خرافة الملياردير العصامي

لا يحصل أصحاب المليارات على ثروتهم بكدّهم وتعبهم كما يزعمون، بل عن طريق استغلال العمّال.

inequality

بِقلم: توم برامبل

يملك 1 بالمئة من السكّان البالغين في العالم نصف ثروات أسر العالم. كان هذا هو الاستنتاج الصاعِق لتقرير الثروة العالمي الصادر سنويًا عن بنك كريدي سويس الاستثمار لعام 2015. وتكدّس الثروة هذا في أيدي قِلّة قليلة في تسارع مُفرِط. كانت توقّعات منظمة أوكسفام العام الماضي هو أنّ تمركز ثروةٍ كهذا في أيدٍ قليلة لن يحصل إلّا عام 2016، وأشار الرئيس التنفيذي لمنظمة أوكسفام مارك غولدرنغ بعد صدور التقرير أنّ تعثّر هذا التوقع «هو أحدث الأدلّة المشيرة لكون تفاوت الثروة المفرط خارجٌ عن السيطرة».

ولكي تنضمّ لفئة أغنى واحد بالمئة هذه، يجب أن تملك 759،000 دولار أمريكيّ على الأقل. وفي المقابل، يملك سبعون بالمئة من سكّان العالم أقلّ من 10،000 دولار لكلّ فرد. يعيش 88 بالمئة من المليونيرات في اثني عشر بلدًا: أمريكا وبريطانيا واليابان وفرنسا وألمانيا والصين وكندا وأستراليا وعددٍ ضئيل من بلدان غرب أوروبا. ويعيش الاثنا عشر بالمئة الآخرين في بقية بلدان العالم.

يخبرنا هذا التمركز الجغرافي الهائل للثروة الكثير عن إرث الاستعمار وسيرورة الإمبريالية اليوم. لم تتمكن إلّا الصين من اقتحام قائمة النخبة الصغيرة من البلدان المحتوية على عددٍ كبير من المليونيرات. ولكن دعنا ندخل في هذا الموضوع بشكلٍ أعمق: بينما قد تشكّل 759،000 ثروةً بالنسبة لمزارعٍ هنديّ أو عامل مصنعٍ صينيّ، فهي تعادل مثلًا ما قد يملكه العديد من العمّال الأستراليين المالكين منزلًا ومعاش تقاعد. إذًا دعونا نغضّ النظر عن فئة أغنى 1 بالمئة، وحتى فئة أغنى 0،1 بالمئة. دعونا ننظر لفئة أغنى 0،0001 بالمئة: الفاحشون ثراءً.

يقدّر مصرف كريدي سويس وجودَ 45،000 شخص يملكون أكثر من 100 مليون دولار، و4500 شخص يملكون أكثر من 500 مليون دولار. تخبرنا قائمة الأغنياء الصادرة عن مجلة فوربس في مارس عن وجود 1826 ملياردير في العالم. هذه العصبة الصغيرة من الفاحشين ثراءً تملك مجتمعة 7 ترليون دولار، حيث ازدادت ثروتها من 6،4 ترليون دولار في عام 2014. وبين صفوفهم ستجد نخبة النخبة: أغنى 500 شخص، حيث يملك هؤلاء مجتمعين 4،7 ترليون دولار.

وفي أعلى الشجرة ستجد الأخوين كوتش حيث يملكان 86 مليار دولار وأشقاء عائلة والتون الأربعة، يملك هؤلاء 162 مليار. وأغنى الأفراد هم بيل غيتس إذ يملك 79 مليار دولار، وكارلوس سليم وثروته 77 مليار، ووارين بافيت وثروته 73 مليار، وأمانسيو أورتيغا – رئيس زارا – وثروته 65 مليار دولار. هؤلاء تسعة أفراد يملكون 542 مليار دولار.

الاستغلال كأساس الثروة

يعطي الأغنياء تفسيراتٍ عديدة لثرائهم: عادةً ما تكون «مهارتهم» و«عملهم الشاق». ولكنّ ذلك مجرّد هراء، فهم يحصلون على ثروتهم بأساليب لا علاقة لها لا بهذا ولا بذاك. أوّل أسلوبٍ هو الوراثة: خذ مثلًا روبيرت مردوخ وجيمس باكر ودونالد ترمب وجينا رينهارت. لم يكدح أيٌّ هؤلاء «العظماء» من أجل ثرواتهم، بل ورثوها. في الولايات المتحدة، ترِث أغنى 1 بالمئة من العوائل ما معدّله 3 مليون دولار تقريبًا. قدّرت منظّمة «متّحدون من أجل اقتصادٍ منصف» في تقرير عام 2012 أنّ 40 بالمئة من أغنى أمريكيّ من قائمة فوربس ورثوا «ثروةً معتبرة إمّا من زوجٍ أو أحد أفراد عائلتهم».

ولكنّ الوراثة لا تنحصر في وراثة مالٍ فحسب، فقد أشار مات بروينيغ في مقالٍ له عام 2014 لمركز أبحاث ديموس: «يورث الآباء الأغنياء لأبنائهم أكثر من مجرّد ثروتهم، فهم يورثونهم رأس مالٍ اجتماعيّ وثقافي يساعد الأبناء على الاستحواذ على العدد الشحيح للوظائف عالية الأجر. واقعًا، فرصة أبناء العائلات الغنية غير الحاصلين على شهاداتٍ جامعية في الحصول على دخلٍ عالٍ أكثر بمرّتين ونصف من فرصة أبناء العائلات الفقيرة الحاصلين على شهاداتٍ جامعية. ومع أنّ ذلك بسبب وراثة الأموال، ولكنّه يشكّل أيضًا امتيازاتٍ غير مُنصفة عابرة للأجيال».

والأسلوب الثاني لتحصيل الثروة – وهذا هو جذر المشكلة – هو استغلال العمال في نقطة الإنتاج: أي عن طريق إعطاء العمّال أجورًا أقلَّ بكثير من قيمة ما ينتجون. فمع أنّ روبرت مردوخ ورث ثروته، لم يكن بإمكانه الحفاظ عليها وتضخيمها إلّا من خلال استغلال عمّال القطاع الإعلامي. ومع أنّ الأسترالية رينهارت ورثت أراضي السكان الأصليين المسلوبة، فهي لا تزال بحاجة لعمّال المناجم كي يستخرجوا خامات المعادن.

لربما تكون عائلة والتون – المالكة سلسلة أسواق وولمارت – أشهر عائلة وحشيّةً وفظاعة في معلماتها موظّفيها، فثروتها بُنيَت على ظهور عمّال تجزئة يتّكلون لشدّة انخفاض أجورهم على الرعاية الاجتماعية كي يبقوا على قيد الحياة. وأمّا أورتيغا، مؤسس زارا، فيستغلّ العمالة الرخيصة في إسبانيا والبرتغال وآسيا لصنع ملابس يبيعها لاحقًا موظّفو تجزئة ذو أجورٍ ضئيلة في متاجر زارا في أرجاء العالم. وليس هذا إلّا غيثٌ من فيض، فالاستغلال جزءٌ لا يتجزّأ من نظامنا الاجتماعي، وليس مجرّد نتيجة لأفعال قلّة من الخنازير الطمّاعة لا تكتفي أبدًا مهما زاد عدد يخوتها وجزرها الخاصة.

تزداد ثروةُ الأغنياء عن طريق استغلال الطبقة العاملة سواءً دفعوا لهم أجورًا عالية أم منخفضة. فحتى أعلى العمّال أجورًا في بلدٍ متقدّم في أستراليا يواجهون استغلالًا. انظر مثلًا لعمّال مناجم الحديد في منطقة بيلبرا. يحصل هؤلاء العمّال على أجرٍ قدره 150 حتى 180 ألف دولار سنويًا، وقد يبدو ذلك كثروةٍ هائلة، ولكنّه أقلّ بكثير من قيمة ما ينتجون لأصحاب الشركات. يذهب الفارق ما بين القيمة الكليّة لما يُنتجون وقيمة أجورهم إلى أصحاب شركات «بي اتش بي بيليتون» و«ريو تينتو» و«فورتسكو ميتالز». ومهما عمل عمّال المناجم من ساعاتٍ إضافية، فلن يتمكّنوا أبدًا من امتلاك المنجم الذي يعملون فيه.

وهذا هو لُبّ الاستغلال: حقيقة أنّ حفنة قليلة لا تملك هذا القدر من الثروة فحسب، بل تملك ثروةً ذات طبيعة تسمح لها بتوظيف عمّالٍ لإنتاج ثروةٍ أكثر. يملك أصحاب الشركات الأراضي والمصانع والمناجم وشبكات السكك الحديدية والمراكز التجارية ومباني الإدارة وما إلى ذلك، مما يعطيهم القدرة على توسيع ثروتهم، وليس مرّةً واحدة فقط بل عامًا بعد عام بسبب العمّال الذين يوظّفون.

وأيُّ رأسماليّ يفشل في الاستغلال يلتهمه الرأسماليّون الناجحون. ومن يعملون في شركة شخصٍ آخر، حتى من يملكون منزلًا قيمته مليون دولار (متوسّط أسعار المنازل في سيدني الآن مليون دولار!)، سيرون شريان حياتهم يُستنزف كأرباحٍ لشخصٍ آخر.

الإنتاج لسدّ الحاجات، لا لتلبية المطامع

إن اتّخذنا خطوةً للوراء، سنرى مقدار التبذير الناتج عن هذه العملية. مليارات، لا بل تريليونات الدولارات تبقى في جيوب طغمة صغيرة. تُسرَف بعضها من خلال استهلاك السلع الكمالية الفاخرة: المجوهرات باهظة الثمن والسيارات الفاخرة ومعاطف الفرو وغيرها.

تُدوَّر بعضها وتعاد إلى عملية الإنتاج، مما قد يصنع منتجاتٍ مفيدة اجتماعيًا. ولكن حتى في هذه العلمية، لا يملك أغلبية الناس صوتًا في كيفية إنفاق هذه الأموال. فحين نأخذ كلّ الجوانب بعين الاعتبار، لا يستثمر الرأسماليّون في الحديد أو الكيماويات أو الفحم أو بناء المنازل إلّا لغرضٍ واحد: الحصول على المزيد من الأموال. وليس هدف تجارتهم صنع أشياء مفيدة. هدفُ تجارتهم الوحيد هو التجارة ذاتها.

وإن لم تكن هنالك أرباحٌ في صنع الأدوية أو إنتاج المياه النظيفة أو بناء المساكن منخفضة التكلفة، فلن يتمّ إنتاج هذه الأمور. ولكن إن كانت هنالك أرباحٌ في صناعة الصواريخ الجوّالة أو المنتجات السامة، كُن واثقًا أنّ الشركات ستدفّق أموالها في تلك القطاعات.

تقوم الحكومات في أرجاء العالم من أجل حماية ثروات الطبقة الرأسمالية بإنفاق أموالٍ طائلة على دعمٍ مباشر أو غير مباشر للشركات وعلى أنظمة قانونية تحمي الشركات وتجرّم الفقراء.

لو استحوذنا على السبعة ترليون دولار التي يملكها هؤلاء المليارديرات فقط، بإمكاننا أن نضمن أنّ قرابة المليار إنسان المعانين من الجوع في هذا العالم سيحصلون على ما يكفيهم من الطعام، فذلك لن يكلّف أكثر من 30 مليار دولار سنويًا وفق تصريح رئيس منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة. قدَّر عالِم الاقتصاد جيفري ساكس في عام 2005 أنّ إنهاء الفقر المدقع في العالم – ويعاني منه مليار إنسانٍ في العالم ويؤدي لمقتل 20 ألف شخصٍ يوميًا – لن يكلّف إلّا 175 مليار دولار سنويًا لمدة 20 عامًا. قد يبدو ذلك مبلغًا كبيرًا، ولكنّه لا يعادل إلّا نصف ثروات أغنى 1826 شخص!

المصدر: ريد فلاغ