حول العنصرية العرقية وارتباطها بالرأسمالية

blackpwer

كيت جيفريز

نحن نعيش في عصرٍ تسود فيه العنصرية العرقية. في أستراليا، ليس سعيُ الحكومتين الفدرالية والغرب أسترالية لطرد الشعب الأصلي في المجتمعات النائية من أراضيهم إلّا آخر حلقةٍ في الحرب على الشعوب الأصلية في هذه البلاد. وفي الولايات المتحدة الأمريكية، ينتشر وباء قتل الشرطة للشباب السّود (غالبًا). وأما في أوروبا، فالأحزاب الفاشيّة وأحزاب اليمين المتطرف قد كسبت قواعد شعبية، حيث تستمر الهجمات على شعب الروما ووصلت العنصرية ضد المسلمين واللاجئين والمهاجرين لمستوياتٍ متطرفة.

من الواضح أنّ هذه المشكلة مشكلةٌ عالمية. كيف وصلنا لهذه النقطة وكيف بإمكاننا أن نغيّر هذا الوضع؟ يحدد الاشتراكيون بداية العنصرية العرقية في ولادة الرأسمالية ويجادلون أنّه من أجل أن نتحدى العنصرية العرقية، يجب علينا تحدّي النظام الذي ينتجها ويستفيد منها.

الرأسمالية والعبودية

وصف ثوريّا القرن التاسع عشر كارل ماركس وفريدريك إنجلز واقع المصنعة (industrialization) البريطانية كالتالي: عمالة الأطفال، فظائع المناجم والطواحين، وحيواةٌ خُسرت بسبب أوضاع العمل والمعيشة الفظيعة في ذلك الوقت. جاور ذلك الاختطاف الجماعيّ للأفارقة وبيعهم كعبيدٍ في مستعمرات الأمريكيّتين، حيث وصف ماركس في «رأس المال» العلاقة ما بين العمالة المأجورة في أوروبا والعبودية في العالم الجديد قائلًا: «إنّ العبوديّة المقنّعة للعمالة المأجورة في أوروبا تحتاج العبوديةَ الكاملة في العالم الجديد كقاعدةٍ لها. يأتي لنا رأس المال والدم والتراب يتسرّب من رأسه حتى أخمص قدميه، ومن كلّ مسامة».

ما بين 1500 وحتى 1870، اختطف تجّار العبيد خدمةً للقوى الأوروبية إثنا عشر مليون شخصٍ من شواطئ أفريقيا. تبع ذلك رحلةٌ مرعبة خلال المحيط الأطلسيّ: كان المساجين يُقيّدَون بعضهُم ببعضه، غير قادرين على الحركة وبالكاد يستطيعون التنفّس؛ مات واحدٌ من كل عشرة مساجين أثناء الترحال.

حال وصولهم إلى الأمريكيّتين الشمالية أو الجنوبية أو إلى بحر الكاريبي، اشترى ملّاكُ المزارع المساجينَ الناجين في محاكاةٍ مقزّزة لبيع المواشي، حيث وصف المؤرخ سيرل ليونيل روبرت جيمس تلك العملية في كتاب «اليعاقبة السّود» قائلًا: «تفحّص المشترون العبيد ليروا العيوب؛ نظروا إلى الأسنان، وقرصوا الجلد وفي بعض الأحيان تذوّقوا عرقهم ليروا إن كان دمّ العبد نقيًا وصحّته تبدو جيّدةً مثلما هو مظهره».

كان العمل في المزارع وحشيًا وغير منقطع. يشير جيمس أنّه أجل إبقاء المُستعبَدين في حالة خضوع، تطلّب ذلك «نظام وحشيّة وإرهابٍ محسوبتين». كان العبيد يُمنعون من القراءة والكتابة، أو التجمع في مجموعات، أو استخدام الدّين ليعبروا عن قضيّة مشتركة. أيّ نشاطٍ لمّح عن وجود تنظيمٍ وجب قمعه.

حوالي خُمس من تمّ بيعهم كعبيد ماتوا خلال سنة من شراءهم – إمّا عملوا حتى الموت، أو ضُرِبوا حتى الموت.

العنصرية العرقيّة

من السهل أن ننزع لافتراض أنّ العنصرية العرقية المقيتة من جهة ملّاك المزارع جلبت هذه الحقبة الوحشيّة في التاريخ. ومع ذلك، فكما كتب إيريك ويليامز في عمله الكلاسيكي المعنون «الرأسمالية والعبودية»  المنشور عام 1944: «لم تُولد العبودية من العنصرية، بل على العكس، كانت العنصرية نتيجةً للعبودية».

كان أوّل مصدرٍ للعمالة في العالم الجديد هو العمّال البِيض السَخرة: أناسٌ أرادوا حياةً أفضل من تلك التي عرضتها لهم الآمال الكئيبة في بريطانيا وقتها، وفي مقابل عبور الأطلسي إلى الأمريكيّتين، باع هؤلاء أنفسهم لخدمة مالك أراضٍ غنيّ لسنواتٍ معدودة.

ولكن هذا النوع من العمالة غير الحرّة لم يلبّي حاجة المستعمرات المتنامية، فالمزارعون الصغار أزاحهم الزحف الجشع لنظام المزارع الكبيرة (plantation system)، والتي لم تُنتِج فقط من أجل تلبية الحاجات بل من أجل التصدير الضخم للمحاصيل أحادية النوع. منذ ثمانينات القرن الخامس عشر وما بعدها، أصبح العبيد الأفريقيّون المصدر الرئيس للعمالة في هذه المزارع، حيث وصف ويليامز ذلك قائلًا:

كان السبب اقتصاديًا، وليس عرقيًا. لم يتعلّق الأمر بلون العامل، بل برخص العمالة…فلو تطلّب الأمر، كان [ملّاك المزارع] سيذهبون للقمر من أجل العمّال، ولكنّ أفريقيا كانت أقرب من القمر، وأقرب أيضًا من البلدان الأكثر سكانًا مثل الهند والصين، ولكنّ دور هؤلاء كان سيأتي لاحقًا.

نمت عنصريّةٌ عرقيّة أوليّة حول نظام العبوديّة لتبرّره وتعزّزه. ترعرت أجيالٌ في مجتمعٍ كانت كلمة «زنجيّ» فيه مرادفةً لكلمة «عبد». هكذا وُلِدت العنصرية.

كلّ البشر خُلِقوا متساوين؟

حقّق ملّاك المزارع والمصانع وسفن العبيد للقرن الثامن عشر أرباحًا ضخمة من خلال التجارة المثلّثية (triangular trade) ما بين أوروبا وأفريقيا والأمريكيّتين، وحسب وصف ويليامز: «أبحرت سفينة العبيد من البلد الأم محمّلة ببضائع مصنّعة، وهذه البضائع تمّ بيعها بأرباحٍ على شاطئ أفريقيا مقابل “زنوج”، وهؤلاء بدورهم تمّ بيعهم إلى المزارع، بربحٍ آخر، مقابل حمولة من منتجات المستعمرات يتمّ حملها للبلد الأم».

وفّرت منتجات المستعمرات المواد الخام من أجل المصنعة في إنجلترا. بهذه الطريقة، عملت التجارة المثلّثية كمحرّكٍ لنموّ الرأسمالية: «بحلول 1750، بالكاد كانت هنالك بلدةٌ تجاريّة أو صناعية في إنجلترا لم تكن مرتبطة بطريقةٍ أو بأخرى بالتجارة المثلّثية أو التجارة الاستعمارية المباشرة».

وبالتالي، كما يشير روبن بلاكبرن في كتاب «خلق عبودية العالم الجديد»، بنى نظام الرأسمالية الناشئ – المتميّز نظريًا ببيع العمالة الحرّة في السوق – «أحد أكبر أنظمة العبودية في تاريخ البشرية».

ومع هذه التناقض أتى صراعٌ أيديولوجي، فالثوريّون الأمريكيّون كرّسوا مُثُل حقوق الإنسان والديموقراطية والمساواة، ودعم راديكاليّون مثل توماس بين إلغاء العبوديّة، ولكنّ أنصار الأرباح لم يدعموا ذلك. يسأل الاشتراكيّ الأمريكي لانس سيلفا:

كيف يمكن للآباء المؤسسين للولايات المتحدة – وأغلبهم كانوا ملّاك عبيد – أن يوافقوا ما بين مُثُل الحريّة التي حاربوا من أجلها مع نظامٍ مثّل النفي التام للحريّة؟ ناسبت أيديولوجيّة تفوّقية البيض (white supremacy) ذلك الغرض…من أجل إقصاء العبيد السّود من بركات الحريّة، مما قاد مفكّري ذلك الزمن أن يدّعوا أنّ السود لم يكونوا حقًا «بشرًا»، بل هم – حسب زعمهم – كائناتٌ أقلّ مكانةً.

لم تجلب هزيمة العبوديّة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر المساواة للسّود، ولم تنتهي معها العنصرية العرقية. إنّما قامت الطبقة الحاكمة للولايات المتحدة بعد تحوّلها بتكييف العبودية لتناسب السياق الجديد، حيث يشير سيلفا أنّ العنصرية العرقية «لم تعد تبرّر استعباد السّود، ولكنّها برّرت وضعهم كمواطنين من الدرجة الثانية كعمّالٍ مأجورين وكمؤاكِرين».

الاستعمار

ناسبت إيديولوجية تفوقيّة البِيض عصر الإمبراطوريّات بشكلٍ جيد. بجّل روديارد كيبلنغ أولئك الذين «سيحملون عبئ الرجل الأبيض»، فارضين الإرادة الاستعمارية على «الشعوب الأجلاف – الواحد منهم نصفه شيطان ونصفه الآخر طفل». تنافست القوى العالمية من أجل المناطق والمصادر، مبرِّرين دورهم في التزاحم من أجل السيطرة على أفريقيا ودورهم في غزو آسيا والشرق الأوسط باستخدام سرديّاتٍ عنصرية عرقية يقوم فيها أبطالٌ بِيض بجلب «الحضارة» لشعوبٍ دنيئة.

دعمت العنصرية العرقية المشروع البريطاني الاستعماري في أستراليا، حيث تمّ تبرير الاستيلاء الضخم على الأراضي عن طريق نفي وجود الشعوب الأصلية. مع أنّ زعم كونها «تيرا نوليوس» (أرض لا أحد) تمّ دحضه عن طريق مقاومة الشعب الأصلي الشجاعة، وسّع المستعمرون البريطانيون مستوطناتهم باستمرار، طاردين السكان الأصليين من أراضيهم.

حثّت تجارة الصوف النامية والحاجة لأراضي رعيٍ شاسعة للأغنام على القيام بمجازر شنيعة ضد الشعوب الأصلية في ثلاثينات وأربعينات القرن التاسع عشر عندما طرد محتلّو الأراضي مئات الآلاف من الناس من المروج المسطحة شرقيّ أستراليا.

ومع تنامي المستعمرات الأسترالية ومعها تزايد الطلب على العمالة، غيّرت الطبقة الحاكمة الناشئة سياساتها في بعض الأماكن. من أجل تلبية حاجات قطاع الصوف، تمّ (فعليًا) استعباد الشعوب الأصلية عوضًا عن إبادتهم.

نشأ علمٌ زائف لكي يبرّر أنشطة الإمبراطوريات في كلّ أرجاء العالم ومن أجل أن يصقل مفهوم «العرق» ليصل لشكله الحديث كحزمة من الصفات المتوارثة بيولوجيًا.

محاربة العنصرية العرقية، هي محاربة النظام

دحض عالم الأحياء التقدميّ ستفين جي غلود في كتاب «إساءة قياس الإنسان» فكرة أنّ العرق مرتبط بالذكاء أو بالقدرات العقلية، وبرهنت أعمال علماء مثل ريتشارد ليونتن أنّ «العرق» ليس بطريقةٍ مجدية لتصنيف الشعوب جينيًا، ولكنّ دحض هذه النظريات المسمومة لم يكن كافيًا للتخلص من العنصرية العرقية، فالعنصرية نشأت من الحاجات الاقتصادية للرأسمالية وتستمرّ اليوم لأنّ الرأسمالية لا تزال موجودة.

لا تزال العنصرية العرقية اليوم تُستخدم لتبرير سرقة الأراضي والحروب ولتلهي الناس من الهجمات على حقوقهم وعلى أوضاعهم المعيشيّة والأهم من ذلك أنّها تجعل الشعوب العامِلة تعادي بعضها بعضًا.

تواجدت سياسة «فرّق تسُد» منذ زمن بعيد. وصف الإلغائيّ[*] فريدريك دوغلاس هذه العمليّة عام 1866 قائلًا:

إنّ العداوة ما بين البِيض والسود في الجنوب يمكن شرحها بسهولة: يتواجد جذرها وخلاصتها في علاقات العبودية، وتمّ الحث عليها لدى الجانبين عن طريق مكر أسياد العبيد، فؤلاء الأسياد ضمنوا سيادتهم على كلٍ من البِيض الفقراء والسود عن طريق وضع عداوةٍ ما بينهم. فرّقوهم كي يسودوا على كلٍ منهم.

اليوم، وبسبب جهود الحركات المناهضة للعنصرية، أن تعبّر اليوم عن اعتقادك بالدونيّة البيولوجيّة لغير البِيض لهو أمرٌ مكروه. تحوّلت العنصريّة العرقيّة عوضًا عن ذلك للمجال الثقافي: المسلمون يرفضون الديموقراطية، والشعوب الأصلية لا يربّون أبناءهم جيدًا، وغيرها من الأكاذيب. ولكن مع ذلك فوظيفة الإيديولوجيا العنصرية لا تزال هي هي.

يوفّر لنا التعرّف على جذور العنصرية وأسباب بقائها أدوات قويّةٍ في نضالنا ضدّها، إذ إننا حين نعلم إن هذه الأفكار أنتجها نظامٌ اجتماعيّ واقتصاديّ يحتاج للاضطهاد والإخضاع كي يعمل، نعلم أنّنا يجب أن نحارب هذا النظام إن كنا نرغب بتحدّي العنصرية العرقية. وبالمثل، يجب على أيّ نضالٍ حقيقيّ ضد الرأسمالية أن يكون مناهضًا للعنصرية وأن يقف متضامنًا مع من يتعرضّون لها.

المصدر: ريد فلاغ

ملاحظات فريق الترجمة:

[*]الإلغائية: مُسمّى أطلق على الداعين لإلغاء العبودية في أمريكا.