البنك الدوليّ: النهب بوجه إنساني

inequ

بِقلم: بول ديماتو وأحمد شوقي

الشعار المكتوب في أعلى موقع البنك الدولي على شبكة الإنترنت الدولي يقول: «نعمل من أجل عالمٍ خالٍ من الفقر». يوفّر هذا الموقع استعراضًا عام لتاريخ البنك وأهدافه، وفي القسم المعنون «لماذا نحتاج البنك الدولي؟» نجد العبارة التالية: «البنك الدولي هو مؤسسة تنمية هدفها تخفيض الفقر عن طريق التشجيع على النموّ الاقتصادي المستدام في الدول العضوة». حين كان لورنس سمرز كبير الخبراء الاقتصاديين لدى البنك الدولي (وقبل عمله في إدارة بيل كلينتون)، أرسلَ مذكّرة لموظّفي البنك الدولي في عام 1991 كشفت جانبًا آخر لهذا البنك لا نجده معروضًا في ترويسة موقعه، كتب فيها:

بيني وبينكم، أليس على البنك الدولي أن يشجّع على زيادة هجرة الصناعات القذرة للدول الأقل نموًا؟

لست أجد عيبًا واحدًا في المنطق الاقتصاديّ وراء رمي حمولاتٍ من النفايات السّامة في أقلّ البلدان أجورًا، ويجب أن ندعم هذه الحجّة

لطالما آمنت أنّ البلدان ذات التعداد السكاني الصغير في أفريقيا ليست ملوّثةً بشكلٍ كافي؛ وجودة هوائهم من الأرجح أن تكون منخفضةً جدًا وبشكلٍ غير فعّال مقابِل مدنٍ مثل لوس أنجلوس ومدينة المكسيك.

وإدخال عنصرٍ سام يؤدي لتغيّرٍ قدرُه واحد في المليون في احتمال الإصابة بسرطان البروستات ستكون أخطارُه في بلادٍ يمكن للناس أن يصِلوا سنّ البلوغ ليصابوا بسرطان البروستات أعلى بكثير من بلادٍ معدّل وفيّات الأطفال تحت الخامسة فيها تعادل مئتان لكلّ ألف.

مع أنّ البنك الدولي قدّم اعتذارًا بسبب هذه المذكّرة، فتصريح لورنس سمرز يكشف ممارسات البنك الدوليّ الفعلية أكثر ما تبيّن لنا التعبيرات المعسولة على موقعها الإلكتروني. لم تكن تعليقات لورنس أفكارًا راكدة، فأحد نتائج اندفاع البنك الدولي وصندوق النقد الدولي لإدخال السياسات النيوليبرالية هذه في أفريقيا كان تحويل القارّة لمكبّ نفايات للمواد الخطرة.

فتحرير ضوابط التجارة يتضمّن نزع أغلب القيود على الواردات من أجل تسهيل الاستثمار الأجنبي. ومن أجل جذب الشركات الأجنبية، خلقت العديد من البلدان الأفريقية مناطق تجارة حرّة، وبسّطت عملية الاستثمار وأقرّت بسياساتٍ صناعيّة جديدة. ونتيجةً لذلك، فالمنتجات التي لا توافق الإرشادات البيئية لدول الشمال العالمي تُباع في القارة الأفريقية، وعمليّات الإنتاج ذات التلوث الشديد مثل الحرير الصخري ولبّ الورق انتقلت مراكزها لأفريقيا. إذًا، مقترح كبير الخبراء الاقتصاديين السابق في البنك الدولي بأن تستورد البلدان الأفريقيّة النفايات السامة والصناعات المُلوِّثة هو الآن أمرٌ واقع في العديد من الدول الأفريقية.

البنك الدوليّ كأداة للسياسات الأمريكية

أنشأ المنتصرون في الحرب العالمية الثانية البنك الدوليّ جنبًا إلى جنب مع صندوق النقد الدولي في بريتون وودز عام 1944، حيث رُوِجَ للبنك الدولي في بادئ الأمر كمؤسسة بإمكانها ضمان قروضٍ لإعادة إعمار أوروبا والنهوض بمشاريع تنمية البنى التحتية في البلدان الأقلّ نموًا. ولكنّ دوره سرعان ما أصبح دورَ مُقرِض لمشاريع التنمية في البلدان الفقيرة والبلدان النامية ومنشئٍ لها.

تُدير البنك 182 حكومةٍ عضوة، ولكن ليس على أساس صوتٍ واحد لكلّ بلد، فالحكومات التي توفّر مالًا أكثر تحصل على أصواتٍ أكثر. ولكون الولايات المتحدة أكبر مساهمٍ في البنك، فهي تملك الحصّة المُسيطرة، لقبضها على 15 بالمئة من أصوات البنك. تملك الولايات المتحدة وألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة واليابان مجتمعاتٍ 40 بالمئة من الأصوات. يحصل البنك الدولي على تمويله من قروض القطاع الخاص، ولكن لأنّ البنك تدعمه صناديق الحكومات العضوة، بإمكانه الحصول على القروض الخاصة بفوائد منخفضة، وهو بدوره يقرض البلدان الفقيرة بفوائد أقل مما كنّ ستحصلن عليه لو ذهبن مباشرةً للبنوك الخاصة.

ووفق تقاليد البنك، كان رئيسه دائمًا منذ عام 1944 مواطنًا أمريكيًا، حيث يلخّص أحد الكتّاب دور البنك الدولي قائلًا:

كبار مساهمي البنك هي البلدان الصناعية في الكتلة الغربية – الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا الغربية واليابان. تمّ تأسيس البنك عام 1944 بغرض إعانة إعادة الإعمار بعد الحرب، ولكنّ البنك في السنوات الأخيرة أصبح يركّز على ترويج النشاطات الاقتصادية في بلدان العالم الثالث. «غرضه الرئيسيّ» على حدّ تعبير إحدى منشوراته هو تخصيص القروض لمشاريعٍ محددة مثل المدارس والسدود والشوارع وإنتاج المحاصيل ومصانع الأسمدة. وصل حجم هذه القروض لمليارات الدولارات.

نمت للبنك الدولي سمعةٌ أثناء الحرب الباردة كداعمٍ للدكتاتوريّات العسكرية والأنظمة القمعية، فقد أعار 195 مليون دولار لهولندا في عام 1947 أثناء شنّها حربًا ضدّ الاستقلال الإندونيسي. أعار البنك ملايين الدولارات لجنوب أفريقيا وللبرتغال أيضًا أثناء شنّها حروبًا دموية للإبقاء على مستعمراتها في أنغولا وموزمبيق. ووصلت قروض البنك للدكتاتوريات العسكرية في تشيلي والأرجنتين والفلبين ورومانيا. وبينما قطع البنك قروضه لحكومة أييندي التشيلية المنتخبة ديموقراطيًا عام 1972، فقد أعاد للبلاد القدرة على الاقتراض حين تمّ إسقاط أييندي في انقلابٍ عنيف قاده الجنرال أوغوستو بينوشيه مدعومًا من وكالة المخابرات المركزية الأمريكية. وسياسات الإقراض الخاصة بالبنك الدولي ليست المؤشر الوحيد على دوره كأداةٍ لسياسات أمريكا الخارجية. بعد أن شغل روبرت مكنامارا منصب وزير الدفاع الأمريكي، عيّنه الرئيس الأمريكي جونسن كرئيسٍ للبنك الدولي.

في كلّ عام، يضطلع البنك في حواليّ 250 مشروعًا في أرجاء العالم. وغرض هذه المشاريع الرئيسي كان بناء بنىً تحتية تتيح الموارد والأراضي غير المستخدمة في بلدٍ معيّن لاستغلال أشدّ مِنَ الرأسماليين الأجانب بالأخص ومعهم الرأسماليين المحلّيين. باشر البنك الدولي تاريخيًا في مشاريع ضخمة كان لها – في حالاتٍ عديدة – آثارٌ بيئية خطيرة على البلدان المتأثرة. على سبيل المثال، في عام 1981 قدّم البنك الدولي 320 مليون دولار للبرازيل لتمويل مشروع تنمية مناطقيّ تضمن بناء طريقٍ سريع معبّد ومعه سلسلة شوارع ثانويّة للتشجيع على استيطان المناطق وزيادة المشاريع الزراعية في الغابات في غرب البرازيل ووسطها. أنتج هذا البرنامج المسمّى «بولونورويستي» تصحّرًا شاسعًا واختراقاتٍ لأراضٍ يسكنها 9000 من السكان الأصليين عاشوا في المنطقة وأدى لاشتباكاتٍ عنيفة ما بين المستوطنين والسكان الأصليين. وبسبب تسليط الأضواء على هذه الفضيحة، حاول البنك الدولي أن يحسّن صورته بمطالبة البرازيل بتلبية شروطٍ معيّنة لحماية السكان الأصليين والبيئة. وفي غضون شهرين فقط، أعلن البنك الدولي أنّه راضٍ عن النتائج واستمرّ في التمويل. علاوةً على ذلك، استثمر البنك الدول بأكثر من 300 مليون دولار في منطقة نهر الأمازون بهدف استخراج خام الحديد – وهو مشروعٌ هدّد حياة 5000 من السكان الأصليين بالفيضانات واختراقاتٍ لأراضيهم. وفي عام 1991، حكم البنك على ثلث مشاريعه بأنّها فشلت.

البنك الدولي وسياسات التكييف الهيكلي

مثل توأمِه صندوق النقد الدولي، استخدم البنك الدولي نفوذه الإقراضيّ من أجل فرض «برامج تكييف هيكليّ» على بلدانٍ غرقت في الديون أثناء السبعينات. هذه السياسات حوّلت هذه البلدان لمكائن تنقل الثروة من التي تُنتجها لحفنة من المُقرضين الأغنياء في أوروبا واليابان وأمريكا. وعلى حدّ تعبير أحد مدراء البنك السابقين: «لم يسبق أن حدث في هذا العالم تدفّقٌ [للثروة] بهذا الحجم بالاتجاه الذي نراه اليوم منذ نهب المستعمرين الغزاة أمريكا اللاتينية».

أجبرت برامج التكييف الهيكلي الحكومات العاجزة ماليًا على تقليص الإنفاق الاجتماعيّ بشكلٍ حاد وبيع الصناعات والخدمات التي تملكها الدولة من أجل تسديد الديون المتزايدة. وكان لهذه القروض المرتبطة ببرامج التكييف الهيكلي عواقب جسيمة، منها حملات تسريحٍ جماعيّ في القطاع العام والتخفيض الحاد للإنفاق على الخدمات الاجتماعية الأولية وتجميد الرواتب وقمع التنظيم العمّالي وتخفيض قيمة العملات والتشجيع على الإنتاج الموجّه نحو التصدير وإلغاء إجراءات التحكم بأسعار المواد الغذائية. في بلدٍ تلو الأخرى، قاد توجيه الاقتصاد نحو تصدير المنتجات الزراعية مثل القهوة والقطن العديد من الدول الممتازة سابقًا بالاكتفاء الغذائي الذاتي إلى الحاجة لاستيراد كمّيات ضخمة من المواد الغذائية. وكانت نتيجة ذلك أن ازدادت الديون ونمى الفقر. ووفق توقّعات البنك الدولي نفسه، كانت نسبة الفقرة في أفريقيا مقبلة على التزايد بمقدار 50 بالمئة ما بين عام 1994 وعام 2000. تُنفق الحكومة الغانيّة – على سبيل المثال – على تسديد الديون سنويًا خمسة أضعاف ما تنفقه على كلّ برامجها الاجتماعية مجتمعةً.

بنكٌ ألطف وأطيب؟

دفعت الأزمة المالية الآسيوية لعام 1997 البنك الدوليّ لإعادة تقييم سياسات التكييف الهيكلي الخاصة به وبصندوق النقد الدولي – على الأقل لفظيًا. وفي تقرير التنمية العالمية لعام 1999-2000، عبّر البنك عن قلقه تجاه تزايد تفاوت الدخل ونموّ الفقر الذي سببته برامج التكييف الهيكلي، وحذّر رئيس البنك السابق جيمس وولفينسون قبل ذلك بأنّ إساءة توزيع الثروة ستهدد الاستقرار العالمي، بل وأصدر البنك الدولي وثيقةً طولها 200 صفحة في نهاية عام 1998 اتّهمت سياسات صندوق النقد الدولية بمفاقمة الأزمة الآسيوية واقترح زيادة الضوابط على تدفق رأس المال الدولي:

يضع تقرير البنك الدولي المفصّل حول سلسلة الأخطاء المتصاعدة اللوم على المستثمرين العالميين الذين أعاروا الأموال بإهمال للأمم النامية وعلى المسؤولين الآسيويين التوّاقين لجمع الأموال. ولكنّه لم يترك مجالًا للشك حول حمل صندوق النقد الدولي وإدارة بيل كلينتون جزءً من مسؤولية الاستجابة الأوليّة السيئة للأزمة…

يقول تقرير البنك أنّ استراتيجية [جعل البلدان المتضررة ترفع نسبة الفوائد] كان لها نتائج عكسية، حيث ثبتّت العملات على حساب إدخال هذه البلدان في أزماتٍ اقتصادية جسيمة وارتفاع البطالة بنسبةٍ معتبرة. يؤكد التقرير أنّ زيادة نسبة الفوائد يسرّع انتشار الآلام الاقتصادية متجاوزً البنوك وصناديق الاستثمار وشركات العقار التي أدخلت البلدان في هذه المشاكل في بادئ الأمر…

«تشير بعض التقديرات أنّ مستويات الإفلاس في إندونيسيا وصلت الآن 75 بالمئة»، أشار كبير الخبراء الاقتصاديين لدى البنك الدولي [حينها] جوزيف ستيغليتز في أواخر 1998، وأضاف: وأنتم تعلمون، ليس بالإمكان أيّ بلدٍ أن تسري أموره و75 بالمئة من شركاته في حالة إفلاس».

ولكن، يبدو أنّ ستيغليتز نسي أن يذكر الدور الذي لعبه البنك الدولي في أزمة إندونيسيا.

في يوم 14 يوليو عام 1999، نشرت «وول ستريت جونرال» مقالًا فتّاكًا حول دور البنك الدولي في إندونيسيا. تصف المقالة المعنونة «لا تقلْ شرًا: لم فشِل البنك الدولي في توقع أزمة إندونيسيا العميقة» كيفية تلاعب البنك الدولي لعدة عقود بالتقارير الاقتصادية من أجل استرضاء دكتاتوريّة سوهارتو الدمويّة وعائلته وتحفيز دخول رأس المال الأجنبي لإندونيسيا.

كان أحد العوامل الرئيسية في تسريع انهيار الاقتصاد الإندونيسية وفق ما تشير له المقالة هو أنّه «حين أصبح الاقتصاد متأرجحًا العام الماضي…هربت رؤوس الأموال من البلاد، مما أضعف عملة إندونيسيا». وفي أوائل عام 2000، وأثناء انهيار الاقتصاد الإندونيسي، اعترف رئيس البنك الدولي جيمس وولفينسون أنّ فشل الاقتصاد الإندونيسي الذريع أخذ البنك الدولي على حين غرّة، حيث أشير في المقال بخجل: «كنّا غارقين في الحماسة بشأن إندونيسيا». ولكن ما لم يكشف عنه في ذلك الوقت، وهو ما تبيّنه المقالة، هو أنّ البنك الدولي كان «غارقًا» في عدّة أمورٍ لا علاقة لها بالحماسة. على سبيل المثال، سُمِح للمسؤولين الحكوميين بتلطيف التقارير المنتقدة للفساد: «ذلك التعامل الناعم مع التقارير طالب به المسؤولون الحكوميّون، حيث أنّهم في ظلّ ممارسات البنك الدولي تمكّنوا من تعديل التقارير قبل نشرها».

تُشير إحدى المستشارات، ماري بانغيستو، أنّ الفساد في إندونيسيا لم يُذكر حتى عام 1997، حيث تمّ «تطهير» التقارير التي كتبتها هي شخصيًا: «كتبت تقاريرًا، وحين استلمتها بعد الإصدار، كانت مختلفةً تمامًا». كان البنك الدولي متواطئًا في خداع البنوك والمستثمرين الأجانب وفي إخفاء المليارات التي أُعيرت لأفراد عائلة سوهارتو، والتي لم تُسدد يومًا. تُضيف بانغيستو: «حتى ثمانينات القرن الماضي، هيمنت على النظام المالي الإندونيسي سبعة بنوكٍ حكومية كثيرًا ما مرّرت الأموال لمشاريعٍ تتضمن أقارب سوهارتو أو أصدقائه، والقروض نادرًا ما سُدِّدت».

وتشير المقالة ذاتها لحادثة معبّرة تتعلق بكذب البنك الدولي حول مستويات الفقر في إندونيسيا:

يستذكر بروفيسور جامعة نورثويسترن، حيث كان مستشارًا لدى وكالة التنمية الدولية الأمريكية في جاكرتا في عام 1989 حادثةً يقول أنّها تبرهن أنّ الأرقام المتعلقة بالفقر في إندونيسيا استُخرِجت من العدم، حيث يستذكر إصرار الرئيس سوهارتو علنًا على انخفاض الفقر لثلاثين مليون فقيرٍ فقط، على الرغم من أنّ البنك الدولي كان في خضم دراسة استمرّت ثلاثة أعوام تبيّن وجود ستين مليون فقير. يقول أنّ مسؤولي وكالة التنمية الدولية حاولوا صياغة مساومة ما بين البنك الدولي والحكومة الإندونيسية. وفي آخر المطاف، الرقم الذي نُشِر في تقرير البنك الدولي كان ثلاثين مليونًا.

قد ينظر البعض لهذا الأمر كـ«غرقٍ في الحماسة»، وقد يراه آخرون كتزويرٍ في السجلّات.

ولكنّ البنك الدولي كان منغرسًا في أمورٍ أبشع من تزوير السجلّات. كشف تقريرٌ تحقيقيّ قام به مارك ديفس في برنامج «ديتلان» الأستراليّ عن استخدام الحكومة الإندونيسية أموال البنك الدولي من أجل تمويل فرق الموت المؤيدة لإندونيسيا والتي اجتاحت تيمور الشرقية عام 1999 في حملة إرهابٍ جماعيّ. ذكر ديفس أنّ وزارة المالية الإندونيسية قامت بحرفِ إثني عشر مليون دولار أسترالي خُصِّصت للرعاية الاجتماعية والتنمية وتحويلها لهذه الميليشيات.

ووِفق ما أشار له بن فيشر المسؤول في مكتب البنك الدولي في جاكرتا، كانت المؤسسة تعلم بوجود ذلك الاحتيال وطلبت من الحكومة الإندونيسية ضماناتٍ بأنّه سينتهي. ولكن على الرغم من ادعاءات الحكومة، يبدو أنّ الاحتيال استمر. أشار فيشر لديفس أنّ البنك الدولي «قام بكلّ ما يمكن ما عدى إيقاف الدعم لإندونيسيا بشكلٍ تام»، ولكن حين سائله عن سبب عدم الضغط أكثر، قال فيشر أنّ «المسألة مسألةٌ سياسيّة».

أجورُ الخطيئة

تضمّنت «المسألة السياسية» حقيقةً بسيطة وهي أنّ البنك الدولي موّل – بسرور – أنظمة دكتاتوريّة عديدة، مشيدًا بقدرتها على إبقاء الأجور منخفضة وتوفير «مناخٍ تجاريّ جيّد» للمستثمرين.

في تقريرٍ لعام 1994 بعنوان «المعجزة الشرق آسيوية»، يمتدح البنك ما يسمّيه بـ«الاقتصادات الآسيوية عالية الأداء»، بالخصوص لجهودها في قمع التنظيم العمّالي من أجل حقوق العمّال. يشير التقرير بلغةٍ جافّة:

في اليابان وكوريا وسنغافورة وتايوان والصين (وفي ماليزيا بمستوىً أقل)، قامت الحكومة بإعادة هيكلة القطاع العمّالي من أجل قمع النشاط الراديكالي وضمان الاستقرار السياسي. ألغت الحكومات النقاباتِ الخاصة بالقطاعات المهنيّة واندفعت من أجل تأسيس نقاباتٍ خاصة بكلّ شركة…

وعلى الرغم من أنّ الحركات العمّالية في إندونيسيا وتايلند لم تتعرّض لإعادة هيكلةٍ ممنهجة، فالحكومات تقوم بقمعها بشكلٍ روتينيّ…

شجّعت سنغافورة على الاستثمار الأجنبي في الصناعات ذات الكثافة العمالية[*] عن طريق قمع النقابات المستقلة وضمان السلام الصناعي للمستثمرين.

ويضيف التقرير:

إنّ التنظيم الجديد للعمالة وتحوّلها من نقاباتٍ تشمل قطاعاتٍ مهنيّة كاملة إلى نقاباتٍ تقف عند حدود الشركة خفّضَ أيضًا الفوائد الهامشيّة ورفع التكاليف الهامشيّة للنشاط الجمعي. بالتالي، وخلافًا للعمّال في العديد من الدول النامية الأخرى، فالعمّال في الاقتصادات الآسيوية عالية الأداء يمتنعون أكثر من غيرهم عن القيام بإضراباتٍ أو القيام بغيرها من أنشطة المُخِلّة بالإنتاج ويمتنعون أيضًا من الضغط على الحكومة من أجل تقنين رفع الأجور.

تشير الدراسة لكون المصلحة الكبرى التي حققها المستثمرون بسبب هذا النوع من قمع العمالة هو «زيادة الأرباح».

وفي تلك الأثناء في الهند، استثمر البنك الدولي مئات ملايين الدولارات في صناعة تتّكل غالبًا على عمالة أطفالٍ سَخَرة. دعم البنك الدولي صناعة الحرير في الهند لأكثر من عقد مُوفِّرًا قروضًا قدرها يتجاوز الثلاثمئة وخمسين مليون دولار. وبينما بذل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي جهدًا بغرض إلحاق شروط تكييفٍ بنيوي لقروضهم، وهي شروطٌ تفرض سياساتٍ تخفّض من الخدمات الاجتماعية وتزيد من الفقر، فالبنك مستعدٌّ تمامًا لعدم فرض أي شروط فيما يتعلق بعمالة الأطفال. تعتمد تجارة الحرير الهندية في كلّ مراحل الإنتاج على عمالة أطفالٍ مستعبدين؛ أطفالٌ مُجبرون على العمل في أوضاعٍ استعبادية كي يسدّدوا ديون أهاليهم العاجزين اقتصاديًا.

وحسب تقرير جريدة «ملتيناشونال مونيتور»:

في قطاع الحرير في كارناتكا، هنالك حوالي مئة ألف طفلٍ مستعبد منخرطٍ في كلّ مراحل الإنتاج.

ليس من الغريب هنا أن يبدأ الأطفال في صناعة الحرير حين يصل عمرهم خمس سنوات. يحصل هؤلاء الأطفال على أجورٍ منخفضة جدًا، عادةً 10 روبيات يوميًا أو أقل، ويعانون من المخاطر المهنية ويعملون في ظلّ تهديد اعتداءات رؤسائهم. فهم، حسب تعبير راجيندرا مسرا الذي درس قضايا عمل الأطفال في صناعة الساري في فارناسي، «عصافيرٌ في قفص…محكومٌ عليهم منذ ولادتهم بأن يكونوا عمّالًا مأسورين». بوماباي صبيٌّ عمره اثنا عشر عامًا، يعمل هو وأخته في صناعة الحرير، وأشقاؤه الاثنان الآخران في المدرسة ووالده يعمل كنادلٍ في فندق محلّي. حين كان عمر بوماباي ثماني سنوات، تسلّف والده قرضًا قدره 126 دولارًا من أجل تكاليف زواج ابنته الكبرى. أُخِذ بوماباي حينها من المدرسة وُوِضع في المصنع، ولا زال يعمل هناك منذ ذلك الوقت. «أريد أن أُكمِل تعليمي»، يقول الصبيّ، «ولكن علينا أن نأكل أولًا».

…ينكر البنك الدوليّ عمومًا أيّ مسؤولية تجاه مشكلة العمالة المستعبدة في الهند وينكر أيَّ تورطٍ فيها، حيث صرّح المتحدث باسم البنك الدوليّ دورودي سيريتشانيا: «لم تكن عمالة الأطفال مشكلةً كبيرة في مشاريع البنك الدوليّ، فنحن قيّمنا» مشاريع صناعة الحرير في الهند «بشكلٍ منتظم»، ومشكلة عمالة الأطفال «لم تظهر يومًا في تقاريرنا».

إعفاء الديون؟

تعرّض كلٌ من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي لضغوطاتٍ من أجل إلغاء ديون البلدان الفقيرة. أدّى مزيجٌ من الضغوطات السياسية وحجم أزمة الديون – وحقيقة كون الديون، بكل بساطة، لن تُسدَّد – لجعل البنك الدولي يجرّ صندوق النقد الدوليّ في عام 1996 لإطلاق مبادرة «البلدان الفقيرة المُثقلة بالديون»، ولكنّ تلك المبادرة لم تكن كافيةً البتة. تشرح منظّمة أمريكية اسمها «خمسون عامًا تكفي» تهدف لإصلاح صندوق النقد الدولي والبنك الدولي أسباب ذلك:

لسوء الحظ، عوضًا عن توفير إطارٍ جيد للتصدّي لمشكلة الديون، تمّ تكوين المبادرة بشكلٍ لا يوفّر أي إعفاءٍ من الديون، وهي تقوم بربط البلدان أكثر فأكثر بشروط سياسات التكييف الهيكلي، وتحدّ من الاستحقاق بحيث لا يشمل أكثر من ربع البلدان المثقلة بالديون، ولن تدخل المبادرة حيّز التنفيذ في أغلب البلدان حتى عام 2004، وتسمح لأطراف المبادرة (البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ونادي باريس) الانسحاب من المبادرة إذا لم تقم أو تتمكّن الأطراف الأخرى تلبية التزاماتها. علاوة على ذلك، فالخمس مئة مليون دولار التي تعهّد بها البنك الدولي والمئتين وخمسين مليون دولار التي تعهد بها صندوق النقد الدوليّ ليست كافية أبدًا لتقدّمَ إعفاءً مُجديًا للديون.

رفض رئيس البنك الدولي جيمس ولفينسون دعوات «يوبيل 2000»، وهي منظمة بريطانية ضغطت على صندوق النقد الدولي والبنك الدولي من أجل إلغاء ديون بلدان الجنوب العالمي، واصِفًا دعوتهم بالدعوة «الواهِمة». آخر ما يرغب به البنك الدوليّ هو إعفاء ترليونيّ دولار من ديون البلدان النامية. قد يكون البنك مستعدًا لإلغاء الأجزاء التي لا يتوقّع أنها ستُسدّد، ولكنّ ذلك يأتي بشروطٍ وقيودٍ ثقيلة.

قد يغطّي البنك الدولي آثار سياساته الكارثيّة بكلماتٍ إنشائية حول إنهاء الفقر ونقد توأمه صندوق النقد الدولي، ولكنّ سياسته زادت من اللا مساواة والفقر العالميين، وساعدت على إغناء الأقليّة الغنية على حسابنا جميعًا.

المصدر: إنترناشنال سوشالست رڤيو


 

[*] مثل الزراعة والتعدين.