التدافع الجديد على أفريقيا

مجموعة بريكس ليست قوّة مناهضة للاستعمار، بل هي دولٌ تبحث عن أسواقٍ جديدة ومصادر طبيعية من أجل شركاتها، مثل أقرانها الغربيين.

illl

بارديغ كارمودي

خلال السنوات القليلة الماضية، كُتب الكثير عن «التدافع الجديد على أفريقيا»، ألا وهي محاولة بلدانٍ وشركاتٍ زيادةَ نفوذهم للأسواق والموارد الطبيعية على القارة.

في إحدى الروايات، كانت الصين لاعبًا رئيسيًا ارتدى لباسًا نيو-كولونياليًا من أجل أن يدفع بمصالحه. عمِل وَقْعُ الطلب الصينيّ على أسعار الموارد الطبيعية وحاجة الصين لأسواقٍ خارجيّة تمتصّ منتجات اقتصادها المتّسع بالتأكيد على تحريك المصالح الاقتصادية والسياسية المتنامية في أفريقيا، والصين اليوم قد أصبحت أكبر مستهلكٍ لعدّة سلع منها النحاس وأيضًا – كما ورد في بعض التقارير – الخشب المقطوع بشكلٍ غير قانونيّ (مع أنّ كثيرًا من هذه السلع ينتهي بها الأمر في منتجاتٍ موجّهة للأسواق الغربيّة).

على الرغم من التصورات الشائعة التي تركّز على النيو-كولونيالية الخارجية، تضمّن التدافع الحديث هذا شركاتٍ أفريقية أيضًا – بالخصوص الجنوب أفريقية منها، والتي نمّت علاقاتٍ قريبة مع الصين – إذ يجري ذلك أحيانًا في مشاريع مشتركة أو شراكاتٍ ضمنيّة مع شركات من دول مجموعة بريكس.

إذًا، ماذا نستفيد من النظر إلى تصرّفات الصين وجنوب أفريقيا فيما يتعلق فهم هذا التحرّك الجديد لنهب ثروات القارّة؟ و، ولربما يكون هذا السؤال أكثر أهميّة، ما هو أثر اتّساع دور مجموعة بريكس الدوليّ على العدالة العالمية؟

التعاون والتنافس

مع أنّ بريطانيا وفرنسا كادتا تدخلان في معركة في فشودة (مدينة في جنوب السودان حاليًا)، في الغالب جرى تقسيم أفريقيا ما بين القوى الأوروبية «تعاونيًا» في القرن التاسع عشر. وهو ما يجري الآن أيضًا، فهذه الكرّة الجديدة من التحكم والنفوذ المناطقيّ من قِبل القوى الخارجية والداخلية يميّزها التعاون، بالإضافة إلى التنافس.

تتدافع الشركات من أجل السيطرة على الموارد الطبيعية والأسواق، وتتدافع الحكومات أيضًا، من أجل ضمان النفوذ الاقتصاديّ – ولكن ليس بالضرورة بأساليب ذات مجموعٍ صفريّ. على سبيل المثال، دخلت بعض شركات النفط البريطانية والصينية في مشاريع مشتركة في أفريقيا.

تلعب دول بريكس دورًا مهمًا في هذا التدافع الجديد، حيث يستمرّ نفوذها بالنموّ على الرغم من الآفاق الاقتصادية المُعضِلة في بعض البلدان العضوة. وذلك صحيحٌ بالخصوص بالنسبة للعلاقات الصينية-الجنوب أفريقية، فاصطفاف الشركات والحكومات الجنوب أفريقية والصينية على القارة في تزايد مما يسمح ببسط النفوذ عبر حدود أفريقيا بطرقٍ جديدة قد تكون أكثر ديمومةً من سابقتها الاستعماريّة.

منذ انضمام جنوب أفريقيا لمجموعة «بريك» (BRIC) عام 2010 بدعوة صينية، حصل نقاشٌ مُعتبر حول أسباب قبولها في المجموعة، حيث استفهم جيم أونيل، المحلّل العامل لدى بنك جولدمان ساكس والذي صاغ مصطلح «بريك»، عن سبب توجيه الدعوة لجنوب أفريقيا عوضًا عن دولٍ أخرى ذات اقتصاداتٍ أكبر بكثير. ولكنّ غيره من المعلّقين، من ضمنهم الكاتب كينغسلي تشيدو موغالو، قالوا أنّ اعتباراتٍ جيوسياسية تتغلب هنا على الاعتبارات الاقتصادات العالمية: مع أنّ اقتصاد جنوب أفريقيا ضئيلٌ مقارنة باقتصاداتٍ أخرى في العالم، فهي مهمّة إقليميًا لأنّ اقتصادها كبير مقارنةً بباقي القارة. هذه الاعتبارات الجيوسياسية – بالطبع – مهمّة ولكن الروابط الاقتصادية القوية ما بين الصين وجنوب أفريقيا هي العامل المهمّ لفهم كيفيّة عمل البلدين وشركاتهما على استغلال أسواق أفريقيا القيّمة ومواردها الطبيعية.

خلال آخر عقدٍ من نظام الأبارثهايد، منعت العقوبات والضوابط على رأس المال المحلّي تكتّلات الشركات الجنوب أفريقية الكبيرة من الاستثمار في باقي أفريقيا، حتى مع هيمنتهم على اقتصاد بلادهم. هذه القيود تمّ نزعها مع إمساك نيلسون مانديلا للسلطة عام 1994، وخلق النموّ الاقتصاديّ المتسارع في السنوات التي تلت فائضًا أكبر من رأس المال الاستثماريّ – حيث ساوت رسلمة السوق لبورصة جوهانسبرغ حوالي 150 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي لجنوب أفريقيا، بينما هي في البرازيل – على سبيل المثال – قرابة 50 بالمئة. في السنوات الأخير، سمح مزيجٌ من الفوائض العالية ورأس المال المقيّد سابقًا لتكتّلات الشركات الجنوب أفريقية بأن تتوسّع باندفاعٍ في داخل أفريقيا وخارجها.

والعلاقة بين جنوب أفريقيا والصين أمرٌ مركزيّ بالنسبة لهذا الاتساع، حيث أنّ جنوب أفريقيا قد أصبحت الشريك التجاريّ الأكبر للصين في القارة، وأصبحت الصين أكبر شريكٍ تجاريّ لجنوب أفريقيا في العالم.

هذه العلاقة الاقتصادية القويّة احتضنت علاقاتٍ قريبة ما بين البلدين. على سبيل المثال، حينما أراد الدالاي لاما أن يزور جنوب أفريقيا يوم عيد ميلاد ديزموند توتو عام 2011 ومرّة أخرى في حفلٍ بذكرى حياة نيلسون مانديلا عام 2014، رفضت السلطات الجنوب أفريقيّة طلب قدومه. وبشكلٍ مماثل، حينما تزايدت المخاوف حول أثر الملابس والمنسوجات الصينية المستوردة على الصناعات الجنوب أفريقية، وافقت الحكومة الصينية على الحدّ من تصدير هذه السلع. الحفاظ على علاقاتٍ جيدة مع جنوب أفريقيا أمرٌ مهمّ بسبب كون «جنوب أفريقيا هي البلاد ذات الأهميّة في أفريقيا» – على حدّ قول دبلوماسيٍّ هنديّ يعمل فيها – على الأقل من ناحية سياسات قوّةٍ معيّنة ومن منظورٍ اقتصاديّ.

تحرص الشركات الصينيّة أيضًا على الحفاظ على العلاقة حيث تستثمر كثيرًا في قريناتها الجنوب أفريقية. وفي عام 2007 على سبيل المثال، اشترى «بنك الصين للصناعة والتجارة» (وهو الآن أكبر شركة في العالم) حصّة قيمتها عدّة مليارات دولار في بنك ستاندارد الجنوب أفريقي، والذي يملك شبكة فروعٍ ضخمة في أرجاء القارة. كان ذلك أكبر استثمارٍ أجنبيّ في تاريخ جنوب أفريقيا.

هذا التمازج ما بين رؤوس الأموال ذات الأصول الجنوب أفريقية والصينية يناظره التنسيق السياسيّ بين البلدين – حيث بالإمكان رؤية آلية تعاون بريكس كمثالٍ رئيسيّ. ووِفق ما قاله أحد المسؤولين في وزارة العلاقات والتنسيق الدولي الجنوب أفريقية، لدى كلّ دول بريكس مصلحة في السوق الأفريقية، ولكنهم يجب أن يدخلوها «بطريقةٍ منسقة» عوضًا عن أن «يتصادم كلٌ منهم مع الآخر». ويتم تحقيق تنسيقٍ كهذا من خلال الاستثمار الأجنبي ومن خلال أنماطٍ متنوعة أخرى من جغرافيا الحكم (geo-governance) أو بسط النفوذ السياسية والاقتصادية عبر الحدود.

مثال زامبيا

كثيرًا ما يُقال في مجال العلاقات الدولية أنّ الهيمنة في الإنتاج الاقتصاديّ مصدرٌ رئيسيّ لقوّة الدولة. على سبيل المثال، يُقال أنّه لكونِ الولايات المتحدة الأمريكية تملك أكبر اقتصادٍ في العالمٍ، فلا بدّ أن تكون هي أقوى بلدٍ في العالم. ولكنّ القوة لا تنبع فقط من الإنتاج بل أيضًا تدوير وتبادل المنتجات والخدمات.

في الحلف الصيني-الجنوب أفريقي، تبرز لنا حالة «شوبرايت سوبرماركت» الجنوب أفريقيّ، وهو أكبر شركات التجزئة في أفريقيا، كبُرهان. تمتلك الشركة حواليّ 1500 سوبرماركت في أرجاء القارة، حيث تعهدت في 2015 بفتح ضعف عدد المتاجر التي فتحتها في 2014، وبذلك تملك «شوبرايت» أثرًا كبيرًا على البلدان التي تنشط فيها وبذلك تساعد أيضًا رأس المال الصينيّ على تحقيق قيمته.

بإمكاننا أن نرى ذلك في مكانٍ مثل مدينة ليفينغستون في زامبيا وهي مدينة حدوديّة يهيمن عليها رأس المال الجنوب أفريقيّ. وفي هذه المدينة ذات المئة وخمسين ألف نسمة، هنالك متجرا شوبرايت كبيران، بالإضافة إلى متاجر جنوب أفريقية أخرى منها محلّات الوجبات السريعة «هنغري ليون» و«ستيرز» و«أوشين باسكيت»، محطة الوقود الجنوب أفريقية «إنجين»، وشركة الاتصالات الجنوب أفريقيّة «إم. تي. إن» (والتي تبيع منتجاتٍ صينيّة مثل هواتف واهوي[*]). وفندق «بروتي» هناك، وهو أحد أكبر الفنادق في ليفينغستون، كان جزءً من شركة جنوب أفريقية حتى قامت شركة «ماريوت» بشراء المجموعة عام 2014.

أخبرني أحد مدراء متاجر شوبرايت في المدينة أنّه باستثناء بعض الخضروات والدواجن ذات المصدر المحليّ، كل شيء في المحل يُنتَج إمّا في الصين أو جنوب أفريقيا. عوضًا عن إفادة المنتجين الزامبيين المحليين، تتدفّق أرباح مبيعات منتجات شوبرايت غالبًا للشُركاء الجنوب أفريقيّين، وذلك مع كون الشركة مُدرجة ضمن بورصة زامبيا.

تفتقر المدينة لوجود شركاتٍ محلية قويّة، وأحد أسباب ذلك – كما أشار أحد المدراء – هو أنّ المدينة تتكل على الواردات وعلى السياحة القليلة الآتية من شلالات فكتوريا القريبة. ولكن قوة الشركات الجنوب أفريقية تدفع أيضًا تجاه الاحتكار، فمنافس شوبرايت الوحيد هي «سبار» ولو كان ذلك بالاسم فقط، وهي أيضًا شركة ذات أصل جنوب أفريقي. ومن ناحية أخرى، على الرغم من الحاجة الملحّة لـ«التركيز على الإنتاجية المحليّة» كما أشار أحد بائعي التجزئة الصغار في المدينة، مقصدُ الكثير من القروض البنكية للمشاريع الصغيرة والمتوسطة هو التبادل التجاري الخارجي.

هذه الحالة الزامبيّة تبيّن لنا المدارات العامة: رأس مالٍ (من بين جنسياتٍ أخرى) جنوب أفريقيّ وصينيّ عابر للحدود يجبي قيمةً أعلى عن طريق بيع سلعٍ في البلاد وعن طريق الاستثمار في تعدين النحاس ومعالجته ومن خلال استعادة الأرباح من الاستثمارات المباشرة لخارج البلاد ومن خلال الدوائر المالية (القروض البنكية، كمثال). تولّد تدفقات السياح والمسافرين من رجال ونساء الأعمال أرباحًا للفنادق المملوكة من شركاتٍ جنوب أفريقية وصينية في ليفينغستون. كلّ هذا مجتمعًا خلق علاقة اتكالٍ لدى بلدانٍ مثل زامبيا لأنّها لم تعد تنتج الكثير من البضائع التي يحتاجها شعبها.

إذًا، كيف تولَّد هذا الإعداد المعيّنة من جغرافيا الحكم؟ وما هي آثارهُ على النموّ في بلدانٍ أفريقية مثل زامبيا؟

«التعاون» بين بلدان الجنوب العالمي

النموذج الذي تزعم مجموعة بريكس دعمه هو عولمة «يربح فيها الجميع»، ويدّعون أنّ هذا النموذج يبتعد عن النظام السابق حيث يربح الأوروبيّون ويخسر الأفارقة بقيام القوى الأوروبيّة بإضعاف تنمية الاقتصادات الأفريقية عن طريق دفعهم لتصدير المواد الخام الرخيصة واستيراد البضائع المصنّعة ذات القيم الأعلى؛ تزعم بلدان بريكس أنّ النموذج الجديد يخدم مصالحها ولكنّه يؤتي أيضًا بتنميةٍ للبلدان «الشريكة».

ولكن بدلًا من أن يقدّم نموذج بريكس انفصالًا جوهريًا عن العولمة الأوروبيّة، يمتلك هذا النموذج صفاتٍ أساسية مشابهة لها، فسياسات السوق الحرة التي فرضها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي على أفريقيا وأجزاءٍ أخرى من العالم النامي في الثمانينات والتسعينات كانت تهدف أيضًا – وِفق رواية راعيها – لتحقيق مصالح مشتركة، بالخصوص تحسين المستويات المعيشية في تلك البلدان. وجغرافيا الحكم هذه التي تقودها مجموعة بريكس في منطقة أفريقيا الجنوبيّة تستنسخ خواصًا رئيسية من جولات العولمة السابقة من خلال إزاحتها التنافسية للشركات المحلية واستخلاصها القيمة من الاقتصادات المحلية.

ولكن هنالك اختلافاتٌ ما بين سياسات «إجماع واشنطن» السابقة وتلك التي تدفع تجاهها دول بريكس. أولًا، لا تملك الصين اقتصادًا نيوليبراليًا – فحكومتها ما تزال تملك حصّةً كبيرة من قطاعاتٍ مهمة، من ضمنها الموارد الطبيعية والتمويل. وتحكم الدولة المركزيّ هذا يجعل من تحريك الموارد المحليّة من أجل الاستثمار والاستثمار الخارجي واستيراد الموارد الطبيعية المهمة من الخارج أمرًا سهلًا.

من أجل تحقيق هذا الاتساع والنمو، تحتاج الصين لتعاون النخب السياسية الأفريقية الذين يعملون كبوّابين مناطقيين للموارد وللأسواق وإن كان ذلك بدرجة أقل نوعًا ما. هنا نجد خاصيّة مميّزة تلعب دورًا: سياسة «عدم التدخل» التي تسهّل من التعاون من النخب المحلية. تزعم الصين وبلدان بريكس الأخرى أنّها ملحدة نسبيًا بالسياسات الاقتصادية، مُفضِّلةً منهجًا اقتصاديًا مختلطًا ومشجعًةً أيضًا على ملكيّة الدولة في بعض القطاعات.

ولكن مع أن زامبيا قد بيّنت أن هذه الفترة ليست فترة ذروة «إجماع واشنطن»، حيث أنّها قامت مؤخرًا بإعادة تأميم سكك الحديد وشركة الهاتف الوطنية، والتي تم بيعها سابقًا لمستثمرين أجانب، فاقتصادها لا يزال مُهيكلًا غالبًا وفق خطوطٍ نيوليبرالية، مع تركيزٍ على «التجارة الحرة» وجذب الاستثمار الخارجي.

بالإضافة لذلك، عمل تفاعل الرأسمالية النيوليبرالية والممارسات القمعية تجاه العمالة على تعقيد محاولات ضمان إجماع النّخب. في عام 2006، بكت وزيرة زامبيّة حين رأت البيئة التي كدح فيها العمال في منجم كولوم للنحاس المملوك من شركة صينية. وبعد أربع سنوات، تم إطلاق النار على إحدى عشر موظفًا في موقع العمل أثناء تظاهرهم بسبب أوضاع العمل (بعد أن انتشر الغضب انتشارًا واسعًا، تمكّنت الدولة في آخر المطاف من إحكام سيطرتها على المنجم).

أشعلت ندرة الوظائف وحوادث تشابه ما جرى في منجم كولوم وأوضاع العمل السيئة في الشركات الصينية أعمال شغبٍ «مناهضة للصين» في زامبيا وغيرها من بلدان القارة. ولكن على الرغم من بعض المقاومة، لم يتم قطع نفوذ الصين – وغيرها من البلدان والشركات – إلى السوق الأفريقية والاستثمار فيها. كيف تمكّنت الصين من الحفاظ على نفوذها؟

تلعب الصين لعبةً ذات مستويين في تعاملاتها الدولية، مُغيّرةً تصرفاتها وِفق المكان، فهي عضوٌ مهم في البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية، وقد شاركت مع غيرها من دول بريكس في إعادة رسملة صندوق النقد الدولي. وفي هذا الدور، تنضم الصين لبلدان الغنية الأخرى في التشجيع على تطبيق السياسات النيوليبرالية خارج حدودها، وبذلك تضمن أيضًا استمراريّة نفوذ الشركات الصينية للموارد والأسواق والاستثمارات في الخارج. علاوةً على ذلك، يقول المسؤولون الصينيّون أنهم لن يقبلوا أبدًا بوضع قيودٍ على التبادل التجاريّ الصيني في الخارج. وفي علاقاتها الثنائية مع الدول الأفريقية، تقول البلاد أنّها لا تضع قيودًا أو شروطًا بالنسبة للمساعدات والتبادل التجاريّ والاستثمار.

لدى عضويّة الصين في بريكس أهميّة في موقع الصين الجيوسياسي المرن. بينما لدى العضوية في مجموعة بريكس معنىً مختلف لكلّ مشارك، فهي بالنسبة للصين جزءٌ من استراتيجية لتكوين قطبٍ مقابل للقوة الغربية – ولكن ليس عن طريق إسقاط الهياكل العالمية الحالية، بل من خلال حنيها لصالح الصين. نظرًا لتاريخ الهيمنة الغربية على قارتهم – وافتقار معاملات الصين (النسبي) للشروط والقيود وسياسة عدم التدخل – تجد النخب السياسية الأفريقية في ذلك بديلًا جذابًا نسبيًا.

ومع ذلك، فالشركات الصينية ومعها بعض الشركات الجنوب أفريقية تستفيد بشدّة أيضًا من الأنظمة الاقتصادية النيوليبرالية التي تم تشييدها في كنف المؤسسات المالية الدولة ومنظمة التجارة العالمية. كونُ هذه الاقتصادات قد تمّ نيولبرلتِها بكثافة يعني أنّها مفتوحة للسلع المورّدة من جنوب أفريقيا والصين وتطرح مصادرًا وفرص استثمارٍ لهم ولغيرهم من الشركات «العالمية».

تتمكن الصين بذلك ومعها النخب السياسية الأفريقية من الاستفادة من ترتيبات الحكم العالمية الحالية، بينما يزعمون أيضًا أنّهم يخالفونها. إذًا، بينما يندّد وزراء الحكومة الجنوب أفريقيًا أحيانًا بالإمبريالية، فالوضع الحاليّ يسرّع من انتشار رأس المال الشركاتيّ الصينيّ والجنوب أفريقيّ في أرجاء المنطقة. قد يعمل شجب الإمبريالية الغربية أيضًا كنوعٍ من بسط قوةٍ ناعمة، فهي أداةٌ بلاغية تسهّل على الشركات الجنوب أفريقية التمدّد في كافة أرجاء القارة.

الحرف المهم في «بريكس»

ينظر البعض للبريكس كبدايةٍ لنظامٍ عالمي جديد، ولكن أيّ تحليلٍ اقتصادي واعي سيحمل تنبؤاتٍ مختلفة جدًا.

يجب ألّا ننسى أن بلدان بريكس مزروعة بشكلٍ مُحكم في ديناميكيات الرأسمالية العالمية. على سبيل المثال، يُنتج العمال في مصانع فوكسكون الصينية أجهزة آيفون وآيباد للسوق العالمية، ورواتبهم لا تمكنّهم من شراء هذه السلع التي يُنتجون، مما يحدّ من الطلب. وكنتيجةٍ لذلك، عوضًا عن أن تُحفظ الأرباح لإنشاء مصانع جديدة، كثيرًا ما تتدفق لاستثمارات أخرى – مثل الأسهم والممتلكات الخاصة والسلع – مما يسبب نموّ فقاعات اقتصادية، تنفجر بآثارٍ مدمّرة اجتماعيًا.

إن بروز أسواقٍ جديدة – في أفريقيا كمثال – بإمكانه أن يخفف من مشكلة التراكم الزائد هذه، وبالفعل، إن الضرورتين التوأم لإيجاد الموارد الطبيعية وفتح الأسواق مهمّتان بالنسبة لاستراتيجيات مجموعة بريكس الجيوسياسية والاقتصادية وغيرها من القوى في أفريقيا.

بينما لنموذجِ التنمية هذا آثارٌ إيجابيّة على رأس المال الصينيّ أو الجنوب أفريقيّ أو البرازيليّ، فآثاره على البلدان الأفريقية تزداد كارثيّةً. والاقتصاد الزامبيّ مثالٌ يبرهن ذلك. تأخذ زامبيا كأنموذج على «أفريقيا»، ولكنّ ثرواتها انحدرت مع الركود الأخير في الاقتصاد الصيني وأسعار السلع الهابطة كالنحاس، وهي سلعة تعتمد عليها البلاد كثيرًا. انخفضت قيمة عملة الكواشا الزامبيّة كثيرًا، ومع تزايد أسعار الاستيراد وتزايد التضخم وتزايد ظاهرة «ذرف الحمولة» (انقطاعٌ كامل أو جزئيّ للكهرباء)، تفاقمت الأزمة.

ولكن ما يزيد من سوء ويلات زامبيا الاقتصادية هي مسارات التنمية طويلة الأمد. فالاندفاع من أجل المصادر الطبيعية والأسواق من دولٍ مثل الصين وجنوب أفريقيا قد حدّ من النمو المحلي فيما يتعلق بنموّ الوظائف والإنتاج المحلي والقوة الشرائية. وما يزيد على ذلك هي الإصلاحات الاقتصادية الكارثية التي روجها لها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي في الثمانينات حيث أدّت لتكوّنِ اقتصادٍ اتكّالي جدًا ومُهيمَن عليه خارجيًا بتزايد، والتي – لأسباب عدة من ضمنها مزايا التكلفة التي تملكها السلع الصينية بسبب سياستها المتطورة فيما يتعلق بالتصنيع والتجارة وبسبب دعم التصدير – أدّت لإفادة الشركات الصينية وبعض الشركات الجنوب أفريقية كثيرًا أثناء تكريسها لإخضاع وإفقار زامبيا.

من غير الواضح كيف أنّ نموذج بريكس، وبالخصوص التحالف ما بين الصين وجنوب أفريقيا، سينمو في ظلّ إعادة الهيكلة الاقتصادية الأخيرة في الصين. ولكنّ دور بريكس في تغيير ديناميكيات نمو الاقتصادات الأفريقية خلال السنوات العشر الماضية لا يمكن إنكاره، فهم دفعوا بأسعار السلع الأساسية إلى الأعلى، والتي تشكّل اليوم تقريبًا أربعة أخماس صادرات القارة، وحققوا تغلغلًا كبيرًا في الأسواق الأفريقية فيما يتعلق بالسلع وتدفق رأس المال.

ولكنّ التشكيل الراهن لا يبشّر بتنويعٍ اقتصاديّ أو بتصدٍّ للا مساواة والفقر في بلدانٍ مثل زامبيا. في عام 2011، وفي خطابٍ في الاجتماع الثالث لقادة بريكس، قال الرئيس الجنوب أفريقي جيكوب زوما: «نحن الآن مُهندسون مساهمون بتساوٍ في إعمار نظامٍ دوليّ جديدٍ ومنصفٍ». ولكنّ ذلك أبعد ما يكون عن الواقع، فدور جنوب أفريقيا الحاليّ كـ«إمبريالية فرعية» (كونها مُهيمنًا عليها من قوىً خارجية ورأس مالٍ عابر للحدود، وكونها مُهيمِنةً على منطقة أفريقيا الجنوبية ذاتها) هو الدور الذي لعبته تاريخيًا، والاختلاف الرئيسيّ الآن هو أنّ الصين هي المُهيمن الناشئ المُحتمل، لا بريطانيا.

في آخر المطاف، قد لا يكون الحرف المهم في كلمة «بركيس» هو ذلك الذي يُشير لـ«الصين»، بل الذي يُشير لـ«الرأسمالية». فالرأسمالية عالميّة وتنشط وفق قوانينها الخاصة، حتى لو تنوّعت في توسّعها الجغرافي وآثارها وحتى لو كانت تفرض قوتها عبر شبكات دولٍ وشركات. بينما كثيرًا ما تلعب دولهم دورًا اقتصاديًا أكثر نشاطًا من أقرانهم الغربيين، فقوى بريكس ما تزال رأسمالية، تحث عن أسواق وموارد ومصادر توسّعٍ ونموّ جديدة لشركاتها في الخارج.

لا يعني ذلك القول بأنّه لا تُوجد اختلافات في كيفية انخراط مجموعة بريكس في أفريقيا، ولكنّ التناقضات الرئيسية للرأسمالية العالمية والفقر واللا مساواة التي تُنتجها تظلّ هي هي.

المصدر: مجلة جاكوبين

ملاحظات فريق الترجمة:

[*] شركة «Huawei»: النطق الشائع لها هوا «هواوي»، ولكن النطق الصحيح هو «واهوي».