النضال الغواتيمالي والإمبرياليّة الأمريكية

ساعدت الإمبريالية الأمريكية على هزيمة نضالات الطبقة العاملة في غواتيمالا، وكانت نتيجة ذلك تفشّي العنف والفقر.

guatemala-1
سوق في سولولا، غواتيمالا عام 2010

بِقلم: جوزيف غوسو

كان العام الماضي عامًا مليئًا بالاضطرابات في غواتيمالا، ففي سبتمبر/أيلول أدّت أشهرٌ من المظاهرات الشعبية لاستقالة واعتقال الرئيس أوتو بيريز مولينا لدوره المزعوم في فضيحةٍ واسعة تضمنت تخفيض التعريفات الجمركية مقابل رشاوي. تضمنت هذه الفضيحة – التي اندلعت الربيع الماضي – نائب الرئيس والسكرتير الخاص لنائب الرئيس ومعهم رئيس السلطة الضريبية. وحين انقلب الجميع ضدّ بيريز مولينا – من ضمنهم المجتمع التجاري – لم يلق رفضُه الوقح لمطالب الاستقالة أذنًا صاغية، وصوّت حينها الكونغرس الغواتيمالي بصورةٍ حاسمة لتجريده من الحصانة القانونية. استقال الرئيس بعد ذلك بسرعة.

كشفت تقريرٌ من الأمم المتحدة عن أنّ ربع تمويل السياسة الغواتيمالية يأتي من منظماتٍ إجرامية، أغلبها منظّمات تهريب المخدرات. وأثناء ذلك في أغسطس/آب، منحت محكمة غواتيمالية الرئيس السابق ريوس مونت محاكمةً ثانية إذ أنّ إدانته عام 2013 بارتكاب إبادةٍ جماعية وجرائم ضدّ الإنسانية بسبب سلسلة مجازر قام بها في عامي 1982-1983 ضدّ شعب الإكسيل في منطقة كيتشي، مما أدى لمقتل 1،771 شخص وإزاحة قسرية لحوالي 29 ألف شخص، تمّ إلغاؤها لسببٍ «تقني». وذلك على الرغم من تشخيصه الطبيّ بالخرف، فلو كان ذلك قد حصل في محاكمةٍ أخرى سيتم وضعه
تحت إقامة إجبارية عوضًا عن إدخاله السجن.

وبالمصادفة، برز اسم مولينا أيضًا في محاكمة مونت الأولى حين أدلى شاهدٌ بأنّ مولينا كان قائد ثكنة محليّة أحرقت القرى وأعدمت الإكسيليين. وكان مولينا على الأرجح متواطئًا على الأقل في مقتل الأسقف خوان غيراردي عام 1998. قُتِل غيراردي بعد يومين من إشرافه على إصدار تقريرٍ كرّر صدى لجنة تقصّي حقائق التابعة للأمم المتحدة وحمّل الجيش الغواتيمالي مسؤولية الاختفاء القسري لأكثر من مئتي ألف مدنيّ أثناء الحرب الأهلي.

بالفعل، لو كان هنالك أمرٌ واحد مشهورٌ عن غواتيمالا وجيرانها (المثلّث الشمالي لغواتيمالا والسلفادور وهندوراس) فهو العنف. احتلّت هندوارس العام الماضي أعلى قائمة معدّلات جرائم القتل في العالم، والسلفادور في طريقها لأن تحتل المركز الأول هذا العام.

ومع ذلك فتاريخُ سفك الدماء هذا يسبق المنظر المخيف الأعضاء اليافعين لعصابات «الماراس» وأجسادهم المليئة بالوشوم بكثير. فهو متشابكٌ بإرثٍ من الاستعمار والإمبريالية الأمريكية والحرمان الممتد لحواليّ قرنين مضت.

من الاستقلال حتى التدخّل الخارجي

في العقود التي تلت استقلال غواتيمالا من إسبانيا عام 1821، لعبت الكنيسة دورًا مهيمنًا ومسألة الأراضي أصبحت محور الاهتمام. حدثت المعركة السياسية ما بين الليبراليين، حيث كانوا غالبًا علمانيين ونظروا لأراضي السكان الأصليين (والسكان الأصليين أنفسهم) كعقبةٍ أمام الحداثة، والمحافظين الذين رأوا في الكنيسة حصنًا للحضارة وبالتالي مالوا أكثر للحفاظ على المجتمعات الأصلية.

 بعد فترةٍ من حكم المحافظين تحت قيادة صاحب مزرعة الخنازير رافاييل كاريرا (1844-1865)، أمسك الليبراليّون بسدّة الحكم في تمرّدٍ قاده هوستو روفينو باريوس عام 1871 مدعومًا من قِبل أصحاب مزارع القهوة. فمع بروز القهوة كمحصودٍ تجاري في غواتيمالا في أربعينيات القرن التاسع عشر أصبح لأصحاب مزارع القهوة نفوذٌ ضخم. ولكنّ تعطّشهم للقوة خفّفته عدّة عوامل: بنية تحتية ضعيفة، ونقص في العمالة، وكونَ أكثر من ثلثيّ الأراضي الزراعية كانت مملوكةً إمّا ملكًا عامًا أو مجتمعيًا.

غيّرَ باريوس كلّ ذلك، حيث أصدر سلسلة من القرارات توّجها قانونٌ عام 1877 يقتضي بيع كلّ الأراضي المجتمعية القرويّة في مزادات (حيث تذهب أغلب العائدات إلى الحكومة)، وبذلك حوّل باريوس الثروة المملوكة عموميًا لأصحاب مزارع القهوة. وأمّا الفلاحون المستخدِمون لأراضي القرى فقد تم إعطاؤهم ستة أشهر لدفع قيمة أرضهم وإلّا تقوم الحكومة بمصادرتها؛ وبالتالي خسر عشرات ألاف الفلاحين أراضيهم، ووقعت أغلبيّتهم في شَرَكِ عبودية الديون.

حققت تلك الإصلاحات نتائجها المرجوّة، فما بين 1870 و1900، ازداد مقدار تجارة غواتيمالا الخارجية بعشرين ضعف، ووفق إحصاء 1890 عن القهوة، أصبحت أكثر من نصف أشجار القهوة المسجلّة في البلاد تقع في مزارع ضخمة، حيث كانت تلك أعلى نسبة تركيزٍ في أمريكا الوسطى. هيمن هيكل ملكية الأراضي ذو اللا مساواة الشاسعة هذا على مستقبل غواتيمالا.

ابتليت غواتيمالا في النصف الأول من القرن العشرين بانقلاباتٍ ودكتاتوريّات. لربما كان أسوأها دكتاتورية خورخي أوبيكو الذي أمسك بزمام السلطة في انتخاباتٍ عام 1931 من غير منازع وأصبح بعدها أخد أكثر حكّام أمريكا اللاتينية وحشيّةً وغرابةً.

كان أوبيكو شغوفًا بـ«المعاني السحرية» للأرقام (numerology)، إذ كان يُعرض رقم خمسة وسط نجمٍ فوق القصر الرئاسي أيّام الأعياد، وكان مُعجبًا بنابليون، حيث أحاط نفسه بصورٍ وتماثيلٍ له، وكان أيضًا عميلًا مُخلصًا لأمريكا. فعلى الرغم من إعجابه بالأنظمة الفاشستية الأوروبية، قام أوبيكو بحركة ضدّ مصالح الشركات الألمانية في سوق القهوة – حيث هيمنت الشركات الألمانية على صادرات القهوة لفترة طويلة – وصادر ممتلكاتهم عام 1941مُرسِلًا بعض ملّاك المزارع لمخيمات الاعتقال الأمريكية.

وكان أوبيكو – مثل داعميه الأمريكيين – مهووسًا بشبح الشيوعية. فرض الرئيس الغواتيمالي – حرفيًا – حظرًا على الكلمات: «نقابة مهنيّة» و«إضراب» و«مُطالبة». ومع أنّه أنهى نظام عبودية الديون المُشين فقد أصدر قانون «منع تشرّد» يفرض على الفلّاحين الذين لا يملكون أرضًا من السكان الأصليين بأن يعملوا لمُلّاك الأراضي مدّة 150 يومًا في السنة، بينما من يملكون أرضًا صغيرة فعليهم أن يعملوا لمدّة 100 يوم، وأيّ عاملٍ رُأيَ أنّه خرج عن طاعة رئيسه بالإمكان قتله قانونيًا، وكثيرًا ما فرضت الحكومة على العمال أيامًا «إضافية» من العمل المجانيّ يبنون فيها الشوارع ويقومون بمختلف الأعمال العامة.

كان الخيط الممتد طوال حكم أوبيكو (والعقود الذي سبقته) هو الانتشار الفيروسيّ لـ«شركة الفواكه المتحدة» (United Fruit Company) التي تشكّلت عام 1899. فبِفضل عقودٍ تفضيليّة وتمديداتٍ لهذه العقود في عام 1924 و1930 و1936 تحكّمت الشركة بحوالي 40 بالمئة من اقتصاد غواتيمالا وملكت 3،5 مليون فدّان من الأراضي (كثيرٌ منها غير مزروع). وبينما ظلّت القهوة تحتل الصدارة، شكّل الموز 27 من صادرات غواتيمالا، مما أعطى شركة الفواكه المتحدة قدرةً عالية على التخفيض من مستوى الأجور وأوضاع العمل – وهو أمرٌ قامت بِه، بوحشيّة!

خلال الأسابيع الأولى من انتصار الحلفاء في أوروبا أثناء الحرب العالمية الثانية، اشتعلت المعارضة فجأةً ضد أوبيكو، وبدأت هذه المعارضة بتنظيماتٍ من أجل رفع الأجور. أعلن المعلّمون في نشاطهم المعارِض الأول أنهم سيرفضون المسير في موكبٍ ليوم المعلّمين المجدول بتاريخ 30 يونيو/حزيران عام 1945، إذ كان ذلك أمرًا مُتوقعًا مِنهم دائمًا مِنْ قِبل السلطات وبتزمّت.

اشتعل الفتيل. انضمّ الطلّاب وأصحاب الدكاكين مع المعلمين – حيث ألهمتهم جزئيًا على الأرجح خطابات روزفلت وإصلاحات الرئيس المكسيكيّ حينا لازارو كارديناس – في سلسلةٍ من التظاهرات اللا عنفيّة. وقبل يومٍ من الموكبِ المجدول، تجمّع حراكٌ في أضخم مظاهراته مناديًا بإسقاط أوبيكو. استجابَ أوبيكو بأن أمر خيّالته بالهجوم على الحشود، مما أدى لمقتل أو إصابة ما يصل لمئتي شخص. ولكن على الرغم من وحشيّته، كانت قبضة الدكتاتور على السلطة هشّةً على نحو مفاجئ. في الأول من يوليو/تموز، بعد إعلانٍ قصير لحالة طوارئ، استقال أوبيكو.

وبعد بضعة شهورٍ مضطربة تضمّنت انقلابًا قاده ضابطان شابان ضدّ خليفة أوبيكو المُعيَّن تمّ كتابة دستورٍ جديد كرّس حدودًا لفترة الولاية الرئاسية وتقنين انتخاب رائدي الجيش لأول مرّة، وتمّ حظر الرقابة على الصحافة وتقديس حقّ التنظيم. علّمت الانتخابات العادلة لشهر ديسمبر/كانون الأول عام 1945 بروز أوّل فترةٍ ديموقراطيّة حقيقيّة في تاريخ غواتيمالا.

كان المنتصر في تلك الانتخابات هو خوان خوزيه أريفالو، حيث انتصر بنسبة 85 ساحقة من الأصوات. شجّع أريفالو على تكوين أحزابٍ سياسية وساعد على تقديم تشريعاتٍ جديدة تشابه «الصفقة الجديدة»: قانون ضمانٍ اجتماعي يضمن للعمال حقّ العمل في أوضاعٍ آمنة وتعويضاتٍ للإصابات والرعاية الصحية وقانون عمل وتم إنشاء «مؤسسة الإنتاج الوطنيّة»؛ كانت وظيفتها توزيع الديون والمستلزمات الزراعية لأصحاب المزارع الصغيرة.

أمّا من ناحية المجال التعليمي، فقد تمّ طباعة واستيراد كتبٍ وبناء مكتباتٍ أكثر مما تمّ طباعته وبناؤه في خمسين عامًا مضت. وكان أهمّ التشريعات على الأرجح هو قانونٌ مرّره الكونغرس شهر ديسمبر/كانون الأول عام 1949 سمح لأيّ فلّاحٍ يملك أقل من هكتارٍ واحد أن يطالب بحقّ استئجار الأراضي غير المستخدمة من ملّاك المزارع المجاورة.

ويوم انتُخِبَ خليفة أريفالو، هاكوبو آبرينز، عام 1951، اشتعلت مسألة الأراضي أكثر فأكثر. فمع كون إصلاحات آريفالو قد حسّنت من أحوال الطبقة العاملة المدينيّة الصغيرة (كانت الأجور أعلى بنسبة 80 مما كانت عليه أثناء حكم أوبيكو)، فالغالبيّة العظمى من سكّان غواتيمالا كانوا فلّاحين فقراء.

حين احتلّ آربينز منصبه، كان 2 بالمئة من ملّاك الأراضي يملكون 72 من الأراضي، وظلّ الفلّاحون من السكان الأصلين مُلزمين بالعمل من 100 وحتى 150 يومًا في السنة في الحقول. كان واضحًا جدًا أنّ أيَّ إصلاحٍ زراعيٍّ جاد سيتطلّب مواجهة شركة الفواكه المتّحدة.

أتت المواجهة تحت حكم آربينز. في السابع والعشرين من يونيو/حزيران لعام 1952 مرّر الكونغرس الغواتيمالي «المرسوم 900». منح ذلك المرسوم الحكومة سلطة مصادرة الأراضي غير المزروعة في المزارع الكبيرة (وذلك لأنّ أغلب الأراضي في المزارع الكبيرة وفّت هذا المعيار). يتم تعويض ملّاك الأراضي بسنداتٍ حكوميّة مدتها خمسة وعشرون عامًا بنسبة فوائد قدرها 3 استنادًا على القيمة المُصرّح عنها الخاضعة للضرائب للأراضي المصادرة (وهو شيءٌ قلّلت منه شركة الفواكه المتحدة في تقاريرها من أجل خفض التزاماتها الضريبيّة).

ما بين الأراضي المصادرة حديثًا وتلك المصادر من ملّاك المزارع الألمانيين، استلمت حوالي مئة ألف عائلة ما مجموعه مليون ونصف فدّان من الأراضي بعد ثمانية عشر شهرٍ من بداية المشروع (حوالي 16 بالمئة من الأراضي البوار). ومع أنّ ذلك البرنامج لم يكن راديكاليًا، فقد أدّى لتزايدٍ في توقعات ومطالب الحركات الشعبيّة. تزايد اجتياح الأراضي واشتدّت التوترات.

لم ينقص شركة الفواكه المتحدة علاقاتٌ ونفوذٌ في واشنطن، حيث طالبت الحكومة الأمريكية بالتدخل، فاستجابت الحكومة. هندس الرئيس دوايت آيزنهاور ورئيس وكالة الاستخبارات المركزية (CIA) آلين دالاس خطّة لإسقاط آربينز بحلول صيف 1952، وتمّ تنفيذ الانقلاب شهر يونيو/حزيران عام 1954.

بعد الانقلاب العسكري، استمرّت الدكتاتورية وتمّ إلغاء الإصلاح الزراعي. ومع تعزيز بنية غواتيمالا الاجتماعية شديدة اللا مساواة، تمّ رصف الطريق لعقودٍ من العنف – توّجتها إبادة جماعية نفّذتها دكتاتورية مونت. مع أنّ الحرب الأهلية التي استمرت ستة وثلاثين عامًا انتهت عام 1996، فأصداء العنف لا زالت تتردد حتى يومنا هذا.

من بين كلّ التدخلات الأمريكية في القرن العشرين، تحتلّ غواتيمالا مركزًا مقاربًا للقمة من ناحية الدمار الذي سبّبه التدخّل. استمرّ التدخل الأمريكي لعقودٍ بعد إسقاط آربينز يوفّر دعمًا مباشرًا وغير مباشر لحملة الحكومة العسكريّة الوحشية، حملةٌ تضمّنت ست مئة مجزرة وأعمال عنفٍ شنيعة مثل الاغتصاب الجماعي، الذي شمل حتى الأطفال.

وفق دراسة «غواتيمالا: لا يجب أن تتكرّر أبدًا» التي قُتِلَ بسببها الأسقف غيراردي، كان الجيش الغواتيمالي وفرق الموت المرتبطة به مسؤولًا عن 80 بالمئة من جرائم قتل المدنيين أثناء الحرب الأهلية. وبدورها، أفادت لجنة تقصّي الحقائق التابعة للأمم المتحدة أنّ «قوّات الدولة والجماعات شبه العسكرية كانت مسؤولة عن 93 بالمئة من الاعتداءات المُوثّقة».

العنف الحالي

والنتيجة الطبيعية لهذا العنف هي المقاومة، فكما تصِفْ ديبرا ليفينسون في كتابها «وداعًا يا صبيّ: عصابات مدينة غواتيمالا وسياسات الموت» (Adios Niño: The Gangs of Guatemala City and the Politics of Death):

تميّزت غواتيمالا في هذه الفترة بقوّة لحظاتها الشعبية والثورية. فكون عُمقِ عنف الدولة لم يُوقفهم هو مقياسٌ واحد لمدى إخلاصهم، وكذلك هي الفظائع الأكبر التي احتاجت الدولة القيام بها لتسحقهم في آخر المطاف.

تجسّدت المقاومة الغواتيمالية في موجة إضرابات عام 1977 (وهي الأكبر في تاريخ البلاد) وانتفاضة أكتوبر/تشرين الأول عام 1978 ضدّ ارتفاع أجرة الحافلات (تمّ قتل كثيرٍ من قادتها علنًا بعد انتصارها)، واحتلال السفارة الإسبانية شهر يناير/كانون الثاني عام 1980 مِنْ قِبل مجموعة من المزارعين من شعب المايا كيتشي وحلفائهم حيث كانوا يتظاهرون ضدّ الاغتيالات والاختفاءات القسرية في الرّيف. تمّ اجتياح السفارة من قِبل القوّات الأمنية وقتل ستة وثلاثين شخصًا في الفوضى التي تبعت. ولكنّ هذه المقاومة تمّ قمعها بوحشيّة.

حقًا، إنّ النجاح النهائي للحملة القمعيّة هذه يفسّر لم على الرغم امتلاك غواتيمالا لأكبر اقتصادٍ في أمريكا الوسط، يعاني حوالي نصف أطفالها من سوءِ تغذية دائم ويعيش 60 بالمئة من السّكان تحت خط الفقر.

عنت هزيمةُ المظاهرات الشعبية هزيمةً للإصلاح الزراعي والنقابات والأجور المعيشيّة. والنظام الظالم الذي تأسس قبل قرنٍ مضى ظلّ باقيًا مكانه حين انتهت الحرب الأهلية رسميًا عام 1996. وِفق تقارير البنك الدولي، تجمع غواتيمالا أقلّ كميّة من الضرائب في العالم وتصرف أقلّ نسبةٍ من الاقتصاد على الصحة والتعليم والبنى التحتية عالميًا.

الفساد مستفحلٌ في غواتيمالا، وكذلك هو الازدحام السكاني. فعدد سكّان مدينة غواتيمالا ارتفع من أقل من مليون شخص في عاك 1975 حتى وصل لأربعة ملايين في يومنا هذا. ومن بين أفقر 161 منطقة في المدينة، تشكّلت 111 منهم بعد 1991: عشوائيّاتٌ مليئة بلاجئين من الحرب وبأطفالهم، أتوا بآلام الحرب النفسية. وفي هذه المناطق ذاتها تحاربت عصاباتُ الشوارع – الماراس – مع بعضها البعض.

تسلّط دراسة ليفينسون حول الماراس ضوءً مختلفًا على عنفهم. ظهرت هذه العصابات علنًا أول مرة في منتصف الثمانينات، ومع أنّ بعضها كانت منخرطة في جرائم صغيرة، فأغلبهم اهتمّوا بمجتمعاتهم وبيّنوا أيضًا وعيًا طبقيًا متوافقًا مع روح ذلك العصر، حتى أنّ بعض العصابات انضمت لاحتجاج الطلاب في «مؤسسة رفاييل أكيتشي» ضدّ ارتفاع أجرة الحافلات.

ومع أنّ هذه العصابات شديدةُ العنف اليوم، فهذا العنف كثيرًا ما يتم تهويله، فمعدلات جرائم القتل أرفع واقعًا خارج مدينة غواتيمالا في مناطق لا تنتشر فيها نشاطات العصابات. إذ أنّ نسب القتل مرتفعة جدًا في الجزء الشرقي من البلاد بالتحديد حيث ينتشر تهريب المخدرات والجريمة المنظّمة. في أرجاء غواتيمالا، بالإمكان نَسْبُ جزءٍ كبير من جرائم القتل لمجموعات تهريب المخدرات والجهات شبه العسكرية والقوّات الأمنيّة الخاصة والشرطة وغيرها من الجهات المرتبطة بالدولة.

قد يفسّر إنهاكُ شعب غواتيمالا بعد قرنٍ من العنف دواعي فوز جيمي موراليس في انتخابات الشهر الماضي. فموراليس – وهو ممثّلٌ كوميديٌّ بذيء ليس لديه أيّ خبرةٍ سياسية – أدار حملةً انتخابية عادية متحدثًا ضدّ الفساد ومُقدمًا نفسه كفردٍ من الناس، لا من النظام. تمتّع موراليس كونَهُ يمينيًا (مثل مونت) وبروتستانتيًا إنجيليًا بدعم حزب جنودٍ سابقين كرّسوا أنفسهم لمنع إقامة محاكمات حقوقِ إنسان للجرائم التي ارتُكِبت أثناء الحرب.

حتى لحظة صعود موراليس، كان رجل الأعمال اليمينيّ مانويل بالديزون يحتلّ الصدارة ولكنّ حظّه السياسيّ انهار بسبب ارتباطاتٍ مزعومة مع حلقة غسيل أموال. عوضًا عن ذلك، فاز موراليس في الانتخابات على ساندرا توريس، الزوجة السابقة للرئيس ألفارو كولوم. لدى توريس بعض المؤهلات التقدميّة المتعلّقة ببرامجٍ اجتماعيّة ريفيّة أثناء ولاية زوجها السابق ولكنّها اختارت رجل أعمالٍ لديه صلاتٍ بنافذِين في النظام كمرشّحٍ لنيابة الرئاسة. تعهّد موراليس بدوره بأن يحدّ من نفوذ الجيش، وهو هدفٌ زعم بعض سابقيه أنّهم يهدفون إليه.

انتخابُ موراليس ليس أمرًا مشجعًا، ولكن هنالك أملٌ في كون الدفعة الواسعة التي أسقطت بيريز مولينا ستستمر بعد الانتخابات، إذ لا يمكن أن نصحّح هذه اللا مساواة البُنيويّة التي ترسّخت في غواتيمالا لأكثر من قرن إلّا عن طريق إشعال مثل هذا النشاط الجمعيّ مجددًا. فإن غاب الإصلاحُ الحقيقيّ في هذا الاتجاه، ستستمرّ دائرة العنف البائسة على الأرجح.

المصدر: مجلة جاكوبين