هل سنشهد بداية «ربيع فرنسي»؟

تشهد فرنسا اندلاع تظاهراتٍ شعبية ضدّ تفكيك قانون العمل.

el-khomri

بِقلم: جوناه بيرتش

تتشكّل في فرنسا حاليًا حركةٌ جديدة ضدّ إلغاء الضوابط التنظيمية على سوق العمل. اجتاحت موجة احتجاجاتٍ أرجاء البلاد منذ فبراير الماضي حين أعلنت حكومة الحزب الاشتراكي برئاسة فرانسوا أولاند ومانويل فالز مقترح إصلاح قانون العمل الفرنسي، وفي التاسع من مارس الماضي، ساهم خمس مئة ألف شخصٍ في يوم تظاهرٍ وطني؛ وانضمّ لاحقًا مليون ومئتي ألف شخصٍ إلى احتجاجات النقابات الحرفية في الواحد والثلاثين من مارس؛ وفي التاسع من أبريل، خرج عشرات الآلاف في مسيراتٍ في باريس وغيرها من المدن الفرنسية ضدّ القانون الجديد.

أحد أكثر النواحي إبهارًا في الحركة الجديدة هو العدد الضخم للمدن والقرى التي نُظِّمت فيها المظاهرات: أكثر من 250 مدينة وقرية في الواحد والثلاثين من مارس فحسب. وفي ذلك اليوم، تسببت الأحوال الجوية السيئة بانخفاض عدد المشاركين في العاصمة الفرنسية، ولكن على الرغم من المطر، تجمع المئات في تلك الليلة في ساحة الجمهورية في باريس، في أول احتلالات حركة «نوي ديبو» (Nuit Debout)، أو «المستيقظون طوال الليل».

وفي الأسابيع التالية، بدأت فعاليّاتٌ محاكية لنوي ديبو تنبثق في كلّ أرجاء فرنسا. وتدفّق عشرات الآلاف إلى ساحة الجمهورية للمشاركة في تجمّع الحشود الليلي. أحدث احتلال ساحة الجمهورية استقطابًا في الرأي العام الفرنسي. استنكر الفيلسوف المحافظ آلان فينكلكغوت متظاهري حركة نوي ديبو واصفًا إياهم بـ«الفاشيين»، بعد أن أهانوه بصخب حين حاول التسلل داخل أحد التجمعات. أصدرت الجبهة الوطنية بقيادة مارين لوبان تصريحًا مطالبًا بقمع الحركة، حيث قال التصريح أنّها «مصدر عنفٍ وانحلال».

وهذا الأسبوع ألقى الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي خطابًا هاجم فيه المتظاهرين واصفًا إياهم بـ«الميتين دماغيًا» ووصمهم بـ«البلطجية». وليس ساركوزي بشخصٍ يلطّف عباراته، فقد قارن احتلال ساحة الجمهورية بـ«نارٍ محرقة تقوّض سلطة الدولة».

وكلّ هذه الأمور تحدث في فترة تصاعد القمع وعنف الشرطة. وعلى الرغم من «حالة الطوارئ» التي فُرِضت منذ هجمات 13 نوفمبر في باريس، تجنّب المسؤولون الفرنسيون حتى الآن الحظر التام للتجمعات، ولكنّ تعليق الحكومة الحريّات المدنية أعطى الشرطة الوطنية الفرنسية المشهورة بعنفها ضوءً أخض لقمع التظاهرات ضدّ قانون العمل الجديد.

رميت التظاهرات بالغاز المسيل للدموع، وفُرِّق المتظاهرون بعنف، وفي العديد من المدن ضربت الشرطة واعتقلت الناشطين. واجه طلّاب المدارس الثانوية بالخصوص إجراءاتٍ عنيفة: في أواخر مارس، أثار فيديو لطالبٍ مدرسة ثانوية في شمال باريس يتعرض للضرب من «سرايا الأمن الجمهوري» – وهي قوّات مكافحة الشغب الفرنسية – السخط الوطني (مما قاد النيابة العامة لتوجيه تهمٍ ضدّ أحد الضباط).

وفي اليسار المتحدث بالإنجليزية، كُتِب الكثير حول مظاهرات نوي ديبو. أشار العديد من المراقبين إلى التشابهات ما بين هذه التجمعات وتجمعات «احتلو وول ستريت» الأمريكية أو حركة «الغضب» الشعبية في إسبانيا. ولكن لم يُلقى اهتمامٌ كافٍ على النضال الذي أطلق نوي ديبو، الحركة المناهضة لمشروع قانون الإصلاح الذي اقترحته الحكومة الفرنسية. وهذا أمرٌ مفاجئ لأنّ الاثنين مرتبطان ترابطًا وثيقًا: انبثقت نوي ديبو عن التظاهرات المناهضة لمسودة قانون العمل الجديدة وتغذّت من الطاقة الشعبية التي أطلقتها هذه التظاهرات. ومصير حركة نوي ديبو مرتبطٌ في آخر المطاف بنجاح الحركة المناهضة للقانون الجديد.

إذًا، فالأمر سيعتمد على ما سيجري لمسودة قانون العمل. انحاز الرأي العام حتى الآن إلى التظاهر ضدّ القانون: وِفق استطلاعٍ أجري أواخر مارس الحالي، عارض حوالي ثلاثة أرباع الرأي العام مسودة قانون العمل، وأكثر من 50 بالمئة يرغبون باستمرار المظاهرات.

ستدخل الحركة المناهضة لقانون العمل مرحلةً حرجة، حيث أنّ يوم 29 أبريل سيكون يوم تظاهرٍ وطنيّ تقوده النقابات الحرفية، وقرّر البرلمان البدء في مناقشة الإجراء يوم 3 مايو.

قلب التسلسل الهرمي رأسًا على عقب

رهانات هذا الصراع عالية. سينقّح مقترح الحكومة (المعروف باسم قانون الخمري، باسم وزيرة العمل مريم الخمري) جزءً كبيرًا من قانون العمل الفرنسي.

على سبيل المثال، سيعدّل المقترح قوانين وقت العمل عن طريق إعطاء الشركات مرونة أكثر في تجاوز الحدّ القانوني الأعلى لساعات عمل الموظفين. يسمح نظام قانون أسبوع العمل الحالي ذو الخمسة وثلاثين ساعة برفع ساعات العمل اليومية إلى ما يصل لعشر ساعاتٍ يوميًا وثمانية وأربعين ساعة يوميًا للعامل بدوامٍ كامل. سيزيد مقترح الحكومة الجديد الحد الأقصى اليومي القانونيّ إلى اثني عشر ساعة «في حال زيادة النشاط أو لأسباب متعلقة بتنظيم الشركة».

سيسمح قانون الخمري أيضًا لوزارة العمل بزيادة الحدّ الأسبوعي مؤقتًا لما يصل إلى ستين ساعة في حال حدوث «أوضاعٍ استثنائية». وفي المقابل، سيخفّض القانون العلاوة المدفوعة إلى الموظفين الذين يعملون أكثر من خمسة وثلاثين ساعة أسبوعيًا بشكلٍ معتبر.

ويماثل ذلك في الأهمية موادٌ ستخفّض من الحد الأعلى للتعويضات القانونية المدفوعة في حالات «الفصل التعسفي». في فرنسا، يُسمح للعمّال المسرّحين من وظائفهم بدون «سببٍ عادل» المطالبة بتعويضٍ من خلال محكمات العمل. ذلك يعني أنّه لو سرّحتك شركتك لأنّها لا تحقّق أرباحًا، يتوجّب على رئيسك دفع تسوية تتناسب مع طول مدّة توظيفك. سيخفّض قانون الخمري الحدّ القانوني للتعويضات، بحيث يحصل عاملٌ حاملٌ لعشرين عامًا من الخدمة – على سبيل المثال – على راتبٍ بقيمة اثني عشر شهرًا فحسب.

سيغيّر القانون قواعد التسريح أيضًا، مُسهّلًا تسريح الموظفين لأسبابٍ اقتصادية. يتطلّب القانون الفرنسي من الشركات التي ترغب بتسريح موظّفين من غير سبب توفير تبريرٍ ملائم، ولكن مع قانون الخمري يكفي الزعم أنّ تسريح الموظفين ضروريّ اقتصاديًا.

ولربما يكون أكثر الأمور إثارةً للجدل هو كون الاقتراح سيسمح للشركات التفاوض بشأن «اتفاقيّاتٍ عدائية» على مستوى الشركة. هذه الاتفاقيات سيُسمح لها خفض المعايير القائمة على مستوى الأجور وساعات العمل وغيرها من جوانب عقود التوظيف. في الماضي، كان على الشركات الراغبة في التفاوض بشأن مثل هذه الاتفاقيات إثبات ضرورتها لمنع الإفلاس أو تجنّب تسريح العمّال.

ولكن وفق القانون الجديد، يمكن للشركات الراغبة في توسيع عملياتها أو دخول أسواق جديدة المطالبة بتنازلاتٍ من عمّالها، حتى لو كانت هذه التنازلات تخالف شروط اتفاقات التفاوض الجماعي القائمة أو قوانين العمل الحالية. علاوةً على ذلك، سيسّهل القانون على الشركات التفاوض بشأن الاتفاقيات مع ممثّلي الموظفين طالما يملكون دعم 30 بالمئة من اليد العاملة.

هذه التغيّرات، مجتمعةً، ستعمل لصالح أصحاب الشركات بشكلٍ كبير. فمن وجهة نظر الشركات، القانون الفرنسي مليءٌ بقيودٍ قانونية «متزمّتة» ومتطلّباتٍ تنظيمية مكلفة: من القوانين المتعلّقة بالتسريح وأوقات العمل حتى الحدّ الأدنى العالي للأجور، ترى الشركات في قانون العمل عبئًا لا يطاق، ويشكّل قانون الخمري خطوةً كبيرة تجاه تخفيف ذلك العبء.

ولكنّ ذلك لا يعني أنّ قطاع الأعمال يحبّذ كل شيءٍ في مقترح الحكومة، بالخصوص المراجعات التي أجريت عليه منذ يوم إعلانه. تضمّنت النسخ الأحدث من المقترح عددًا من التنازلات لصالح معارضي هذا الإجراء. من أجل استرضاء المنتقدين على سبيل المثال تضمّنت النسخة الثانية من القانون ضريبةً على عقود العمل المؤقت. هذه المادة الهادفة لثني الاتكال الزائد على الموظّفين المؤقتين على حساب العمالة بالدوام الكامل واجهت حنق مجموعة الضغط التجارية الرئيسية في فرنسا، حركة شركات فرنسا.

تطالب حركة شركات فرنسا الآن من الحكومة العودة لمقترحها الأصلي، وهدّدت بعدم التعاون حول تغييراتٍ مقترحة في نظام البطالة الفرنسي إن لم يلبّي أولاند مطالبها كما يبدو مرجحًا.

يعكس موقف حركة شركات فرنسا تجاه قانون العمل موقف ممثّلي أصحاب الشركات الفرنسية المتعصب، والذين – في هذه المرحلة – لا يريدون التراجع عن أيٍّ من مطالبهم. لو كانت معارضة المحافظين لمشروع القانون قويّةً كفاية قد تضطر الحكومة للجوء إلى إجراءاتٍ غير اعتيادية لتمرير القانون عبر البرلمان. ستكون تلك ضربة قاصمة في ظهر الحكومة، ولكنّها لن تغير حقيقة أنّ مشروع القانون بلا شك هو انتصارٌ ضدّ قانون العمل الحالي لصالح أصحاب الشركات.

وأمّا بالنسبة للطبقة العاملة، فقانون الخمري سيكون كارثة، ولو تمّ الإقرار به، سيدمّر مكاسبًا اجتماعية حُقّقِت على مرّ عقودٍ طويلة من النضال. سيقوّض القانون الأمن الوظيفي ويشجّع على التنازلات في الأجور وأوضاع العمل وسيجعل من أسبوع العمل الرسمي ذو الخمسة وثلاثين ساعة أمرًا لا معنى له.

والأسوأ من ذلك هو أنّ القانون سينزع أحشاء قانون العمل عن طريق السماح لرؤساء الشركات التحايل على لوائحه القانونية من خلال اتفاقياتٍ على مستوى الشركة. وبالنسبة للمنظمات العمالية الفرنسية، هذه أكبر مشكلةٍ في المقترح. وكما يشير فيليب مارتينيز وهو رئيس الكونفدرالية العامة للشغل، وهي الاتحاد العمّالي الفرنسي الرائد: «المبدأ الرئيسي لمعارضتنا هذا القانون هو سماحه لكل شركة تكوين قانون عملٍ خاصٍ بها».

يقوم قانون الخمري بهذه الطريقة بقلب «التسلسل الهرمي لقواعد» سوق العمل الفرنسي رأسًا على عقب. ففي العادة، تجري ضوابط التوظيف من قانون العمل فنزولًا: ينشئ قانون العمل إطار عقود التوظيف، والتي يتمّ ضبطها أكثر عن طريق اتفاقيات التفاوض الجمعي على مستوى القطاع.

ولكن الآن، سيجري التسلسل الهرمي في الاتجاه المعاكس: اتفاقياتٌ على مستوى الشركة، اتُّخِذت مع عمّالٍ قد تمثّلهم نقابة وقد لا تمثلهم، ستصبح الأرض المركزية للمفاوضات الجمعية. التفاوض غير المركزي سيحكم على الضوابط القانونية والمفاوضات القطاعية. سيسمح مشروع القانون هذا إذًا بهجمة مستديمة على معايير التوظيف التي أسسها قانون العمل.

رهان أولاند

ليس من الغريب إذًا أنّ المقترح أحدث ردّ فعلٍ كهذا. وحتى داخل الحزب الاشتراكي الحاكم، لم يعد بالإمكان إخفاء مقدار المعارضة. أحد الأمثلة البارزة هو معارضة مارتين أوبري وهي وزيرة العمل السابق وقائدة الحزب الاشتراكي في مدينة لِيل الواقعة شمال فرنسا.

في أواخر التسعينات، وأثناء تولّيها الوزارة في حكومة «اليسار المتنوّع» برئاسة ليونيل جوسبان، رعت مارتين أوبري القانون الذي استحدث أسبوع العمل ذو الخمسة وثلاثين ساعة. وفي الأسابيع الأخيرة، كانت أوبري صريحةً في تعبيرها عن اشمئزازها بسبب مقترح الحكومة الحالية: بعد حضور اجتماعٍ في مقرّ الحزب الاشتراكيّ مع مريم الخمري وغيرها، صرّحت أوبري للإعلام أنّ القانون فيه عيوبٌ جوهريّة: «شرحتُ لمريم الخمري أنّ إصلاح قانون العمل هذا لا يحسّن من تنافسية الشركات ولا يزيد من حماية الموظفين، إنه قانون خطير جدًا».

ليس من المفاجئ إذًا أنّه خلال الشهرين الماضيين منذ إعلان مشروع القانون، كان الحزب الاشتراكي يفقد أعضاءً باستمرار، بينما نجحت الحكومة في تنفير العديد من حلفائها السابقين: على سبيل المثال، الاتحاد الوطني لطلّاب فرنسا – وهو اتحاد الطلاب الرئيسي في فرنسا، امتلك سابقًا روابط وثيقة مع الحزب الاشتراكي – كان في طليعة الحركة المناهضة للقانون وساعد على تنظيم يوم 9 مارس للتظاهر.

في غياب بديلٍ قابلٍ للحياة على يسار الحزب الاشتراكي، من غير المرجّح أنّ أيًّا من هذه الأمور ستؤدي لانشقاق الحزب، على الأقل ليس في المدى القصير. ولكنّ عمق الغضب الذي أشعله القانون مؤشّرٌ جيد على موقع المشاعر الشعبية. فاقمت تداعيات مشروع القانون بالتالي تناقص الدعم الشعبي للحكومة. تبيّن الدراسات الاستقصائية أنّ شعبية الرئيس أولاند، وقد كانت بالفعل في أدنى مستوياتها التاريخية حتى قبل فبراير، انخفضت الآن إلى 15 بالمئة لا أكثر.

وذلك مؤشر سيّء لاحتمالية فوز أولاند بإعادة الانتخاب لو أراد الترشح للرئاسة العام المقبل. نظرًا لانخفاض مستوى شعبيته، تساءل العديد عمّا إذا أولاند حقًا سيكون مرشّح الحزب الاشتراكي لعام 2017، في حملةٍ تقودها الجبهة الوطنية بقيادة مارين لوبان، وحيث يبدو أنّ رئيس الوزراء المحافظ السابق آلان جوبيه سيكون المرشّح الأوفر حظًا.

قال أولاند مرارًا أنّه سيسعى لإعادة انتخابه ولكن يبدو أنّ أغلب ناخبي الحزب الاشتراكي وجزءٌ كبير من قيادة الحزب يفضّلون متنافسين آخرين من الحزب الاشتراكيّ (حيث يبدو أنّ مانويل فالز ورئيس المالية إيمانويل ماكرون، وهو مصرفيّ سابق مختص بالاستثمار، هما المرشحان الرئيسيان لاستبدال أولاند).

تكشف شعبية أولاند شديدة الانخفاض السخط الشعبي تجاه السياسات الاقتصادية التي سعى إليها منذ تولّيه الرئاسة. في وقتٍ لم تتعافى فيه فرنسا بعد من آثار أزمة 2008 المالية، لم تتمكن إدارته من التقليل من معدل البطالة المرتفع بصورة مزمنة. في وقتٍ سابق من هذا العام، وصلت نسبة البطالة إلى 10،6 بالمئة (حيث كانت أعلى من 9 بالمئة بقليل حين تولّى أولاند منصبه)، وهي أعلى نسبة بطالة في عشرين سنةٍ مضت. شعر العمّال الشباب بالخصوص بشحّ الفرص الوظيفية: بطالة الشباب تقف اليوم عند 25 بالمئة.

استجابةً لذلك، تبنّى أولاند استراتيجية تحرير سوق العمل، حيث يزعم أنّ المفتاح لباب دفع النموّ الاقتصادي الراكد هو خلق مناخٍ أكثر ملائمةً التجارة. ومن أجل تحقيق تلك الغاية، دفع أولاند بسلسلة من الإصلاحات المصممة لزيادة «مرونة» التوظيف وتخفيض العبء التنظيمي المفروض من خلال قانون العمل. سهّلت هذه الإجراءات وخفّضت تكلفة طرد العمّال وسمحت للشركات المتعثرة بمفاوضة اتفاقيات الشركة مُقوِّضةً معايير العمل، ووفّرت دعمًا ضريبيًا معتبرًا لأصحاب الشركات (ولم يتمخض عن ذلك شيءٌ يذكر).

تبيّن أنّ أجندة أولاند «الإصلاحية» لم تحظى بأيّ شعبية لدى الناخبين، ناهيك عن الوفد البرلماني للحزب الاشتراكي. حقًا، فقبل عامٍ حين حاولت الحكومة تمرير «قانون ماكرون» الذي ألغى الحمايات الوظيفية للعديد من الوظائف وأرخى القيود التشريعية على العمل الليلي والعمل أثناء العطلة الأسبوعية، من ضمن أمورٍ أخرى، واجه الاقتراح معارضةً شديدة من نوّاب الحزب الاشتراكي لدرجة أنّ الإدارة اضطرت لاستخدام نصٍّ دستوري غامض يسمح لها بتجاوز البرلمان من أجل تمريره.

تلقّت سُمعة أولاند السيئة مُسبقًا ضربة أخرى نتيجة تبعات مشروع إصلاح قانون العمل الذي طرحته الحكومة. ومما ضاعف ضعف الحكومة، عانت الحكومة من نكسةٍ مهمّة أخرى الشهر الماضي حين أجبرت على التخلي عن خططٍ لتعديلٍ دستوري يسمح بنزع الجنسية الفرنسية عن حاملي الجنسيات المزدوجة في حال انخراطهم في نشاطاتٍ مرتبطة بالإرهاب. تلقّى ذلك التعديل الذي أعلن أعقاب هجمات 13 نوفمبر معارضةً شديدة بالخصوص من أعضاء حزب أولاند ذاته، الحزب الاشتراكي.

حالة طوارئ اقتصادية وسياسية

نظرًا لتكلفتها السياسية الواضحة، لماذا يحاول أولاند تسريع جهوده الإصلاحية؟

هو نفسه أشار أنّ مقترحاته هي ردٌ لا بدّ منه للوضع الحرج الذي وصل إليه الاقتصاد الفرنسي. وكما قال في يناير الماضي (أثناء إعلانه إجراءً مقترحًا سيوفّر ملياريّ يورو إضافيين من الدعم الضريبي للشركات)، تواجه فرنسا «حالة طوارئ اقتصادية واجتماعية» بسبب «المناخ الاقتصادي غير المستثر والبطالة المستديمة». وأضاف قائلًا: «واجهت بلادنا بطالةً بنيوية لعقدين أو ثلاثة وهذا الأمر يتطلب أن يكون خلق الوظائف هو قتالنا الوحيد والأوحد».

ولكن ليس هنالك سببٌ يدفع للاعتقاد بأنّ الإصلاحات الحكومية المقترحة لقانون العمل ستؤدي لنموّ الوظائف، بالخصوص على المدى القريب. كيف يمكن لإصلاحاتٍ تسهّل على الرؤساء إجبار موظّفيهم على العمل لساعاتٍ أطول وتسمح لهم بطردهم متى ما شاءوا أن تزيد من نسبة التوظيف؟

أحد التفسيرات المعقولة هي أنّ أولاند يراهن على قدرته على شقّ خطّ الناخبين اليمينيين في الانتخابات الرئاسية للعام المقبل. وبعد أن يجذب جزءً من قاعدة اليمين الانتخابية، سيمكّنه ذلك من الوصول إلى جوالة الإعادة مع مارين لوبان، وحينها لن يكون لدى الناخبين المناهضين للجبهة الوطنية خيار سوى الالتفاف حوله لمنعها من الفوز. لو كانت هذه هي بالفعل استراتيجيته، فلا يبدو أنّها استراتيجية ناجحة. تبيّن استطلاعات الرأي أنّه لو أقيمت الانتخابات اليوم، فلن يكون لدى أولاند أيّ فرصة للوصول إلى الجولة الثانية.

ولكنّ مهمته تتجاوز الطموحات المهنية المباشرة هذه. إنّه يسعى إلى تحويل التضاريس السياسية لنقاشات الإصلاح المستقبلية في فرنسا. بطرقٍ عدّة، يرى أولاند في نفسه النظير الفرنسي للمستشار الألماني السابق جيرهارد شرودر بتحالف حكومته الأحمر-الأخضر ما بين الأحزاب الديموقراطية الاجتماعية والأحزاب البيئية المعروف بإصلاحاته الاقتصادية المثيرة للجدل. إصلاحات هارتز لنظام الرعاية الاجتماعية في ألمانيا تحت حكومة شرودر جعلت منه نموذجًا يحتذى به لدى الحكومات الديموقراطية الاجتماعية الوسطيّة في أرجاء القارة.

والرئيس الفرنسي يرى في شرودر نموذجًا يرغب بمحاكاته. شرح أولاند إعجابه بالمستشار الألماني السابق في عام 2013 في خطابٍ ألقاه في الذكرى المئة وخمسين للحزب الديموقراطي الاجتماعي الألماني في لايبزيغ، حيث وصف أولاند شرودر بـ«ديموقراطيٍّ اجتماعي حقيقي» ظهرت ثمار قراره بالضغط تجاه إصلاح سوق العمل، حيث كلّفه ذلك الكثير سياسيًا، بالانتعاش الألماني السريع بعد أزمة 2008 المالية.

من منظور أولاند، كمنت فضيلة شرودر العظيمة في قدرته على إدراك كون «التقدم» لليسار لا يتعلق فقط بالسعي نحو أهدافٍ ديموقراطية اجتماعية مثل توسيع تدابير الأمان الاجتماعي أو رفع الأجور، بل «هي أيضًا مسألة اتخاذ قراراتٍ صعبة في أوقاتٍ صعبة…ومسألة تدارك التغيّر الصناعي».

الواقع هو أنّ جهود شرودر الإصلاحية ساهمت في طفرةٍ في الفقر واللا مساواة. بينما زادت نسبة التوظيف في السنوات اللاحقة لإصلاحات هارتز، كانت الغالبية العظمى من الوظائف الجديدة وظائفًا ذات دوامٍ جزئيّ أو منخفضة الأجور أو ليس فيها أمانٌ وظيفي، وعددٌ متزايد منها كان «وظائفًا صغيرة» مؤقتة.

يرى العديد من مؤيّدي الإصلاحات في فرنسا في النموذج الألماني نموذجًا يستحق المحاكاة، ولكنّ حتى الآن، قاوم الناس جهود اتباع الطريق الألماني نحو إلغاء الضوابط التنظيمية على سوق العمل. لو أراد أولاند حقًا تنشيط نموّ الوظائف، فسيكون من الأفضل له العودة لاستراتيجية اتبعتها الحكومات الفرنسية السابقة تحت قيادة الحزب الاشتراكي: تخفيض وقت العمل. وهذه الاستراتيجيات هي ما ألهمت التحرك نحو ترسيم أسبوعٍ عملٍ ذو خمسة وثلاثين ساعة مع نهاية التسعينات (من خلال قانونيّ أوربي، تمّ الإقرار بهما عام 1998 وعام 2000 على التوالي).

عن طريق دعم تخفيض عدد ساعات الدوام الكلي – دون أيّ تخفيضاتٍ في الأجور – سعت حكومة «اليسار المتنوع» نحو تفعيل نمو الوظائف. وكان المجهود ناجحًا لدرجة ما: في نصف القرن الذي تبع الإقرار بقانون الخمسة وثلاثين ساعة، شهدت فرنسا أكبر فترة نموٍّ وظيفي منذ السبعينات. من ضمن المليونين وظيفة جديدة التي نشأت في القطاع الخاص خلال تلك السنوات، نشأ ما بين ثلاث مئة وخمس مئة ألف منها من خلال التشريعات المتعلقة بتخفيض وقت العمل (وذلك وفق تقديرات الحكومة).

ولكن بالطبع، منذ اللحظة التي أقرت فيها حكومة اليسار المتنوع بتلك الإجراءات، بدأت بالتراجع عن هذه الاستراتيجية. تضمّنت قوانين أوبري أنفسها موادًا تقوّض معيار الخمسة وثلاثين ساعة. وأضعفت لاحقًا القواعد المتعلقة بوقت العمل أكثر فأكثر في سلسلة تغييراتٍ استحدثتها حكومات اليمين.

الحركة العمالية تستجيب

ولكنّ استراتيجية تعزيز نموّ الوظائف عن طريق تخفيض عدد ساعات العمل للموظفين لا تزال استراتيجية حاضرةً اليوم. نراها اليوم متجسدة على سبيل المثال في دعوة الكونفدرالية العامة للشغل إلى الانتقال لأسبوع عملٍ ذو اثنان وثلاثين ساعة – إذ يقول رئيس الكونفدرالية العامة فيليب مارتينيز أنّها ستخلق 4،5 مليون وظيفةٍ جديدة – ودعوتهم لتغييراتٍ تعدّل قواعد التفاوض الجمعيّ مصعّبةً على الشركات التفاوض حول اتفاقاتٍ مع نقاباتٍ لا تمثّل أعضاءها.

لو كان اليسار الفرنسي أقوى لأمكن استخدام هذه المقترحات كأساسٍ لأجندة سياسيّة راديكالية، ولكنّ اليسار الفرنسي اليوم أضعف من أن يسعى بجدّية نحو برنامجٍ كهذا. خلال السنوات القليلة الأخيرة، بينما سقطت شعبية أولاند إلى الهاوية، لم يزدد اليسار الراديكالي الفرنسي إلّا ضعفًا وتشتتًا. فبينما كان قادرًا قبل عقدٍ من الزمن على قيادة نضالاتٍ حقيقية (مثل حملة 2005 الناجحة ضدّ المعاهدة الدستورية الأوروبية)، فنفوذه اليوم أضعف وقاعدة ناشطيه أصغر. وفي السنوات الأخيرة، غرقت منظمات اليسار في الركود، تخللتها نوباتٌ من الأزمات الداخلية.

وفي هذا السياق تمكّنت الجبهة الوطنية اليمينيّة المتطرفة من موضعة نفسها كالبديل الناجع الوحيد لأحزاب المؤسسة الحاكمة. تناشد الجبهة الوطنية ناخبيها عن طريق هجماتها العنصرية العرقية ضدّ المهاجرين والمسلمين وأمثالهم ولكن أيضًا من خلال تنديدها بالنخب الكوزموباليتية و«العولمة» الاقتصادية والرأسمالية غير المقيدة، وتتعهد بحماية العمّال الفرنسيين من «الخطر المزدوج» القادم من الهجرة غير المكبوحة وإلغاء الضوابط التنظيمية الاقتصادية.

هذا النوع من الأهلانية الاقتصادية تلقى صدى لدى الناخبين القلقين بشأن تزايد انعدام الأمن الاقتصادي: بالتالي، خلال السنوات الأخيرة، حقّق اليمين المتطرف مكاسب كبيرة في المناطق الصناعية سابقًا في شمال فرنسا. كانت هذه المناطق سابقًا أحد معاقل دعم الطبقة العاملة للحزب الاشتراكي، ولكنّها اليوم أصبحت موطن عددٍ متزايد من الناخبين اليمينيين المتطرفين.

كلّ هذه الأمور تدل على التحديات التي يواجهها اليسار، ولكن في سياق تيار التظاهرات المتصاعد هذا الربيع، يبدو أنّ حظّ اليسار سيتغيّر إلى الأفضل، ومقدار هذا التغيّر سيعتمد عمّا إذا كان هذا النضال ضدّ الحكومة سيكسب زخمًا أم لا.

يقدّم لنا التاريخ الفرنسي الحديث العديد من السوابق لنضالٍ مستديم ضد حكومات التقشف. خلال العقدين الماضيين، شهدت الحكومات الفرنسية مرارًا هزيمة جهودها الإصلاحية في مواجهة التظاهرات الاجتماعية الحيوية، على سبيل المثال: في حملة إضرابات القطاع العام لشهر ديسمبر عام 1995، حين أشعل مشروع قانون إصلاح معاشات التقاعد لدى إدارة جوبيه أسابيعًا من التظاهرات والإضرابات، أجبر ذلك جوبيه على التراجع عن المشروع. ومؤخرًا، أدّت مظاهراتٌ قادها الطلاب ضدّ «عقد التوظيف الأول» الجديد النيوليبرالي في خريف 2006 لتراجع حكومة محافظة أخرى عن مقترحها.

وفي عام 2010، نشأت حركة أكبر من سابقتها استجابةً لمحاولة تعديلٍ جديدة في معاشات التقاعد، ولكن هذه المرة اقترحها الرئيس ساركوزي. ولكنّ هذه الحركة فشلت في آخر المطاف في تعطيل الإقرار بالتشريع، وذلك على الرغم من الإضرابات والمظاهرات التي شملت ملايين الناس، إذ أنّ ساركوزي رفض التراجع ع مقترحه، وأُقِّرَ بالإجراء في آخر المطاف. شكّلت تلك الهزيمة ضربة قوية لليسار الفرنسي، وهي نكسة لم يتعافى منها تمامًا حتى الآن.

يبدو أنّ الصراع حول مقترح تعديل قانون العمل سيوفّر فرصة لعكس تراجع اليسار، ولكنّ هذه الحركة تواجه أيضًا عددًا من التحديات المعتبرة. أحدها هو افتقارها لأيّ قوّةٍ شعبية واضحة بإمكانها أن تكون المحرك للنضال ضدّ قانون العمل الجديد. في عام 1995 على سبيل المثال، تصدّر إضرابات القطاع العام ضدّ تعديلات حكومة جوبيه عاملوا السكك الحديدية، وفي عام 2007، كانت الحركة الطلابية هي التي دفعت بالنضال إلى الأمام، وفي عام 2010، كان المحرّك هو عمّال معامل تكرير النفط الذين أوقفوا مؤقتًا إيصال الغاز إلى المحطات في أرجاء البلاد.

ليس واضحًا اليوم من سيلعب ذلك الدور. لا توجد قوّةٌ اجتماعية واضحة لديها القدرة على قيادة حركةٍ كهذه. المنظمات الشعبية ضعيفة، وبعد سنوات من انخفاض الكثافة النقابية وإعادة الهيكلة الاقتصادية، خسرت الحركة العمالية كمية كبيرة من قدرتها على التحشيد في أماكن العمل ضدّ إدارات الشركات.

وما يضاعف هذا الانحدار هو الانشقاق الحاصل في قلب الحركة العمالية بين النقابات المعتدلة «الإصلاحية»، تقودها الكونفدرالية الديموقراطية الفرنسية للعمل (وهي ثاني أكبر كونفدرالية نقابات في فرنسا)، والنقابات الأكثر نضاليّةً، تقودها الكونفدرالية العامة للشغل.

منذ انتخاب أولاند، بقيت الكونفدرالية الديموقراطية الفرنسية للعمل حليفةً قريبة لإدارته، ووافقت باستمرار على التوقيع على أكثر مقترحاته الإصلاحية إثارة للجلد. مكّن ذلك أولاند من تأطير إصلاحاته كانتصاراتٍ لـ«الحوار الاجتماعي» والتعاون الطبقي.

وفي المقابل، كانت الكونفدرالية العامة للشغل من أشدّ منتقدي جهود الحكومة الإصلاحية. تبقى الكونفدرالية العامة للشغل اليوم أكبر وأبرز قوّة على اليسار الراديكالي في فرنسا، وقد عارضت مسودة قانون العمل بشدّة. ومنذ فبراير، أصرّ رئيسها فيليب مارتينيز على أنّ نقابته لن تقبل بأيّ شيء أقلّ من «التراجع عن نصّ» القانون الجديد.

وفي الوقت ذاته، اقترحت الكونفدرالية العامة للشغل «تقاربًا نقابيًا» لعرقلة مسودة قانون العمل، وهو عرضٌ موجّه للكونفدرالية الديموقراطية الفرنسية للعمل، ولكن بعد رفضها المبدئي للاقتراح، تراجع رئيسها لوران بيرغر عن معارضته قائلًا أنّ المسودة الثانية للمقترح «قد» تكون خطوةً نحو «تقدّمٍ من أجل الشباب والموظفين».

رفض الكونفدرالية الديموقراطية الفرنسية للعمل الانضمام للنضال يعني أنّ التنظيمات العمّالية لن تقدّم جبهةً متّحدة في مواجهة الحكومة. سيؤدي ذلك حتميًا لأسئلة حول ما إذا كان بإمكان الجناح النضاليّ للحركة العمالية أن يخوض هذا القتال لوحده، وهو أمرٌ لم تتمكن الكونفدرالية العامة للشغل القيام بها في الماضي حين كانت منعزلة في معارضتها الإصلاحات المتنازع عليها.

كانت هذه إحدى نقاط النقاش المركزية في المؤتمر الوطنيّ للكونفدرالية العامة للشغل الأسبوع الماضي. عبّر المفوضون الألف المتجمعون في مرسيليا عن إحباطهم تجاه عجز الكونفدرالية عن تقديم استراتيجية واضحة لهزيمة مسودة قانون العمل. أراد العديد منهم أن يطرح الاتحاد دعوةً لإضرابٍ عام مستمر (أي، إضرابٌ يستمر أكثر من يوم). اقترحت قيادة الكونفدرالية طرح دعوة تقتصر على تجمّعاتٍ في أماكن العمل لمناقشة الخطوات التالية في الصراع.

شكّك مارتينيز في إمكانية الاتحاد بالقيام بإضرابٍ عام، حيث قال للمفوّضين: «يجب على كلّ حركةٍ اجتماعية ترغب في الانتشار أن تثير مسألة الإضراب العام…الكل يتّفق على ذلك…ولكن دعونا نكن صريحين مع أنفسنا، لن تصدر دعوة إضرابٍ عام ناجحة من مونتروي [أي، المدينة التي يقع فيها مقرّ الكونفدرالية]».

في آخر المطاف، صوّت المفوّضون على طرح نصٍ تنازليّ منادين بالمشاركة في يوم المظاهرات بتاريخ 28 أبريل، ومعه تجمّعاتٍ حشديّة في كلّ مكان عمل كي يقرّروا كيفية تعميق النضال، ولربما دراسة نشاطٍ إضرابي مستديم لإجبار الحكومة على التراجع عن القرار.

نقطة تحوّل

ليس من الواضح ما إذا كان ذلك سيحقق نتيجة تذكر. سيشكّل الإقبال على المظاهرات يوم الخميس امتحانًا مهمًا: لو كانت التظاهرات كبيرةً كفاية كي تبرز لعامة الناس، ستكون إشارةً على أنّ الحركة لا تزال تتصاعد. ولكن لو كان الحضور قليلًا فقد يقود ذلك البعض للاعتقاد بأنّ النضال ضدّ مسودة قانون العمل خسر زخمه.

ستكون الأسابيع القادمة محورية. لو تمكّنت الحكومة من الدفع بمشروع قانونها بسهولة نسبية، فسيخفّض ذلك من آمال إحياء اليسار مرّةً أخرى. سيعزّز ذلك الاعتقاد القائل بأنّ الحركات الاجتماعية – من النوع الذي اندلع تكرارًا ما بين 1995 و2010 – لم يعد بإمكانها إبطاء تيّار تحرير السوق. وأكبر مستفيدٍ على الأرجح سيكون الجبهة الوطنية، حيث سيبدو زعمها بأنّها البديل الوحيد لأحزاب المؤسسة الحاكمة أمرًا صحيحًا.

وفي المقابل، لدى الحركة ما يدعو للتفاؤل. ليست الحكومة في موقعٍ سياسيّ قوي، فهي عالقة ما بين المتعصبين على اليمين وناقديها الكثيرين على اليسار. ومعارضو مسودة قانون العمل يسبحون مع تيار الرأي العام الآن، وعزّز هذه المعارضة أحداث هذا الربيع.

لو تمكّنت الحركة المناهضة لقانون العمل الجديد من رسم طريقٍ إلى الأمام، فقد تتمكّن من تحويل الوضع السياسي في فرنسا. ستشكّل هزيمة الحكومة نقلة نوعيّة، وستخلق سياقًا يمكن فيه تعميق الراديكالية المتزايدة في الحركة الطلابية وفي نوي ديبو وتمديدها.

ليس الوصول لتلك النقطة بالمهمة السهلة، ولكنّ أحداث الشهرين الماضيين برهنت وجود سخطٍ شعبيّ كافٍ لتحدّي الطبقة الرأسمالية الفرنسية.

المصدر: مجلة جاكوبين