التجربة الصينية: ماذا نتعلم من فشل المجتمعات الما بعد ثوريّة؟

chinawor

هاري ماجدوف وفريد ماجدوف

عندما دخل الجيش الأحمر، بقيادة الحزب الشيوعي الصيني، إلى بكين في عام 1949، كانت الأعمال اللازمة لتعبيد الطريق للاشتراكية تتجاوز أساطير هرقل، إذ استشْرَت المجاعات وانتشرت في كل أنحاء الصين، ومعها ذلك الفقر الذي كان يدور في ذهن غاندي بلا شك عندما قال: «الفقر هو أسوأ شكلٍ من أشكال العنف». لم يوجد نظام رعاية صحي آنذاك، وكانت الأمراض بكل أنواعها مستشريةً ومنتشرةً في كل أنحاء البلاد. كانت الجماهير أميّة، فالتعليم كان في حده الأدنى. كل هذه الظروف القاسية والبائسة اجتمعت لتنتج حقيقة مفزعة: كان متوسط العمر المتوقَّع في الصين آنذاك خمسة وثلاثين عامًا!

قلب النظام الجديد المجتمع القديم رأسًا على عقب بإيلائه تلبية الاحتياجات البشرية أولويةً رئيسية. تمّ إنشاءُ نظامٍ صحيّ على مستوى البلاد، وشُنّت حملاتٌ قلّصت إلى حد كبير – وفي بعض الأحيان قضت على – الأمراض المستشرية. تمت توسعة المرافق التعليمية بشكل كبير ومحيت الأميّة على نطاق واسع عن طريق حملة شاملة، واستُحدث أيضًا نظام «وعاء الأرز الحديدي» (Iron Rice Bowl) – وهو نظامٌ يضمن توظيفًا مدى الحياة ويُأمّن معاش تقاعدٍ للموظفين والموظفات. وفي أوائل خمسينيات القرن العشرين، حصل كل فلاحٍ على حصةٍ من «أثمن وسائل الإنتاج الأساسية، ألا وهي الأرض» على حد تعبير بيل هينتون. وكانت النتيجة المذهلة لكل هذه الجهود الرامية لتحسين معيشة الناس هو أن متوسط العمر المُتوقَّع قد ارتفع إلى خمسة وستين عاما بحلول عام 1980!

لكن، ومع كل ذلك، فقد فتحت هذه المنجزات الاجتماعية الراديكالية في غياب ديمقراطية حقيقية الفرصة لنموّ وتأثير البيروقراطية. ندّد ماو تسي تونغ ولوّح آنذاك بشدة كما هو بائن في كتاباته ضد البيروقراطيين الجدد، والذين لم يتصرّفوا كقادةٍ على مرؤوسيهم فحسب، بل حصلوا أيضًا على امتيازاتٍ خاصة لأنفسهم. وضّح ماو مرارًا وتكرارًا هذه المخاطر، وقد وصفها تشو إنلاي – إحدى مساعدي ماو المقربين –  في «تقرير عن عمل الحكومة، 30 ديسمبر 1964» قائلًا:

سوف تبقى طبقة ملاك الأراضي، والبرجوازية والطبقات المستغِلّة الأخرى، واللاتي أطيح بها، قويةً لفترة طويلة جدًا في مجتمعنا الاشتراكي؛ فلا يجب علينا تحت أي حال من الأحوال وتحت أي ظرف من الظروف الاستخفاف بهم. وفي الوقت نفسه، سيتم توليد وإنتاج عناصر برجوازية جديدة، ومثقفين برجوازيين جدد، ومستغِلّين آخرين جدد بلا كللٍ في المجتمع، وفي الحزب والأجهزة الحكومية، والمنظمات الاقتصادية والدوائر الثقافية والتعليمية. وسَتُحَاول هذه العناصر البرجوازية الجديدة والمستغِلّين الآخرين بكل تأكيد إيجاد حماة ووكلاء لهم في المنظمات الرائدة العليا. وبكل تأكيد، ستُوحِّد العناصر البرجوازية القديمة والجديدة والمستغِلّين الآخرين من قواهم لمعارضة الاشتراكية وبناء الرأسمالية.

وكما أشار ماو، فإن البعض، حتى ممّن كان يتقلد مناصبَ عليا في الحزب الشيوعي، أراد أن يسلك «الطريق الرأسمالي». كان هدف ماو منذ بدء «الثورة الثقافية» (1966-1976) هو تعبئة وإشراك الملايين والملايين من جميع قطاعات المجتمع – سواءً كانوا عمالًا وفلاحين أو كانوا طلابًا ومثقفين – في صراع ضد القوى الراغبة بإعادة بناء الرأسمالية داخل الحزب. غالبًا ما يُنظَر إلى الثورة الثقافية، في معظم أوساط المثقفين في الولايات المتحدة والصين، كحقبةٍ فوضويةٍ غير إنسانية. صحيحٌ أن الثورة الثقافية كانت فوضوية: مع تعدد فصائل الحرس الأحمر المختلفة (حتى أن بعضها كان صوريًا ومصطنعًا، ومن المحتمل أنّها تم تنظيمها ممّن هاجمتهم الثورة الثقافي، وذلك من أجل إرباك الجماهير) وتضمّنت حالاتٍ عديدة من التعامُل المبالغ به وغير الإنسانيّ مع الناس، بما في ذلك القتل. لكن من ناحية أخرى، تَنظر المناطق الريفية لهذه الفترة بصورة أكثر إيجابية، حيث يُنظر إليها كفترةٍ بُنيت فيها أغلبية البنية التحتية ووُلّيّت قضايا ومشاكل السواد الأعظم من الناس الساكنين للريف المزيد من الاهتمام.

لكن، حدث تغييرٌ كبير – وفي الواقع انعكاس – في اتجاه التنمية الاقتصادية والاجتماعية في الصين بدءًا من عام 1978، أي بعد عامين من وفاة ماو، وذلك عندما قام كبار مسؤولي الحزب بإصلاحات كبرى انحرفت عن الخصائص والسمات الأساسية للثورة.

نحن لسنا قادرين كما أننا لا نرغب بتشخيص الأهداف النفسية أو الشخصية لمهندسي الاتجاه الجديد، ولم نحاول أعلاه توضيح كل التحولات والانعطافات التي سلكتها الثورة الصينية في أعقاب عام 1949. لكن، ما أصبح واضحًا هو تواجد فروقات حادة لفترة طويلة من الزمن داخل قيادة الحزب حول بنية المجتمع واستراتيجية تنميته. فهناك من رغب، في جانب واحد، في (أ) التصدي للإمبريالية الخارجية (والذين في الواقع سيطروا واستثمروا في مناطق على الساحل الشرقي)، و(ب) التخلص من الثقافة الإقطاعية القديمة، و(ج) إعطاء الأولوية لمساعدة الفلاحين، و(د) التغلب على الشوفينية الهانية بإيلاء أهميةٍ إضافيةٍ للأقليات القومية. أما في الجانب الآخر، فهناك من سعى إلى تحويل الصين إلى قوةٍ عظمى من خلال إعطاء الأولوية للتصنيع وسرعة تطويرها.

نحن نكتب هنا ليس كاختصاصيين في الصين، فالوصف أعلاه هو الطريقة التي قرأنا بها التاريخ الحديث، لا سيما الهدف المعلن بالاعتماد على ما سماه قادة «الإصلاح» بـ«الاشتراكية ذات الخصائص الصينية» (والتي يشار إليها أحيانا بـ«اقتصاد السوق الاشتراكي»). أصبحت المزيد والمزيد من المعلومات متاحةً الآن حول الميزات والخصائص الهامة لهذا الانعكاس. إحدى الأهداف الرئيسية للثورة كان خلق مجتمعٍ قائمٍ على المساواة. وبالفعل، كان ذلك هو التوجه في السنوات الثلاثين الأولى. أما «الاشتراكية ذات الخصائص الصينية» والتي أعلن دينج شياو بينج فيها «أن تصبح غنيًا هو أمر مجيد»، فقد تحركت بسرعة في اتجاه «الطريق الرأسمالي» الذي خشاه ماو – والتي جلبت أكثر الخصائص السلبية للرأسمالية بيئيًا واجتماعيًا (والتي نوقشت في قسمٍ سابق من هذا المقال) ودفعتها إلى حيز التنفيد بشكل كامل.

وقد أدى مسار الصين الجديد بالفعل في زيادة سريعة للغاية في كلٍ من الإنتاج وإجمالي الدخل القومي. وعلى الرغم من اندهاش الكثير من هذا المعدل المرتفع للنمو الاقتصادي، إلا أنه ينبغي الأخذ بعين الاعتبار أن الكثير من النمو قد أصبح ممكنًا بفضل البنية التحتية الناشئة في فترة ما قبل «الإصلاح» الثورية. وقد كان ممكنًا أيضًا بسبب الزيادة الكبيرة في الصادرات (من 0.6 تريليون دولار في عام 1990 إلى 4.3 تريليون دولار في عام 2003) المُموَّل بشكل رئيسي من قبل رأس المال الأجنبي والذي حقق أرباحاً فائقةً على ظهر العمال الصينيين ذوي الأجور المتدنيّة جدًا والمُقسَرين على الانضباط. وفي إطار استراتيجية الاستثمار المتَّصِف بكثافة رأس المال العالية في الأجهزة المُوفِّرة للجهد، فإنّ «أكثر من 90 بالمئة من متوسط قيمة الـ11.2 في المئة السنوية المضافة للنمو الصناعي بين عامي 1993-2004 كان في شكل نمو إنتاجية العمل بدل من نمو العمالة» حسب تقرير البنك الدولي عن «تحديث الصين الربع سنوي» لأبريل من عام 2005. ومع تركز ارتفاع معدلات النمو الاقتصادي في الصناعات المؤتمتة المُنتِجة أساسًا للصادرات، ومع وجود عمّالٍ غير قادرين على تنظيم نقابات نضالية (millitant)، فإن الثروة الناشئة لم تتدفق إلى الطبقات الدنيا (إشارةً إلى نظرية التدفق الهابط)[*]. والنتيجة التي ترتبت على ذلك هي حَلّ طبقة عليا غنية جدًا وطبقة وسطى مرتاحة وميسورة معيشيًا محلّ النظام السابق القائم على المساواة، وأما بالنسبة للبقية فقد أصبح مصيرهم هو: الفقر، وانعدام الأمن، والبطالة، والانخفاض في التعليم والرعاية الطبية. تمّ الاعتراف بتأثير هذا الانعطاف على الفئات الفقيرة العريضة أخيرًا في الدوائر الرسمية. فقد أصدر القسم السياسي في وزارة المالية الصينية تقريرًا عن هذه المسألة. وقد نشرت «صحيفة الشعب اليومية» في 19 يونيو لعام 2013 مقالًا يحتوي على مضمون الوثيقة، حيث استهلّ المقال بالقول بأن التقرير قد كشَف، من بين أمور عدّة، أن الصين (1) «تشهد اتساعًا متواصلًا وغير متوقّف في فجوة توزيع الدخل بين الأغنياء والفقراء وانقساماتٍ متفاقمة ما بينهم» و(2) «أنّ الثروة المجمَّعة قد أصبحت أكثر تركيزًا، مع تزايد الفرق بين ثروات الأسر أكثر فأكثر».

لقد بلغت حِدَّة التطور السريع لعدم المساواة الدرجة التي أصبح فيها توزيع الدخل في الصين متقاربًا لتوزيع الدخل في الولايات المتحدة (انظر جدول 3). وبالإضافة إلى ذلك، فإن التفاوت في مستوى الدخل موجود أيضًا بين مختلف المناطق الصينية (جدول 4)، مع تركز أغلبية النمو في المناطق الساحلية.

جدول 3

جدول 4

إحدى أهم الدروس الممكن استخلاصها من انعكاسة الصين في اتجاهها هو – في رأينا – أنّ لدى ما يسمى باشتراكية السوق منطقٌ داخلي. فخطوةٌ واحدةٌ تؤدي إلى خطوةٍ أخرى في طريقٍ منحدرٍ وزلق نحو الرأسمالية. يشير المدافعون عن الانعكاسة لحقيقة أن الدولة لا تزال تملك ما تبقى من الشركات المؤممة. إلا أن ذلك في طور التغيير أيضًا. ففي فبراير، أعلن مجلس الدولة – وِفق مقال «وول ستريت جورنال» بتاريخ 28 فبراير 2005 – أنه مسموح «للشركات الخاصة قانونيًا أن تَنخرط في التنقيب عن النفط، وأن تُنشأ بنوكًا من حجمٍ معين، وأن توفّر خدمات اتصالات، وأن تُشغّل شركات طيران. كما أنه قد فُتِحَت العديد من القطاعات الأخرى كقطاع الخدمات، وقطاع الصحة، وقطاع التعليم، وقطاع الدفاع». وكما أشار عنوانٌ في صحيفة الفاينانشل تايمز إلى ذلك (1 مايو 2005) «الصين تعطي الضوء الأخطر لبيع حيازات الدولة». لقد ابتدأت هذه العملية بالفعل. ويتجلى ذلك في بيع الأسهم في أربع شركات تسيطر عليها الدولة – حسب ما أشارت إليه «إنترناشيونال هيرالد تريبيون» بتاريخ 9 مايو 2005 – بدءًا من «مؤسسة مجموعة شنغهاي زي جيانغ، لصناعات التعبئة والتغليف، وشركة ساني للصناعات الثقيلة، لصناعة الآلات، وتسينغهوا تونغفانغ، وهي شركة حواسيب، وشركة خبى جيننيو لمصادر الطاقة، وهي شركة فحم».

مُقتطف من مقال «التطرق للاشتراكية»، من مجلةمونثلي رڤيو

ملاحظات فريق الترجمة:

[*]تقول نظرية التدفق الهابط بأن حصول ذوي الدخل المرتفع على منافع اقتصادية أكبر سوف يعود بالنفع على المجتمع ويعمل على إيجاد الوظائف والحد من الفقر وزيادة الدخل. طبقا لهذه النظرية، طالما أن الاقتصاد يشهد نمواً فإن المنافع العائدة من ذلك النمو سوف تتدفق تلقائياً عبر هذا النظام.