هل يُمكن لـ«الطبيعة البشرية» أن تتغير؟

concept

بِقلم: هاري ماجدوف وفريد ماجدوف

من بين المزاعم المناهضة للاشتراكية هي الادّعاء بأنّها تخالِف الطبيعة البشرية، فكثيرًا ما يتم تكرار مقولة «لا يمكنك تغيير الطبيعة البشرية». قد يكون ذلك صحيحًا بالنسبة لغرائز الإنسان الأساسية مثل رغبة الحصول على طعامٍ يُؤكل، والتكاثر، والبحثُ عن المأوى، وصناعةُ الملابس الواقية وارتدائها. لكنّ دلالة عبارة «الطبيعة البشرية» قد تغيّرت بشكلٍ هائل طيلة التاريخ الطويل للبشرية. فمع تغيُّرِ الأنظمةِ الاجتماعيةِ وتكيُّفِ وتأقلمِ الناس مع هياكلها الاجتماعية الجديدة، تغيَّرت أيضًا عادات وخواصّ الإنسان السلوكية. فمنذ ظهور الإنسان الحديث منذ حوالي 150000 إلى 250000 سنة – وعلى مدى عشرات آلاف السنين منذ ذلك الحين – تَطوَّرت أنواعٌ عديدة من المجتمعات والعلاقات الاجتماعية. فبينما اعتمدت أكثرية هذه المجتمعات في البداية على الصيد وجمع الثمار، اعتمدت العديد من المجتمعات في الـ 7000 سنة الأخيرة على الزراعة. وقد انتظمت هذه المجتمعات على شكل عشائر أو قرى أو قبائل أو مدن-دول أو أمم أو إمبراطوريات.

لقد وجد علماء الأنثروبولوجيا الدارسين للمجتمعات «البدائية» علاقاتٍ وطبائعَ إنسانيةٍ شديدة الاختلاف عن الخصائص المهيمنة في الفترة الرأسمالية كالتنافس و«تغلّب القوي على الضعيف» والأنانية. فغالبًا ما اتخذت اقتصادات مجتمعات ما قبل الرأسمالية شكل التبادل والتعامل بالمثل وإعادة التوزيع. بالطبع، وُجِدَت التجارة، ولكن تلك التجارة ما بين القبائل لم تكن في سبيل تحقيق المكاسب الشخصية، ولم تكن الأراضي الزراعية مملوكة شخصيًا أو قابلة للبيع أو الشراء، بل كانت تُخصص ويُعاد توزيعها من قِبل رؤساء القرى. وكان رؤساء القرى يقومون عادةً بإعادة توزيع القسط الأكبر من الطعام الذي تمّ جمعه في مآدب القرى الاحتفالية. كانت هناك حروبٌ وهيمنة من قِبل الطغاة المحليين – فلم تكن هذه المجتمعات مثاليةً بأي حال من الأحوال – لكن، كانت لديهم قيم وعادات اجتماعية و«طبائع بشرية» مختلفة. فكما أوضح كارل بولاني في عام 1944: «إن الاكتشاف المتميز للبحث التاريخي والأنثروبولوجي الحديث هو انغمار اقتصاد الإنسان – كقاعدة عامة – في علاقاته الاجتماعية. فهو – أي الإنسان – لا يعمل من أجل حماية مصلحته الفردية في احتياز السلع؛ بل يعمل من أجل الحفاظ على مكانته ومزاعمه واستحقاقاته وأصوله الاجتماعية». ففي مثل هذه المجتمعات، اقترن الاقتصاد بالعلاقات الاجتماعية ولم يُسمح للناس بالتربّح من المعاملات التجارية.

إن مجموعةَ الهياكلِ والنظمِ المتنوعةِ للحضارات الماضية هو شيء لافت للنظر حقًا. فلم تمرّ فترةٌ طويلة – في تاريخ وجود الإنسان – منذ أن تواجد ذلك الوعي المختلف لدى سكان الأمريكيتين الأصليين قبل أن تُغيّره قسرًا غزوات وفتوحات الجيوش الأوروبية والمستوطنين. ولهذا كتب كريستوفر كولومبس بعد رحلته الأولى إلى النصف الغربي من الكرة الأرضية: «‪كما إنني لم أتمكن من معرفة ما إذا كانوا يتملكون ممتلكات شخصية أم لا، فقد بدا لي أنهم يتشاركون كل ما يملكون…إنهم سذجٌ وأحرارٌ بما لديهم للدرجة التي لن يصدق شخص ما ذلك حتى يراه بعينيه؛ فإن طلبت منهم أي شيء يمتلكونه فلن يقولوا لا أبدًا، بل على العكس من ذلك، سيدْعونك لمشاركته وسَيُظهرون أكبر قدرٍ من الحب كما لو أن قلوبهم ارتضت ذلك».

ووفقا لويليام براندون، إحدى المؤرخين البارزين عن السّكان الأصليين: «لقد ردد الكثير ممن سافر إلى قلب أمريكا – وشاهد حقيقة العالم الهندي أمام عينيه – هذه المشاعر عامًا بعد عام، وجيلًا  بعد جيل. لقد شمل ذلك المراقبين الأكثر مسؤولية، كالمبشّر دو تيرتر – كمثال عشوائي – والذي كتب عن منطقة البحر الكاريبي في خمسينات القرن الخامس عشر: “…إنهم جميعًا متساوون، دون أن يعترف أي شخص بأي نوع من الاسْتِعْلاء والتفوّق أو أي نوع من العبودية…لا يوجد أحدٌ أكثر ثراءً أو أكثر فقرًا من صاحبه، ويقيّد الجميع رغباتهم بما هو مفيدٌ وضروريٌ على وجه التحديد، ويحتقرون كلّ الأشياء الأخرى الزائدة عن حاجتهم بحكم أنها لا تستحق أن تُمتَلك…”». وكتب مونتين أيضًا عن ثلاثة من السكان الأصليين وزيارتهم لفرنسا في أواخر القرن السادس عشر حيث شرحوا له العرف الهندي الشائع بتقسيم الشّعب إلى قسمين وفئتين مع واجبات خاصة ومُنفصلة لحيثيات طقوسية أو إدارية لكل منهما، مثل «الصيفيين» و«الشتويين» في مختلف قبائل أمريكا الشمالية. لكن هؤلاء الثلاثة قد اندهشوا واحتاروا من النّصفين المتناقضين في فرنسا. وأضاف «أنهم قد أدركوا وجود رجالٍ بيننا متخمين بكل أنواع السلع وآخرون جوعى عراة فقراء يتوسلون عند أبوابهم: فقد استغربوا تحمل هذا القسم الفقير لهذا الظلم، وعدم إمساكه هؤلاء الآخرين من أعناقهم، أو عدم إضرامهم النار في منازلهم…».

لم يراود المستوطنون الأوروبيون في المستعمرات الثلاثة عشر – فيما عُرِف لاحقًا بالولايات المتحدة الأمريكية – أي شكٍ بتفوقهم على «همجيّة» الهنود في كل شيء. لكن دعونا نلقي نظرةً على أمم الإيروكواس. كان لدى الإيروكواس ديمقراطيةً تستند على المشاركة الشعبية في صنع القرار وإزالة المسؤولين غير المرضي عنهم. صوتت النساء أيضًا مع الرجال، وكان لديهن مسؤولياتٌ خاصة في بعض المجالات. وفي نفس ذلك الوقت، اعتمد المستوطنون «المتحضّرون» على سَخَرة البيض واستعباد السود وتقييد حقوق المرأة بشدة. لقد استغرق الأمر ثلاث قرون ونصف بعد وصول المهاجرين الأوائل لتحرير العبيد وأربعة قرون لحصول النساء على حق التصويت!

لقد أشرنا أعلاه بشكلٍ موجز إلى مجتمعات كان الاقتصاد فيها خاضعًا للعلاقات الاجتماعية. إلا أن ذلك قد تغير تغيّرًا جذريًا مع تطور الرأسمالية وهيمنة الملكية الخاصة ومعها المال والتجارة من أجل الربح. لم تصبح العلاقات الاجتماعية إلا انعكاسًا للقوى المتحكمة في اقتصاد المجتمع الرأسمالي بدلًا  من أن يكون العكس. لقد توقع أرسطو المخاطر المقبلة في المستقبل، وذلك لوجود بعض جوانب الرأسمالية في العالم القديم حين قال:

هناك نوعان من أنواع فنّ الكسب – كما أسلفت: إحداهما هو جزء من إدارة الأسرة (الاقتصاد) والآخر هو التجارة: الأول هو ضروريٌ ومحمود في حين أنّ الآخر مذمومٌ وقبيح لأنه يغاير الطبيعة، فهو نمط يَكسب فيه الشخص من شخصٍ آخر. وأبغض أنواعها – ولكثير من الأسباب – هو الربا لأنه يُنتج المال من المال، وليس من جوانبه الطبيعية. فقد أُعِدَّت النقود وصُنِعت من أجل المبادلة، وليس من أجل زيادتها بالفوائد. وهذه الفوائد – التي تعني توليد المال من المال نفسه – يتم تطبيقها على تكاثر المال حيث تُمَاثل الذريّة أبويها. ولذلك كان الربا من أكثر وسائل الكسب مغايرة للطبيعة. (كتاب «السياسة»)

على الرغم من تأييد أرسطو للعبودية – إذ رأى فيها أمرًا طبيعيًا على ما يبدو – إلا أنه اعتقد بأن البيع وتحقيق الأرباح والمكاسب عن طريق الفائدة أمرٌ غير طبيعي. لقد انعكس الوضع اليوم، فبينما يرى معظم الناس مغايرة الرق والعبودية للطبيعة، فإنهم يرون أن البيع وجني الأرباح عن طريق الفائدة هي أكثرُ الأنشطةِ البشريةِ توافقًا مع طبيعتهم.

بالطبع، إن مسألة احتواء مفهومِ «الطبيعة البشرية» لمعنىً فعليّ هو أمرٌ مشكوكٌ به، وذلك لأن الوعي، والسلوك، والعادات، والقيم البشرية – بحكم تأثرها بالتاريخ والثقافة الناشئة في المجتمعات المعينة – هي أمور مُتَغَيّرَة ومتباينة. لم تتغير «الطبيعة البشرية» المزعومة فقط بل حتى الأيدولوجية المحيطة بمكونات «الطبيعة البشرية» قد تغيرت أيضًا بشكل كبير. فتمجيد كسب المال، وإباحة كل الإجراءات اللازمة لفعل ذلك، والترويج للسمات البشرية اللازمة – والتي كانت «غير طبيعية» وبغيضة بالنسبة لأرسطو – هي الآن قاعدة من قواعد المجتمعات الرأسمالية.

لقد اتضح خلال التطور الرأسمالي – بما في ذلك الماضي القريب – هراء ما اعتبره الكثيرون خصائص واضحة للطبيعة البشرية. على سبيل المثال، لقد اعتُبر جزءًا من الطبيعة البشرية سابقًا أن النساء كن غير قادرات على أداء بعض المهام بكفاءة. لقد كان نادرًا وغير اعتياديٍ للنساء أن يصبحن طبيبات، كان ذلك بسبب الاعتقاد بأنهن لم يكن قادرات على التعلم واستخدام المهارات اللازمة. أما الآن، فوجود الطبيبات أمرٌ شائع، بل إن النساء يشكلن في كثير من الأحيان أغلبية طلاب الطب. والتصريح الأرعن الأخير لرئيس جامعة هارفرد أنّ النساء لا يمكنهن أن يَقُمن بعمل ذو جودةٍ عالية في مجالات الرياضيات والعلوم يُشير لاستمراريّة وجود نظرةٍ شديدة الإيديولوجية للطبيعة البشرية. ويُزعم أنّ وجهة النظر هذه الآن أصبحت أكثر «عِلمية» بسبب «اختلافاتٍ جينية» مُفترضة، حتى في المجالات التي لم يَثبُت فيها وجود أي اختلاف. فمن الواضح أنّ ما يعتبره الكثيرون جزءًا من «الطبيعة البشرية»، ما هو في الواقع إلا مجموعةٌ من وجهات النظر والتحاملات المتدفقة من ثقافة مجتمع معين.

لقد تواجدت الرأسمالية لما يقارب الـ 500 عام من عمر البشرية – مثلت الرأسمالية التجارية ما يقارب الـ 250 عام الأولى متبوعة بالرأسمالية الصناعية والتي تواجدت في الـ 250 سنة الأخيرة – أي لأقل من 0.4 بالمئة من مجمل فترة التواجد الإنساني (لقد وصلت الرأسمالية في وقت متأخر في أجزاء واسعة من العالم وقد سادت لجزء أصغر من الوقت في تلك المناطق). وفي الفترة القصيرة هذه من التاريخ البشري، قلّلت الرأسمالية من قيمة التعاون والمراعاة والمشاركة، في حين أبرزت الصفات التنافسية والعدوانية من أجل البقاء على قيد الحياة في نظامٍ قائمٍ على تراكم رأس المال. ومع تطور الرأسمالية، تطورت ثقافةٌ إلى جانبها – متجسدةً بالجشع والفردانية (كلٌّ لنفسه)، واستغلال الرجال والنساء من قِبل الآخرين، والتنافس. يحدث التنافس بين مختلف أقسام الشركات، وبالطبع بين شركاتٍ كاملة، ومعها الدول، والعمال الباحثين عن وظائف، وهي كذلك تتخلل في طريقة تفكير الناس. إحدى الجوانب الأخرى من الثقافة الرأسمالية هو استحداث وتطوير النزعة الاستهلاكية – الاضطرار لشراء المزيد والمزيد من البضائع التي لا تمتّ بسعادة واحتياجات الإنسان الأساسية بصلة. فكما وصفها جوزيف شومبيتر منذ عشرات السنين «…غالبية التغييرات الطارئة على السلع المُستَهلكة فرضها المُنتِجون على المُستهلِكين، والذين بمقاومتهم للتغيير – في أكثر الأحيان – قد تَعيَّن تعليمهم من خلال تقنيات إعلانٍ نفسيّةٍ مُحكمة».

إن كانت طبيعة الإنسان، وقِيَمُه، وعلاقاته قد تغيرت من قبل، فليس هناك من حاجة للإشارة بأنها قد تتغير مرة أخرى. بل إن فكرة جمود الطبيعة البشرية هي – في الواقع – مجرد وسيلة أخرى يوظّفها المؤيدون للنظام الحالي لتأكيد زعمهم بجمود المجتمع. وكما كتب جون ديوي في مقالة له عن «الطبيعة البشرية» لـ«موسوعة العلوم الطبيعية» في عام 1932:

تتركز الخلافات الحالية بين أولئك المؤكدين على الثبات الجوهري والأساسي للطبيعة البشرية وبين أولئك المؤمنين بقابليتها للتعديل بشكل كبير حول مستقبل الحرب ومستقبل النظام الاقتصادي التنافسي المدفوع بحافز الربح الخاص. من المُبَرر القول – دون دغماءيه – أن كُلاً من عِلميْ الأنثروبولوجيا والتاريخ يدعمان نظرة أولئك الراغبين في تغيير هذه المؤسسات. فمن الممكن إثبات أن العديد من العقبات الحائلة دون التغيير – والتي نُسبت إلى الطبيعة البشرية – هي في الواقع راجعة إلى الجمود المؤسساتي ورغبة الطبقات القوية للحفاظ على الوضع القائم.

مُقتطف من مقال «التطرق للاشتراكية»، من مجلة: مونثلي رڤيو