الإمبريالية الروسية: بوتين، والحرب في أوكرانيا، واليمين المتطرف

puti

بِقلم: جان باتو

روسيا بوتين هي دولةٌ إمبريالية تهيمن عليها أوليغارشية رأسمالية، وهذا الأوليغارشية الرأسمالية تتحكم بدورها بالدولة وقد عمِلت على تنمية نزعةً عدوانيّة تجاه جيرانها، إذ تلومهم الأوليغارشية لكونهم استغلّوا سقوط الاتحاد السوفييتي كي يهربوا من هيمنته التي استمرّت عقدًا كاملًا، حيث اعتنقت هذه الأوليغارشية أيديولوجيةً مفرطة في القومية تفسح مجالًا كبيرًا للعنصرية العرقية ومعاداة السامية والهوموفوبيا، وبذلك أصبح هؤلاء المحافظون الجدُد السلطويّون المعيار الفعليّ لليمين المتطرّف الأوروبي. فلِمَن يسعون منّا لمحاربة الإمبريالية الغربية، سواءً كانت أمريكية أم أوروبية، من الضروريّ أن نفهم الطبيعة الإمبريالية للدولة الروسية ولنزعاتها التوسّعية وللطبيعة الحقيقية لنزاعها مع الغرب.

في أوروبا الشرقية، تدعمُ الاتحادَ الفدرالي الروسي قطاعاتٌ مهمّة من اليمين المتطرّف، مثل «هجوم» في بلغاريا و «الحزب القومي» في سلوفاكيا و «جوبيك» في هنغاريا، و «الحزب القومي الديموقراطي» في ألمانيا، و «الجبهة الوطنية» في فرنسا، و «حزب الحريّة» في النمسا، «العصبة الشمالية» و «القوة الجديدة» في إيطاليا و «حزب المصلحة الفلمنكية» في بلجيكا، وغيرهم. وفي يوم 22 مارس 2015، في فندق «هوليدي إن» في سانت بطرسبورغ، قام «الحزب الوطني لروسيا» بتنظيم «منتدى المحافظين الدولي» إذ تضمّن ذلك المنتدى عددًا كبيرًا من هذه الحركات، مع مشاركةٍ من قياداتٍ شرقيّ أوكرانية مرتبطة بمجموعات فاشستية. هذه الشبكة ستقوّي الارتباط ما بين القوميين الأوروبيين الذين يدعمون سياسة روسيا الخارجية ضد بروكسل وواشنطن.

أيُّةُ إمبريالية روسيّة؟

يغضّ بعض الناس الذين يحنّون للحقبة ما بعد الستالينية للاتحاد السوفييتي بصرهم عن هذا الواقع، متناسين وقوع استنكار الإمبريالية الروسية دائمًا في قلبِ فكر لينين ونشاطِه. ألم يدعو لينين لهزيمة روسيا في عام 1914؟ ففي 12 سبتمبر من ذلك العام، كتب لينين:

لا يمكن لأبناء «روسيا العظمى»[*] أن «يدافعوا عن وطنهم الأم» إلّا من خلال اشتهائهم أن تلحق الهزيمة النظام القيصريّ في أيّ حرب، فذلك هو الشّر الأصغر لتسعة أعشار قاطني «روسيا العظمى»، فالقيصرية لا تظلم فقط تسعة أعشار هذا الشعب اقتصاديًا وسياسيًا فحسب، بل تثبّط معنوياتهم وتحتقرهم وتهينهم وتتاجر بهم عن طريق تعليمهم كيفية اضطهاد الأمم الأخرى لتستر على هذا العار بعباراتٍ منافقة ووطنيّة زائفة.

استبدل «قيصرية» بكلمة «أوليغارشية»، فسيبقى تحليلُ لينين صحيحًا تمامًا اليوم.

روسيا دولةٌ إمبريالية فريدة من نوعها، وذلك لكونها استعمرت الشعوب غير الروسية الواقعة تحت إمبراطورتيها، وفي الوقت ذاته قمَعت جموع المزارعين الروسيين وغير الروسيين داخل روسيا بوحشيّة واستعبدتهم تقريبًا، وكان ذلك منذ القرن السابع عشر فما بعد، وهي عمليّةٌ تماثل ما ارتكبته القوى الأوروبية في مستعمراتها الواقعة في قارّاتٍ أخرى. مع انبثاق الإمبريالية الرأسمالية في الثلث الأخير من القرن التاسع عشر، سعت روسيا للتعويض عن ضعف احتكاراتها الاقتصادية والمالية النّسبي عن طريق التحكم العسكريّ الحصري بمساحاتٍ شاسعة من الأراضي، وكان ذلك – كما أشار لينين في 1916 – عن طريق «منشآتٍ خاصة أُقيمَت لنهب الأقليّات القومية». وبهذه الطريقة، بإمكان روسيا أن تحاول اللعب في الدوريّات الكبرى، كشريكٍ أصغر لفرنسا وإنجلترا. ولعدم فهم بعض الماركسيين هذا الأمر، يقومون بالاستشهاد بلينين من أجل التشكيك بطبيعة روسيا الإمبريالية في يومنا هذا، مشيرين للضعف النّسبي لقطاع الرأسمال التمويلي (finance capital) التابع لها. ولكنّ ذلك لا يبيّن إلّا عدم فهمهم لتشخيص لينين للإمبريالية الروسية قبل عام 1917.

الاتحاد السوفييتي وشوفينية روسيا العظمى

بينما تمّ تحطيمُ احتكار رأس المال التمويلي مِن قِبل ثورة أكتوبر، مما قاد لخلق الاتحاد السوفييتي، فذلك التحطيم لم يطل شوفينية روسيا العظيمة والامتيازات المرتبطة. ولهذا اقترح لينين في آخر كتاباته إجراءات تمييزٍ إيجابيّ لدعم الأمم المضطهدة وأعطى أهميّة رئيسية للنضال ضدّ القومية الاجتماعية، ولم يتردد في مواجهة ستالين حول تقريره عن الشيوعيين الجورجيين، مُتهمًا إيّاه بأنه «متنمّرٌ روسيٌّ بذيء». ولكن بعد موت لينين، خُسِرَت هذه المعركة وقنّعت نظرية «الاشتراكية في بلدٍ واحدة» انتصار شوفينية روسيا العظمى على حقوق القوميات الأخرى. وذلك يفسّر بشكلٍ كبير سبب إمكانيّة المقارنة ما بين «الأجواء» العنيفة (كي نستعير عبارة فرانز فانون) للنظام الستاليني للسنوات ما بين 1930-1940 مع «الأجواء» العنيفة للعالم الاستعماري: مصادراتٌ شاسعة، معسكرات عمل، ترحيلٌ وإبادات، و «روسَنَة» (Russification) إجبارية، وما إلى ذلك.

بعد الحرب العالمية الثانية، استعاد الاتحاد السوفييتي السيطرة على إمبراطورتيه ومزاعمه على منطقة امتدّت من الصين لإيران (أذربيجان) وتركيا. ومُتجاوِزًا ذلك، في يوليو 1945، وصل ستالين لأن اقترح تأسيس محميّة استعماريّة (protectorate) على «إقليم طرابلس» (ليبيا) في شمال إفريقيا. وحين اتّخذت بريطانيا العظمى موقفًا مؤيدًا لاستقلال ليبيا، تراجع الدبلوماسيون السوفيتيون واتّخذوا موقفهم الاحتياطي بأن اقترحوا إنشاء محمية استعماريّة تديرها القوى العظمى الأربع (الولايات المتحدة، إنجلترا، فرنسا، وروسيا). وأخيرًا، حين رأى السوفيتيون إمكانية انتصار حزبٍ شيوعيّ في انتخابات 1946 الإيطالية، اتّجهوا نحو اقتراح محميّة إيطالية، وفشلوا في ذلك أيضًا. وهذه المحاولة غير المشهورة مِنْ قِبل موسكو لإنعاش نظام الانتداب التابع لعصبة الأمم الذي تمّ تأسيسه بعد الحرب العالمية الأولى لصالحها تُخبرنا الكثير حول سياسات «القوى العظمى» التي تمارسها روسيا تجاه الشعوب المُستعمَرة. على الرغم من ذلك، فساعة المجد للإمبراطورية الروسية السوفييتية لم تستمرّ أكثر من نصف قرن وتبِعها انهيارٌ غير مسبوق، خسرت معه 14 جمهوريّة غير روسيّة (منطقة مساحتها حوالي 5،3 مليون كيلومتر مربّع).

إعادة توحيد روسيا العظمى؟

لا يزال الاتحاد الفدرالي الروسي يحتوي اليوم على 21 جمهورية غير روسيّة، تشكّل مجتمعةً 30 من مساحته. وأصبح رأس المال التمويلي – الذي تمّ التعويض عن هزالته النسبيّة بدعم جهاز دولةٍ قويّ –الآن الحاصد الرئيسيّ لأرباح استغلال الموارد الطبيعية في سيبيريا والشرق الأقصى. مرة أخرى، يتمّ تنظيم ذلك بأسلوبٍ استعماريّ: تتدفّق الموارد للمركز، وهو بدورِه يُعيد جزءًا بسيطًا منها للمناطق المختلفة من أجل تنميتها الذاتية. وفي الوقت نفسه، يشجعّ هذا النظام موسكو على تبنّي سياسةً توسّعية تجاه الدول المجاورة، حيث يشكّل القوميّون المتطرفون جهدًا نحو «إعادة توحيد روسيا العظمى». فبالنسبة لأليكسندر دوغين، أحد أهمّ منظّريهم الحاليين ومؤمنٌ بعقيدة «الحرب ما بين القارات»، لا يمكن ضمان سلامة الأراضي المُخضعة السابقة إلّا إن وافقت على عدم مغادرة الفلك الروسي. فهو يعلن قائلًا: «كلّ دولة [في] الفضاء ما بعد السوفييتي، إن قرّرت معارضة روسيا بعنف، فلا يُسمح لها أن توجد إلّا بشكلٍ مبتور». (ليبريشن، 27 أبريل، 2014)

ونرى نفس الرواية لدى إيغور ستريلكوف، وهو رجلٌ عسكريّ روسيّ انخرط إلى جانب الانفصاليين في ترانسنيستريا (منطقة ما بين نهر دنيستر وحدود مولدوفان الشرقية مع أوكرانيا)، وانخرط مع الصرب في البوسنة، ومع القوّات المناصرة للروس أثناء حربيّ الشيشان، وذلك قبل أن يقود الوحدات القتالية في أوكرانيا الشرقية. أصبح ستريلكوف لاحقًا وزير الدفاع لجمهورية دونيتسك الشعبية التي أعلنت ذاتها [ولم تعترف بها أي دولة]، وذلك حتى منتصف أغسطس لعام 2014، حين تمّت إزاحته من السلطة مِن قِبل الكرملين في ظروفٍ غامضة. قال ستريلكوف لمجلة دير سبيغيل: «آمنت أنّ موسكو ستقوم بسرعة بالاستحواذ على منطقة دونباس كما فعلت مع شبه جزيرة القرم بعد الاستفتاء»، وأضاف قائلًا: «كييف مدينة روسية. أريد هيمنةً روسيّة جديدة، وهي أمرٌ مُبرَّر تاريخيًا. بقيت أوكرانيا ولا تزال جزءً من روسيا. حلمي هو أن تقوم روسيا بإعادة تأسيس حدوها الطبيعية كما كانت في عام 1939». وعلى المرء أن يتساءل هنا إن كان ستريلكوف يقصد قبل حلف هتلر-ستالين لذلك العام أم بعده.

مع تصاعد القومية المتطرفّة لروسيا العظمى، وجدت الأيديولوجيات العنصرية والمعادية للسامية لتقاليد«المئويّون السوداء»[†] – التي تشكّلت كردّةِ فعلٍ مناهضة لثورة 1905 الروسية – أرضًا خصبة للنمو. تحتلّ الحملات الإسلاموفوبية ضدّ شعوب القوقاز وآسيا الوسطى – بالطبع – المركز الأول ما بين أهدافهم. في نوفمبر 2013، أعلن محافظ موسكو سيرجي سوبيانين (وهو قوميّ يمينيّ) أنّ المدينة لن تبني أيّة مسجد إضافيّ لقاطنيّ العاصمة المسلمين، وأعدادهم ما بين 1،5 ومليونيّ نسمة. ونضيف لذلك البروباغندا اليمينيّة ضدّ هجرة الشعوب السمراء، بالخصوص الأفريقيين الذين أصبحوا مؤخرًا ضحايا رقمٍ قياسيّ من الاعتداءات العنصرية. واليهود أيضًا عادوا مرّة أخرى في مرأى المجموعات المعادية للسامية التي تنشط علنًا في شبكات التواصل الاجتماعي وفي الشوارع.

حين يخرج الشيطان من صندوقه

بعد تدخّل موسكو العسكري إلى جانب الانفصاليين الأوكرانيين، عمِلَ النداء بإنشاء اتّحادٍ مقدّس على تبرير زيادة القمع السياسي. وَوِفق أوغلا ميرياسوفا، وهي عالمة اجتماع ومناضلة موسكويّة مناصرة للحقوق المدنية، ازداد عدد الناشطين المسجونين من 1500 ناشط في 2013 حتى 2500 في 2014، إذ يتيح قانونٌ ضدّ «التحريض على الكراهية الاجتماعية» للحكومة بمحاكمة أي انتقادٍ لممارسات الشرطة.

والاعتداءاتُ القضائية شرسةٌ بالأخص في القرم، حيث يتم قمع أي مظاهرة ضدّ إلحاقها بروسيا بشكلٍ ممنهج. هكذا كانت حالة الاتّحاديّ الطلابيّ والناشط البيئيّ المناهض للفاشستية أليكسندر كولتشينكو الذي تمّ اعتقاله في سيمفيربول 16 مايو السابق ونقله لموسكو على الرغم من جنسيّته الأوكرانية، وتمّ اتهامُه زيفًا وبصورةٍ غريبة بالانتماء لشبكةٍ إرهابية يمينيّة متطرّفة.

وفي هذا السياق ذاته تمّ اغتيال بوريس نيمتسوف قُرب الكرملين يوم 27 فبراير. إذا كان طبيبًا شابًا من نيجني نوفغورود وكان نيوليبراليًا، وتمّ انتخابه للسوفييت الأعلى في عام 1990، وتمّ تعيينه لاحقًا كحاكم للمنطقة ومن ثمّ كمستشارٍ لبوريس يلتسين في 1996 أثناء ولايته الثانية مُرافِقًا فلاديمير بوتين، الذي أصبح رئيسًا عام 1999. ومنذ ذلك الوقت، اتّخذ مصيرُ هذين الإصلاحيين النيوليبراليين الشّابين (إذ أنّ عمر بوتين 47 عامًا ونيمتسوف 40 عامًا) اتجاهين مختلفين. نيمتسوف، بعد أن أزيح من السلطة، انتقد فساد الرجل الآخر في سلسلةٍ من المنشورات بعناوين لم تدع مجالًا للشّك بشأن آرائه: «بوتين وغازبروم»، «بوتين والأزمة المالية»، «بوتين والفساد»، وما إلى ذلك. وفي عام 2009، وأثناء ترشحّه لمنصب محافظ مدينة سوتشي من أجل إدانة الصفقات التجارية التي أحاطت الاستعداد للألعاب الأولمبية، تم الاعتداء عليه جسديًا.

كان نيمتسوف بالتحديد مكورهًا في الأوساط القوميّة المتطرفة بسبب أصولِه اليهودية ونقده للحروب التي شُنَّت على الشعوب غير الروسيّة داخل الاتحاد الفدرالي. مؤخرًا، أعلن عن إصدار تقريره الأخير حول تداعيات انخراط موسكو في أوكرانيا، بعد أن نشر في «فيسبوك» مقالةً منفعلة رفضت الصحافة نشرها. جزءٌ من ذلك المنشور كان:

أعلن بوتين حربَ أخٍ على أخيه في أوكرانيا. هذه الخطيئة الدموية مِن قِبل رجل مخابراتٍ مجنون ستكلّف روسيا وأوكرانيا ثمنًا باهظًا: مرّة أخرى، موت اليافعين على كلّ من الطرفين، ثكل الأمهات والزوجات، ويتّم الأطفال. جزيرة قرم فارغة، لن يزورها السياح أبدًا، ومليارات، عشرات المليارات من الروبيات تأخذ من الكهلة والأطفال وترمى لتحترق في فرن الحرب، ومن بعد ذلك تُأخذ أموالٌ أكثر لتعزيز النظام السارق في شبه جزيرة القرم…هذا الغول يحتاج لحرب، يحتاجُ لدماء الشّعب.

أوكرانيا، والأوليغارشية، والفاشستية

استنادًا على الإعلام الروسي، الذي كثيرًا ما تكتفي تحليلاته بالاتكال على جماعاتٍ يسارية غربية ذات أصولٍ ستالينية أو على أولئك الذين يجعلون مسألة السيادة الوطنية الروسية (لا الأمم التي تُخضِعُها روسيا) ذات أهميّة أوليّة، إنّ ما يقوم به بوتين والانفصاليون في جنوب شرقي أوكرانيا اليوم هو محاربة «طغمة عسكرية فاشستية» وسياساتها التي تميّز ضد السكان المتحدّثين باللغة الروسية شرقيّ البلاد، ولكن الحقيقة هي أنّ أيًا من ذلك لا ينطبق على الواقع، حتى لو كانت سُلطات كييف مُهيمَنًا عليها مِنْ قِبل أحزابٍ قوميّة محافظة مرتبطة باحتكاراتٍ رأسماليّة قويّة.

الحقيقة هي أنّه في كلٍّ من الشرق والغرب، أوكرانيا محكومة مِنْ قِبل عشرات الأوليغارشيين المتحكّمين بالمصادر الاقتصادية الرئيسية لمناطقهم، وهم يسيطرون على الإعلام والقوة السياسية وقوّات الشرطة، ذلك حين لا يكون لديهم ميليشياتهم الخاصة القوية. في الشرق بالخصوص، الاحتكارات متركّزة وحصريّة، وأبرزها لدى رينات أحمدوف، وهو البارون الفعليّ لدونباس. ووِفقَ «سبوتنيك وبوغروم» (Sputnik & Pogrom) القوميّ الروسيّ، حثّ أحمدوف مؤخرًا الانفصاليين وداعميهم الروس على ألّا يحاولوا احتلال ميناء ماريوبول، إذ أنّ ذلك الميناء يمكّنه من الاستمرار في التصدير لإيطاليا – فهو لا يمكنه القيام بذلك من أوديسا لكون الميناء واقع تحت سيطرة أوليغارشيّ آخر – وذلك مقابل توفير مساعداتٍ غذائيّة طارئة لسكّان جمهورية دونيستك الشعبية. برّر رئيس وزراء جمهورية دونيستك السابق أليكسندر بوروداي – وهو رجلٌ تابع لموسكو – تلك الصفقة باسم الدّفاع عن ثورةٍ قوميّة، أو بالأصح «ثورة إمبريالية» تقع لصالح روسيا العظمى، وهي ثورةٌ لا يجب في أيّ حالٍ من الأحوال الاعتقاد بأنّها ثورةٌ اجتماعية.

بينما يدعم أحمدوف الانفصاليين للدفاع عن امتيازاته الخاصة، يدعم أوليغارشيّون آخرون حكومة كييف التي انبثقت بعد انتخابات مايو لعام 2014. استغلّ الرئيس بيترو بوروشينكو خصخصة قطاع الحلويات، وحصل من تجارة الشوكولاتة على ثروةٍ قدرها 1،6 مليار دولار وِفق مجلّة فوربس. ولكن يجب أن نشير هنا إلى كون حكم الأوليغارشيين أضعف في الغرب وذلك لكونهم يمتلكون احتكاراتٍ أصغر وكونهم يعارضون بعضهم البعض ويواجهون درجةً من الحراك الشّعبي والتعبير السياسيّ المستقل. علاوةً على ذلك، فالقوى في كييف اعتنقت مطلبًا ديموقراطيًا مبدئيًا – ألا وهي تمامُ وسلامة الأمّة الأوكرانية – في وجه الاضطهاد العتيق للإمبراطورية الروسية والذي تجلّى مرّةً أخرى في موجة قمعٍ في شبه جزيرة القرم المُلحَقة. أخيرًا، لو كان اليمين المتطرّف متواجدًا في أوكرانيا، فالدعم الشّعبي الذي يتلقاه أضعف بكثير من اليمين المتطرف في روسيا ومن يمين أغلب البلدان الأوروبية الأخرى. ولو كان نُشطاؤه نشطين جدً في متاريس ميدان الاستقلال، فنفوذهم السياسي لا يزال هامشيًا. على سبيل المثال، لم يحصل قائد «برافي سيكتور» (قطاع اليمين) دميتري ياروش– الذي تندّد به موسكو كشخصٍ منخرط في كلّ شيء يجري في أوكرانيا –إلّا على 0،7 بالمئة من الأصوات في الانتخابات الرئاسية للخامس والعشرين من مايو عام 2014.

الإمبرياليّون الغربيون والأزمة الأوكرانية

بالطبع، تحاول القوى الغربية – أولاها ألمانيا وفرنسا وإنجلترا، ومعهم الولايات المتحدة أيضًا على مستوىً عالميّ – التربّح من الأزمة الأوكرانية، فقد برهن القرن العشرين تاريخيًا كيف أنّ أوكرانيا – مثلها مثل بولندا – هي منطقة مواجهة ما بين الإمبرياليّتين الروسيّة والألمانية، الفارق هو أنّه في المواجهة الحالية، ألمانيا هي القوة المهيمنة في الاتحاد الأوروبي. كان «مؤتمر الأمن والتعاون في أوروبا» (السابق لـ «منظمة الأمن والتعاون في أوروبا») تعبيرًا عن مشروع «السياسة الشرقيّة» (Ostpolitik) لألمانيا منذ نهاية الستينات، وهدفه تحقيق إدماجٍ جديد لأوروبا الشرقية وأوكرانيا وروسيا في الاقتصاد الرأسمالي العالمي من خلال التقارب عِوضًا عن المواجهة.

وبعد سقوط الكتلة السوفييتية ومع اتفاقية دايتون لديسمبر 1995 والتي أنهت الحرب في البوسنة والهرسك ووضعتهما تحت وصاية منظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو)، انبثق من المؤتمر المذكور أعلاه «منظمة الأمن والتعاون في أوروبا». كان يسعى إلى النهوض بالديموقراطية التمثيليّة واقتصادات السّوق في الكتلة السوفييتية السابقة ومنع الحروب في الوقت ذاته. وكان يهدف أيضًا لاحتواء التوتّرات الاجتماعية والسياسية التي سبّبها تطبيق سياسات تحرير السوق والخصخصة الوحشيّتين. وكانت فترة ما بعد سقوط الكتلة السوفييتية لحظة انتصار لمنظمة الأمن والتعاون، حيث تمكّنت أثناءها من زيادة ميزانيّتها السنوية بمقدار خمسة أضعاف، رافعةً إياها من 32،4 مليون في 1995-1997 حتى 155،8 مليون في عامي 1998-2000، وذلك في فترةٍ كانت روسيا فيها منهارة القوى، حيث انخفض ناتجها المحليّ الإجمالي بما يتجاوز الخمسين بالمئة (!) ما بين 1990 و1999.

وفي 1999، أصبحت كلٌ من جمهورية التشيك وهنغاريا وبولندا أعضاءً في الناتو؛ وتبعتهم في عام 2001 دول البلطيق ومعهم رومانيا وبلغاريا وسلوفاكيا وسلوفينيا. وما بين 2003 و2005، انضمّت كلُّ هذه الدول إلى الاتحاد الأوروبي. وبالنسبة لروسيا، كان التطلّع لأمنٍ أوروبيّ مبنيٍّ على الدور المركزيّ لمنظمة الأمن والتعاون أمرًا غير شرعيّ. وفي تلك الفترة ذاتها، عادت روسيا تدريجيًا لمستواها الاقتصادي لعام 1990 وتجاوزته أخيرًا في عام 2005. وفي تلك اللحظة، بدَت طموحُ روسيا للقوّة أقلّ توافقًا مع مصالح القوى الغربيّة أكثر فأكثر، حتى أنّها في ديسمبر لعام 2004، وفي مؤتمر الوزراء لمنظمة الأمن في مدينة صوفيا، انتقدت روسيا «الانحياز والمعايير المزدوجة» التي تمارسها المنظمة. وفي العام المقبل، عبّر وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف عن رأي بلاده: «يتعامل الناتو مع المسائل الأمنية والاتحاد الأوروبي مع العلاقات الاقتصادية، بينما تكتفي منظمة الأمن والتعاون بالتحكم بتبنّي قِيَم هذه المنظمات من قِبل دولٍ تبقى خارج الاتحاد الأوروبي والناتو». في 2007، وفي ميونخ، انتقد بوتن مجددًا المنظمة كونها «أداةً تستخدمها مجموعة من الدول على حساب دولٍ أخرى».

لا يجب أن يقودَ دعمُ مناهضي الرأسمالية لمقاومة الشعوب الواقعة تحت هيمنة الإمبريالية الروسية – أو المُهدّدة بممارساتها التوسّعية – هؤلاء الداعمين للاستهانة بالتوسع العدوانيّ للمصالح الاقتصادية الغربية في أوروبا الشرقية. بالفعل، مثل هذه الاستثمارات دائمًا ما احتاجت لضماناتٍ سياسية وعسكرية يوفّرها التحالف ما بين قوى الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وسط الناتو. في أوكرانيا، لا يزال الاستثمار الأجنبي المباشر محدودًا جدًا بسبب انعدام الاستقرار في البلاد، ولكنّه على الرغم من ذلك شاهدٌ على هيمنة رأس المال الغربي: منذ 2006 وحتى 2010، لم يمثّل الاستثمار الأجنبي المباشر من روسيا إلّا 10 بالمئة من مجموعه الكلّي، ذلك مقابل 12 بالمئة لكلٍ من ألمانيا والولايات المتحدة، 8 بالمئة لفرنسا، 6 بالمئة لكلٍ من سويسرا وبولندا، و4 بالمئة لكلٍ من السويد وإنجلترا والنمسا.

مع أيِّ جانبٍ نصطف نحن؟

فاز بوتين بالتأكيد بالمعركة في أوكرانيا، ولكن الأرجح أنّه لم ينتصر في الحرب. فثمنُ ذلك كان تعزيز وتقوية أكثر القطاعات الروسيّة القومية رجعيّةً. في ديسمبر الماضي، وفي أكبر مدرجٍ رياضي في غروزني وأمام آلاف الرجال المسلّحين، قدّم رمضان قديروف، قائد جمهورية الشيشان التابعة للاتحاد الفدرالي الروسي والمناصر للروس، رجاله ككتائب الرئيس الخاصة: «نحن نعلم أنّ البلاد لديها جيش وقوات بحرية وجويّة وأسلحة نووية» وأتبع قائلًا، «ولكننا نعلم أيضًا عن وجود مهمّاتٍ لا يمكن تنفيذها إلّا من قِبل متطوعين». في منتصف فبراير، قام نادي الدراجات النارية «ذئاب الليل» – وهو النظير الروسي لنادي «ملائكة جهنم»[‡] – وهو نادٍ مقرّب من الكنيسة الأرثودوكسية ومن بوتين، بعقد مسيرة في موسكو تحت شعار «لن يكون هنالك “ميدان استقلال” في روسيا».

من يقبلون في أوساط اليسار الغربيّ بمزعم بوتين بكون روسيا تدعم نضال الشعوب المتحدّثة باللغة الروسية شرقيّ اليونان ضدّ «الطغمة العسكرية الفاشستية في كييف» (وهي في الواقع حكومةٌ قومية محافظة) كمزعمٍ شرعيّ، هم يوفّرون في الواقع غطاءً لهجمة الإمبريالية الروسية على هوامشها الغربية. أنظر مثلًا لوقاحة جان-لوك ميلينشون – قائد حزب اليسار في فرنسا – الذي قال أنّ الجيش الروسي هو «الشّعب رافعًا سلاحه» ولن يخاف من عصبة من شياطين التيشكانو[§] البائسين للجيش الأمريكي، إذ نَصَحَ «بأن يحافظ بوتين» على هدوئه في التعامل مع «انهيار الاقتصاد الأوكراني، وانحلال هذه البلاد» التي تجد في الوحدة أمرًا صعبًا.

يا له من تعبيرٍ رائع للتضامن من قِبل «الأمة الفرنسية العظيمة» مع «الأمة الروسية العظيمة» ضدّ «الأمة الأوكرانية الصغيرة» الممزوج بملعقةٍ من الكراهية ضدّ مكسيكيّي الولايات المتحدة المضطهدين من قِبل إمبريالية أخرى تستغلّهم كطعمةٍ للمدافع. ألم يحن الوقت لليسار الأممي ليكسر صلته تمامًا مع نظراتٍ جيوسياسية وشوفينية للعالم؟ هذه النظرات التي كثيرًا ما تختلط بالعنصرية العرقية والتي تمتدح أيّ نوعٍ من المعارضة لمصالح الإمبريالية الأمريكية مِنْ أيِّ طاغيةٍ كان؟ ألا يجب أن تُدعَمَ نضالات وطموحات الطبقات المُستغَلّة والشعوب المضطهدة لهذا العالم من أجل تحرّرهم الذاتي – في الشرق وفي الغرب، في الجنوب وفي الشمال – دونَ شروط؟

المصدر: نيو بوليتيكس

ملاحظات المترجم:

[*] «روسيا العظمى» (Great Russia): مصطلح كان يُطلق على الأراضي الروسيّة الفعلية (تُسمّى أيضًا بـ «موسكوفي» أو «دوقيّة موسكو»)، أي المنطقة التي ينحدر منها الرّوس.

[†]المئويّون السود أو (The Black Hundreds): كانت حركة قوميّة متطرّفة مؤيّدة لأسرة رومانوف الحاكمة ومناصرة للحكم الاستبدادي القيصري، واشتهرت هذه بالزينوفوبيا ومعاداة السامية والتحريض على الإبادات.

[‡]ملائكة الجحيم (Hells Angels): هو نادي دراجات نارية دولي معروف بالعنصرية، ويُعتبر منظّمةً إجرامية في الولايات المتحدة الأمريكية لانخراطه في تجارة المخدرات والابتزاز وغيرها من الجرائم.

[§] تشيكانو (Chicano): مُصطلحٌ يستخدمه الأمريكيون ذوي أصول مكسيكيّة لتعريف أنفسهم كجماعة. تكثرُ أعدادهم في الجيش بسبب سياسات التجنيد الأمريكية التي تستهدف الأحياء اللاتينية الفقيرة (وأحياء الأقليات الأخرى أيضًا) وتعرض عليهم الانضمام للجيش كطريقٍ للخروج من الفقر، حيث يحمل التجنيد معه فوائد معيّنة.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s