هاييتي ٢٠٠٤-٢٠١٤: عشر سنوات من احتلال الأمم المتحدة العسكري

haiti23

بِقلم: كايو ديزورزي

عاشت هاييتي لعشر سنوات في ظل حكم دكتاتورية عسكرية دموية أسستها الأمم المتحدة، فرضتها واشنطن وقادها الجيش البرازيلي. يزعم البعض أنّها «مهمّة حفظ سلام» تقوم بها الأمم المتحدة، ولكنّ الحقيقة مختلفة تمامًا. بدأت «بعثة الأمم المتحدة لتحقيق الاستقرار في هاييتي» (مينوستاه) كانقلابٍ عسكريّ قام فيه جنودٌ أمريكيون باختطاف الرئيس جان برتران أريستيد، وهي الآن ليست سوى احتلالٍ عسكريٍّ قمعي يمنع الشعب الهاييتي من التظاهر والنضال من أجل حياة أفضل ومن أجل التغيير، ضامِنةً تحكم الإمبريالية بالمنطقة.

فإمبريالية «العمّ سام» الأمريكية هذه دعمت وموّلت مستبدّين عسكريين في كلّ أرجاء أمريكا اللاتينية في العقود التالية للحرب العالمية الثانية من أجل احتواء انتشار الأفكار الاشتراكية وقمع الحركات العمّالية. والآن يستخدمون القوات المسلحة في العديد من البلدان – بقيادة برازيلية – لزرع مخالبهم في جزيرة هاييتي وتاريخ نضالها الشعبي، حيث كان هذا الأخير مثالًا يحتذى به لكلّ الشعوب المضطهدة في القارة الأمريكية الجنوبية.

جذور النضال التاريخيّ للشعب الهاييتي

قبل أكثر من خمسة عقود، ومع وصول أوائل الأوروبيين إلى الأمريكيتين، عمّد كريستوفر كولومبوس – مؤسس أول مستعمرة في أمريكا عام 1493 – ثاني أكبر جزيرة في بحر الكاريبي، والتي يسميها شعبها الأصلي «آييتي» أو «كسكيا»، وسمّاها هيسبانيولا. وبعد إبادة جماعية قامت في أقل من عقدين بتخفيض عدد السكان الأصليين من 500 ألف نسمة حتى 60 ألف نسمةٍ فقط، سرق الإسبانيّون كلّ ذهب الجزيرة. ومع هجرة الإسبانيين أجزاء الجزيرة التي استنزف منها الذهب، بدأ الفرنسيون باحتلال الجزء الشمالي من الجزيرة. في آخر المطاف، اعترف الإسبانيون عام 1697 بالجزء الغربي من الجزيرة كمستعمرة فرنسية وقام الفرنسيون بتغيير اسمها إلى «سانت دومينيك». ومع انعدام وجود الذهب، توجّه المستعمرون الفرنسيون لإنتاج قصب السكر والقهوة، حيث عمل فيها عمّالٌ مستعبدون جيء بهم من أفريقيا.

أصبحت سانت دومينيك منتجًا مهمًا للسكر ومصدرًا لأرباحٍ طائلة من تجارة العبيد. كانت الجزيرة أكثر المستعمرات الفرنسية ازدهارًا في الأمريكيتين والسكر عالي الجودة الذي أنتجته نافس ذاك المُنتج في البرازيل. قبل عام 1770 بقليل، وصلت صادرات المستعمرة لما يقدّر بخمسة وثلاثين طن من خام السكر وخمسة وعشرين طن من السكر الأبيض سنويًا. ما بين 1764 و1771، تمّ شراء ما معدّله عشرة آلاف عبدٍ سنويًا، جيء بهم بحرًا من أفريقيا. ومع حلول نهاية ثمانينات القرن الثامن عشر، كاد إنتاج السكر أن يتضاعف ومنذ عام 1787 فما بعد، جيء بأربعين ألف عبدٍ إلى الجزيرة سنويًا. «استعمر» العبيد الأفريقيّون الجزيرة الصغيرة، حيث تلقّوا أسوء تعاملٍ ممكن من «مالكيهم» الفرنسيين، وحسب رواية ألويسو ميلاني عن تلك الأوضاع:

كان الأفارقة الذين أصبحوا عبيدًا هم الناجون: هم السود الذين أجبروا على مجابهة رحلة «الممر الأوسط» عبر الأطلسي كحمولة يملكها نخّاسون متوحشون. ليس من المفاجئ إذًا أنّ ربع العبيد تقريبًا ماتوا أثناء الرحلة بسبب الأوضاع المريعة والطعام والنظافة الفظيعة. وحين وصلوا للميناء تمّ تفحصهم وبيعهم ووسمهم بالنار في جانبي صدرهم لتحديد مالكهم. هذا التعسف حثّ على تعهّدٍ بالانتقام. بعض هذه التعهدات لُفظِت في الليل كطقوس فودو، مازجةً طقوسًا أفريقية مع الديانة الكاثوليكية.

هذه الكتلة الضخمة من العبيد – الناطقين بالكريولية والفرنسية – فُرِض عليهم العمل في جميع أرجاء المستعمرة (أي، الجزء الغربي من الجزيرة). وبسبب مواجهتهم أعباء عملٍ غير إنسانية وتعرّضهم للتعذيب والعقاب المستمر، ثارَ العبيد.

يصف المؤرّخ التروتسكي سيريل ليونيل روبرت جيمس في كتابه «اليعاقبة السود» تلك الأوضاع قائلا: «باللغة الكريولية، رقص العبيد وصرخوا بأغانٍ وعيدية: إي! إي! بومبا! هيو! هيو! كانغا!، بافيو تي! كانغا مانويه دي لي! كانغا ديل كي لا! كانغا لي!»، حيث يمكن ترجمتها كالتالي: «نقسم بأنّ ندمّر البِيض وكلّ ما يملكون، نفضّل الموت على أن نُخلف هذا العهد». كانت هنالك «كيلومبوس» أيضًا أو «كستنائيّات»، وهي مجتمعاتٌ مُقاومة يهرب لها العبيد كي يعشوا أحرارًا. نُظِّمت هذه المجتمعات في الجبال الهايتية لتشكيل مقاومة ضد الاستعباد. كان أكثر شخصٍ يثير قلق ملّاك العبيد هو القائد ماكلاند. وُلد ماكلان في غينيا وكان شخصًا ذو بصيرة وخطيبًا عظيمًا، وقيل حينها أنّه مُخلّدٌ بقوى الفودو. كان له عددٌ كبير من الأتباع، وفي عام 1758، خطّطوا لتسميم ماء منازل البِيض وتحرير العبيد، ولكن تمّت خيانته ومن ثم القبض عليه وحرقه حيًا.

ولكن لم يكن تعسّف الفرنسيين وحده هو ما حرّض على الانتفاضات، فأخبارُ استقلال الولايات المتحدة الأمريكية عام 1778، المُستلهِم من أفكار عصر التنوير، والثورة الفرنسية لعام 1789 أثّرتا على المناخ العام في الجزيرة الكاريبية.

الثورة الفرنسية والنضال ضدّ العبودية

اندلعت ثورةٌ عظيمة عام 1789 في فرنسا، ولكنّ مبادئ «الحريّة والمساواة والأخوية» التي ألهمتها لم يتم تفعيلها في مستعمرة سانت دومينيك، فهي تعارض مصالح ملّاك العبيد الاقتصادية. ولكن في أوج الثورة انقلب الفرنسيون على المُستعمِرين. ونتيجةً لذلك ارتبط نضال العبيد في سانت دومينيك عضويًا بنضال الثورة في فرنسا.

وبعد سقوط سجن باستيل عام 1790 ومع تزايد زخم الثورة، تمّ السماح بإنشاء تجمّعٍ استعماريّ في سانت دومينيك مقسّم ما بين كبار ملّاك الأراضي والبيض الفقراء ومزدوجي العرق الأحرار وأيضًا العبيد. ولكن في المناظرات، دائمًا ما انتصرت قوّة كبار ملّاك الأراضي. ولكنّ موافقة المجلس التأسيسي الفرنسي على إعطاء حقوقٍ متساوية لكلّ سكان سانت دومينيك لم تتم إلّا عام 1791.

وصل خبر القرار أسماع العبيد في الجزيرة ببطؤ. لم يقبل كبار ملّاك الأراضي بالقرار زاعمين أنّ السّود ومزدوجي العرق ليسوا بشرًا وبالتالي ليسوا مؤهلين لأن توفّر لهم حقوق، ولكنّ الشعور الثوريّ بدأ بالانتشار في المزارع. قاد بوكمان – وهو مُشرف على العمّال وكاهن فودو – انتفاضةٌ، حيث أشعل المنتفضون النار في كلّ المزارع في السهول الشمالية لسانت دومينيك وقتلوا ملّاك الأراضي.

انضمّ العبيد في الجنوب والشرق الإسبانيّين للجزيرة للمنتفضين. احتدّ القمع وقُتِل بوكمان في أحد المعارك، ولكنّ الانتفاضة لم تمت. في كلّ يوم، ازداد عدد المتمرّدين حتى وصل مئة ألف رجل، وهذا التزايد العددي أدّى لقفزةٍ نوعيّة أوصلت النضال لِنُضجِه، ورُفِعت راية الاستقلال في المستعمرة.

الكفاح من أجل الاستقلال

وبعد موت بوكمان كان هنالك قادةٌ آخرون، أبرزهم كان توسان لوفرتور، وهو عبدٌ سابق تمكّن بعد تحرّره من الحصول على أدبيّاتٍ سياسية وبرز كمخطّطٍ استراتيجيّ عسكريّ عظيم. وحّد توسان لوفرتور الجماعات المتمرّدة ونظّمها كجيشٍ تمكّن من هزيمة القوّات الفرنسية. كان لوفرتور بلا شك مائلًا للتصالح مع ملّاك الأراضي، ولكنّهم هم بدورهم رفضوا كلّ معاهدة سلام. أرسلت فرنسا ثلاثة مفوّضين مع ستة آلاف جنديّ لاحتواء انتفاضات العبيد وحسم الموقف.

ولكن بينما حاول المفوّضون الوصول لاتفاق، أعلنت الجمهورية الفرنسية الجديدة حربًا على إنجلترا. تضمّنت الحرب المستعمرات الأوروبية ودافع جيش توسان عن الجزيرة، مُحاربًا قوّاتٍ فرنسية وإنجليزية وإسبانية.

أعلنت الجمهورية الفرنسية عام 1794 إلغاء العبودية في كلّ مناطقها وقام جيش توسان، بعد أن تحالف مع الفرنسيين، بطرد الإنجليز والإسبانيين من الجزيرة (حتى من الجزء الإسباني من المستعمرة). وبعد هذا الإنجاز الفذّ، عيّنت الحكومة الفرنسية توسان قائد جيش سانت دومينيك. وعام 1801، أعلنت سانت دومينيك دستورها وأصبحت مقاطعة تملك حكمًا ذاتيًا.

ولكنّ نابليون بونبارت بدأ في عام 1802 صراعة من أجل الهيمنة على كلّ شيء وكلِّ شخص. رأى نابليون في الجزيرة ومعها لويزيانا، جنوب الولايات المتحدة، كنقاطٍ رئيسية لتوسيع الإمبراطورية الفرنسية في العالم الجديد وأرسل جيشًا لاستعادة المستعمرة: سبعةٌ وأربعون ألف رجل بقيادة الجنيرال لوكلير.

حارب توسان جنود نابليون ولكنّ شخصيّته التصالحية خانته مرّة أخرى: طمح القائد الأسود لعقد معاهدة سلام وسافر إلى فرنسا كسجين بنيّة التفاوض، ولكن انتهى به الأمر بأن مات في «قلعة جو» في جبال الألب. ولكن حتى مع موت توسان، استمرّ الكفاح من أجل الاستقلال. نظّم العبيدُ السابقون أنفسهم تحت قيادة جان جاك ديسالين وهزموا جنود ليكلير يومَ 28 نوفمبر عام 1803. وفي الأول من يناير عام 1804، أعلن ديسالين استقلال المستعمرة (والجزيرة بأكملها) وغيّر اسمها لـ«هاييتي» إكرامًا لاسم الجزيرة الأصليّ القديم، ومعناه «جزيرة الجبال العالية».

أدّت هزيمة القوات الفرنسية لبيع نابليون لويزيانا بسعرٍ رخيص وإعاقة توسّعه المحتمل في الأمريكيتين. كان لها أيضًا ضربة قويّة على سوق تجارة العبيد وسعر السكر. نعم، للتاريخ تحوّلاتٌ كثيرة: ألهمت البورجوازية التي انتزعت السلطة في فرنسا الثورة الهايتية، وانتهى الأمر بأنّ الثورة الهايتية صفّت مصدرًا مهمًا لدخل البورجوازية الفرنسية.

كفاحٌ تحتذي به الشعوب

كان كفاح الشعب الهاييتي الذي استمرّ منذ 1791 وحتى 1803 ولا يزال يُعتبر ثورة العبيد الناجحة الوحيدة منذ التاريخ العريق. كان لها تداعياتٌ عظيمة في أرجاء العالم ومثّلت نقطة دعمٍ ضخمة لكلّ من ناضلوا ضدّ العبودية. خاف مُلّاك العبيد في كلّ أنحاء الأمريكيّتين من تداعيات الثورة السوداء الظافرة. وفي الولايات المتحدة، كان كبار ملّاك الأراضي مهتمّين أكثر بأحداث الجزيرة الكاريبية من اهتمامهم بالحرب ما بين القوى الأوروبية.

جمعَ العبيد والإلغائيين هدفٌ مشترك، وفي البرازيل، تمّ تشكيل ميليشيا مختلطة الأعراق استخدمت صورًا لديسالين، وأُطِلق على من يحاربون العبودية والعنصرية مسمّى «الهايتويّين» لبعضِ من الوقت، إذ يشير ستيوارت شوارتز في «أسرارٌ داخلية: عباقرة وعبيد في المجتمع الاستعماريّ» أنّه «في البرازيل، أثناء فترة الوصاية على العرش (1831-1840)، استُخدم مصطلح “هايتويّة” لنعت المجلات التي زُعِم أنها تمثّل مصالح ذوي البشرة الداكنة الأحرار والمداومة على التعرض للمسألة العرقيّة».

قرنان من الاستغلال والقمع

لم تقدر القوى الإمبريالية على تجاهل فعلة الهايتيين. كان للهزيمة التي ألحقها العبيدُ السابقون على قوّات نابليون تكلفةٌ عالية على الشعب. أعلن رئيس الولايات المتحدة توماس جيفرسون – المدافع عن الحريّة والمالك للعبيد – أنّ هاييتي نموذجٌ سيّء وطاعونٌ يجب أن يُحبس في الجزيرة! كتب إدواردو غاليانو عام 2004 في «اللعنة البيضاء» عن الأحداث التي تلت الاستقلال:

في عام 1804، ورث الهايتيون أرضًا أتلفتها مزارع قصب السكر المُخرِّبة وبلدًا أتلفتها حربٌ ضروس، وورثوا «الدَّين الفرنسي». امتعضت فرنسا بشدّة بسبب الهزيمة المهينة التي ألحقت بجنود نابليون بونبارت. وبعد ولادة هاييتي، سرعان ما اضطرت لدفع تعويضاتٍ ضخمة لفرنسا، أُجبِر من خلالها الهايتيّون على دفع قيمة تحرّرهم. كلّفهم هذا التكفير عن خطيئة الحريّة مئة وخمسين مليون فرنك ذهبيّ. وُلِدت البلدة الجديدة مخنوقة بهذا الحبل المربوط حول رقبتها: ثروةٌ تساوي 21،7 مليار دولار بعملة اليوم، ما يعادل 44 ضعف ميزانية هاييتي اليوم. تطلّب دفع الدين والفوائد الضخمة أكثر من قرن، حيث لم يتمّ تسديده تمامًا إلا عام 1938. وبحلول ذلك الوقت، كانت هاييتي مُلكَ البنوك الأمريكية.

بعد استقلال عام 1804، مرّ سكّان الجزيرة بصراعاتٍ عديدة. كانت الجمهورية غير مستقرّة. أعلن ديسالين ذاته إمبراطورًا واغتيل بعد ذلك عام 1806. تمّ تقسيم البلاد لقسمين واستحوذ الإسبانيّون على الجزء الشرقي من الجزيرة مرّةً أخرى. استمرّت الصراعات وفي عام 1822، احتلّ رئيس جمهورية هاييتي جان بيير بوير الجزء الإسباني من الجزيرة عسكريًا، ولكنّ ذلك الاحتلال لم يستمر إلا لعام 1844 حين انهار حكمه هناك وأعلن إنشاء جمهورية الدومينيك (حيث تحتلّ اليوم ثلثيّ الجزيرة شرقًا). وفي عام 1861 استحوذ الإسبانيّون على الجزء الشرقيّ من الجزيرة وأعلنوا عن إنشاء جمهورية الدومينيك مرّةً أخرى.

عانى الشعب الهاييتي لعقودٍ طويلة من المحن الاقتصادية الفظيعة. على الرغم من الديون الفرنسية التي تحمّلوا أعباءها، استثمرت البلاد في الإنتاج الزراعية، ولكنّ هذه العملية أتت على حساب دينٍ خارجيٍّ ضخم، بالخصوص لرأسماليّي من أمريكا الشمالية. استمرّت هذه الاتكالية حتى وصلت لأن غزت أمريكا هاييتي في عام 1915 تحت ذريعة أنّ الأخيرة لم تعد تفي بالتزامات الديون. يشير إدواردو غاليانو في النص السابق ذاته:

أول ما قام به الأمريكيّون هو احتلال مكتب الجمارك وتحصيل الضرائب. احتجز جيش الاحتلال راتب الرئيس الهاييتي حتى استسلم ووقع على حلّ البنك الوطنيّ الهاييتي ونقله إلى «سيتي بنك» في نيو يورك. مُنِع الرئيس وكلّ السود في الجزيرة من دخول الفنادق والمطاعم والنوادي الحصرية للقوى الأجنبية. لم يسعى المحتلّون لإرساء العبودية مرة أخرى، ولكنّهم فرضوا عملًا إجباريًا للأشغال العامة. قتلوا العديد من الناس، ولكنّ إخماد نيران المقاومة لم يكن أمرًا سهلًا. تمّ صلبُ قائد الثوّار شارلمان بيرالتي وتعليقه على باب وعرض جثّته المصلوبة للعلن كتحذيرٍ في الساحة العامة.

تجاوز تعداد القتلى تحت حكم النظام العسكري في ظلّ الانتداب الأمريكي الذي استمرّ حتى عام 1934 أكثر من عشرة آلاف قتيل. ومع نهاية الثلاثينات، تعاملت الإمبريالية الأمريكية مع جزر الكاريبي كـ«فناءٍ خلفيّ» تستخدمه للعمالة الرخيصة وتهريب الممنوعات والدعارة. وحتى بعد مغادرة الجيش هاييتي، أبقت أمريكا على قوّات شرطةٍ وطنيّة موالية لواشنطن.

وبعد سلسلة من الانقلابات العسكرية، تولى فرانسوا دوفالييه – وهو طبيبٌ اشتُهِر بمسمى «بابا دوك» (Papa Doc) – الرئاسة تحت رعاية الولايات المتحدة وأسّسَ نظامًا إرهابيًا جديدًا، وقام بذبح كلّ من يعارض إرادته. وما تبقّى من المعارضة كانت خاضعةً لسيطرته.

وبينما تمكّنت كوبا المجاورة من القيام بثورتها بقيادة فيديل كاسترو وتشي غيفارا، قمع بابا دوك أيّة معارضةٍ برزت من الشعب الهاييتي، ودرّب ميليشياتٍ عُرِفت بمسمى «تونتون ماكوت» (العصابات المسلّحة، أو – حرفيًا – «المسلّحون بالسكاكين»). اضطلعت هذه الميليشيات في عمليّات قتلٍ واعتداءاتٍ جنسية وتحكّمت بتهريب الأسلحة والمخدرات إلى المنطقة. كان ذلك النظام نظامًا وحشيًا تجاه الفقراء وخاضعًا لمصالح الإمبريالية الأمريكية.

وأثناء ستينات القرن الماضي، نظّم العديد من اليساريين الهايتيين أنفسهم داخل الكنيسة الكاثوليكية. وفي هذه الفترة، قام بابا دوك بتصفية ممنهجة لكلّ من أثّر عليهم «التأثير الكوبي» وحاكم الكنيسة الكاثوليكية. مثّل نظام بابا دوك انحطاط المجتمع الخاضع لكلّ شرور الرأسمالية. تحت رعاية واشنطن، شكّل بابا دوك نظامًا تجاريًا ضخمًا وغير قانونيّ حوّل هاييتي لمجرىً إلزاميّ لتهريب المخدرات ما بين كولومبيا وأمريكا. ومع نهاية حكمه، كانت هاييتي أفقر بلدةٍ في الأمريكيتين، حيث حملت أعلى نسبة أمّية وأعلى معدّل لوفيّات الأطفال الرضّع. مات بابا دوك عام 1971، واستُبدِل بابنه جان كلود دوفالييه المعروف باسم «بيبي دوك» (Baby Doc).

فرض بيبي دوك نظام استغلالٍ وحشيّ للعمل أفاد بشكلٍ ضخم الشركات الأمريكية متعددة الجنسيات والبورجوازية الهايتية الكسيحة، ولكنّ الطبقة العاملة قاومت. أعلن بيبي دوك حالة طوارئ استمرّت حتى عام 1985 حين احتدّت التظاهرات الشعبية وهرب بيبي دوك إلى فرنسا في طائرة تابعة لسلاح الجو الأمريكي، تاركًا في مكانه طغمةً عسكرية يقودها الجنيرال هنري نامفي.

حدث نزاعٌ ما بين الجيش الذي حكم الدولة ومهرّبي المخدرات. تبع ذلك سلسة من الانقلابات حتى تمّ الموافقة على دستورٍ جديد بسبب ضغوطٍ شعبية وفرض انتخابات رئاسية مباشرة على شكل ديموقراطية برلمانية في ديسمبر عام 1990.

جذور الأزمة الحالية

في الحملة الرئاسية لعام 1991، فاز جان برتراند أريستيد، وهو كاهن كاثوليكي سابق ومدافعٌ هاييتي عن الثيولوجيا التحرّرية بسبب حملته الانتخابية المُستنكِرة للهيمنة الإمبريالية على هاييتي، وفاز بدعمٍ شعبيٍّ ضخم حيث حصل على 67 بالمئة من الأصوات. كان أريستيد قائدًا لحركةٍ شعبية اسمها «لافالاس» (ومعناه «الطوفان» بالكريولية) ورشّح معه رئيس وزراءٍ جديرًا بالثقة. جعل أريستيد صراع ضدّ الفساد وتهريب المخدرات ومكافحة الفقر نصب عين حكومته. بعد سبعة أشهر، نُظِّم انقلابٌ عسكريّ ضده بقيادة الجنيرال راؤول سيدراس برعاية وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية.

بحث أريستيد المنفي في الولايات المتحدة عن دعمٍ دولي. كانت تلك فرصةً ذهبية كي تستعيد الإمبريالية هيمنتها على هاييتي بعد هرب بيبي دوك من أجل تأسيس تحكّمٍ عسكري مباشر على نقل الأسلحة وكبح جماح السخط الشعبيّ عن طريق إعادة أريستيد إلى الحكم. اقترحت الحكومة الأمريكية بالتالي عودة أريستيد إلى الحكم بشرط مصادقته ودعمه لوجود القوّات الأمريكية من أجل «تحقيق الاستقرار في البلاد».

قدّم الرئيس الأمريكي السابق جيمي كارتر نفسه كـ«وسيط» ووصل إلى «اتفاق» مع سيدراس: مقابل العفو التام، تخلّى الجيش عن السلطة وتمّ حلّ الجيش الهاييتي ودخلت القوات الأمريكية البلاد شهر سبتمبر لعام 1994 من أجل «ضمان عودة سيادة القانون». استعاد أريستيد الرئاسة في شهر أكتوبر وعيّن معه سمارك ميشيل كرئيس وزراء. وفي شهر أبريل من عام 1995، استبدلت القوّات الأمريكية بقوّات الأمم المتحدة.

رحّب الشعب الهاييتي بأريستيد بمسيراتٍ ضخمة. وفي انتخابات يونيو 1995، تم تنصيب رينيه بريفال، وهو مرشّح حركة «لافالاس»، حيث أيّده أريستيد – والبيت الأبيض أيضًا – كرئيس حيث حصل على 87،9 بالمئة من الأصوات. ولكنّ الشعب وقتها أراد أريستيد. ولكنّ دستور هاييتي لا يسمح بالترشيح مرّتين في انتخاباتٍ متتالية، وحصل بريفال بالتالي على أصوات سابِقِه. ولكنّ ذلك لم يتوافق مع توقّعات الفئات الشعبية، فبريفال أبقى على تواجد قوّات الأمم المتحدة ونصّب روني سمارث رئيسًا للوزراء، وهو عالم اقتصادٍ منحاز إلى واشنطن.

أعلن بريفال في شهر مارس لعام 1996 خطّته لخصخصة كلّ شركات الدولة والخدمات العامة، مما أحدث موجة إضراباتٍ ومظاهراتٍ ضخمة. وفي أغسطس من العام ذاته، ألقي اللوم على «لافالاس» بسبب اغتيال سياسييَّن بورجوازيَّين. لم يعد الوضع مستقرًا فقامت قوّات الأمم المتحدة بقمع الشعب. قطع أريستيد صلته ببريفال وكوّن «فانمي لافالاس» (عائلة لافالاس) مُعلنًا أنّه سيرشّح ذاته للرئاسة في عام 2000.

قرّرت جمهورية الدومينيك شهر يناير 1997 أن تطرد المهاجرين الهايتيين غير الشرعيين، ولكنّ القرار ألغي جرّاء مظاهراتٍ قام بها الهايتيّون بعد ترحيل 16 ألف هاييتي. كسبت المظاهرات زخمًا وقوّةً في الشارع ومكّنت تكوين حركةٍ وطنيّة ضد فرض برنامج التكييف الهيكلي الذي توافق عليه رئيس الوزراء سمارث وصندوق النقد الدولي. نزل مئات الألوف إلى الشوارع. تفاقمت الأزمة المؤسساتية ولم تتجاوز نسبة التصويت 10 بالمئة في الانتخابات التشريعية والبلدية لشهر أبريل 1997.

في هذه الفترة، وصل التعداد السكاني في هاييتي قرابة ثمانية مليون نسمة. وتصاعدت نسبة البطالة حتى وصلت 70 بالمئة من السكان النشطين اقتصاديًا. كان الجوع شائعًا في المناطق الريفية. أغلق إضرابٌ عام أعلنه المدرّسون المدارِسَ في كلّ أرجاء البلاد. ملكت الفئات الشعبية العاملة في هاييتي الشروط اللازمة لشنّ تمرّدٍ ناجح والاستيلاء على السلطة في عام 2007، ولكن بالإضافة لوجود قوّات الأمم المتحدة، كبح زخمهم عدم وجود حزبٍ ثوريّ، حيث كان التشرذم السياسي سائدًا. كانت هنالك أكثر من مئة حزب ومنظمة سياسية في هاييتي، ومع الانفصال ما بين بريفال وأريستيد وخيانة حكومة أريستيد، لم تتمكن حركة «لافالاس»، وهي لا تزال أكثر الحركات شعبية، من لعب هذا الدور.

استقال رئيس الوزراء سمارث في شهر يونيو من عام 1997 ولكنّه ظلّ مكلّفًا حتى شهر أكتوبر. وفي نوفمبر، قام الرئيس فريفال بتعيين هيرفي دينيس لمنصب رئيس الوزراء. سحبت الأمم المتحدة قوّاتها العسكرية وكوّنت شعبة «الشرطة المدنيّة التابعة للأمم المتحدة» (ميبونوه) من أجل احتواء الموجة الثورية وإضفاء طابع مهنيّ على الشرطة الوطنية الهايتية، حيث أصبحت القوة القمعية الوحيدة التي تملكها الدولة بعد حلّ الجيش في عام 1994. ظلّت بعثة الأمم المتحدة هذه في البلاد حتى شهر مارس لعام 2000.

انقلابٌ نفّذه الجيش الأمريكي

تمّ ترشيح أريستيد للرئاسة مرّةً أخرى شهر ديسمبر لعام 2000 في سيناريو مضطّرب. بينما يبيّن لنا التاريخ أنّ أريستيد يُذعِن تحت الضغط للقوى الإمبريالية ويتبع أوامرها بإخلاص، فهو على الرغم من ذلك يمثّل طموح التغيير لدى ملايين الهايتيين، والسادة في واشنطن لم يثقوا به.

اتّهمته معارضة قويّة مكوّنة من كبار ملّاك الأراضي وأصحاب الشركات والجماعات شبه العسكرية وكارتيلات المخدرات المنظمات غير الحكومية بالتلاعب في الانتخابات البرلمانية في بداية العام وقاموا بمقاطعة الانتخابات الرئاسية. الحقيقة واقعًا هي أنّهم لم يملكوا القوة الكافية لهزيمة أريستيد، حيث كان لديه دعمٌ شعبيٌّ ضخم كونه وعد بالابتعاد عن إرث خيانة حكومة بريفال. بدون وجود أيّ معارضة، انتُخِب أريستيد بإقبال قدره 50 بالمئة، وتولى المنصب شهر مارس من 2001. كانت واشنطن هذه المرة بجانب المعارضة بلا شك، وقام البنك الدولي بإيقاف المعونة السنوية، وقدرها خمس مئة مليون دولار، التي وفّرها للحكومة السابقة.

كانت السياسة الاقتصادية التي طبّقها أريستيد غامضة، فمع أنّه كان ينتقد صندوق النقد الدولي علنًا، كان يتّبع الأوامر التي أملاها عليه الصندوق بالحرف. نمت البطالة، ومعها البؤس والجوع. وصل وباء الإيدز لمستوياتٍ مُقلقة. خسر أريستيد شعبيته. ولعدم وجود أموالٍ لتنفيذ برامج اجتماعية، طالب أريستيد فرنسا بتوفير 21 مليار دولار كتعويضٍ للأموال التي دفعتها هاييتي لها أثناء القرن التاسع عشر.

وفي يناير من عام 2004، تحوّلت ذكرى مئتين عام لاستقلال هاييتي إلى تظاهراتٍ من أجل الطعام. نظّم رؤساء الشركات الهايتيّة إضراباتٍ وقامت مجموعاتٌ مسلّحة بمهاجمة مؤيّدي أريستيد في الشوارع. نقلت الصحف تقاريرًا عن اشتباكاتٍ قُتِل فيها العشرات. أعلنت الحكومة الأمريكية حينها أنّه على أريستيد أن يحقّق الاستقرار في البلاد ويضمن الديموقراطية، وطالبت المعارضة اليمينيّة باستقالة أريستيد وهدّدت بالقيام بانقلاب. قاومتهم مجموعاتٌ من أتباع أريستيد ولكن كان لدى المعارضة ثرواتٌ وموارد أضخم بكثير. صرّح أريستيد أنّه لن يستقيل ولن يترك قصر الحكم حتى لو كلّفه ذلك حياته. نزلت الفئات الشعبية بعدئذٍ إلى الشوارع.

نظرًا لكون هاييتي ليس لديها جيش (حيث تمّ حلّه في 1994)، كان من الصعب على المعارضة أن تستحوذ على السلطة عسكريًا كما قد فعلوا في السابق، فبالتالي توجّب على جنود البحريّة الأمريكية أن يختطفوا الرئيس المنتخب في التاسع والعشرين من فبراير عام 2004 وإعلان استقالته. قامت أمريكا وفرنسا بتعيين حكومة انتقالية، بينما قمعت القوّات الكندية والأمريكية المظاهرات الشعبية الضخمة المؤيدة لأريستيد، مما أدّى لمقتل العشرات، حتى وصلت قوّات الأمم المتحدة في الأول من يونيو لعام 2004 تحت قيادة الجيش البرازيلي.

بعثة الأمم المتحدة وحكومة لولا دا سيلفا البرازيلية

سبّب الانقلاب في هاييتي فضيحةً أكبر من انقلاب 2002 في فنزويلا حين اختُطِف تشافيز لثلاثة أيام. لم يكن هذا انقلابًا قاده الجيش الهاييتي برعاية أمريكيّة، بل كان انقلابًا نفّذه الجيش الأمريكي ذاته! وحدث ذلك الانقلاب في سياق مواجهة بوش أكبر تحشيدٍ عالميّ في التاريخ ضدّ الحرب في العراق، حيث نزل ملايين الناس إلى الشوارع في كلّ ركنٍ من أركان العالم. لم تُرِد واشنطن للأمر أن يبدوا كأنها تبدأ حربًا جديدةً في جزيرةٍ قريبةٍ جدًا لكلٍّ من كوبا وفنزويلا.

ولذلك كان من المهمّ جدًا للولايات المتحدة أن يبدو احتلال هاييتي العسكريّ بمظهر «بعثة إنسانيّة» ومظهر «مهمّة حفظ سلام». ولذلك كان من المهمّ أن تقود قوّات الأمم المتحدة بلدةٌ ليست إمبريالية و«تحمل سمعةً جيّدة». وقع الاختيار على البرازيل وعلى الرئيس المنتخب حديثًا إذ كان شخصيةً محترمة لدى الحركات اليسارية في كلّ البلدان: لولا دا سيلفا.

لم يتردّد لولا دا سيلفا باتّخاذ ذلك الدور. كان الرئيس البرازيلي حينها يتبع تعليمات واشنطن حتى في البرازيل، من عقد أحلافٍ مع البورجوازية وتخفيض الضمان الاجتماعي ودعم ملّاك الأراضي وزيادة فائض الحكومة لتسديد الدين الخارجي وما إلى ذلك. زعم لولا دا سيلفا حينها أنّ ذلك سيساعد البرازيل على كسب مقعد دائم في مجلس الأمن الدمويّ للأمم المتحدة.

لم تنتخب الطبقة العاملة البرازيلية لولا دا سيلفا كي تحتلّ البرازيل مقعدًا في مجلسٍ يقرّر أيّة البلدان يجب غزوها، ناهيك عن المساهمة في تلك الحروب! ولكنّ دا سيلفا كان ذكيًا ووظّف حملةً دعائيّة ضخمة مصوّرًا الأحداث على شكل «بعثة سلام» من الأمم المتحدة، بل ونظّم مباراة كرة قدم وديّة ما بين الفريقين البرازيلي والهايتي في أغسطس لعام 2004. سُمّيت المباراة بمسمّى «مباراة السلام». فازت البرازيل ستة أهداف مقابل صفر.

قامت الحركات الماركسية البرازيلية بجمع توقيعات قبل وبعد إرسال الجنود. أرسلت آلاف التوقيعات لحكومة لولا مناديةً أولًا بعدم إرسال القوّات البرازيلية، وبعد ذلك بانسحابها. ولكنّ الحكومة تجاهلت ذلك، بل ولن تعرها اهتمامًا إلّا إن احتشدت الجماهير ضدّ التدخل.

أُنشِئت «بعثة الأمم المتحدة لتحقيق الاستقرار في هاييتي» (المينوستاه) بمشاركة قوّاتٍ من البلدان التالية: البلدان التي شاركت من جيوشها كانت الأرجنتين وبينين وبوليفيا والبرازيل وكندا وتشيلي وكرواتيا والإكوادور وإسبانيا وفرنسا وغواتيمالا والأردن والمغرب ونيبال وباراغواي وبيرو والفلبين وسيريلانكا والولايات المتحدة الأمريكية وأوروغواي.

أمّا البلدان التي شاركت بقوّات الشرطة فكانت الأرجنتين وبينين وبوركينا فاسو والكاميرون وكندا وتشاد وتشيلي والصين وكولومبيا ومصر وسالفادور وفرنسا وغرناطة وغينيا والأردن ومدغشقر ومالي وموريشيوس ونيبال والنيجر ونيجيريا وباكستان والفلبين ورومانيا وروسيا ورواندا والسنيغال وسيرا ليون وإسبانيا وتوغو وتركيا والولايات المتحدة الأمريكية وأوروغواي وفانواتو واليمن.

يُلاحَظ هنا أنّه بجانب البرازيل، توجّهت قوّاتٌ من بلدانٍ أمريكية لاتينية أخرى فاز رؤساؤها في الانتخابات كتعبيرٍ عن كفاح الفئات الشعبية الكادحة من أجل التغيير في بلدانهم: الرئيس البوليفيّ إيفو موراليس، والرئيسة التشيلية ميشال باشليت، والرئيس البارغواني فيرناندو لوغو، وفي أوروغواي الرئيس تاباري فاسكيز وفي الإكوادور الرئيس رافاييل كوريا!

كُلّ هؤلاء لعبوا دورًا مشينًا تحت قيادة الإمبرياليّة، مُرسين قوّاتهم ومستخدمين الموارد المادّية والبشرية لقمع واغتيال الفقراء والمعانين في هاييتي. لم تعارض أيّ قيادة في أمريكا اللاتينية في عام 2004 احتلال هاييتي سوى فيديل كاسترو في كوبا وتشافيز في فنزويلا.

في بادئ الأمر، أعلنت الأمم المتحدة أنها ستكون بعثة طولها ستة أشهر، ولكن تمّ تمديدها لاحقًا حتى وقت حصول انتخاباتٍ رئاسية. وبعد تأخيراتٍ متعددة، أقيمت الانتخابات في عام 2006، ولكنّ أريستيد، الرئيس الذي انتخبه الشعب والمنفي حينها في جنوب أفريقيا، مُنِع من العودة لهاييتي. تم انتخاب بريفال للرئاسة مرةً أخرى. منذ 2010-2011، وفي انتخاباتٍ مضطربة أخرى وبدون أريستيد، فاز المغني والممثل ميشيل مارتيلي، المعروف بلقبه الفنّي «سويت ميكي» (Sweet Micky)، بالانتخابات وأصبح رئيسًا لهاييتي حتى بداية عام 2016. إذًا، هنالك رئيسٌ «منتخب» في هاييتي (مفروضٌ بحكم الأمر الواقع)، ولكنّ القوات ظلّت هناك! تزعم الأمم المتحدة أنّه بدون وجود قوّاتها ستقوم عصابات مهرّبي المخدرات والمختطفين بإدخال البلاد في حالة فوضى مرّةً أخرى، ولكنّ ذلك غير صحيح!

شرطة النخبة وفرق الموت

أعداد من قُتلِوا واغتيلوا على يد قوات الاحتلال خلال السنوات الأربع الماضية لا تعدّ ولا تحصى، لكن من الواضح جدًا أنّ تلك الأعداد لم تنتج عن عمليّاتٍ ضد مهرّبي المخدرات، بل تأتي من حملة القمع التي شُنّت على حركة لافالاس المعارضة للدكتاتورية التي فرضتها أمريكا والأمم المتحدة، حيث تملك هذه الحركة تأييدًا لدى الفئات الشعبية وتطالب بعودة أريستيد.

ففي قرى وعشوائيات (الفافيلا) البرازيل تقوم الشرطة بقتل السّود الفقراء تحت ذريعة الحرب على المخدرات، وليس من العجب أنّ «كتيبة شرطة العمليات الخاصة» التابعة للشرطة العسكرية في ريو دي جانيرو أقامت اتفاقًا بـ«تبادل الخبرات القتالية» مع القوات البرازيلية المنتشرة في هاييتي وبعض القوات التي أرسلت إلى الجزيرة الكاريبية قضت أسابيعًا تتدرّب في العشوائيات الواقعة تحت نطاق كتيبة العمليات الخاصة في ريو دي جانيرو.

أجرت صحيفة «فوليا دي ساو باولو» البرازيلية مقابلاتٍ مع الجنود البرازيليين العائدين من هاييتي، حيث أكّدوا أنّ مسمى «بعثة حفظ السلام» يعطي انطباعًا زائفًا حول طبيعة الأحداث في هاييتي. أحد الجنود الذي اكتفي بتسميته «سين» شرح الوضع قائلًا: «يبدو أنّ تسميتها المهمة بهذا الاسم هدفه هو تهدئة الشعب البرازيلي. الحقيقة هي أنّه لا يمرّ يوم لا يقتل فيه جنود الأمم المتحدة هايتيًا في تبادل إطلاق نار. وأنا شخصيًا متأكد أننّي قتلت اثنين، وأطلقت النار على غيرهم، لكنّي لم أتأكد إن ماتوا أم لا».

وأكثر الأمور شناعة هو أنه منذ عام 2005 قام جنود الأمم المتحدة بقتل هايتيين انتقامًا لحضورهم مظاهراتٍ من أجل انسحاب الجنود ومن أجل عودة أريستيد – أو «تيتيد» كما يسمّيه مؤيدوه. يقمع رصاص شرطة وجنود الأمم المتحدة مظاهرات عشرات آلاف الهايتيين. وفي الأيام التالية للمظاهرات الضخمة، يقوم جنود الأمم المتحدة عادةً باجتياحاتٍ في سيتي سولاي، حيث هذه المنطقة بسكّانها البالغين ثلاث مئة ألف نسمة تشكّل أكبر منطقة عشوائيات على هامش العاصمة «بورت أو برانس»، ولساعات يهاجمون منازل الناس العاديين، ويقتلون الرجال والنساء والأطفال. لا يُقتل كبار السن ببساطة لندرتهم، حيث متوسّط العمر المتوقع هو 49 عامًا!

في هذه الاجتياحات – إذ وصفها بعض الصحفيين الحاضرين في هاييتي بـ«العقاب الجماعيّ» – يقوم الجنود بإطلاق النار من داخل مدرّعات وطائراتٍ عمودية. يموت نتيجة ذلك العديد من الناس، أغلبهم من الأطفال، في أسرّتهم أثناء نومهم، برصاصٍ ذو عيارٍ ثقيل يخترق سطوح منازلهم.

بعد عدّ القتلى والحداد عليهم، يعود فقراء سيتي سولاي للاحتجاج ويُقمعون مرّةً أخرى! حين يُفرض على شعبٍ أعزل كهذا مواجهة قوّاتٍ أجنبية بهذه القوة، قد يشهد هذا الشعب إبادة جيلٍ كامل جسديًا ونفسيًا، وهذا هو هدف الأمم المتحدة: الإجهاز على حركة لافالاس وأيّ فرصة لمقاومة المخططات الإمبريالية.

ومن يسعى للتنظيم أو المشاركة في حركات المقاومة يتم اغتيالهم أو حبسهم من غير تهمة بشكلٍ غير قانونيّ. وبعد سجنهم يُعذَّبون وكثيرًا ما يتعرضون لاختفاءٍ قسريّ تنفّذه الشرطة الوطنية، حيث تعرّضت أعدادٌ لا تحصى من السجناء السياسيين والنشطاء للاختفاء القسريّ، ويشير صحفيّون مستقلّون أنّ عدد من قُتِلوا أو اختفوا قسريًا تجاوز العشرين ألف شخص خلال العشر سنواتٍ الماضية!

الأوضاع المعيشية في هاييتي المحتلة

يعاني الهايتيون من مخاطر أخرى عديدة في حياتهم وكأنّما أعداد القتلى التي سببتها القوات الأجنبية والشرطة الوطنية لا تكفي:

الجوع: من منا لم يفزع برؤية الصور المتلفزة لـ«كعك الطين» الذي يأكله الهايتيون؟ حين لا يوجد لدى الهايتيين ما يؤكل، يأخذون موادهم الغذائية مباشرةً من التربة. ليس من الصعب أن تقابل شخصًا في هايتي فقد طفلًا في عائلته بسبب الجوع. يعيش أكثر من 80 بالمئة من الشعب تحت «خط الفقر»، ولكنّ الأمور ستزداد سوءًا! فمع الأزمة الاقتصادية تزايدت أسعار المأكولات في هايتي. في 2008، ارتفع سعر 23 كيلو من الأرز من 35 دولار حتى 70 دولار. بينما سجّلت أسعار الذرة والبقوليات وزيت الطبخ ارتفاعًا قدره 40 بالمئة. اندلعت مظاهراتٌ شعبية ضخمة بسبب ذلك، حيث قام الناس بسرقة محلّات الأطعمة وبنوا متاريسًا من الإطارات المحروقة في الشوارع. أخمدت قوّات الأمم المتحدة هذه التظاهرات بالرصاص. واليوم 80 بالمئة من الأرز المستهلك في هاييتي يُشترى من أمريكا برسوم استيرادٍ عالية.

المرض: يحمل حوالي 300 ألف هاييتي (أو 4 بالمئة من السكان) فيروس نقص المناعة البشرية. وتعاني الفئات الفقيرة من أوبئة أخرى مثل الملاريا ومرض السل. ويقف معدّل وفاة الرضع عند 57 من كل 1000 رضيع، وتصل نسبة الوفاة أثناء الولادة 630 لكل مئة ألف ولادة. وهنالك شحٌّ في الأدوية الأساسية في الصيدليات، وشحٌّ في الصيدليات ذاتها، وشحٌّ في الأطباء والموارد والبنى التحتية في المستشفيات. وفي أغلبيه الأحياء، لا يوجد نظام شبكة مجاري أو جمع نفايات، ومستوى التلوث في مياه الشرب عالٍ جدًا. يفاقم نقص النظافة والصرف الصحي المشاكلَ الصحية ويزيد من خطر الإصابة بالعديد من الأمراض التي يمكن الوقاية منها بسهولة. وفي عام 2010، بعد الزلزال المدمر الذي حدث، انتشر وباء كوليرا مدمّر في أوساط الشعب وأدّى لوفاة الآلاف في شهورٍ قليلة.

الاستغلال المفرط للعمالة: وفق تصريحٍ لرئيس رابطة المحامين البرازيليين أندرسون بوسينغر كارفالو، لدى الاحتلال العسكري الدولي بقيادة البرازيل «مصلحة في استغلال العمالة الهايتية من خلال المناطق الحرّة». كثيرًا ما تتجاوز ساعات العمل اليومية 12 ساعة والحد الأدنى للأجور، الذي تمّت مضاعفته في عام 2008، يبلغ ما يعادل 120 دولارًا شهريًا، وهو يدعو لاحتفال الشركات الرأسمالية الأمريكية والكندية والدومنيكية. شجبت النقابات الحرفية الهايتية تزايد «الماكيلادوراس» في البلاد، وهي مصانع تجميع على غرار مصانع التجميع المكسيكية. دخلت الحكومة البرازيلية منذ 2006 في محادثاتٍ متواصلة مع الحكومة الأمريكية حول القطاعات التجارية البرازيلية الراغبة في إنشاء فروعٍ في هاييتي من أجل تصدير المنتجات إلى لولايات المتحدة. ولكنّ عمال المصانع لا يشكّلون إلا 3 بالمئة من العمّال النشطين في البلاد. الغالبية العظمى يعملون في القطاعات غير الرسمية أو في الريف حيث أوضاع العمل أكثر تأرجحًا. والموت بسبب الإرهاق أثناء العمل في الريف ليس بأمرٍ غير اعتياديّ.

الأعاصير: تخيّل كل هذه المشاكل مجتمعة. تنشأ أعاصيرٌ كثيرة وعواصف استوائية في المحيط الأطلسي وتسير باتجاه جنوب شرق الولايات المتحدة، وفي طريقها تمرّ بجزر الأنتيل. حتى في الأوقات التي لا تمسّ فيها الأعاصير والعواصف هاييتي وفقط تمرّ قرب الشاطئ، فهي تسبب دمارًا شاسعًا حيث يرتفع مستوى سطح البحر مما يؤدي لفيضاناتٍ في الأنهار. ضرب غوناييف وهي المدينة الرئيسية في الشمال في عام 2004 إعصار جين ودفنت المدينة انهياراتٌ طينية ارتفاعها ثلاثة أمتار. مات ثلاثة آلاف شخص تقريبًا. حدث ذلك مباشرةً بعد انتشار عساكر الأمم المتحدة في البلد. حطّمت الحكومة الانتقالية كلّ الأرقام القياسية للفساد: أجبر من خسروا كلّ ممتلكاتهم على تسديد رسوم الحصول على بطاقة هوية تعطيهم حق الحصول على دعم الحكومة، وذلك بعد أن خسِروا منازلهم بسبب الإعصار، وفي المقابل نرى أنّ العديد من المنظمات غير الحكومية (NGOs) تحصل على كمّيات ضخمة من الأموال على شكل مساعدات إنسانية دولية ولكن لا أحد يعلم أين تُصرف تلك الأموال. في عام 2008، ضرب البلاد أربعة عواصف أخرى (هانا، غوستاف، إيك، وفي) مما سبب دمارًا شاسعًا ومئات الوفيّات. طلبت الحكومة الهايتية حينها أن تُرسل التبرعات مباشرة إلى الحكومة وليس إلى المنظمات غير الحكومية، وأشارت تقارير صحفية لأخبارٍ عن ضياع أطعمة كان يجب أن ترسل إلى المشردين (حيث تجاوز عددهم العشرين ألفًا). وِوفق ما كتبه وادنر بيير في «هاييتي أناليسيس» حول الفساد:

دمّر إعصار جين هاييتي عام 2004، بعد ثمانية أشهر من الانقلاب الذي أسقط جين بيتراند أريستيد. استلم جيرار لاتورتو، وهو رئيس وزراء الحكومة الانتقالية والرئيس الصوري لدكتاتورية الأمم المتحدة ومن مواليد غوناييف، أموالًا من العالم كلّه لدعم إعادة إعمار المدينة. ولكن، وبصورةٍ مخزية، لم يستفد الضحايا من هذه الأموال إلّا قليلًا. تقع غوناييف تحت مستوى سطح البحر ولكن لم يبني أحد سدودًا بعد الإعصار العديد من الشوارع لم يتم إصلاحها. والنتائج الصغيرة التي حُصِدت من الدعم الدولي لم تعزّز إلا الاعتقاد القائم في غوناييف أنّ أصدقاء لاتورتو والمنظمات غير الحكومية الفاسدة ببساطة سرقت تلك الأموال.

زلزال 2010 يسقط القناع عن «بعثة حفظ السلام»

نعيد هنا نشر مقتطفٍ من مقال كتبناه بعد أيامٍ قليلة من الزلزال الذي أدّى لوفاة ثلاث مئة ألف هايتي في يناير 2010:

حرّكت الأخبار والصور التي بُثّت من هاييتي يوم الثاني عشر من يناير حين دمّر زلزالٌ قويّ عاصمة البلاد والعديد من المدن عواطفنا جميعًا. تنقل وكالات الأخبار الدولية تقاريرًا أولية عن سبعين ألف جثة محترقة ومدفونة في مقابر جماعية. يقدّر بعض المحللون عدد الوفيات بمئة ألف، وآخرون بمئتيّ ألف وغيرهم بخمس مئة ألف. أكثر من ثلاثة ملايين هايتي تشرّدوا، أي ثلث سكّان البلاد!

كانت هنالك تقاريرٌ أيضًا عن «تزايد أعمال العنف». ونقل صحافيّون أخبارًا عن أنّ الناجين كانوا يعانون من الجوع والعطش وبدأوا بنهب المحلّات التجارية بحثًا عن الطعام، وحسب ما نقلته وكالة الأنباء الإسبانية حينها:

أشار اثنان من كبار المسؤولين الأمريكيين اليوم إلى كون حالات العنف المتفشية في شوارع هايتي، ومع أنّها حالاتٌ فردية، تشكّل مشكلةً أمنية تعرقل الجهود الإنسانية في هايتي. قام كلٌ من الفريق ونائب قائد القيادة الجنوبية للجيش الأمريكي كِن كين ومعه مدير الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية راجيف شاه بإلقاء تحذيراتٍ في عدّة برامج حوارية يوم الأحد على التلفاز الأمريكي، حيث قال الفريق كين الذي يقوم بتنسيق أنشطة القوات المسلحة الأمريكية للإنقاذ وإعادة الإعمار لقناة سي إن إن: «إنّها حالاتٌ فردية، ولكنّها تقلقنا ويتوجب علينا التعامل مع هذه المشكلة. علينا أن نؤسس بيئة آمنة من أجل أن ننجح في مهمة الإعانة الإنسانية».

ولكن لماذا، بعد أسبوعٍ كامل من الزلزال، اضطر الهايتيون الناجون لنهب المحلات بحثًا عن الطعام إن كان مطار بورت أو برانس وِفق التقارير الصحفية ازدحم بالأطعمة والأدوية والماء القادم من كلّ أنحاء العالم لمساعدة ضحايا الزلزال؟ الحقيقة هي أنّ كثيرًا من المساعدات التي وصلت لم يتم توزيعها على المشرّدين! ووفق ما شرحته وكالة الأنباء الإسبانية حول الأوضاع حينها:

يشتكي العديد من الضحايا من كونهم لم يستلموا أيّ مساعدات على الرغم من أنّ مطار بورت أو برانس عانى من اختناقاتٍ بسبب وصول العديد من الطائرات بحمولاتٍ من الأطعمة والأدوية…يتحدث بوبين بريستو القاطن في كوخٍ مصنوع من أربعة لوحات قماشية على تلة بيغايفيل المُترِبة حيث تتغلغل رائحة البراز كلّ شيء عن وضعه قائلًا: «أعلم أنّني خلال الثلاثة أيام الماضية لم آكل سوى وعاءً واحدًا من الأرز أعطاني إياه جاري».

وأشارت صحيفة فوليا دي ساو باولو في الفترة ذاتها:

تحذّر وكالات المساعدة الدولية من أنّ العديد من الهايتيين المشرّدين أو المصابين يموتون الآن على الرغم من محاولة فرق الإعانة تجاوز الفوضى في تنظيم إيصال الإعانات. انتقد بعضهم حسب تقريرٍ لصحيفة «الغارديان» البريطانية التحكم الزائد التي تمارسه الولايات المتحدة كجزءٍ من المشكلة. وتشير منظّمة «أطباء بلا حدود» إلى كون الارتباك الناتج حول مسألة من يدير جهود الإعانة – الأمريكيون أو الأمم المتحدة – عرقل إيصال المساعدات للآلاف، حيث قال بينوي ليديو وهو قائد عمليات المنظمة في بورت أو برانس للصحيفة أنّ التنسيق ما بين الجهتين «إمّا ليس موجودًا أو هو فاشلٌ حتى الآن».

برهن المقدار الضخم للإعانات التي وصلت لهاييتي تضامن العالم أجمع، مما يفنّد مزاعم من يلومون «الطبيعة البشرية» كسببٍ الظلم والتفاوت في أنحاء الكوكب. تجاوبت البشريّة بسرعة بتضامنٍ وتعاون، ولكنّ العائق كان نظام التنافس ما بين الأفراد، نظامٌ مبنيّ على الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج: الرأسمالية.

وإخضاعُ الحاجات البشرية هذا لحاجات رأس المال هو ما أوصل الأوضاع المعيشية في هاييتي إلى لوضع المريع التي كانت عليه حتى قبل الزلال، بل هو ما فاقم وضاعف آثار هذه الكارثة الطبيعية. وبالإضافة إلى إخضاع حاجات الناس لرأس المال، لدينا مسألة جنود الأمم المتحدة. ففي آخر المطاف، عوضًا من أن ترسل الولايات المتحدة إحدى عشر ألف جنديٍّ إضافي «لمواجهة مشكلة العنف» و«ضمان بيئةٍ آمنة» في هاييتي، ألم يكن على جنود الأمم المتحدة أن ينخرطوا في توزيع المساعدات القادمة من بلدان أخرى؟ وفي الأماكن التي يصعب الوصول إليها، ألم يكن على الجنود أنفسهم أن يتحرّكوا ويبادروا بفتح المحلات من أجل توزيع الأطعمة على الناجين؟

يشير تقريرٌ لطالبٍ برازيلي اسمه أوتافيو كاليغاري جورجي كان في هاييتي قبل وأثناء وبعد الزلزال مع مجموعة من الأنثروبولوجيين من جامعة ولاية كامبيناس بكلّ وضوح:

ماذا فعلت البرازيل والأمم المتحدة خلال ست سنوات من احتلال هاييتي؟ المنازل هنا طينية، وهنالك شحٌّ في المستشفيات والمدارس، والقمامة في كلّ مكان. هل حلَّ وجود آلاف من الجنود من كلّ أنحاء العالم أيًا من هذه المشاكل؟!

تنفق الأمم المتحدة خمس مئة مليون سنويًا لتحويل هاييتي إلى أرض تدريباتٍ عسكرية. كنّا صباح الأمس في مقرّ الكتيبة البرازيلية (برابرات) وهي الكتيبة البرازيلية الرئيسية في بعثة الأمم المتحدة لحفظ السلام. وحين سألنا العقيد بيرنانديس حول مصالح البرازيل في احتلال هاييتي عسكريًا، لم يتردد: يستفيد الجيش البرازيليّ من هاييتي بالتأكيد كحقل تجارب (نعم، حقل تجارب!)  يتعلم منها كيفية احتواء الانتفاضات في العشوائيات البرازيلية (فافيلا). وأضاف أنّه لسوء الحظ، هذا أفضل ما يمكننا القيام به من أجل هذه البلاد.

واليوم، الثالث عشر من يناير، يتساءل الشعب الهايتي أكثر من أيّ وقتٍ مضى: أين هي بعثة حفظ السلام حين أصبحنا بأشدّ الحاجة لها؟ بإمكاني أن أجيب: بعثة الأمم المتحدة تزيل حطام الزلزال من الفنادق الفخمة حيث يقطن الزوار الأجانب الأغنياء. ولست أقف ضدّ هذه الإجراءات، فمع أنّنا أجانب وبِيض فنحن قد نحتاج أيضًا لمساعدة بعثة حفظ السلام. ولكنّ الواقع هو أنّ ذلك يبرهن النتيجة المحتملة لمثل هذه الكارثة: سيكون الشعب الهايتي آخر من يتم مساعدته، ذلك إن تمّت مساعدته! ما رأيناه في المدينة اليوم وما سمعناه من الهايتيين هو التالي: لقد تمّ التخلي عنّا.

لبّت الشرطة الهايتية، وهي هزيلة وصغيرة، دورها بكلّ إخلاص: حماية المتاجر الكبرى التي عصف بها الفقراء والجوعى. كالعادة، يُقدّمون الأملاك الخاصة على حياة البشر.

تشير معلوماتٌ من الصليب الأحمر أنّه بعد ستة أيام من الزلزال تضاعف سعر الخبز في هاييتي وأنّ «البحث عن جثث الضحايا توقف، يبحث الناس الآن في أوساط الركام عن أيّ شيءٍ نافع أو عمّا يؤكل». كان يمكن تصنيف أوضاع البلاد قبل الزلزال الكارثية، وقوّات الأمم المتحدة لم تقم إلّا بالحفاظ على هذه الأوضاع كما هي!

ولكيلا يراود أحد القرّاء أدنى شك، سننظر فيما قاله أنري بويرولين رئيس «لجنة الديموقراطية الهايتية» على الموقع الأرجنتيني «ريزومين لاتينواميريكانو» في مقابلةٍ أجريت عام 2009:

ممارسات قوّات الأمم المتحدة في هاييتي أمرٌ سيثير حنق أيّ إنسانٍ يملك إحساسًا. في بلدٍ حيث 70 بالمئة من السكان النشطين اقتصاديًا عاطلون عن العمل، حيث معدل وفيات الرضع تتجاوز الثمانين لكل ألف ونسبة الأمية تتجاوز 70 بالمئة في الريف و50 بالمئة في المدن، وحيث متوسط العمر المتوقع لا يتجاوز الخمسين عامًا. نحن نتحدث عن بلادٍ دُمِّرَت هياكلها الاقتصادية، وحيث 60 بالمئة من ميزانية البلاد تأتي من المساعدات الدولية ومن الحوالات المالية القادمة من الهايتيين العاملين في الخارج. بالتالي، أن تقترح أنّ حلّ هذه المسألة سيكون بالدبابات والطائرات النفاثة والعمودية لهو أمرٌ خاطئٌ وقاسٍ.

ماذا فعل هؤلاء «المنقذون»؟ اغتصبوا الفتيات والنساء الهايتيات وضربوا وعذّبوا الشباب. ولسنا نحن فقط من نقول ذلك، ولكنّ تحقيق الأمم المتحدة ذاتها في ممارستها يؤكد هذه الحقائق، ولكنّ «حلَّهم» كان أخذ بعض الجنود وإعادتهم إلى بلادهم، وذلك لأنّه وِفق اتفاقية قرار 545 التي سمحت بدخول القوّات في الأول من يونيو لعام 2004، لا يحق لهاييتي محاكمة أيّ جنودٍ أجانب حتى لو ارتكبوا جرائمًا ضدّ الإنسانية. أيوجد خضوعٌ أدنى من هذا؟!

بإمكاننا أن نرى على سبيل المثال في بورت أو برانس في بعض الأحياء الثريّة، نرى في الليل (لعدم وجود أيّ حياة ليلية في هاييتي أو أنوار أو أيّةٍ من الخدمات التي نجدها في بلدانٍ أخرى) مواكب مستمرة لسيارات الأمم المتحدة الواقفة أمام أفضل الحانات والمطاعم، حيث ينفق هؤلاء دولاراتٍ كثيرة بينما ينام أهل البلد في الشوارع.

هذا الأمر يدعونا لمراجعة المزاعم التي أصدرتها بعض الحكومات، إذ تقول أنّ هدف القوات الأجنبية هو بالخصوص المساعدة في الأوقات السيئة، حين تحدث أعاصير أو غيرها من الظواهر الجوية. ولكنّ ذلك ليس اهتمامهم فعلًا، بل العكس من ذلك تمامًا. إن احتلال هاييتي ليس إلّا مخططًا جديدًا لإخضاع الانتفاضة الشعبية في بلدٍ لا تملك الطبقات الحاكمة فيه أيّ فرصةٍ بالفوز في الانتخابات بنزاهة. من الضروري بالتالي أن تُفرض استراتيجيةُ هيمنة باستخدام قوّة السلاح. هذا هو الدور الحقيقيّ للمحتلّين.

ولكلّ من يقول أنّ قوّات الأمم المتحدة أفضل من القوات الأمريكية، نقول أنّ العكس صحيح. فحين كانت القوات الأمريكية هنا، كنا نعرف من هو عدوّنا بوضوح وبذلك نتمكن من مواجهته، ولكن الآن نجد إخواننا من أمريكا اللاتينية من حكوماتٍ يُفترض أن تحمل نظرةً مختلفة تجاه حياة الهايتيين، ومواجهتها صعبة. لقد ذهبت للأحياء التي أعاثت فيها هاته القوّات الخراب، وسمعت في قلوب هؤلاء الناس السخط الذي يروون به قصص القصف في أوّل ساعات الصباح من أجل تصفية ما يُزعَم أنّها عصاباتٌ متواجدة في هذه الأحياء، أو حين تأتي جماعةٌ من الجنود يقتحمون الأبواب ويجرّون السكان المذعورين خارجًا. لم يعد هنالك مجالٌ للكذب: ليس هذا إلّا احتلالًا صريحًا لجمهورية هاييتي. ومهما استمرّ هذا الوضع ستستمرّ مقاومته.

ولكنّ من يحاولون مقاومة أو تنظيم مظاهراتٍ ضدّ الاحتلال العسكريّ يتم وصمهم بالمجرمين مباشرةً، فيصنّفون كمهرّبي مخدرات أو مختطفِين أو غير ذلك ويتم محاكمتهم وسجنهم وتعذيبهم وإخفاؤهم قسرًا، كأنّ ذلك نظامٌ فاشستيّ حقيقيّ. وكما هو الأمر في البرازيل، تعامل الشرطة الهايتية الناس في الأحياء والمجتمعات الفقيرة دائمًا كمشتبهٍ بهم. دعنا هنا نلقي نظرة على ما قاله إيدموند موليت وهو المبعوث الخاص للأمم المتحدة لهاييتي في يناير من عام 2007 في مؤتمرٍ صحفي:

هنالك قطاعاتٌ عديدة لا يعجبها وجودنا هناك. ذلك أمرٌ صحيح وهم يحملون كراهيةً شديدة تجاهنا. إنّهم أولئك الذين صنّفناهم كأناسٍ منخرطين في تهريب المخدرات، والمستفيدين من إمكانية الإفلات من العقوبة وانعدام القانون والدولة والمؤسسات، وأولئك المستفيدين من التهريب…

المساعدات الإنسانية

أوضح أنري بويرولين في مقابلةٍ له أجريت عام 2009 ما يحتاجه الهايتيّون: «نحن نطلب تضامنًا من الناس لكي تفهم حكومات أمريكا اللاتينية أنّ طريقة الحلّ هذه ليست صحيحة، فهاييتي لا تحتاج جنودًا. ما نحتاجه هي مساعداتٌ من النوع الذي وفّرته كوبا وفنزويلا، فهذا نموذجٌ حقيقيّ للإعانة والإنسانية واحترام استقلالنا وسيادتنا».

بينما أعلنت الولايات المتحدة إرسال عشرة آلاف جنديّ إضافي إلى هاييتي بعد يومين من الزلزال، أعلن فيديل كاسترو أنّ الأطباء الكوبيّون الأربع مئة الذين أُرسلوا بعد يومٍ من الزلزال قد بدأوا بالفعل بإنقاذ الأرواح في العديد من قرى ومدن هاييتي، وكانت أوّل طائراتٍ تصل بالأدوية والأطعمة والأطباء ورجال الإطفاء قد قدمت من فنزويلا. ولكن في المقابل، قرّر مجلس الأمن للأمم المتحدة في التاسع عشر من يناير لذلك العام إرسال ثلاثة آلاف وخمس مئة جنديّ تحت مظلة المينوستاه! لِم هذا القرار؟ لم ترسل جنودًا لمكانٍ يحتاج فيه الناس لأدوية وطعام وماء ومهندسين ومدرّسين؟!

استنشدت الأمم المتحدة حكومات العالم طالبةً منهم جمع تبرعات تصل إلى 575 مليون دولار لمساعدة هاييتي بعد الزلزال. أعلنت الأمم المتحدة بعد حين أنّها جمعت تبرّعات قدرها 19 بالمئة من المقدار المطلوب، أي 110 مليون فقط!

هنا تسقط كلّ الأنقعة من على أوجه الرأسماليّين وأنصار هذا النظام المتعفّن. لقد رأينا ما جرى أعقاب الأزمة العالمية لعام 2008. تبرّعت الحكومات الرأسمالية وبنوكها المركزية على مدى بضعة أشهر بأكثر من 16 ترليون دولار من الأموال العامة لحفنة بنوك! بهذه الأموال يمكن توفير الطعام إلى الأبد لألف بلدٍ كهاييتي. ولِمَ نحتاج المنظمات غير الحكومية؟ أمِن أجل استنزاف الأموال كما فعلوا عام 2004 في هاييتي! هنالك أموالٌ ومواردٌ كافية لكلّ سكان الأرض!

من أجل إنقاذ حفنة من البنوك، يُتبرّع بمليارات الدولارات! ومن أجل محاربة الجوع الذي يعاني منه قرابة مليار إنسانٍ على هذا الكوكب، آلاف المنظمات غير الحكومية! ومن أجل بلدٍ دمّرها زلزال، يزيدون عدد الجنود! هذا هو الوجه الحقيقي للنظام الحقيقي الذي لا يسمح بمستقبلٍ جيّد للبشرية.

وكلّهم يتباكون. في مواجهة الصور المتلفزة يتباكون على آلاف الهايتيين الذين خسروا أرواحهم في الزلزال. والجنود المدجّجون بالسلاح ببندقياتهم ذات العيار الثقيل ودباباتهم وطياراتهم العمودية التي أرسلت من أجل «تهدئة» الهايتيين أصبحوا اليوم أبطالًا ومنقذين، ولكن هذا الوضع لن يستمرّ لوقتٍ طويل، فهم سيحاولون قريبًا الدوس بأحذيتهم على رؤوس الهايتيين، وذلك لأنّهم يخافون من زلزالٍ من نوعٍ آخر: زلزالٌ اجتماعيّ، زلزالٌ مثل الزلزال الذي هزّ هاييتي قبل أكثر من مئتي عام. انتفاضة العبيد الناجحة الوحيدة منذ العصور القديمة والتي أنجبت أوّل جمهوريّة سوداء في العالم! وفي كلّ مرة يحسون بهزّة، بإشارة صغيرة تنبئ بحدوث ذلك الزلزال، ييأسون ويزيدون أعداد جنودهم، يستجيبون برصاصهم! ولكنّ مسيرة التاريخ لا يمكن إيقافها، وهذا الزلزال لن يهاود! سيصرعُ الرأسمالية، ومعها أزماتها وضرائبها وأسعارها ومنظماتها غير الحكومية ومعدلات أرباحها وجنود فرض سلامها وماكيلادوراتها وبنوكها.

المصدر: إن ديفينس أوف ماركسزم