تجربة الاتحاد السوڤييتي: ماذا نتعلم من فشل المجتمعات الما بعد ثوريّة؟

trot

بِقلم: هاري ماجدوف وفريد ماجدوف

ماذا ينبغي علينا القيام به حين ننظر إلى البؤس وأخطار الكوارث البيئية المستشرية في النظام الرأسمالي؟ لقد أعطت نورا كاستانيدا، مؤسِّسة بنكٍ نسائيٍ في ڤنزويلا، إجابةً بسيطةً مباشرةً في الآونة الأخيرة: «نحن في صدد خلق اقتصادٍ في خدمة الإنسان بدلاً من خلق إنسانٍ في خدمة الاقتصاد». بإمكان هذا الوصف أن يمثل جوهر الهدف الاشتراكي، وبإمكانه أيضًا أن يمثل آمال المليارات من البشر، إلا أن ما آلت عليه اثنتين من الثّورات الاشتراكية العظمى، أي الاتحاد السوڤييتي والصين، قد ترك الكثير من الناس محبطين ويائسين إزاء احتمالات وآفاق الاشتراكية.

للأسف، لدى الكثير منا رؤيةً مبسطةً وسطحيةً للتاريخ، مائلةً للتغاضي عن التناقضات الكامنة في الطريق للنظام الاجتماعي الجديد. لقد أنجزت مجتمعات ما بعد الثورة الكثير: من نسبة توظيفٍ كاملة وحتى تعليمٍ شامل، وخدماتٍ طبيةٍ لجميع الناس والتصنيع وازديادٍ في متوسط العمر المُتوقع وانخفاضٍ حاد في معدل وفيات الرضع، وأكثر من ذلك بكثير. لقد سجلت هذه المجتمعات تقدمًا في الطريق للاشتراكية. ولكن بعد فترة قصيرة نسبيًا من الزمن، أخذت كلٌ من هذه المجتمعات منعطفاتٍ لنظمٍ اجتماعيةٍ لم تكن رأسمالية أو اشتراكية. وفي نهاية المطاف، أرست كلٌ من هذه المجتمعات الطريق للرأسمالية. لكن كيف انحرفت هذه الثورات؟ وهل من درسٍ يمكن استخلاصه لنستفيد منه عند القيام بمحاولاتٍ جديدةٍ في أخذ الطريق الراديكالي، أي الطريق الاشتراكي؟ من العسير الحصول على أجوبةٍ محكمة، ولا ندعي نحن معرفة كل الأجوبة. ولكن نود الإشارة لنصوصٍ من بعض الدراساتِ والتحليلاتِ التي قد تساعدنا على فهم هذا الفشل.

وأهم أمرٍ – في رأينا – هو أن الانحرافات عن الطريق الاشتراكي لم تكن حتميةً تاريخيةً؛ وإنما كانت امتداداتٍ لظروفٍ تاريخيةٍ محدّدة، والتي اعتمدت إلى حدٍ كبير على ثباتِ وبقاءِ فئاتٍ اجتماعيةٍ قديمة وطرقٍ قديمةٍ في التفكير. لقد استمر الفكر الرأسمالي في الوجود وخدم مجموعاتٍ حاكمةٍ جديدة، والكثير منهم، في سعيهم وراء مصالحهم الشخصية، لعبوا لعبة الاستيلاء على درجاتٍ أعلى في التسلسل الهرمي في حين كانوا متمسكين بأخلاق الطبقة القديمة المُطاح بها. لم يكن الهدف المعلن للديمقراطية الحقيقية – أي المشاركة الشعبية المكثفة في تحديد ووضع السياسات والممارسات في المجتمع الحديث – إلا مجرد قولٍ بدلاً من كونه فعلاً.

لعل إحدى الدروس المستفادة من مجتمعات الما بعد ثوريّة – إن لم يكن أهمها – هو التوكيد بأنّ الاشتراكية لا يمكن أن تتحقق بين عشّية وضحاها. فالطريق لمثل هذا التحول الهائل في البنية الاجتماعية ووعي الناس هو – في الواقع – طويل للغاية. وهو أيضًا مليء بالمزالق. لقد عبّر ماو عن هذه المسألة في «عن شيوعية خروشوف الزائفة ودروسها التاريخية للعالم: تعليق على رسالة اللجنة المركزية للحزب الشيوعي المفتوحة» ببساطة ووضوح حين قال في :

تُعلمنا الماركسية-اللينينية وممارسات وتجارب الاتحاد السوڤييتي والصين والبلدان الاشتراكية الأخرى أن المجتمع الاشتراكي يغطي ويشمل مرحلةً تاريخيةً طويلةً جدًا. وخلال هذه المرحلة، سيطول الصراع الطبقي بين البرجوازية والبروليتاريا، وستظل مسألة «من سيفوز» بين طريقي الرأسمالية والاشتراكية باقيةً أيضًا، كما ينطبق الأمر نفسه على خطر إعادة بناء الرأسمالية (capitalist resoration).

الفترة الانتقالية الطويلة لاشتراكيةٍ متكاملةٍ تتطلب ثقاقةً جديدةً حقاً مُشبّعةً بأيديولوجيةٍ جديدة. فالعكس والنقض الجوهريين للعقلية السائدة للفترة الرأسمالية هو أمرٌ مصيريٌ لخلقِ نظامٍ اجتماعيٍ جديد. ولكن الأيديولوجيات والقيم والأخلاق والمعتقدات السائدة في الرأسمالية هي أمور مترسّخة ولا يمكن أن تتطور وتتحول إلى شيء مختلفٍ بين ليلة وضحاها. نحن نعيش في مجتمع يُعزّز وغالبًا ما يتطلّب الأنانية والجشع والفردانية (كلٌ لنفسه) وروح «تغلّب القوي على الضعيف» التنافسية. أما المجتمع الاشتراكي – من ناحية أخرى – فسيتطلب وسيساعد على إنتاج أيديولوجيةٍ جماعيةٍ متكيفة مع ممارساتٍ اجتماعيةٍ مختلفةٍ تمامًا – أيديولوجيةٌ تُركّز على خدمة جميع الناس، وتَحظُر التسلسل الهرمي، وتتغلب على الفروقات في المكانات والمرتبات، وتتجه نحو مجتمع قائم على المساواة. لقد طرح ماركس السؤال الصعب هذا حول هذه التغييرات بتعبيرات فلسفية حين قال في «أطروحات حول فيورباخ»:

إن النظرية المادية التي تُقر بأن الناس هم نتاج الظروف والتربية، وبالتالي بأن الناس الذين تغيروا هم نتاج ظروف أخرى وتربية متغيرة، تنسى أنّ الناس هم الذين يغيرون الظروف وأن المربي هو نفسه بحاجة للتربية. ولهذا فهي تصل بالضرورة إلى تقسيم المجتمع إلى قسمين أحدهما فوق المجتمع. إن اتفاق تبدل الظروف والنشاط الإنساني (التغيير الذاتي) لا يمكن بحثه وفهمه فهما عقلانيًا إلا بوصفه عملا ثوريًا.

العبارة بالغة الأهمية المُستَخْدَمة في الاقتباس أعلاه هي «عملًا ثوريًا»، وهذا يتطلب درجةً عاليةً من المشاركة الشعبية في العملية الثورية لبناءِ مجتمعٍ جديدٍ. وذلك – على أقل التقادير – يتطلب وينبغي أن يشجع حرية الشعب الكاملة لانتقاد القادة ومناقشة السياسات.

تجربة الاتحاد السوڤييتي

تكمن عوامل كثيرة وراء الفشل في إقامة مجتمع اشتراكي في الاتحاد السوڤييتي. فعلى الرغم من التحسينات الكبرى في الرعاية الاجتماعية والتصنيع المثير للإعجاب، لم يتم تأسيس طريق واضح للاشتراكية – وبالتأكيد ليست تلك الاشتراكية التي دعا إليها ماركس. وبينما لم يكن الاتحاد السوڤييتي رأسماليًا، فهو لم يكن اشتراكيًا أيضًا. لقد ناقشنا سابقًا في صفحات موقع منثلي رفيو – بشيء من التفصيل – فهمنا للمشاكل الاجتماعية والاقتصادية التي نشأت في الاتحاد السوڤييتي. نحن لن نكرر كل الحجج والنقاشات السابقة، وإنما سنعطي موجزًا مختصرًا عن القضايا الرئيسية، مستخدمين أحيانًا مقتطفاتٍ من مقالاتٍ نشرت سابقًا.

بينما هزّت ثورة 1917 العالم بالفعل، فقد واجه مجتمع ما بعد الثورة العديد من المخاطر. فسنوات الحرب الأهلية الأربع عطلت المجتمع السوڤييتي، ودمرت قدرًا كبيرًا من بنيته التحتية، وجلبت له الكثير من الموت والدمار. كما واجه المجتمع الثوري الجديد الرغبة الشديدة لدى القوى العظمى – الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وغيرها – لسحق الثورة البلشفية في مهدها. لكن بمجرد أن قبض أنفاسه، حتى في وجه هذه الصعوبات الجمة، عمل الاتحاد السوڤييتي بكل سرعةٍ ممكنةٍ لتوفير فرصٍ متساويةٍ للشعب في السكن والتعليم والخدمات الطبية والرعاية لكبار السن وذوي الاحتياجات الخاصة. لقد كان ملفتًا – ومثيرًا ومدهشًا بحق – تَحقِيقُ الاتحاد السوڤييتي وحِفاظه على نسبة توظيفٍ كاملةٍ في نفس الوقت الذي كان فيه الغرب غارقًا في الكساد العظيم؛ فغالبًا ما تراوحت معدلات البطالة في هذه السنوات – حتى في أغنى البلدان – ما بين الـ20 إلى الـ30 بالمئة من القوى العاملة.

لقد قام هاري ماجدوف بجولة على شركات أدوات الآلات الأمريكية تمهيدًا لوضع خطةٍ لهذا القطاع الصناعي خلال الحرب العالمية الثانية. أفاد أصحاب الشركات مرارًا وتكرارًا أن بقاؤهم في أعماق الكساد الاقتصادي يرجع لتدفق الطلبات من روسيا لأجل خطتها الخماسية. وبالإضافة إلى ذلك، بنهوضه وانتشال نفسه بنفسه، حوّل الاتحاد السوڤييتي مجتمعًا متخلفًا ثقافيًا واجتماعيًا وصناعيًا إلى دولةٍ متقدمةٍ صناعيًا – حولها إلى دولةٍ كانت قادرةً على تجهيزِ جيشٍ وقواتٍ جويةٍ ليس فقط للصمود في وجه الغزو الألماني في الحرب العالمية الثانية بل في لعب دورٍ رئيسيٍ في هزيمة الجيش الألماني النهائية. غير أن الهدف الاشتراكي الأساسي – إلى حد كبير – قد تمّ تحريفه في وقت أبكر، ويرجع ذلك – بدرجة كبيرة – لنشوء نخبة بيروقراطية متميزة، وقومية مشوهة.

البيروقراطية والقومية

ابتعد مجتمع ما بعد الثورة الروسي كل البعد عن المُثُلِ الاشتراكية العليا التي دعا إليها كلٌ من ماركس وإنجلز. فهذين الأخيرين لم يصممان مخططات لمجتمع جديد، كما أنهما لم يتنبآن بتفاصيل تجارب ومحن النضال من أجل الاشتراكية – بما في ذلك إمكانية تناوب الفشل والانتصار، لمعاركٍ كُسِبت وخُسِرت، حتى يرتسي ويترسخ انتقال السلطة من الطبقات العليا إلى الطبقات السفلى. لكن، في تعلمهم من تيارات زمنهم وإعادة تأكيدهم على مبادئ الجمهوريات الشعبية، ظلّ إيمانهم، أي ماركس وإنجلز، راسخًا في إمكانيّة تحقيق نصرٍ نهائي. وهكذا، لم يُحتفل بكومونة باريس فحسب، بل دُرست أيضًا – كما هو الحال في مقال ماركس «الحرب الأهلية في فرنسا». لقد أشارت مقدمة إنجلز للمقال المذكور أعلاه للسياسات الاشتراكية الواضحة للكومونة. كانت إحدى الأمور ذات الأهمية المصيرية – في رأي إنجلز – محاولة الكومونة ضمان عدم نشوء نخبةٍ من قادةٍ بإمكانهم أن يصبحوا سادةً جدد:

لقد كان على الكومونة أن تعترف منذ بداية الأمر بأن الطبقة العاملة، بعد أن جاءت إلى الحكم، لا تستطيع أن تستمر في تصريف الأمور بواسطة جهاز الدولة القديم، وإنه ينبغي على الطبقة العاملة، كي لا تفقد مرة أخرى الحكم الذي ظفرت به آنفًا، أن تطيح بجهاز الاضطهاد القديم جميعه، والذي كان يستخدم سابقًا ضدها، هذا من جهة؛ وكان عليها من جهة أخرى، أن تحمي نفسها من نوّابها وموظفيها…

ولمجابهة تحول الدولة وأجهزة الدولة على هذا النحو من خدام للمجتمع إلى أسياد له – وهو تحول لا مناص منه في جميع الدول السابقة – لجأت الكومونة إلى وسيلتين لا تخطئان: أولا، عَينت في جميع الوظائف – الإدارية والقضائية والتعليمية – أشخاصًا منتخبين على أساس الاقتراع العام وأقرّت في الوقت نفسه بحق إلغاء تفويض هؤلاء المنتخبين بقرار من منتخبيهم في أي وقت. ثانيًا، لم تدفع لجميع الموظفين، كبارهم مناصبًا وصغارهم، إلا الأجور التي يتقاضاها العمال الآخرون…وبهذه الطريقة أُقيم حاجز أمين في وجه الركض وراء المناصب الرابحة والوصولية، حتى بغضّ النظر عن التفويضات الملزمة التي كانت تصدر للمندوبين في الهيئات التمثيلية، وهي التي أدخلتها الكومونة بالإضافة إلى ذلك.

الثورة السوڤييتية، في المقابل، واجهت ظروفًا خاصة أدت لنمو البيروقراطية والتي سيطرت على المجتمع السوڤييتي لاحقًا. إن ملاحظة تروتسكي في ختام الحرب الأهلية جديرة بالذكر، إذ يقول: «لقد لعب تسريح الجيش الأحمر المؤلف من خمسِ ملايينِ رجلٍ دورًا كبيرًا في تشكيل البيروقراطية إذ احتل القادة المنتصرون مراكز هامة في السوڤياتات المحلية والإنتاج والتعليم وحملوا معهم إلى كل مكان النظام الذي حقق لهم النصر في الحرب الأهلية. وهكذا وجدت الجماهير نفسها في كل مكان مبعدةً شيئاً فشيئاً عن الاشتراك الفعلي في السلطة» (كتاب الثورة المغدورة).

لقد نمت البيروقراطية كسرطان خلال الأوقات العصيبة وأوقات التعافي الصعبة من الحرب العالمية الأولى والحرب الأهلية التي تلتها. فلم ينقضي وقتٌ طويلٌ حتى تركّزت السيطرة على الاقتصاد والمجتمع في دولةٍ تحكمها أقلية صغيرة قابضةً بقوةٍ على سلطة الدولة. وجنبًا إلى جنب، نشأ قطاعٌ نخبويٌ من الشعب – قادة الأحزاب ورؤساء القطاعات الصناعية والمسؤولين الحكوميين والضباط العسكريين، والمثقفين والفنانين – ليصبح طبقةً ذات امتيازات. إن التقسيم الطبقي (stratification) للشعب والهرمية الناشئة في هذه الفترة أثّرت في أنماط التراكم وساهمت في إعادة إنتاج التشكيل الاجتماعي الجديد. لقد جلب التقسيم الاجتماعي-الاقتصادي للمجتمع بفوائد للنخبة السوڤييتية: ليس فقط بكمية الدخل، بل في الفروقات في نوعية الرعاية الطبية والتعليم وأماكن المعيشة (المنازل الريفية، فضلًا عن الشقق الحضرية الكبيرة والواسعة)، والمنتجعات السياحية وأكواخ الصيد، والسيارات والمؤن الغذائية غير المتوفرة في الأسواق. وبطبيعة الحال، كلما ازداد استهلاك النخبة، كلما قلّت المستهلكات المتوفرة لبقية الشعب. وهذه الامتيازات والقوة المتوفرة لأفراد الطبقات العليا تم استنساخها وإعادة إنتاجها في ذرياتهم. لكن بالرغم من ذلك، وتمييزًا لهذا النظام عن الرأسمالية، لم تكن هناك ملكية موروثة لوسائل الإنتاج في الاتحاد السوڤييتي.

لقد حكم نظام القيادة الهرمي ببطش على معظم جوانب الحياة المدنية وكذلك على الاقتصاد ككل. فإحدى سمات وخواص البيروقراطية البارزة والتوسعية هي صلابتها وشعور الطبقات العليا الدائم بانعدام الأمن (insecurity) – أي الحاجة لحماية المصلحة الشخصية وتجنب الطرد والإقصاء من المواقع المرموقة، ناهيك عن محاولة البقاء خارج السجن. وكقاعدة عامة، تغلغلت الهرمية في المعاهد، والمؤسسات والنقابات الصناعية. وهكذا أنتج الاتحاد السوڤييتي تناقضاته: هيكلٌ بيروقراطيٌ يدارُ بعيدًا عن الجماهير ومتصلبًا وجامدًا للدرجة التي بإمكانها أن تعرقل الإصلاحات الاقتصادية والسياسية الهادفة إلى تحسين كفاءة الإنتاج والتوزيع. وتماشيًا مع هذه التطورات، نشأت اختلافات واسعة في الأوضاع المعيشية بين الفئات السكانية، والجمهوريات، والأقاليم المختلفة. ففي كلٍ من الجمهوريات، سعت كلٌ من الطبقات الاجتماعية العليا والوسطى بجد للحصول على مكانةٍ أعلى وأسلوبِ حياةٍ مماثلٍ لأسلوبِ حياة الطبقات العليا والوسطى في الغرب.

أما الانحراف الثاني عن المبادئ الاشتراكية فقد دار حول المسألة القومية. لقد استولى القياصرة الروس – في القرن التاسع عشر – على مناطق واسعة، متكونةً من أممٍ ذات تنوع إثني وعرقي، وبنوا – مع طبقة النبلاء – امبراطوريةً شاسعةً وواسعةً. لقد اختلف قادة الحزب الشيوعي حول كيفية التعامل مع هذه المسألة بعد الإطاحة بالقيصر. ماذا ينبغي القيام به كاشتراكيين؟ لقد كان لينين حازمًا في موقفه، فالحل في رأيه كان: إنشاء اتحادٍ لدولٍ لدى كلٍّ منها الحق في الانفصال. وعلاوة على ذلك، ينبغي أن ينص الدستور على تناوب الجنسيات المختلفة للاتحاد السوڤييتي على رئاسته. سخر ستالين من اقتراحات لينين السياسية بكونها اقتراحاتٌ رومانسية. وفي نهاية المطاف، كانت النتيجة اتحادًا مثلت روسيا فيه المركز ومثّلت «الرَوسَنة» (Russification) فيه القاعدة.

لقد عكست التنمية الاقتصادية اللاحقة وضع روسيا المهيمن. صحيحٌ أن جمهوريات الاتحاد السوفييتي في آسيا والشرق الأوسط تقدمت بشكل ملحوظ في عدد من النواحي، فعلى سبيل المثال، كانت مستويات المعيشة والتعليم والمرافق الثقافية في جمهوريات آسيا السوڤييتية أعلى بكثير من تلك التي كانت لدى نفس الشعوب الإثنية على الجانب الآخر من الحدود. لكن على الرغم من ذلك، ظلت الفروقات الرئيسية بين المركز والأطراف. لقد ذكر تقريرٌ لكتيّبٍ إحصائي رسمي للاتحاد السوڤييتي أنه في عام 1987 – أي بعد سبعين عامًا من الثورة: «أن في هذا البلد ككل، يدرس إحدى وعشرون بالمئة من التلاميذ…في مدارس دون تدفئة مركزية، ويدرس ثلاثون بالمئة من التلاميذ في مدارس دون أنابيب مياه، ويدرس أربعون بالمئة في مدارس تفتقر للصرف الصحي». نحن نعتقد أن جوانب القصور هذه تشير إلى حجم الأولويات المُعتَمَدة من قبل المركز الروسي. وبالتالي، في تركمستان – كما أشار نيكولاي شمِلڤ وڤلاديمير بوبوڤ في «نقطة تحول» على سبيل المثال – لم يكن لدى ستين بالمئة من مستشفيات الولادة، والأجنحة الطبية، ومستشفيات الأطفال أيّ مياه جارية، ولم يكن لدى ثلثي المستشفيات أنظمة صرف داخلي. لقد أحدثت وجلبت الثورة فوائد كبيرة للمناطق المُستعمَرة سابقًا، لكن، بقيت فروقات كبيرة بين المركز والأطراف. تتضح الصورة العامة بشكل أفضل من خلال البيانات في الجدول المرفق أدناه حيث يُقَارِن الجدول الناتج الإجمالي للفرد الواحد في روسيا وعدد من جمهوريات آسيا بعد سبعين عامًا من الحكم السوڤييتي (جدول ٢).

جدول 2

بالإضافة إلى الفروقات الموجودة بين روسيا والمستعمرات القيصرية السابقة، كانت هناك فروقات في روسيا نفسها – في مستويات المعيشة ونوعية الحياة بين موسكو وبقية المناطق المختلفة.

التخطيط والاقتصاد السوڤييتي

ترتبط معظم المشاكل التي أدّت إلى الأزمة في الاتحاد السوڤييتي في الجزء الأخير من القرن العشرين بالاقتصاد والكيفية التي نُظِّمَ فيها خلال السنوات الأولى من الثورة. إنه من الشائع إلقاء اللوم لصعوبات الاتحاد السوڤييتي على استخدام التخطيط المركزي، بل هناك من يدّعي استحالة استخدام الاقتصاد المخطّط في بلد كبير ومعقّد، وهناك من عرض استخدام «اشتراكية السوق» كبديل له (سيأتي الحديث عن ذلك في جزء لاحق). مهما يكن، لم يكن الفشل الاقتصادي فشلًا في التخطيط بحدّ ذاته، بل نما من ظروفٍ وخصائص معينة للتخطيط السوڤييتي – وهو نظامٌ تطور في ظلّ ظروفٍ فريدةٍ من نوعها واتّخذ اتجاهًا مختلفًا عن ذلك الذي تصوره الثوار الأوائل. ما حدث في الاتحاد السوڤييتي كان – في جوهره – تخطيطًا دون خطةٍ واقعية. لم يكن مشروطًا على الاتحاد السوڤييتي أن يباشر في برنامجي التخطيط والتصنيع المكثف الطموحين مثلما فعل في أواخر عشرينيات القرن العشرين. فجزءٌ هام من السلطة، بقيادة بوخارين، دعا إلى طريقٍ أبطأ وأكثر تدرجًا. ولكن بمجرد اتخاذ قرارٍ ما، كان لابد أن تترتب بعض النتائج والعواقب على الهدف الأولي، ألا وهو تنمية الاقتصاد بشكل مذهل وسريع في ظل ظروف متوترة وغير اعتيادية: التزايد الكبير في دور الدولة الاقتصادي، والتمركز الشديد لاتخاد القرارات، والتعبئة الصارمة والقاسية للشعب. لقد حضّرت الخطة الخماسية الأولى الطريق لأغلب ما حدث في الاتحاد السوڤييتي لاحقًا – اقتصاديًا واجتماعيًا وسياسيًا. إن هدفي التصنيع السريع وتشييد القدرات الدفاعية القوية – كلاهما مهمان نظرًا للأوضاع الدولية في تلك الفترة – قد هيمنا على الفكر السوڤييتي بدءًا من الخطة الأولى في عام 1928. وقد أدت محاولات إنجازِ وتنفيذِ خطةٍ طموحةٍ مفرطةٍ نظرًا للموارد البشرية والطبيعية المتاحة – وهي خطّة تم تجهيزها من دون مشاركة الجماهير الواسعة – إلى الاستخدام الروتيني للتهديد والقسر والإكراه.

وطالما كان الاقتصاد قادرًا على الحفاظ على معدلِ نموٍ سريع، فقد كان هناك مجالٌ كافٍ للمناورة في الحفاظ على التناقضات من الوصول إلى نقطة الغليان والانفجار. ولكن، ما إن بدأ معدل النمو بالتباطؤ وبدأ الاقتصاد بالركود في ستينيات إلى ثمانينيات القرن العشرين حتى مُهِّد الطريقُ لأزمةٍ عميقة – أزمةٌ أدت في نهاية المطاف إلى إعادة تأسيس شكلٍ منحطٍ للرأسمالية. ولكن لماذا بدأ الاقتصادُ الموجّهُ القسريُّ المحكوم بهرميةٍ صارمةٍ – إحدى الطرق للمضيّ قدمًا في عام 1928، والذي كان أداؤه جيدًا ما بين ثلاثينيات وأربعينيات القرن العشرين – بالرّكود في سنواته الأخيرة؟ خلال السنوات الأولى، كانت هناك إمدادات وفيرة من العمال في المدن، وإمدادات أكثر بالإمكان استقدامها من المناطق الزراعية، فضلًا عن الثروات الطبيعية الكبيرة. وبالتالي، كان من الممكن لِتحكُّم وسيطرة حكومةٍ قويةٍ أن تُنظّم بناء المصانع وأن تُنسّق استخدام كلاً من الموارد الطبيعية والبشرية، مما أدى إلى نمو سريع في العمالة والإنتاج. كما أن المناشدة بالقومية وبالمثل العليا للثورة قد لعبا دورًا في إلهام هذا التطور، خصوصًا حينما واجهت الدولة تهديدَ ومن ثم واقعَ الحرب.

لكن، ما إن انتهت فترة إعادة الإعمار عقب الحرب العالمية الثانية، حتى كمنت عدة عقباتٍ في مسار إعادة تجديد معدلات النمو العالية باستخدام اقتصادٍ موجهٍ مركزيٍ والذي حاول السيطرة على أكثرية القرارات الاقتصادية. وفي ظل هذا الإطار، أصبحت الإجراءات المستخدمة سابقًا ذات نتائج عكسية. ففي المقام الأول، كان هناك نمو ضئيل نسبيًا في السكان البالغين لسن العمل (بسبب خسارة أعداد كبيرة من السكان البالغين سن الإنجاب في الحرب العالمية الثانية، والانخفاض العام في معدل الولادات). وثانيًا، مع استنفاذ حقول المواد الطبيعية السهل استخراجها، أصبحت هناك صعوبات متزايدة لاستخراج المواد الخام. ففي عام 1974، وقبل أن يلحظ أكثرية الناس الأزمات الاقتصادية والاجتماعية في الاتحاد السوڤييتي، كتب موشيه لوڤِين في «التيارات السياسية في المناظرات الاقتصادية السوڤييتية»:

لقد كانت تلك الخصائص المُقوِّضةُ لنفسها في الآلية الاقتصادية التي ظهرت في أوائل ستينيات القرن العشرين غير ملحوظة لبعض الوقت (خاصة في الدوائر الرسمية). وتَزَايُد الوسائل المُخصَّصَة للتراكم والاستثمار قد أدت، بكل سخرية، لانخفاض العوائد الاستثمارية وتراجع معدل النمو … وقد أظهرت البحوث أن التكلفة المتزايدة للعملية قد أبطأت العملية برمتها، وأن الاستراتيجيات المُستخدَمة أصبحت ذات نتائج عكسية بشكل صارخ وبحاجة ماسة للتنقيح. والتفاني الأحادي والانفرادي للأولوية المتمثلة في الاستثمار في الصناعات الثقيلة، والتي كان من المفترض أن تكون السر الرئيسي للنجاح – جنبًا إلى جنب مع الحقن الضخم للقوى العاملة والضغط السياسي القسري – قد ظهرت كعوامل في هذا التباطؤ. لكنّ العقائد والممارسات الواقفة وراء هذه العمليات كانت مستعصية وشديدة التماسك. لقد ظلت الصناعات الثقيلة تُدلَّل ببذاخةٍ على حساب الاستهلاك، هذا مع خدمة منتجات أكثر نسبيًا للصناعات الثقيلة بدلًا من أن تفيد الاستهلاك. لقد عبّرت عبارة «الإنتاج من أجل الإنتاج نفسه» عن موقف الاقتصاد السوڤييتي بكل تأكيد، حيث لم ينفع نمط الإنتاج هذا مستوى المعيشة ولا الدخل القومي بشكل كاف.

ومع تطور الاقتصاد، عادةً ما تُكرَّس المزيد من الاستثمارات لاستبدال المعدّات البالية والقديمة بآلات جديدة أفضل من سابقاتها، مما يؤدي إلى ارتفاع إنتاجية العمال. لكن ذلك لم يحدث، حيث أدى التركيز السوڤييتي على بناء وتجهيز معامل ومصانع جديدة باعتبارها السبيل لمواصلة النمو إلى إهمال المعامل والمصانع القديمة. وهكذا، اضطر العمّال لمواصلة تشغيل معداتٍ متهالكةٍ عفا عليها الزمن وشرب، مما أدى إلى كثرة توقف العمل في المصانع بسبب تعطل المعدات. كما أنّ النقص في المواد الخام قد أدى أيضًا إلى إبطاء معدل بناء المرافق الجديدة عما كان متوقعًا في السابق.

لم تنمو كفاءة الاقتصاد السوڤييتي كما كان متوقًعًا، وذلك لأن الطاقات قد بُدِّدَت في اتجاهاتٍ مختلفة – إذ تم تقييم رؤساء النقابات بعدد المصانع اللاتي تمكنوا من بنائها وليس بكفاءة المصانع الموجودة أساسًا. وهكذا، وُجِّهت الاستثمارات بشكل تفضيلي إلى بناء مصانع جديدة، من دون موارد كافية لإنهاء بنائها في الكثير من الأحيان. وبالإضافة إلى ذلك، لم يُحدِّدِ المخططون ورؤساء النقابات/المصانع بشكلٍ منطقي ما يحتاج لإنتاجه ولصالح من، ومن ثم إيجاد الطريقة المثلى للمضي قدمًا. عوضًا عن ذلك، فقد أصبح بناء المصانع الكبيرة أيديولوجيةً بحد ذاتها.

كانت تستند المصانع عمومًا على المبدأ السابق لشركة فورد للسيارات حيث يُنتِج كل مصنع كل المكونات المختلفة اللازمة لما يُنتجه – كالزجاج، والمحمل، والصلب وما إلى ذلك. لقد أهدرت هذه الطريقة في التنظيم الكثير من الكفاءة، لأنه بدون وجود مورّدين متعددين، يمكن لمشكلة واحدة في قطاع ما أن يوقف المصنع بأكمله. وكانت هناك أيضًا أوجه قصور بارزة للاقتصاد السوڤييتي، فلم تكن في المناطق الريفية صوامع كافية لتخزين الحبوب، مما أدى إلى تلف الكثير منها. وعدم تواجد الطرق اللائقة بين المدينة والريف أدى إلى تباطؤ تنقل البضائع فيما بينهما.

من الواضح أن الأزمة الاجتماعية والاقتصادية التي سبقت غورباتشوڤ لم تكن ظاهرةً عرضية. ففي تكوينته وتشكيلته السابقة، كان باستطاعة النظام الاقتصادي السوڤييتي أن ينمو طالما وجدت موارد وافرة لتعبئته. لكن ما إن استُنزِفَت واستُنفِدَت الموارد، حتى تبخر معها سحر الاقتصاد السوڤييتي الموجّه. الفشل في تغيير النظام المُختار خلال الفترات الأولى من التنمية السوڤييتية – والتي أصبحت اقتصادًا موجهًا مستندًا ومرتكزًا على النمو المستمر للصناعة الثقيلة، والتي أنشأت أيضا بيروقراطية كبيرة وراسخة ذات مزايا وامتيازات سخية – عنى عدم وجود أي مخرج منه.

لقد تمت مناقشة ومحاولة عدد من الحلول بعد موت ستالين. ولكنّ المطلوب كان إصلاحًا شاملًا للنظام القائم – ناشئًا من النشاط الثوري الذي كتب عنه ماركس. محاولات وخطط الإصلاح تم تخريبها بشكل مُتعمّد، وذلك لأنها هدّدت وظائف ومراتب قادة الصناعة والقطاعات المتميزة الأخرى. نحن نعتقد ونظنّ بتواجد اهتمام متزايد في خصخصة وسائل الإنتاج بين الأوساط النخبوية آنذاك باعتبارها الطريقة المثلى نحو الثروة والضمان المالي والسياسي لأنفسهم وذرياتهم.

مُقتطف من مقال «التطرق للاشتراكية»، من مجلةمونثلي رڤيو