الشاب «هو تشي منه» والتحرر الوطني الفيتنامي

كشابٍ يافع في باريس، اعتنق هو تشي منه أُمميّةً راديكاليّة.

HCM-paris1
نيوين آي كو (المعروف لاحقًا بـ هو تشي منه) متحدثًا في المؤتمر التأسيسي للحزب الشيوعي الفرنسي في ديسمبر/كانون الأول عام 1920

بِقلم: إيان بيرشال

تمرّ ذكرى السبعين عامًا يومَ 2 سبتمبر لإعلان جماعة «هفيت مين» في هانوي بقيادة «هو تشي منه» استقلال جمهورية فيتنام الديمقراطية. لم يكن يُعرف الكثير عن «هو» في الغرب، لكن اسمه ظلّ يتردد في ستينات القرن الماضي بين المتظاهرين في جميع أنحاء العالم، فأصبح رمزًا لإرادة العالم الثالث وقدرتها على الوقوف بوجه الإمبريالية الأمريكية.

في فترةٍ سابقة، كان يُعرف «هو تشي منه» باسم «نيوين آي كو». شخصٌ استفاد من تعليمٍ متميز، يَظهر أنّه ما إنْ سمعَ بشعار «حرية، مساواة، أخوية» (liberté, égalité, fraternité) قال بأنّه يريد رؤية فرنسا. لكن القانون الاستعماري منَع الفيتناميين الأصليين من مغادرة البلد؛ كانت الطريقة الوحيدة للوصول إلى أوروبا هو عن طريق أخذ وظيفة على متن سفينة. فسافرَ أولاً إلى لندن ثمّ باريس.

يبدو أن معارِف نيوين الأوليين منذ وصوله لفرنسا كانوا من اليسار السينديكالي، وقد زار مكتبة العمّال (Librairie du travail)، في مبنىً احتوى حينها مكاتب صحيفة سينديكاليّة ثوريّة تم تأسيسها من قِبل «بيير مونات» و«ألفريد روسمر»، حيث كانا من أكثر الأمميين الثابتين في مبادئهم منذ أول أيام الحرب العالميّة الأولى.

انضمّ إلى الحزب الاشتراكي الفرنسي (SFIO)، والذي كان في منتصف نقاشٍ حاد عما إذا كان يجب عليه الانضمام إلى المنظمة الحديثة الأممية الشيوعية (Communist International) أم لا، والتي وُلِدَت بعد أحداث الثورة الروسية.

اجتمع الحزب الاشتراكي الفرنسي بمدينة «تور» في ديسمبر 1920 ليقرروا هذا الشأن. صوّت المؤتمر إلى الانضمام، فتحوّل لـ«الحزب الشيوعي الفرنسي» (PCF)، حيث انشقّت منه أقليّة اشتراكية بسبب الهيمنة البلشفيّة الروسية المُتصوَّرَة في «الأممية الشيوعية».

تحدث نيوين كممثّلٍ لبلده، مُخبِرًا الحاضرين كيف كان وطنُه «مُضطهَدًا ومُستغَلًا بصورةٍ مخزية»، بالإضافة إلى «تسمّمه» بالكحول والأفيون. كان عدد السجون يفوق عدد المدارس، وحرية الصحافة معدومة. وألحّ بأنه «على الحزب القيام ببروباجاندا اشتراكية في جميع المُستعمَرات» وفي النهاية ناشَدَ «يارفاق، أنقذونا!».

تمّ التصفيق له، لكنه بالتأكيد لمس مواضعًا حساسة. تمّت مقاطعته مرتين. في المرة الأولى، صرخ حفيد كارل ماركس «جون لونقيه» مُدافِعًا عن سمعته الشخصيّة: «لقد تدخلتُ لأدافع عن السكّان الأصليين!» بعد ذلك، قاطعه مندوبٌ آخر، فردّ نيوين بحزم: «صمتًا أيّها برلمانيون!».

كان لكلمات نيوين وزنٌ خاص، حيث أن أحد شروط الانضمام للأممية الشيوعية تطلّب من الأحزاب الشيوعية أن «تكشف خدع ومراوغات “إمبريالييّ” بُلدانها في المُستعمَرات، وأن تدعم كلّ حركة تحرر من الاستعمار ليس بالأقوال فقط بل بالأفعال، والمُطالبة بطرد إمبرياليي بلدانها من هذه المُستعمَرات. وغرس سلوكٍ أخويٍّ أصيل في ذهن عُمّال بلادها مع العُمّال في المُستعمَرات والأمم المُضطهَدة. وتحريض قوّات بلادها تحريضًا ممنهجًا ليقفوا ضدّ أي اضطهادٍ للشعوب المُستعمَرة».

كانت أحد الطرق التي حاول بها الحزب الشيوعي الفرنسي تطبيق سياسته الجديدة هي إيجاد طرق تكاتفٍ مع العدد الكبير من رعايا المُستعمَرات.

تُشير التقديرات إلى أنّ قرابة 900 ألف رجل من المستعمرات انجرّوا إلى الصراع الأوروبي بين عامي 1914 و1918– أكثر من نصف مليون جندي، على الأقل 250 ألف منهم قدِموا من شمال أفريقيا، وآلافٌ أخرى جُلِبَت من الهند الصينيّة، بالإضافة إلى 220 ألف عامل. أسّس الحزب الشيوعي الفرنسي منظمة للذين جاؤوا من المُستعمَرات ليعيشوا في فرنسا، سُمّيت بـ«اتحاد ما بين المُستعمَرات» (Union inter-coloniale)، وفي أبريل 1922 بدأ نيوين آي كو بتحرير جريدة «لو باريا” (Le Paria).

كانت جريدة «لو باريا» مُهلهة وتُعاني من نقصٍ في التمويل، وكان تداولها منخفضًا دومًا. ولكنّها جلبت على الرغم من ذلك مجموعةً صغيرة من الرفاق المُخلصين والمُلتزمين بالصراع ضد الإمبريالية. وهذه المجموعة لم تتضمّن نيوين آي كو فحسب، فهي تضمّنت أيضًا شابًا من شمال أفريقيا يُدعى «الحاج علي عبد القادر»، والذي رشّح نفسه لانتخابات الحزب عام 1924.

خلال الحملة الانتخابية، وظّف «الحاج علي عبد القادر» عاملَ مصنع يُدعى «مصالي الحاج». وأسّسوا معًا «نجم شمال أفريقيا» (Étoile Nord-Africaine)، أول منظمة تُطالب باستقلال الجزائر، حيث تفرّعت منها «جبهة التحرير الوطني» فيما بعد في خمسينات القرن الماضي.

زرعت جريدة «لو باريا» بذور حربيّ تحرّر وطنيّ كبيرتين اثنتين على الأقل هيمنتا على المجال السياسي الفرنسيّ أثناء العقدين التاليين للحرب العالمية الثانية. تم إصدار ثلاثة وستين طبعة من الجريدة بين عام 1922 و1926، تُطبع في ورقة واحدة بخطٍ كبير عادة، عنوانها الرئيسي مُحاط بحروف صينيّة وعربيّة.

كان الشأن الرئيسي للجريدة هو الإمبراطورية الاستعمارية الفرنسية. كتبَ نيوين آي كو عن «القسوة التي لا تُصدّق» في «المُوظف السّادي» في الإدارة الاستعمارية، وقارن بربريّة الاستعمار الفرنسي بالصورة التقليديّة لسياسات الجمهورية.

كتبَ نيوين – مُستحضِرًا رمز «ماريان» الأنثوي، حيث كان يُنظر لها منذ الثورة الفرنسية كتجسيد للجمهورية:

توجد مفارقُةٌ مؤلمة عند مراقبة تلك الحضارة، المتجسّدة بصورٍ عديدة – الحرية، العدالة، إلخ – في صورة رقيقة لإمرأة، ومُرتبة بواسطة فئة من الرجال معروفون بأنهم قمّة الأدب تجاه السيدات، تجعل من ذلك الرمز الحيّ يعاني أكثر مُعاملة انحطاطًا، وتُهاجم سلوكها وتواضعها وحياتها بشكلٍ مخزي.

أُعطيَ اهتمامٌ متساوٍ للصراع من أجل الحريات السياسية، خصوصًا حرية الصحافة، وكان هناك احتجاجٌ ضد خدمة البريد لتدخلّها في مُراسلات الجريدة. شجّعت الجريدة حملات متنوعة، خصوصًا في مظاهرة ضد زيارة «كاي دِن» إمبراطور «أنّام» لباريس.

لم تطالِب «لو باريا» باستقلال الأراضي المُستعمَرة إلّا قليلًا، حيث كانت المطالب الرئيسية للجريدة هي إنهاء القمع والقسوة في المُستعمرات وسكّانها وليملكوا حقوقًا متساوية مع حقوق مواطني المتروبول الفرنسي.

ومن أجل تحقيق هذه الغاية، تمّ التشجيع على الوحدة ما بين طبقات العمّال في أوروبا والهند الصينية. في مقال نُشر شهر مايو/أيار 1922 في الصحيفة اليومية للحزب الشيوعي الفرنسي «لومانيته» (L’Humanité)، أدرك نيوين آي كو عُمق الجهل والإجحاف لدى عمّال الدول المستعمِرة والمُستعمَرة.

بعد أن اقتبس «لينين» عن حاجة العمّال الدولة المستعمِرة للمساعدة في صراعات الدول الخاضعة للاستعمار، ولاحظ آسفًا: «لسوء الحظ يوجد العديد من المناضلين الذين يعتقدون أنّ المُستعمَرة هي مجرد بلد مليئة بالرمل مع شمسٍ ساطعة؛ بضع شجرات جوز الهند ورجالٍ غير بِيض، فقط لا غير».

في هذه الأثناء، أكثر سكان المُستعمَرات إما صدّوا عن فكرة البلشفيّة أو عرّفوها فقط بالوطنيّة. أما بالنسبة للأقليّة المُتعلمة، فلربا فهموا ماذا تعني الشيوعيّة، لكن لم يكن لديهم أيّ اهتمام في تأسيسها؛ فهم – حسب تعبير نيوين – «مثل الكلب في تلك المقولة، يُفضّل أن يلبس طوقًا ولديه عظْمته».

لذلك فقد دعى نيوين قائلًا:

وُلدت التحيّزات من الجهل المُشترك في طبقتي العمّال كليهما. بالنسبة للعامل الفرنسي، فإن السّكان الأصليين للمستعمرات أشخاصٌ أدنى منه، ويرى أنّهم تافهون وغير قادرين على الفهم وأقلّ قدرةً على العمل. وبالنسبة لسكّان المستعمرات الأصليين، فإن الفرنسي (مهمًا كان) هو استغلاليٌ فاسد. لا تتوانى الإمبريالية والرأسمالية عن استغلال عدم الثقة المتبادلة هذه والتسلسل الهرمي العرقيّ العنصري الذي تم اختراعه ليعيقوا الحملة الدعائية ويُقسّموا القوى التي يجب أن تتوحد.

واستنتج أنّه «أمام كل هذه الصعوبات، ماذا يجب على الحزب أن يفعله؟ عليه أن يكثّف الحملة الدعائية للتغلّب عليها».

لهذا دعت جريدة «لو باريا» لاتحاد بين عمّال الدول المُستعمرَة والمستعمِرة. في أغسطس/آب 1922، نشرت الجريدة: «نداءٌ إلى سكان المُستعمرَات. في مواجهة الرأسمالية والإمبريالية، لدينا المصالح ذاتها، تذكّروا كلمات كارل ماركس: يا عمّال العالم، اتّحدوا». وفي الإصدار اللاحق، كتبَ ماكس كلاينفيل-بلونكور: «أيها الإخوان في المُستعمَرات، من الضروري أن تُدركوا أنه لا يوجد خلاصٌ ممكن دونَ الاستيلاء على السلطة السياسية في أوروبا من قِبَل الجماهير الكادحة».

وصلت هذه الرسالة للمُستعمرَات بشكلٍ رئيسي. في طبعتها الأولى كان هناك 1000 نسخة وارتفعت بعد ذلك إلى 3000. أكثرها انتشرت في المُستعمرَات: من بين 2000 نسخة، لم تبقى إلّا 500 في فرنسا، بينما ذهبت 500 إلى مدغشقر، و400 إلى داهومي، و200 إلى المغرب، و100 إلى أوقيانوسيا، و200 إلى الهند الصينية.

ولأن التوزيع كان سريًا، وكثيرًا ما كانت السُلطات تصادر النسخ، فإنه من الصعب معرفة مدى انتشار منشورة «لو باريا». لكنها بالتأكيد نجحت في بناء نُشطاء متحمسين واصلوا النّشر مع الخمول النسبي في شريحة واسعة من أعضاء الحزب الشيوعي الفرنسي.

اختفت جريدة «لو باريا» بعد سبتمبر/أيلول 1925، مع نشرة أخيرة في أبريل/نيسان 1926. كانت هنالك صراعاتٌ تنمو بين كادر المستعمرات الصغير في الحزب وجهازه البيروقراطي. بالفعل، تشتّت الكادر المُتحمس والشجاع الذي بنى “لو باريا” ببطء. نُقِلَ نيوين آي كو/هو تشي منه إلى موسكو في عام 1923 وسرعان ما اعتنق الخطّ الستالينيّ الشيوعي الرسمي المُهيمن.

انحسارُ الأممية

روح الأممية العمّالية التي تواجدت لدى مجموعة من روّاد هذه الجريدة اختفت مع رحيل هو تشي منه، مُرسّخة علاقة اليسار الفرنسي غير المتكافئة مع الإمبريالية.

وكان ذلك شديد الوضوح في جنوب شرق آسيا. تأسست الهند الصينية في أكتوبر 1887، بعد الحرب الصينية-الفرنسية. كان أحد مهندسي الاستعمار «جولز فيري» رئيس الوزراء حتى عام 1885. كان فيري عنصريًا صريحًا، فقد صرّحَ في التجمع الوطني لعام 1885: «يجب أن نقول بصراحة أنّ الأعراق المتفوقة…تحمل واجبًا على عاتقها، وهو أن تحضّر الأعراق الأدنى منزلةً».

كان إنجازه الآخر تأسيس تعليم مجّاني، وإلزامي، وعَلماني في فرنسا. مع أنّ هذه الأمور يُنظر لها أحيانًا باعتبارها جزءًا من الإرث اليساري، لكنّها في الواقع كانت جزءًا من طموحاته الإمبريالية. فإن كانت فرنسا تسعى حقًا لأن تكون قوة إمبريالية عُظمى، آمن فيري أنّها ستحتاج إلى جيش مُكوّن من مجموعة كبيرة من القرويين يحملون اعتزازًا بالهويّة الوطنيّة.

خلال الحرب العالمية الثانية، كانت الهند الصينية تُحكم من قِبَل إدارة استعماريّة فرنسية يَتحكم بها نظام الفيشية (Vichy) الذي كان حليفًا لألمانيا، والذي عقد اتفاقًا مع اليابان في عام 1940. وفي عام 1945 احتلّت اليابان المنطقة، ولكنّها سرعان ما استسلمت بعد قنبلتي هيروشيما وناغاساكي. وقد أخذ ذلك الاستسلام الحلفاء على حين غفلة بقدرٍ ما، فهم توقعوا أن تستمر الحرب حتى عام 1946.

في البداية، لم تكن فرنسا هي مَن قامت احتلال فيتنام مجددًا بل بريطانيا، تحت حكم حزب العمّال. وفي موتمر «بوتسدام» عام 1945 تمّ الإقرار بأن القوّات الصينية ستحتل الجزء الشمالي من الهند الصينية، وستحتلّ القوات البريطانية الجزء الجنوبي.

كانت فرنسا تعالج جرحها إثر أربع سنوات من الاحتلال واحتاجت وقتًا لإعادة تنظيم قوّاتها العسكريّة. بدأت القوات الفرنسية مغادرة الهند الصينية (عن طريق السفن) في أكتوبر، حيث تدخلت القوات البريطانية مُستغلةً هزيمة القوات اليابانية مؤخرًا لتتأكد بأنّ فرنسا ستكون قادرة على استعادة مُستعمرتها.

أخذ «شارل دي غول» – الذي ترأس حكومة فرنسا المؤقتة في 1945 – بزخم ما بعد الحرب في إذاعته مُعلنًا تأسيس «الجمهورية الرابعة»:

موانئنا الآن تُفتح مجددًا، وحقولنا تُحرث، وحُطامُنا يُنظّف. لقد عاد كلّ مَن غادرَ فرنسا تقريبًا. ستتعافى إمبراطوريتنا. نحن مُؤسَسون على نهر «الراين». سنسترد مكانتنا في العالم.

لم تعترض الأحزاب اليسارية التي هيمنت على الحكومة –الشيوعيون، الاشتراكيون، والديمقراطيون المسيحيون – أبدًا على مقولات دي غول الإمبريالية. بالفعل، في عام 1947 بعد اندلاع حربٍ شاملة في الهند الصينية، احترمَ الوزراء الشيوعيون قرار مجلس الوزراء بالتصويت لصالح الحرب (مع أن النواب الشيوعيين عبروا عن معارضتهم عن طريق الامتناع عن التصويت).

زار مندوبٌ من الهند الصينية فرنسا عام 1946 وكتبَ عن اجتماعه مع القائد الشيوعي «موريس توريز»، حيث أعلن الأخير أنّ حزبه «لم يكن لديه أيّ نيّة في أن يتم اعتباره كالمُنهي المُحتمل للمواقع الفرنسية في الهند الصينية، ويتمنّى بكل حماسة أن يرى علم فرنسا يحلّق في كل أرجاء الاتحاد الفرنسي».

كان الحزب الاشتراكي متحمسًا أيضًا للحفاظ على الإمبراطورية. فضّل القائد «ليون بلوم» صياغة تعريف فيتنام بـ«دولة حرة ضمن الاتحاد الفرنسي»، لكنّه برر ذلك بخطاب يحمل الكثير من الإمبريالية: «يوجد وسيلة واحدة – وواحدة فقط – للحفاظ على هيبة حضارتنا وتأثيرنا السياسي والروحي ومصالحنا المادية الشرعيّة في الهند الصينية، وهي اتفاقية صادقة على أسس الاستقلال».

بدأت الحرب الهند الصينية في عام 1946 تحت حكم رئيس الوزراء بلوم، يعودُ جزء من السبب إلى فشله في تحدي القيادة العسكرية الفرنسية والتي جعلت الحرب أمرًا حتميًا.

لم تُعارِض إلّا تيّاراتٌ صغيرة من اليسار الفرنسي إعادة استعمار الهند الصينية. في 22 ديسمبر/كانون الأول 1945، أصدرت الجريدة اليسارية المُستقلة «الرماة الأحرار” (Franc-Tireur) هجومًا قويًا على السياسة الخارجية الفرنسية، مُقتسبة من رسالة تعود لأحد الجنود الفرنسيين الذي قارنَ الأفعال الفرنسية في الهند الصينية بمجزرة «أورادور»، أحد أسوء الأعمال الوحشيّة التي ارتُكِبت خلال فترة الاحتلال النازي لفرنسا.

يوجد عدد من العوامل أدت إلى فشل اليسار الفرنسي في معارضة إعادة تأسيس الإمبراطورية الفرنسية، أحدها هو ولاء الحزب الشيوعي إلى روسيا، والتي لم تكن ترغب في المخاطرة تلك الفترة بتحدي الإمبريالية الغربية.

لكن العامل الأساسي كان «التقليد الجمهوري» (republican tradition) الذي هيمنَ على الفكر السياسي الفرنسي، خاصةً اليسار. شجّع هذا التقليد على مفهوم أن دور فرنسا في العالم كان تقدميًا، جَلبَ الحضارة والتنوير إلى المناطق المُظلمة – «مُهمّة نشر الحضارة» المزعومة.

كان يُعتقد أنّه يجب على ساكني العالم الاستعماري ألاّ يطمحوا بأكثر من أن يكونوا مواطنين لـ«الجمهورية الفرنسية». إن قارنّا هذا المنهج مع النهج الأكثر براغماتية لحكومة حزب العمّال البريطانية بعد الحرب العالمية الثانية، والتي قبِلت باستقلال الهند، فسنخرج بنتائج مثيرة للاهتمام؛ حيث أنّ فرنسا قد تمسكت بالهند الصينية والجزائر حتى تم الإطاحة بها عن طريق نضال استقلالي طويل ومرير.

بقية القصة معروفة. حارب الفرنسيون ليتمسكوا بالهند الصينية، قبل أن يتم هزيمتهم أخيرًا في معركة «ديان بيان فو» في 1954. تمّ تقسيم فيتنام، لكنّ التدخل الأمريكي دعمًا لحليفها في الجنوب الفيتنامي أدى إلى حربٍ أخرى. وأخيرًا في 1975 حققت فيتنام استقلالها بعد ثلاث عقود من الحرب تاركةً مليونين قتيل.

هل كان للتاريخ أن ينكشف بشكلٍ مختلف؟ من الصعب الإجابة على مثل هذه الأسئلة، ولكن لو كان اليسار الفرنسيّ في عام 1945 مُخلصًا للمبادئ الأمميّة الأصيلة والتي حارب الشاب هو تشي منه من أجلها في بداية عشرينات القرن الماضي، لكان من الممكن أن يأخذ التاريخ منحى أقل مأساوية.

المصدر: مجلة جاكوبين