الإسلاموفوبيا ليست أمرًا جديدًا، بل تقليدٌ أمريكي قديم

islampohobe
متظاهر يحمل لوحة مكتوبٌ عليها: «إسلاموفوبيّ وأفتخر بذلك»

كارين والثر

حين انتشر خبر حول تشكيك المرشّح الرئاسي الجمهوريّ بين كارسون مؤخرًا فيما إذا كان يمكن (أو يجب أن يُسمح) لمسلمٍ أمريكيّ أن يصبح رئيسًا للولايات المتّحدة، استدعت تشكيكاته ذاكرة همومٍ مماثلة عبّرت عنها مؤيّدةٌ سياسيّة لرئاسة المرشّح جون مكين قبل سبع سنوات، حيث قالت المؤيّدة غيل كوينيل لمكّين: «لقد قرأت عنه [أي، أوباما]…إنّه عربيّ». بغضّ النظر عمّا إذا كانت تقصد أنّ أوباما عربيّ أو مسلم، وهما هويّتان مندمجتان في الفهم الأمريكيّ للمسلمين، فمخاوفها تكشف عن مخاوف أعمق لدى بعض قطاعات العموم الأمريكي حول ولاء المسلمين الأمريكيين للولايات المتحدة. وكان لردّ مكين دلالاتٌ تكافئ دلالات تعليق مؤيّدته حجمًا، فهو لم يشكّك في فكرة أنّ العرب الأمريكيين أو المسلمين الأمريكيين بالإمكان بل يجب الوثوق بهم في قدرتهم على شغل أعلى المناصب في البلاد، بل عوضًا عن ذلك دافع عن أوباما ضدّ «تهمة» كونه عربيًا، إذ ردّ بأنّ أوباما ليس عربيًا، بل هو «رجلٌ فاضلٌ ومحبّ لعائلته، وهو مواطن» كأنّما كون الشخص عربيًا أو مسلمًا أمريكيًا يمنع عنه الفضيلة أو العلاقات الأسريّة – أو حتى المُواطَنة الأمريكية.

وكما بيّنت لنا تصريحات كارسون الحديثة، فالتعبيرات العلنيّة عن العداء تجاه المسلمين الأمريكيين وعدم الثقة بهم قد أصبحت أكثر بروزًا وتمّ تطبيعها في الخطاب الأمريكي العام. وهذا التصاعد في التعبيرات العلنيّة للإسلاموفوبيا غذّته بلا شك سياسات المراقبة الحكومية الأمريكية التي استهدفت المجتمعات الأمريكية المسلمة، والتي انبثقت بعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول وكان لها تداعياتٌ وخيمة تتجاوز الخطاب العام، تضمّنت تصاعدًا سريعًا في التمييز العنصري وجرائم الكراهية ضدّ من يُعتقد أنّهم مسلمون أو عرب [حيث أنّ ذلك شمل المجتمعات السيخيّة والهندوسيّة، على سبيل المثال].

ولكن من الخطأ الافتراض بأن مشاعر الكراهية هذه ظاهرةٌ حديثة نتجت فقط بعد 11 سبتمبر/أيلول، فللإسلاموفوبيا تاريخٌ طويل في الولايات المتّحدة يعود للعصر الاستعماريّ حين أتى المستوطنون الأوروبيين حاملين معهم كراهيتهم للعقيدة الإسلامية إلى «العالم الجديد»، فالمناظرات حول الإقرار بالدستور الأمريكي تضمّنت نقاشاتٍ حول ما إذا يجب أن يُسمح للمسلمين وغير البروتستانتيين أن يشغلوا مناصب رسميّة. وقد بيّن الباحثون بالفعل أنّ المناهضين للفدراليّة استخدموا شبح وصول المسلمين أو الكاثوليكيين أو اليهود الأمريكيين لمنصب الرئاسة كي يدعوا لوضع معايير دينيّة في الدستور الأمريكي، ولكنّهم فشلوا في ذلك. ولكن على الرغم من فشلهم على المستوى الوطنيّ، فقد تمّ وضع معايير وامتحانات دينيّة تمنع غير البروتستانتيين من شغل المناصب السياسية في عددٍ من دساتير الولايات. وفي هذا الصدد يجب فهم الإسلاموفوبيا الأمريكيّة ضمن سياق التعبيرات التاريخيّة لمعاداة الساميّة والمورمونيّة والكاثوليكيّة. تمدّدت هذه المخاوف حول عدم الولاء، وعلى مدار التاريخ الأمريكي، لتشمل أقليّاتٍ أخرى ظُنّ أنّها طابورٌ خامس مُحتمل في المجتمع الأمريكي: وَوَضعُ اليابانيين الأمريكيين في معسكرات اعتقال أثناء الحرب العالميّة الثانية – وأغلبهم مواطنون أمريكيون – ليس إلّا شاهدًا واحدًا على ذلك.

ولكن طوال التاريخ الأمريكي، امتدّت الإسلاموفوبيا لتتجاوز الإطار المحلّي. في القرن التاسع عشر، رأى الأمريكيّون المسيحيّون أنفسهم كقائدٍ مهمّ لـ«العالم المسيحي». اعتقد الناشطون المسيحيّون – تغذّيهم الحماسة الدينيّة لـ«الصحوة الكبرى الثانية» – أنّ دورهم الدينيّ هو نشر المسيحيّة في أوساط «وثنيي» العالم. وبالنسبة للعالم الإسلامي، فقد صوّروا «العالم المسيحيّ» في معركةٍ عالميّة «يواجه الصليب فيها الهلال». وهذه المشاعر تفوض حين يشهد الأمريكيّون حركاتٍ ثوريّة مِن قِبل الرعايا العثمانيين المسيحيين ضدّ الحكّام العثمانيين المسلمين. والدعم الأمريكيّ للتمردات الثوريّة في اليونان عام 1821 وكريت عام 1866 وبلغاريا عام 1876 جذب انتباه آلاف الأمريكيين الذين احتشدوا دعمًا لقضيّتهم، إذ كان أساسُ ذلك جزئيًا هو اعتقادهم أنّ هذه المعارك جزءٌ من هذه المعركة العالمية المزعومة ما بين المسيحيّة والإسلام. وفي هذه اللحظات التاريخية، أصرّ الأمريكيّون أنّ «تطرّف» المسلمين الدينيّ المزعوم وانحلالهم السياسيّ والدينيّ وعدم تسامحهم مع الأديان الأخرى جعل من حكمهم لرعايا مسيحيين (وإلى درجة أقل رعايا يهود) انحرافًا إمبراطوريًا وسياسيًا وأخلاقيًا. دفعت مثل هذه المعتقدات الأمريكيّين لدعم تمديد الإمبراطوريّة الأوروبيّة لأراضٍ يحكمها المسلمون، من ضمنها الإمبراطورية العثمانية والمغرب.

مع أنّه سيكون من الخطأ أن نعتقد أنّ الإسلاموفوبيا تمتدّ في مسارٍ غير منقطع عابرٍ من القرن التاسع عشر لفترة ما بعد الحرب الباردة و – الأهم من ذلك – فترة ما بعد 11 سبتمبر/أيلول، سكون من الخطأ أيضًا لو تجاهلنا الأوجه التي استمرّ عليها العداء ضدّ الإسلام والمسلمين، ولو كان ذلك بأشكالٍ متنوّعة. فالإسلاموفوبيا الأمريكيّة لم تختفي أبدًا بشكلٍ كامل؛ فقد برزت مرّةً أخرى بشكلٍ قويّ أثناء الفراغ الإيديولوجي والفراغ في السياسة الخارجية الذي انبثق بعد الحرب الباردة. فبينما زعم بعض علماء السياسة أنّ نهاية الحرب الباردة جلبت معها «نهاية التاريخ» وانتصارًا إيديولوجيًا للديموقراطيّات العلمانية الليبرالية، فقد نظّر صامويل هنتنجتون لنظرةٍ مختلفة للعالم في مقاله لعام 1993 المعنون «صراع الحضارات»، والذي وسّعه لاحقًا لكتابٍ كامل. وفق كلام هنتجتون، ستلعب «حضارةٌ إسلاميّة» (مُعرّفةٌ بشكلٍ سطحيّ) دورًا مركزيًا في «صراعٍ» عالميّ ضدّ جهةٍ معرّفة سطيحًا أيضًا، ألا وهي «الغرب»، إذ تُفهم بشكلٍ عام على أنها الحضارة الأوروبية-الأمريكيّة. وجدت نظريّته صدىً لدى العديد من الأمريكيين ليس لأنّها دقيقة بل لأنّ هذا النوع من الخطاب له تاريخٌ طويل في تشكيل كيفيّة تعريف أمريكا نفسها مقابل العالم الإسلامي.

بدت مزاعم هنتجتون نُبؤيّةً بالتحديد بعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول. أشار الرئيس بوش بعد أيامٍ من الهجمات أنّ «الشعب الأمريكيّ بدأ يفهم. هذه الحملةٌ ذات أهميّةٍ مركزيّة. هذه الحرب على الإرهاب ستأخذ وقتًا طويلًا». بعد أقلّ من عقد من إصدار مقالة هنتجتون المؤثّرة، استعارت «حرب» إدارة بوش «العالمية على الإرهاب» بكثافة من مثل هذه النظريّات كي تبرّر مفاهيمها الإيديولوجيّة المنبثقة.

ساعد الفهم السطحيّ عن الإسلام والمسلمين على تحريك نشاطات صنّاع القرار الأمريكيين والضبّاط العسكريين أثناء اشتباكات ما بعد 11 سبتمبر/أيلول في الشرق الأوسط. وأثناء وبعد حرب 2003 في العراق، اعتمد الحكّام العسكريّون وصناع القرار في أعلى المستويات على كتاب «العقل العربي»، وهي دراسةٌ قام بها رافائيل باتاي نُشِرَت أوّل مرة عام 1983 وتمّ دحضها على نطاقٍ واسع. زعم الكتاب أنّه يشرح «عقليّةً» مشتركة (ومتطابقة) لدى العرب في المناطق المختلفة من العالم، مشيرًا لكون الناس في الغرب لا يدركون مدى مقدار كراهية العرب لهم. ساعد كتاب باتاي على إقناع صنّاع القرار من المحافظين الجدد في واشنطن بأنّ «العرب لا يفهمون إلّا العنف». أصبح الكتاب من «النصوص المتطلّب قراءتها» لدى العديد من الجنود والضباط في طريقهم للعراق. أشار صحافيٌّ لدى «نيو يورك تايمز» في عام 2003 أنّ مثل هذه المعتقدات كان يُعبَّر عنها علانيةً مِن قِبل الضباط العسكريين الأمريكيين: «يجب أن تفهم العقل العربيّ»، أشار تود براون قائد سريّة ضمن فرقة المشاة الرابعة واقفًا خارج أبواب قرية أبو هشمة، «لا يفهمون إلّا العنف – العنف والشرف وحفظ ماء الوجه».

تبدو تداعيات هذه المعتقدات التي تجرّد المسلمين من إنسانيّتهم على السياسات الأمريكيّة في الداخل والخارج واضحةً، بالخصوص بعد نشر تقرير لجنة الاستخبارات لمجلس الشيوخ لشهر ديسمبر/كانون الأول 2014 حول استخدام التعذيب من قِبل عملاء الاستخبارات الأمريكية ما بين 2001 و2006. تكشف لنا مثل هذه السياسات ممارسةً مستمرّة ومشؤومة تضمّن فهمًا سطحيًا لهويّات شعوبٍ حول العالم حصل أنّها مُسلمة أو عربيّة، وكثيرًا ما يكون لهذا التسطيح نتائج وحشيّة. وكما تبرهن لنا هذه الأمثلة الحديثة، لا تزال الإسلاموفوبيا الأمريكية قوّة ضخمة في تشكيل السياسات الداخلية والخارجية وتؤثّر على حيوات المسلمين في الولايات المتّحدة وخارجها. إن هذه المواقف الإسلاموفوبيّة ليست بالتأكيد ظاهرةً حديثة، بل هي متجذّرة بعمق في التاريخ الأمريكي.

المصدر: هيستوري نيوز نيتوورك