«اشتراكية السوق» أم التخطيط المركزي؟

بِقلم: هاري ماجدوف وفريد ماجدوف

كثيرًا ما قيل أنّ التخطيط المركزي كان السبب الرئيسيّ لتراجع وانحدار الاتحاد السوڤييتي واقتصاده. بل قيل أنّ انهيار الاتحاد السوڤييتي «يُثبت» فشل التخطيط المركزي. وبدلًا من التخطيط المركزي، أصبح بعض التقدميين والراديكاليين يفضلون مفهوم «اشتراكية السوق»، مصممين نماذجًا له والتي يُفترض أنها ستشفي كل العلل – فهي نماذجٌ تتناسب مع كل الأحجام وكل الظروف التاريخية حسب زعمهم. يَستند هذا النهج على افتراضين اثنين: (أ) أنّ التخطيط لا يعمل؛ و(ب) أنّ بإمكان الأسواق أن تعمل تحت رقابةٍ مناسبةٍ لتحقيق مجتمع إنسانيّ واشتراكيّ. نحن نعترض على كلا المقترحين.

من المهم الإقرار والاعتراف بما كان جيدًا وما كان سيئًا في التخطيط السوڤييتي. فقد حَوّل نمط التخطيط هذا دولةً متخلفةً ناميةً إلى مجتمعٍ صناعي متقدم. كما أنّه طور – كما أشرنا سابقا في مقالٍ سابق – القدرة على إنتاج قدرات عسكرية قوية قادرة على مواجهة القوة العسكرية لدولة صناعية كبرى. كما أنه كان قادرًا على إنقاذ الصناعات المُهدَّدَة بالقرب من موسكو عن طريق نقل مصانع بأكملها إلى جبال الأورال وتدريب قوى عاملة مفتقرة للخبرة في فترة قصيرة من الزمن. لم يكن من الممكن القيام بذلك من دون التخطيط، حتى أن الولايات المتحدة قد اضطرت لِتَبَنّي وفرض شكل من أشكال التخطيط المركزي لتزويد جيشها بالمعدات في الحرب العالمية الثانية (انظر أدناه)!!

لم تكن أوجه القصور في الاتحاد السوڤييتي، والتي أصبحت واضحة بعد فترة قصيرة من التعافي من الحرب العالمية الثانية، نتيجةً لفشل التخطيط المركزي، بل على العكس من ذلك، كانت نتيجةً للطريقة التي خُطِّطَ الاقتصاد فيها. لا يحتاج التخطيط المركزي في وقت السِّلم إلى سيطرة السلطات المركزية على كل جانب من جوانب تفاصيل الإنتاج. فالتوجيه وغياب الديمقراطية ليسا عنصريْن ضروريين للتخطيط المركزي، بل هما – على العكس من ذلك – غير مجديين ويؤديّان لنتائج عكسية على التخطيط الجيّد والسليم.

وقبل مناقشة اشتراكية السوق، نحن بحاجة إلى الإقرار بأن الأسواق لديها تاريخ طويل وأنها متكيفة مع النُظُمِ الاجتماعية المختلفة. فالأسواق، بشكل أو بآخر، قد تواجدت فعليًا لآلاف السنين. فقبل تطور المدن مع تقسيماتها الطبقية، كانت تجتمع القبائل بشكل دوري لتبادل السلع عن طريق المقايضة. ومع تطور الطبقات – من مزارعين، وحرفيين، وعمال حكوميين (العبيد، والكتبة، والملوك)، والكهنة، وما إلى ذلك – أصبحت الأسواق جزءًا روتينيًا من الحياة اليومية: من بيع المنتجات إلى جمع الضرائب حتى يتسنى للعمال غير المنتجين الاقتناء والحصول على الضروريات كالغذاء والأواني والملابس. فالأسواق التقليدية، من خلال جمعها للسلع المختلفة في مكان واحد، قد وفّرت الراحة للراغبين في شراء تلك السلع.

وعلى الرغم من أهمية الأسواق في الحضارات السابقة، إلا أنها قد اتخذت أهمية جديدة وحاسمة مع نمو الرأسمالية وتسليع جميع المنتجات والخدمات بالإضافة إلى تسليع العمل والعمّال والطبيعة نفسها. ففي الرأسمالية، توجد أربعةُ أسواقٍ تعمل «نظريًا» في وئام لخدمة المصلحة العامة.

السوق الأول هو سوق السلع الاستهلاكية. أسعار هذه السلع، وفقًا لمنظِّري السوق، تَستند على الكميات النسبية للعرض والطلب والتي من المُفترض أن تصل إلى توازن عندما يُساوي العرض الطلب. كما أن هذه الأسواق تخدِم المنتِجين بإعلامهم عما يريده الناس – حيث تعمل كدليل لقرارات الاستثمار والإنتاج. فعلى سبيل المثال، هل يفضل الرجال اللون الأزرق على الأحمر؟ وإذا ما كان الناس يفضلون نوعية من الحبوب الجافة (أ) على نوعية أخرى، فيجب إذن الإكثار من إنتاج نوعية (أ). وإذا ما ابتدأ الناس بشراء المزيد من السيارات، فربما ينبغي بناء مصنعِ سياراتٍ جديد. وعلى الرغم من اعتقاد الكثير من الناس بحيازتهم على حرية شراء ما يريدونه، كما أشرنا سابقً في مقالٍ سابق، إلا أن الحملات الإعلانية الضخمة تؤثر على الكثير من قراراتهم، حتى في خلقِ طلبٍ لمنتجٍ قليل أو منعدم الفائدة. وبطبيعة الحال، فإن الثقافة الرأسمالية وضغط الأقران يلعبان دورهما في خلق مجتمعٍ متمحورٍ حول المزيد والمزيد من الاستهلاك.

سوق العمل هو السوق الثاني في ظل النظام الرأسمالي. يَستخدم أرباب العمل هذا السوق من أجل الاختيار من احتياطي اليد العاملة والذي يعمل تحت سيطرتهم. وباستثناء فترات الحروب الكبرى، فإن البطالة تبقى مستشرية ومنتشرة في المجتمع. فوجود جيشٍ احتياطيٍّ من الناس الباحثين عن العمل مما يضغط باستمرار على مستوى الأجور إلى الأسفل هو أفضل طريقةٍ تُخدم فيها الاقتصادات الرأسمالية؛ ومن خلال أساليب عمل الأسواق المختلفة، بالإضافة إلى السياسات المُتَعمّدة، فإن جيش الاحتياطيّ من اليد العاملة سيستمر بالوجود دائمًا. وعلى ذلك. فإن أجور العمال وظروف عملهم خاضعان لنتائج الصراع الطبقي.

أما حجم واتجاه السوق الثالث – ألا وهو سوق السلع الرأسمالية – فهو يعتمد على معدل الاستثمار (محليًا وفي الشركات الفرعية خارجيًا) والبحث عن سبل زيادة إنتاجية العمال ورأس المال.

السوق الرابع هو سوق النقد (المالي) – المقر الرئيسي للعالم الرأسمالي. يُستخدم بعض رأس المال هذا للحفاظ على استمرار الإنتاج (القروض ورأس المال التشغيلي للتوسع)، أما الجزء الأكبر منه فهو الحالة البحتة لإنتاج النقد من النقد نفسه. لقد مثّل ماركس الإنتاج الرأسمالي بالمعادلة: ن-ب-ن. تمثل الـ(ن) الأولى النقد المُستخدَم لشراء اليد العاملة، والمواد الخام، والآلات المستخدمة لصناعة البضاعة (ب). وبيع البضائع يعود بالاستثمار الأول زائد فائض القيمة، وهو ما يمثل الـ(ن) الثانية. لكن، لا يمثل هذا إلّا إحدى استخدامات سوق النقد. فبالإضافة إلى ذلك، والذي يتصل به، هو عملية ن–ن. إنتاجُ النقدِ لنقدٍ أكثر عن طريق البورصة، بإصدار السندات للشركات التجارية، والهيئات الحكومية، واستثمار جبال أثرى الأثرياء النقدية المخزونة في خزائن البنوك، وشركات تأمينهم، وأصولهم في مختلف المضاربات على الأدوات المالية. كما أن النقد يُنتج المزيد من النقد بواسطة خلق الائتمان (credit) لعموم الناس – من خلال إصدار بطاقات الائتمان، وقروض المنازل والسيارات، وما إلى ذلك. وفي حين أن كل هذه الأساليب موجَّهة لتحقيق الأرباح، سواءً كانت عن طريق الاستثمار أو المضاربة، فإن قاعدة الأساسية لمعادلة ن–ن هي فائض القيمة الذي يُنتِجه العمّال المحليين والأجانب. يُضفي السوق (النقدي) المالي المرونة على الرأسمالية، وكمثل كل شيء في الأساليب التشغيلية للحياة والنمو في البلدان الرأسمالية، فهو يُحفِّز النظام ويعمل عن طريق تحقيق الأرباح. وفي الوقت نفسه يخلق السوق المالي أزمات متكررة وذلك لأن المضاربة متأصِّلة في معادلة ن–ن. (الحاجة للأسواق المالية يشرح سبب افتتاح البورصة والمؤسسات المالية الأخرى في مرحلةٍ مبكرةٍ من اشتراكية السوق الصينية). وأهمية إنشاء الديون المتزايدة – نتيجة العديد من جهود ن-ن – في الحفاظ على سير النظام يتبين من ضخامة ما حدث خلال السنوات الثلاثين الماضية. ففي الولايات المتحدة اليوم، يشكل مجموع الديون – ديون المستهلكين والحكومة والشركات المالية، والديون غير المالية – 300 بالمئة من الناتج القومي الإجمالي!

تعمل كل الأنواع الأربعة المذكورة أعلاه، في الاقتصادات الخاضعة لتحكّم السوق، في إعادة إنشاء البنية الطبقية وتلبية احتياجات ورغبات مالكي وسائل الإنتاج والبيروقراطية والنخب الأخرى. وعلاقات الأسواق بالنظام الاجتماعي اللاتي يخدمنه تكاد أن تختفي من نماذج اشتراكية السوق الجاري تصميمها. نحن لا نرى أي قيمة من تحليل كل واحدة منها، إلّا أننا سنعطي مثالًا واحدًا لتوضيح هذه المسألة. تُشير إحدى النماذج إلى أنه في الوقت الذي ستنتمي كل أصول الدولة إلى الشعب، فإن الوحدات الاقتصادية (من مصانع، وما إلى ذلك) ستخضع وتُدار من قبل العاملين في كل مؤسّسة. سيتم بيع المنتجات في الأسواق (وبالتالي ستوفِّر الأسواق المعلومات للمدراء للاستجابة على اتجاهات السوق)، وستذهب الضرائب المدفوعة من قِبل كل مؤسّسة إلى «وعاء» وطني مشترك، ليتم توزيعها على مختلف مناطق الدولة بما يتناسب مع عدد سكانها. قد يبدو ذلك ديمقراطيًا، لكن هل هو كذلك بالفعل؟ فحتى مراكز الرأسمالية الرائدة لديها فروقات كبيرة في مستوى المعيشة بين مناطقها المختلفة. ومن الواضح أن ذلك هو الحال في الولايات المتحدة وإنجلترا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا. وفي ضوء ذلك، فإن توزيع الفائض بمساواة على أساس نصيب الفرد الواحد سيؤدي على الأرجح لتزايد الفروقات بين المناطق المختلفة. وذلك لأن المناطق الأكثر ثراء لديها بالفعل بنية تحتية ومعدات تُتيح لها النمو المستمر، هذا مع تدفق المزيد من المال لها أكثر مما كانت تحصل عليه من استغلالهم للمناطق الأكثر فقرًا. وبمقارنتها مع المناطق الغنية، فإن المناطق الفقيرة تحتاج لتوسيعٍ أكبر لبنيتها التحتية – من معدات صناعية ومنازل ومستشفيات وتحسين لوسائل النقل. وبالتالي، فإن المناطق الأكثر فقرًا ستتطلب قدرًا أكبر بكثير من نصيب الفرد من الدخل القومي إن كان الهدف الاشتراكي هو تحقيق شروط المساواة بين المناطق المختلفة والتغلب على التراتبيات والذي يُمَكِّن المناطق الأكثر ثراءً باستنزاع واستخراج الدخل والثروة من المناطق الأكثر فقرًا. كما أنه من المعقول توقع المنافسة الإقليمية على الموارد المحدودة المتاحة والمتوفرة. ومن أجل تجنب الصراعات والإسراف، فسيتعين إيجاد سُبُلٍ لتحقيق التنسيق – وبعبارة أخرى، سيتعين استخدام التخطيط الوطني والإقليمي. وإذا ما أخذنا بعين الاعتبار التفاوت (أوجه اللا مساواة) العالمي، فإن الأنواع المختلفة لنماذج اشتراكية السوق الوطنية هذه لن تؤدي إلّا إلى إعادة إنتاج التفاوتات القائمة.

للقضاء على الطبقات وتلبية احتياجات جميع الناس، بما يتناسب ويتوافق مع بيئةٍ صحية، فإن التخطيط والرقابة سيكونان ضروريين. وهذا لا ينفي أوجه الضعف والقصور المُحتَمَلَة للاقتصاد المخطط – التوجيه، وتضليل بيروقراطية متميزة سعيًا وراء مصالحها الخاصة، وعدم المرونة، وغياب الديمقراطية في مكان العمل وما إلى ذلك. سيتطلب التخطيط الاشتراكي المُجدي والهادف حريّة النقاش، والمشاركة النشطة والفعّالة للعمال، ومجالًا للتجربة مع سير وتحرك المجتمع على طول دروب لم تُسلك من قبل. إنّ التخلي عن التخطيط والتنسيق، واتخاذ القرارات الاستثمارية والتوزيعية استنادًا على السوق، سيؤدي في نهاية المطاف إلى التخلي عن الطريق للاشتراكية. هذه المسألة في جوهرها هي مسألةٌ متعلقةٌ بالسياسة لا الاقتصاد. ويعتمد قدر كبير من ذلك على سؤالين: أيّ نوع من النمو الاقتصادي سيتشكل؟ ولصالح من؟ هل الهدف ببساطة هو الإنتاج في سبيل الإنتاج نفسه – من أجل الأشياء بدلًا من كونها من أجل الناس؟ إنّ إخضاع قرارات توزيع الموارد لظروف السوق – بدلًا من التخطيط المحلي، والإقليمي، والوطني – هو أفضل طريقةٍ لإنتاج وإعادة إنتاج التفاوت السلطوي والذي سيبقى قائمًا ومستمرًا تحت ظله. فرغبات من يملكون الكثير مُحتَّمٌ لها أن تَملُك قدرًا هائلًا من السيطرة على ما يحدث. حتى إذا تم تشغيل مصنعٍ ما كتعاونيةٍ عمالية، فإن الإدارة ستخضع لنفس القوى التي تتعرض لها الشركات الرأسمالية إن كان السوق هو من في يديه زمام الأمور. سيضَّطر العمال للرضوخ لمنطق السوق، تمامًا كما ترضخ الشركات القليلة المملوكة والمدارة من قبل العمال للسوق في ظل الرأسمالية.

وعلى الرغم من تأكيد البعض على عدم إمكانية تطبيق التخطيط، فإنه لا توجد أي وسيلة أخرى للحصول على توزيعٍ عادلٍ للموارد المحدودة غير التخطيط المركزي. ففي المجتمعات الرأسمالية، يتم إجراء درجةٍ ما من التخطيط على المستويات المختلفة، خاصةً داخل كلّ شركة. غير أنه يجب حتى على مجتمعٍ رأسماليٍّ أن يطوّر وأن يستخدم خطةً مركزيةً عند مواجهته لصعوبات جمّة. فمن دون التخطيط المركزي، ما كان يمكن للولايات المتحدة – في وقتٍ قصيرٍ جدًا خلال الحرب العالمية الثانية – أن تُحوّل اقتصادها ليس فقط لتزويد الجيش الأمريكي بالأسلحة والطائرات والبوارج والسفن التجارية، بل لتوفير المعدات اللازمة للجيوش البريطانية والسوڤييتية. فمن أجل تحويل الإنتاج والمواد الخام اللازمة للإنتاج الحربي، تم تقييد شركات صناعة السيارات من الإنتاج للأسواق المدنية ومنعت شركات البناء من إقامة مساكن للمدنيين. حتى أن بعض الإنتاج الحربي قد اضطّر لإبطاء إنتاجه في بعض الأحيان بسبب عدم توفر ما يكفي من الموارد لإنتاج المزيد من العتاد الحربي المطلوب بإلحاح.

لم يكن التخطيط مثاليًا ولم تُلبّى جميع الاحتياجات المتضاربة. حتى أن بعض الشركات قد قامت بتخريب الخطط بشكل متعمّد. ولكن في نهاية المطاف، وعلى الرغم من الأخطاء والتصادمات، أسفرت حتى هذه الخطط الخرقاء عن إنجازٍ مدهش. إحدى العناصر الهامة في هذا النجاح كان امتلاك الشركات التجارية العملاقة للمعدات، فضلًا عن الخبرات في تخطيطهم لشبكاتهم التجارية الخاصة بهم. والجدير بالذكر هو أنّ إنشاءَ تصنيعٍ متقدمٍ في الولايات المتحدة (بالإضافة إلى البلدان الرأسمالية الرائدة الأخرى) كان لا بد أن يكون متجذرًا في التخطيط المركزي على مستوى الشركة.

وكملاحظة اعتراضية مهمة بعض الشيء، كان هاري ماجدوف مشاركًا بنشاط في التخطيط لشركات صناعة الآلات في الولايات المتحدة خلال الحرب العالمية الثانية. لقد استغرقت الشركات وقتًا طويلًا للتكيّف مع الخطة المركزية، بسبب الأنانية والعقلية التجارية الخاصة. وفي بداية الأمر، كانت العقبات شائعة في قطاع صناعة الطائرات، والذي حد من الإنتاج اللازم والعاجل. لقد كان لدى إحدى شركات الطائرات المزيد من بعض أنواع آلات التشغيل عما كان مُحتاجًا له، لكن لم يكن لديها ما يكفي من الأنواع الأخرى. وقد توقف الإنتاج في العديد من الشركات الأخرى لأسباب شبيهة. استُدعِي هاري ماجدوف لمحاولةِ إيجادِ مخرجٍ ما وقد اقترح حلاً ممكناً ناجعاً، انطوى على تنسيق إجراءات التوريد. ولم يمضي وقت طويل، حتى بدأت الخطة بالعمل، بحد كبير، لأخذها العناصر البشرية بعين الاعتبار. لقد تم تدريب قادة الأعمال التجارية في السابق لأن يصبحوا مسترشدين بالسوق. وقد كان لدى المحاسبين والكتبة الآخرين عادات عمل مترسخة حيث تعين تغيير ممارساتهم الاعتيادية. كما أنه تم التشاور مع أرباب العمل وقد ساعدت مقترحاتهم في تصميم تفاصيل الخطة. كما قد كان مطلوبًا من الكتبة دقةً استثنائية. ومن أجل الحصول على التعاون المطلوب، عُقِدت اجتماعاتٌ مع العمال دون حضور أرباب العمل، حيث وُصِفَت الخطة ووُضِّحَت أسبابها، ومن ثم طُلب من العمال إبداء آرائهم ونصائحهم ومشوراتهم، والتي أثّر معظمها على الشكل النهائي للخطة.

لا يعترف المشككون بفعالية أو حتى إمكانية التخطيط المركزي إلا بأوجه قصوره في حين ينكرون كل إنجازاته. لا يوجد في التخطيط المركزي ما يتطلب التوجيه أو حصر جميع جوانبه في السلطات المركزية. لا يحدث ذلك إلّا بسبب تأثير المصالح البيروقراطية الخاصة والقوة الشاملة للدولة. فالتخطيط للشعب يجب أن يُشرِك الشعب. وخطط المناطق والمدن والبلدات تحتاج إلى المشاركة النشطة من جانب السكان المحليين والمصانع والمخازن في مجالس العمال ومجالس مجتمعاتهم المحلية. والبرنامج العام – خصوصًا عند تقرير توزيع الموارد بين بضائع الاستهلاك والاستثمار – يحتاج إلى المشاركة الشعبية. ومن أجل ذلك، يجب أن يكون لدى الناس الحقائق، بطريقة واضحة لإرشاد قراراتهم وتفكيرهم، وأن يُسهِموا في القرارات الأساسية.

مُقتطف من مقال «التطرق للاشتراكية»، من مجلةمونثلي رڤيو