإسكان والتعليم والرعاية الصحية ومعاشات التقاعد وحتى خدمات الزواج والجنازات.

وفي التسعينات، باشرت الحكومة المركزية بجهودٍ شاسعة لخصخصة إلغاء الدعم عن العديد من شركات الدولة وتخفيض عدد عمّالها، مما أدّى إلى اختلالٍ اجتماعيٍّ واقتصادي مُعتبر في منطقة «حزام الصدأ»[*] شمال شرق الصين. ومع أنّ الأوضاع المادية للعمالة في شركات الدولة لا تزال أفضل نسبيًا، فهذه الشركات تُدار اليوم باطّراد وفق منطق تعظيم الربحيّة.

والتغيّر الآخر والأكثر أهميّة هو الطبقة العاملة الجديدة المكوّنة من المهاجرين من الريف المتدفّقين إلى المدن المشمسة جنوب شرقيّ البلاد. مع أنّ هذا التحوّل الرأسماليّ بدأ في عام 1978، كانت أوضاع المزارعين حينها جيدة نوعًا ما، إذ أنّ السوق وفّر أسعارًا للبضائع الزراعية أعلى مما وفّرت الدولة. ولكن بحلول منتصف الثمانينات، بدأت هذه المكاسب تُمحى بسبب التضخم المنتشر، وباشر سكّان الريف بالبحث عن مصادر جديدة للدخل. ومع فتح الصين أبوابها إلى التصنيع الموجّه إلى التصدير في المناطق الساحلية الجنوب شرقية، حُوِّل هؤلاء المزارعون إلى عمّالٍ مهاجرين.

وفي الوقت نفسه، اكتشفت الدولة أنّ عددًا من المؤسسات التي ورثتها من زمن الاقتصاد المُوجَّه كانت مفيدة لتحسين التكديس الخاص لرأس المال، وأهمّ هذه المؤسسات كان الـ«هوكو»، وهو نظام تسجيل الأسر، والذي ربط حصول الفرد على الاستحقاقات الاجتماعية من عدمه إلى منطقةٍ معيّنة. إنّ الهوكو أداةُ إدارة معقّدة متزايدة في لا مركزيتها، ولكنّ ما يجدر بنا الإشارة له هنا هو أنّ تعمل على مأسسة الانفصال الحيّزي والاجتماعي ما بين نشاطات العمّال المهاجرين الإنتاجية (productive) والمعيدة للإنتاج (reproductive) – ما بين حياة عملهم وحياة منزلهم وعائلتهم.

قولَب هذا الانفصال كلَّ جانبٍ من جوانب نضالات العمّال المهاجرين في مقرات العمل. يأتي المهاجرون اليافعون إلى المدن للعمل في المصانع والمطاعم ومواقع البناء، أو الانخراط في الجُنح أو وبيع الطعام في الشارع أو كسب لقمة العيش عن طريق العمل الجنسي. ولكنّ الدولة لم تتظاهر حتى بأنّ هؤلاء المهاجرين من الريف متساوون قانونيًا مع السكان الحضريين أو أنّهم مرحبٌ بهم على المدى الطويل.

لا يتمتّع المهاجرون بأيٍّ من الخدمات العامة التي يحصل عليها السكان الحضريون، من ضمنها الرعاية الصحية والإسكان والتعليم. بل وإن وجودهم في المدينة يتطلّب تصريحًا رسميًا، وأثناء التسعينات وبداية الألفية الجديدة كانت هنالك حالاتٌ كثيرة احتُجِز فيها المهاجرون وضُرِبوا و«رُحِّلوا» لعدم امتلاكهم تصاريح إقامةٍ في المدن. وعلى مدى جيلٍ كامل تقريبًا، كان هدف العمّال المهاجرين الرئيسي هو الحصول على أكبر قدرٍ ممكن من الأموال قبل العودة إلى قراهم حين يصلوا لمنتصف العشرينات ليتزوّجوا ويكوّنوا عائلة.

تضمن ترتيباتٌ رسميّة أخرى أنّ المهاجرين لن يتمكنوا من تكوين حياةٍ خاصة لهم في المدن، فنظام الضمان الاجتماعي على سبيل المثال (والذي يتضمن الضمان الصحي ومعاش التقاعد وضمان البطالة وضمان الأمومة وضمان إصابات العمل) مُنظّمٌ على مستوى البلديات. معنى ذلك هو أنّ المهاجرين المحظوظين كفاية ليحصلوا على ضمانٍ اجتماعيّ مدعومٍ من أرباب العمل – وهم قلّةٌ قليلة – يسدّدون لنظامٍ لن يستفيدوا منه أبدًا. لو كانت معاشات التقاعد لا يمكن الحصول عليها عند الانتقال إلى مكانٍ آخر، فما الذي سيدفع المهاجرين للمطالبة بمعاشاتٍ أفضل؟ إذًا فذلك يفسّر سبب تمركز مطالب العمّال على مسائل الأجور ذات الطابع الفوريّ.

إذًا، لا يشير المهاجرون إلى أنفسهم بـ«عمّال» ولا يرون أنفسهم كجزءٍ من «الطبقة العاملة». بل هم «مينغو»، أو عمّال-فلّاحون، وهم ينخرطون في «بيع عملهم» (داغو) عوضًا عن امتلاكهم مِهنة أو مشوارًا مهنيًا. لربما تكون الطبيعة المؤقتة لهذا العلاقة مع العمل هي الغالبة تحت الرأسمالية النيوليبرالية، ولكنّ معدّل دوران العمالة في العديد من المصانع الصينية ضخمٌ جدًا، إذ يتجاوز المئة بالمئة سنويًا في بعض الأحيان.

تداعيات هذه الأمر على دينامية المقاومة العمالية ضخمةٌ جدًا. على سبيل المثال، لا توجد إلّا صراعاتٌ قليلة جدًا حول طول يوم العمل. ما الذي سيدفع العمّال للرغبة بقضاء وقتٍ أكثر في مدينة تنبذهم؟ لا يعني «توازن العمل مع الحياة» الذي يروّج له خطاب الموارد البشرية لعاملٍ مهاجر ذو ثمانية عشر عامًا يكدح في مصنعٍ في أحد ضواحي شانغهاي شيئًا. في المدينة، يعيش المهاجرون من أجل العمل – وليس ذلك بمعنى تحقيق الذات بل بالمعنى الحرفي جدًا للكلمة. لو افترض العامل أنّه لا يقوم إلّا بكسب أموال كي يعود به إلى بلدته في آخر المطاف، فليس هنالك سببٌ (أو فرصة حتى) للمطالبة بوقتٍ أكثر «للقيام بما يرغب به المرء» في المدينة.

مثالٌ آخر: في كلّ عامٍ قبل عيد السنة الصينية بقليل، يقفز عدد الإضرابات في قطاع العمران. لماذا؟ لأنّ هذه العطلة هي الوقت الوحيد الذي يعود فيه أغلب المهاجرين إلى مدنهم وقراهم، وكثيرًا ما يكون الوقت الوحيد الذي يتمكّنون فيه من رؤية أفراد عائلتهم، يتضمّن ذلك أزواجهم وأبناءهم. لا تسُدّد الأجور لعمّال العمران عادةً إلّا بعد انتهاء المشروع الذي يعملون عليه، ولكنّ عدم تسديد الأجور استشرى منذ إلغاء الضوابط التنظيمية على هذا القطاع في الثمانينات. لا يتقبّل المهاجرون فكرة العودة إلى قراهم صفر اليدين، إذ أنّ سبب ذهابهم إلى المدن في بادئ الأمر هو وعد أجورٍ أعلى ولو هامشيًا، وهذا هو سبب الإضرابات.

بعبارةٍ أخرى، لم يحاول العمّال المهاجرون ربط النضالات في مجال الإنتاج بالنضالات في نواحي الحياة الأخرى أو القضايا الاجتماعية الأعم. هؤلاء المهاجرون منقطعون عن المجتمع المحلّي ولا يملكون حقّ رفع صوتهم كمواطنين. والمطالب المتعلقة بالأجور لم تتسع لتشمل مطالبًا من أجل وقتٍ أكثر أو خدماتٍ اجتماعية أفضل أو حقوقٍ سياسية.


في المقابل، اتّكلت الطبقة الرأسمالية على عدّة أساليب مجرّبة وفعّالة لزيادة الربحية.

في داخل المصانع، كان أكبر تغيّر حدث خلال السنوات الماضية، وهو تغيّرٌ مألوف وموحش للعمّال في البلدان الصناعية، هو النموّ المتسارع لأنواعٍ مختلفة من العمل المُتقلقل: العمّال المؤقتون والطلاب المتدرّبون، والأكثر انتشارًا في الصين هم «العمّال المُوفدون».

توظّف العمّالَ المُوفدين شركات تعاقدٍ عمّالية – كثيرٌ منها تملكه مكاتب عملٍ محليّة – وهذه الشركات «توفد» عمّالها لاحقًا إلى مقرّات عملٍ سيقومون فيها بالعمل الفعلي. يعمل هذا الأمر على تشويش علاقة التوظيف وتحسين مرونة العمّال لصالح رأس المال. تشكّل العمالة المُوفدة حاليًا نسبةً ضخمة من اليد العاملة (كثيرًا ما تتجاوز 50 بالمئة في مقرّات عملٍ معيّنة) في تشكيلة متنوّعة جدًا من القطاعات، من ضمنها الصناعة والطاقة والنقل والقطاع المصرفي والصحي وقطاع النظافة وقطاع الخدمات. برز هذا التوجّه في الشركات الخاصة المحلية والأجنبية، والمشاريع المشتركة ما بين القطاع الخاص والعام، وشركات الدولة.

ولكنّ العنوان الرئيسيّ في السنوات الأخيرة كان انتقال رأس المال الصناعي من المناطق الساحلية إلى وسط وغرب الصين، وهنالك آثار اجتماعية وسياسية ضخمة تُشتقّ من هذا «الحلّ الحيزي»، وتقدّم هذه الآثار للطبقة العاملة حزمةً جديدة ولربما تحوّلية من الاحتمالات. وما إذا كانت هذه الاحتمالات ستُدرك وتُحقّق لهي مسألة لا يمكن حلّها إلا بالنشاط.

ومثال فوكسكون، وهي الشركة ذات أكبر عدد موظفين في الصين، مثالٌ ذو دلالة في هذا السياق. انتقلت فوكسكون من مسقط رأسها في تايوان إلى مدينة شنجن الساحلية منذ أكثر من عقدٍ مضى، ولكنّ في أعقاب موجة انتحار الموظفين عام 2010 وبسبب التتبع الشعبي الجاري والتدقيق على بيئة عملها المعسكرة والاغترابية جدًا، أُجبرَت الشركة التايوانية على الانتقال مرة أخرى. تقوم الشركة الآن بتقليص عدد عمّالها في مصانع شنجن بعد أن عملت على بناء منشآتٍ ضخمة جديدة في أقاليم وسط البلاد. وأكبر هذه المناطق هي عواصم المقاطعات تشنغتشو وتشنغدو.

ليس من الصعب فهم جاذبية المناطق الداخلية لمثل هذه الشركات. مع أنّ الأجور في شنجن وغيرها من المناطق الساحلية لا تزال منخفضةً جدًا بالمعايير الدولية (أقل من 200 دولار أمريكي شهريًا)، فالأجور في المقاطعات الداخلية مثل خنان وهوبي وسيشوان تصل أحيانًا إلى نصف ذلك. وتفترض العديد من الشركات، ولربما يكونون محقّين، وجود وفرةٍ أكثر من المهاجرين إن اقتربوا للمصدر، وسوق العمل الأقل تنظيمًا أتاح للرأسماليين فوائد سياسية. وهذه الرواية مألوفة جدًا في تاريخ الرأسمالية: يشير المؤرخ العمّالي جيفرسون كوي لوجود سيرورةٍ مشابهة شهدها في تأريخه «بحث» مؤسسة الإذاعة الأمريكية لصناعة الإلكترونيات «المستمر سبعين عامًا عن العمالة الرخيصة»، وهو بحثٌ أخذ الشركة من نيو جيرسي إلى إنديانا ومن ثم تنيسي، وأخيرًا إلى المكسيك.

ولو كانت المناطق الساحلية في الصين قد وفّرت أوضاعًا اجتماعية وسياسية ملائمة جدًا لمصالح الشركات الدولية لعقدين مضوا، فالأمور ستكون مختلفة في الداخل. لربما تكون الخصومة ما بين العمّال ورأس المال أمرًا عموميًا، ولكنّ الصراع الطبقي يجري على مسرح الخصوصية.

إذًا، ما هو «الخاص» بالنسبة للداخل الصيني؟ ولم قد يكون مدعاةً للتفاؤل الحذِر؟ بينما المهاجرون في المناطق الساحلية يعيشون في حالةٍ انتقالية بالضرورة – ونضالاتهم بالتالي ذات طبيعةٍ عابرة – لديهم في الداخل فرصة تأسيس مجتمعٍ دائمٍ ومتين. معنى ذلك نظريًا هو وجود إمكانيةٍ أكبر لصهر النضالات في مجاليّ الإنتاج وإعادة الإنتاج، وهو أمرٌ لم يكن ممكنًا حين كانت هاتان الحلبتان منفصلتان حيزيًا.

فلنعد إلى مثال نظام تسجيل الأسر، الهوكو. لدى المدن الضخمة الشرقية التي توافد إليها المهاجرون في الماضي قيودٌ صارمة جدًا على الحصول على إقامة محليّة، فحتى عمّال المكاتب الحاصلين على شهاداتٍ جامعية يصعب عليهم الحصول على سجلّ هوكو في بكين.

ولكنّ المدن الأصغر في الداخل الصيني فرضت قيودًا أقل بكثير على إمكانية الحصول على إقامة محلية. على الرغم من أنّ الحديث عن هذا الأمر لا يتجاوز التكهنات، علينا أن ننظر لكيفية تحويل هذا الأمر دينامية المقاومة العمالية. لو كانت مسيرة الحياة التي افترضها المهاجرون هي العمل في المدينة لبضعة سنوات كي يحصلوا على أموال ومن ثم العودة إلى مسقط رأسهم وتكوين عائلة، فالعمّال في الداخل الصين قد يكون لديهم تصورٌ آخر بسبب تغيّرٍ طارئ: لم يعودوا «يعملون» فقط في مكان ما وإنما «يعيشون» فيه أيضًا.

يقتضي ذلك تزايد أرجحية استقرار المهاجرين الدائم في أماكن عملهم: سيرغبون بالبحث عن أزواج والحصول على مكانٍ خاصٍ بهم للسكن وتكوين عائلة وإنجاب أطفال، وأن يذهب هؤلاء الأطفال إلى المدرسة. باختصار: سينخرطون في إعادة الإنتاج الاجتماعي.

سابقًا، لم يكن على أرباب العمل دفع أجرٍ ملائم للمعيشة للعمّال المهاجرين، ولم يتوقّع المهاجرون الحصول على ذلك أساسًا، إذ كان من الواضح أنّ العمال سيعودون إلى قراهم ليستقروا هناك. ولكن في الداخل الصيني، الأرجح أنّ المهاجرين سيطالبون بكلّ الأشياء اللازمة لعيش حياةٍ كريمة: المسكن والرعاية الصحية والتعليم، وبعض الضمانات كالحماية من مخاطر البطالة وكبر السنّ. ولربما يرغبون أيضًا بوقتٍ إضافي يقضونه لأمورهم الذاتية أو الاجتماعية، وهو مطلبٌ كان غائبًا بشكلٍ جليّ حتى وقتنا الحاضر.

ويزيد هذا الأمر من احتمالية تَسيُّس الاضطرابات العمالية. لم تكن الخدمات العامة الملائمة أمرًا مترقبًا أبدًا لدى المهاجرين في الساحل، ولكن إن تمكنوا من تأسيس حقوق سكنٍ في الداخل، فمطالب الخدمات الاجتماعية بالإمكان تعميمها بسهولة، مما يوفّر فرصة الهروب من عزلة النضالات المتمركزة في مقرات العمل. ومطالب الحماية الاجتماعية يُرجّح أنها ستستهدف الدولة عوضًا عن أرباب العمل، مما يؤسس قاعدة رمزية لمواجهة قابلة للتعميم.

على الرغم من سهولة إضفاء طابعٍ سحريّ ومثالي على مقاومة العمّال المهاجرين الباسلة والمدهشة أحيانًا، الواقع هو أنّ أكثر ردود الفعل تجاه أوضاع العمل السيئة حدوثًا هو ببساطة الاستقالة والبحث عن وظيفة أخرى أو العودة إلى المدن والقرى الأصل. وهذا الأمر قد يتغيّر أن أصبح العمّال يعملون حيث يعيشون. لربما تكون الأوضاع الآن ملائمة لتثبيت المهاجرين خطاهم على أرضهم والكفاح من أجل مجتمعاتهم وفي مجتمعاتهم عوضًا عن مجرد الهرب من تلك الأوضاع.

وتجارب عمّال الداخل الصيني السابقة قد تقدّم أيضًا فرصًا لروحٍ نضالية متعالية. لدى العديد من هؤلاء المهاجرين خبراتٌ سابقة في العمل والنضال في المناطق الساحلية. قد لا يحمل العمّال كبار السن الشغف النضاليّ الذي يحمله الشباب، ولكنّ خبرتهم في التعامل مع أرباب العمل الاستغلاليين وحلفائهم في الدولة قد تكون موردًا لا يقدر بثمن.

وأخيرًا، سيكون لدى العمّال مواردٌ اجتماعية أكبر تحت إمرتهم. في المدن الساحلية الكبيرة، أرجحية كسبهم تعاطف السكان المحليين كانت شبه منعدمة، وهي حقيقةٌ اتضحت بشكلٍ جليّ مؤلم في أعمال شغب غوشيانغ. ولكن في الداخل قد يكون لدى العمال أصدقاءٌ وعائلة بقربهم، أناسٌ ليسوا منحازين فحسب إلى الطبقة العاملة بل قد يكونون متكّلين بشكلٍ مباشر على تحسّن الأجور والخدمات الاجتماعية. وهذا يتيح فرصة توسيع النضالات إلى ما يتجاوز مقرات العمل لتشمل القضايا الاجتماعية الأعم.


قد يكون هنالك بعض ممّن هم على اليسار أناسٌ يتفاءلون لمجرّد وجود مقاومةٍ دائمة بمعزلٍ عن أيّ اعتباراتٍ أخرى. ونوع الصراع الطبقي المنتشر في الصين سبّب بالفعل تعطيلاتٍ معتبرة لتكديس رأس المال.

ولكنّ العمال مغتربون عن نشاطهم السياسي الذاتي. ونجد في ذلك تباينًا عميقًا: يقاوم العمّال جزافًا وبدون أيّ استراتيجية، بينما الدولة والطبقة الرأسمالية تستجيبان لهذه الأزمة بإدراكٍ وأسلوبٍ منسّق.

لم يتمكّن هذا النضال ذو السمة المشتتة والعابرة حتى هذه اللحظة من إحداث أيِّ صدمة مُعتبرة للبنى الأساسية للحزب-الدولة وأيديولوجيتها الحاكمة. وأثبت رأس المال، بتوجّهه العموميّ، قدرته على إخضاع الخصوصيات النضالية مرارًا وتكرارًا. ولو كانت نضالية المقاومة العمالية قد أجبرت الطبقة الرأسمالية على تدمير طبقةٍ عاملة في مكانٍ ما وخلق طبقة عاملة (عدائيّة) جديدة في مكان آخر، فهل بإمكاننا حقًا أن نعتبر هذا انتصارًا؟

تقدّم جبهة تكديس رأس المال الجديدة فرصًا للطبقة العاملة الصينية لتأسيس أنواعٍ تنظيمية أكثر صمودًا في قدرتها على توسيع نطاق النضال الاجتماعي وصياغة مطالب سياسية أعمّ. ولكن حتى وقت حدوث ذلك، فستظلّ الطبقة العاملة الصينية متخلّفةً بخطوة عن عدوّها التاريخيّ، وعدونا: الطبقة الرأسمالية.

المصدر: مجلة جاكوبين

——

ملاحظات المترجم:

[*] حزام الصدأ: مصطلح يشير إلى منطقة تعاني التدهور الاقتصادي، وانخفاض عدد السكان، واضمحلال المناطق الحضرية بسبب تقلص قوة قطاعٍ صناعي الذي كان قويًا سابقًا. اكتسب المصطلح شعبية في الولايات المتحدة في فترة الثمانينات مشيرًا إلى المنطقة المتداخلة العليا شمال شرق الولايات المتحدة، والبحيرات الكبرى وولايات الغرب الأوسط.