إسرائيل وفبركة خطابات القادة العرب

إسرائيل وحلفائها يملكون تاريخًا طويلًا من تحريف خطابات القادة العرب.

arafat

أسعد أبو خليل

منذ بداية الصراع العربي الإسرائيلي وبالتحديد بعد «مؤتمر بالتيمور» لعام 1942، ركّز قادة الصهاينة مجهوداتهم وبشكل كبير على نشر دعايتهم داخل الولايات المتحدة، حيث أنه وفي ذلك العام قرر رئيس الوزراء الإسرائيلي (مستقبليًا) ديفيد بن غوريون نقل المؤتمر الصهيوني من القارة الأوروبية إلى الولايات المتحدة في محاولة لوضع الحركة داخل إطار «العالم الحر»، رغم أن إسرائيل قد تقديم نفسها بنجاح إلى الاتحاد السوفيتي كتجربة اشتراكية.

وقد استمر ذلك النهج بعد وصول جمال عبد الناصر إلى السلطة في مصر عام 1952، حيث توقعت إسرائيل أن قائدًا عروبيًا بمثل هذه الكاريزما والشعبية سيكون عدوها الأكثر شراسة، فصبت جهودًا ضخمة لإقناع الجمهور الغربي بأنّ جمال عبد الناصر كان «هتلر الجديد».

كان ناصر هدفًا صعبًا للغاية، حيث أنه كان علمانيا ودائم الحذر في خطاباته ولم يعبئ ويفتري على اليهود بتاتًا، ودائما ما أعرب عن اعتقاده بأنّ العرب لا ينبغي أن يحملوا ضغينة تجاه اليهود كَونهم يهودًا. مع ذلك أراد الصهاينة القيام بشيءٍ حيال ذلك لكنهم لم يجدوا سوى مقابلة لناصر مع صحفي هندي زُعِمَ أنّه أشار فيها إلى هُراءٍ بشع، ألا وهو «برتوكولات حكماء صهيون».

وفي عام 1964 حوّلت النخب الإسرائيلية تركيزها الى قائد جديد لمنظمة التحرير الفلسطينية أحمد الشقيري وزعموا أنه هدّد «برمي اليهود في البحر». فعلى الرغم من المرّات العدّة التي تحدى فيها الشقيري الصهاينة بأن يأتوا بمصدرٍ لهذا المزعم أو أي نوع من الإثبات، وعلى الرغم من رغبته العارمة لإثبات براءته (وبالخصوص في مذكراته لأيامه الأخيرة) فهم قد ألصقوا تِلكَ التهمة فيه، وفي الواقع وأنه بمجرد البحث عن اسم الشقيري في محرك البحث «غوغل» سيظهر الاقتباس الملفّق مباشرة.

الأمر نفسه استمر مع ياسر عرفات الذي تقلد رئاسة منظمة التحرير الفلسطينية عام 1969، حيث أنه كان يُدعى بالإرهابي ويزعم أنّه أداة في يد الشيوعية العالمية، وذلك خلال الحرب الباردة.

ولم يقف الأمر على ذلك فحسب، بل أنّ الصحفية أوريانا فاليشي المشهورة – ذمًّا – بترويج الأخبار الدعائيّة اختلقت اقتباساتٍ من الحكيم جورج حبش الذي وطول مسيرته السياسية كرئيس للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين لم يهن اليهود أو اليهودية أبدًا، وذلك على عكس القادة الصهاينة الذين يهينون العرب والمسلمين بشكلٍ اعتياديّ ويقدحون فيهم. ادّعت فاليشي «مجلة لايف» أن حبش قال: «نحن نعتقد أن لقتل يهودي بعيدًا عن ساحة المعركة أثرًا أكبر من قتل مئة منهم في خضم المعارك».

قام الصهاينة أيضًا بتشويه خطابات القادة الإيرانيين لثورة 1979. ومع كون الرئيس الإيراني السابق محمود أحمدي نجاد كان قد صرّح بعددٍ غير قليل من التصريحات الغبيّة والمهينة بشأن الهولوكوست، فقد شوّه الصهاينة خطابات الزعيم الإيراني علي خامنئي وزعموا بأنه يهددهم بالحرب، ومع ذلك فقد جعل خامنئي موقفه واضحًا «نحن لا نوصي لا بحربٍ كلاسيكية من قبل جيش العالم الإسلامي ولا إلى رمي المهاجرين اليهود في البحر».

ولما أصبح حزب الله العدو اللدود لإسرائيل، وبعد إذلاله مرارًا وتكرارًا للجيش الإسرائيلي على أرض المعركة، أضحى زعيمه حسن نصر الله الهدف المفضّل للدعاية الصهيونية، وبعد هجمات 11 سبتمبر فقد لفّق الصهاينة دعوة لنصر الله زعموا فيها أنه حثّ الفلسطينيين على شن هجمات انتحارية في جميع أنحاء العالم، وقد اجرت هيئة الإذاعة الكندية بحثًا واسع النطاق وتعذرت عن الحصول على أي مصدر لهذا البيان إلا في مقال نشر في صحيفة «جيويش ويك»، وهذه الصحيفة ذاتها لم تُدرج مصدرًا لهذا الاقتباس.

وعندما أصدر حزب الله وثيقته السياسية الرسمية في ديسمبر 2009 ذكر صراحةً «مشكلتنا معهم [أي، الصهاينة] ليس لأنهم يهود» وأضاف في القسم الخاص حول الصهيونية: «[إنّ الصراع] لا يقوم على أساس مواجهة عرقية أو دينية من قبلنا».

ومنذ اندلاع الحرب الاهلية في سوريا زعمت وسائل إعلامية في الولايات المتحدة ومن دون أدنى دليل أن الرئيس السوري بشار الأسد وحسن نصر الله كانا قد استخدما خطابا طائفيًا تجاه السنة في حين أنّ أيًا منهما كان قد استخدم هذا الخطاب على عكس وسائل الإعلام «المناصِرة للغرب»، أي إعلام السعودي وإعلام الحريري في الشرق. (حيث أنه لم يقل كلام مماثل لما قاله العالم المؤيّد للسعودية سيء السمعة العرعور والذي هددبوضع العلويين في «مفارم اللحم»)

وفي أواخر الشهر الماضي شوّهت كل من جريدتيّ نيويورك تايمز وواشنطن بوست محتوى خطاب نصر الله لجعله يبدو طائفيًا – ضدّ السنة، على الرغم من أنه يتبعد دائمًا عن الخطاب الطائفي – وكي تبدو هجماته ضدّ الحرب التي تقودها السعودية على اليمن دوغماتيّة دينيًا.

حيث كتبت النيويورك تايمز: «استنكر قائد حزب الله حسن نصر الله يوم الجمعة العملية التي تقودها السعودية، متّهمًا السعودية بإطلاق متطرفين سنّة مثل القاعدة على الشيعة في أماكن أخرى». وكان ذلك تزييفًا تامًا، حيث أن نصر الله كان قد ذكر إشارةً طائفية واحدة في خطابه، عندما قال إن إيران تدعم حماس والجماعات الفلسطينية الأخرى الذين هم سُنّة، وكان قد استهلّ ملاحظته بالاعتذار للجمهور عن استخدام هكذا خطاب طائفي.

ولم يذكر بتاتًا أنّهم قد أرسلوا السنّة لقتال الشيعة، وفي كل مرة يذكر فيها نصر الله الجماعات التكفيرية يذكر أنها تشكل أكبر خطر على المسلمين السنة، وفي الواقع كان قد اتّهم السعودية بإرسال التكفيريين للعراق ولكن في بعباراتٍ مختلفة جدًا.

ومع ذلك فإن جريدة واشنطن بوست كتبت «وفي خطاب مطول ليلة الجمعة صبّ زعيم حزب الله حسن نصر الله جام غضبه على محاولة السعودية بالتأثير على مجرى الصراع اليمني قائلاً إنها محكومٌ عليها بالفشل لأن “هذه هي قوانين الله”». في الواقع كان ذلك مِن جزءٍ دعابيّ في الخطاب سخر فيه نصر الله من السعودية وقال إنهم يتبعون دين بوش حيث أنهم يلعبون دور الغازين والمحتلين، وكان استنتاجُه علمانيًا جدًا.

هذه التحريفات ليست شاذة سواءً كانت لنصر الله أو عبد الناصر أو حبش، عندما يتعلق الامر بأعداء إسرائيل لا يمكنك أن تثق بما تقرأ عن خطاباتهم في وسائل الاعلام الغربية الرئيسية.

المصدر: مجلّة جاكوبين

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s