تواريخ الهجرة إلى الخليج

عمر الشهابي

فهم الهجرة إلى الخليج

هذا الفصل الاستهلاليّ يناقش الجذور التاريخية للاتكاليّة الشديدة على العمّال المهاجرين المؤقتين في الدول السّت لمجلس التعاون الخليجي وتطوّرها. ويركّز – بإسهاب – على أهمّ التغيرات التي طرأت على بُنيَة سكّان المنطقة منذ بداية عصر النّفط حتى العقد الأول من القرن الواحد والعشرين. يهدف هذا الفصل بالتالي لرسمِ الخلفية التاريخية التي تستند عليها العديد من التحليلات المطروحة في الفصول اللاحقة، وتمّ إيلاء اهتمامٍ خاص بمناطق التشابه في داخل التجارب الفردية لكلّ دولةٍ خليجيّة. والنّية هي تقديم إطارٍ عام لفهم نموِّ نظام ديموغرافي ما بين السّكان المواطنين وغير المواطنين – وأفضلُ جملةٍ تلخّص ماهية هذا النظام هي: «مواطنةٌ مقيّدة مع هجرةٍ غير مقيّدة» – وتسليط الضّوء أيضًا على أهمّ العناصر التي ساهمت في نموّه.[1]

سيكون التّركيز الرئيسيّ على شرح العلاقة التكوينيّة المتبادلة المتواجدة ما بين البنية السّكانية الخليجية الحديثة والثورة النّفطية التي حصلت في الخليج. بالفعل، قام النظام الاقتصادي والسّياسي الذي صاحب الثورة النّفطية بتشكيل أسُس الديناميكية الديموغرافية ذاتها التي نجدها في المنطقة اليوم. وأطروحةُ الفصل الرئيسيّة هي أنّ البنية الديموغرافية كانت نتيجة مشروعين كثيرًا ما تداخلا وتصارعا أيضًا في بعض الأحيان: بناء «الدولة حداثة نفطية» (petro-modernist state) في كلٍ من بلدان مجلس التعاون الخليجي، مندمجًا مع تأسيس الرأسماليّة كنمط الإنتاج الاقتصادي (ليس الوحيد، بل) المُهيمن. عمل على دفع كلٍ من هذين المشروعين ارتفاعُ عائدات النّفط والعمالة المهاجرة المتدفّقة للمنطقة.

إن الاقتصادات الخليجّية مغروسة بإحكام في وسط الاقتصاد العالمي، وأساس ذلك الفعليّ هو امتلاكِها لأضخم وأرخص احتياطات النّفط الخام المُثبتة عالميًا. ومنذ إقلاع تصدير النّفط الخليجي بكميّاتٍ تجاريّة في النصف الثاني من القرن العشرين، استلمت المنطقة مقدارًا من الانهمار المفاجئ للبترودولارات أكثر من أيّ منتجٍ للنفط في العالم. هذه المركزيّة في الاقتصاد العالمي تنعكس محليًا بالدور المهيمن الذي تلعبه الدولة في الاقتصادات الوطنيّة لدول الخليج، فلدى الدّول – وبالخصوص الأعضاء ذوي النّفوذ من العوائل الحاكمة – تحكّمٌ كبير على كيفيّة إنفاق واردات النّفط محليًا. يضافُ على ذلك – تكميليًا – طبقةُ نخبةٍ من المستثمرين – كثيرًا ما يكونون هم أيضًا أفرادًا من العوائل الحاكمة – يسيطرون على الفُرَص الاقتصاديّة الرئيسيّة التي نتجت عن هذا الانهمار المفاجئ للبترودولارات.

أصبحت الصّورة الديموغرافية للخليج تعكس الجوانب الداخليّة والخارجيّة لهذا البناء الاقتصادي والسياسي الناتج، والتي عن طريق فتحها لأبواب هجرةٍ غير مقيدة يرافقها تقييدٌ للمواطنة عَمِلت على تقسيم السّكان لفئتين من «المواطنين» و«الوفادين»، واستخدمت سكّان المنطقة لخدمة هذا الإعداد السياسي-الاقتصادي. ومن وجهة نظر مواطني بلدان الخليج، تميّزت هذه الفترة التاريخية ما بعد النّفطية بانحسار نفوذهم السياسيّ ومساهمتهم في الإنتاج الاقتصاديّ. وصل ذلك لدرجة حيث – مع بداية القرن الواحد والعشرين – شكّل المواطنون أقلّ من نصف القوّة العاملة في كلِّ بلدةٍ من بلدان مجلس التعاون الخليجي، وأدوارهم الإنتاجية محصورة غالبًا في وظائف القطاع العام أو الخدمات الماليّة. ولكن الجانب الإيجابيّ لهذا الوضع هو أنّ المواطنين – والمواطنين فقط – وُفِّرَت لهم فوائدُ دولةِ رفاهية متزايدة الكَرَم، موفّرةً لهم خدماتٍ مجّانية أو مدعومة، وفرصًا تسمح بالاستهلاكية الواسعة، وبجانب ذلك القدرة على تأسيس مشاريع صغيرة أو متوسّطة الحجم. هذه الفوائد يُحصَل عليها مِن خلال مفهومِ مواطنة مبنيٍّ على الولاء للدولة، والّتي تمّ تعريفُها غالبًا بالعوائل الحاكمة، التي أصبحت الآن مُدمجةً بإحكام في قمّة النظام السياسيّ المحليّ.

بالتوازي، تمّ إشباع حاجة رأس المال المتنامية للعمالة عن طريق تسهيل دخول العمّال الأجانب. فُتحِت أبواب الخليج على مصراعيها للعمال المهاجرين الّذين لم يصبحوا الدعامة المركزيّة للقوة العاملة في المنطقة فحسب، بل أصبحوا يشكّلون أيضًا غالبية السّكان في أغلب دول الخليج. ولكن، تمّ وضع إجراءاتٍ أكثر صرامة للتحكم بإدماج الوافدين وإضعاف قوّتهم في النشاطات الاقتصاديّة والسياسيّة في المنطقة. هذه الإجراءات عمِلت على منعهم – كغيرِ مواطنين – من الاستقرار على نحوٍ دائم ومن تشكيل نقاباتٍ مهنيّة ومن امتلاك رؤوس الأموال. وبالتالي، تمّ تشكيل البُنية السّكان عن طريق متطلّبات البُنية الاقتصاديّة والسياسية وفي خدمتها، البُنية التي تطوّرت بتوازٍ مع اكتشاف النّفط في المنطقة. استمرّت إعادة الهيكلة السكّانية هذه حتّى بدأت المنطقة تماثل ما سمّاه بعض الباحثون بمجموعةٍ من «مخيمات العمل» المتشتتة، عِوضًا عن حُزمةٍ من المجتمعات المُدمجة والمتلاحمة (الكواري، 2004أ).

الطفرة النفطية الأولى: 1931-1973

قُدِّرَ عدد سُكّان ما أصبح لاحقًا مجلس التعاون الخليجي مع بداية القرن العشرين بحواليّ اثنين مليون، 900 ألف منهم تمركزوا في الساحل الغربيّ للخليج وعمان (سيكومب ولوليس 1987: 4). يتموضع المدى الثقافي والتاريخي والجغرافي للمنطقة داخل هويّتها العربيّة والإسلامية، ولكن حتى داخل هذا الإطار الجامع فهي تُعتبَر من أكثر مناطق العالم في تنوعها الثقافي والإثنيّ والتاريخي، مُتّصِلةً بثلاث قارّاتٍ شكّلت العالم القديم. ولطبيعة هذا الاتّصال المُفرط لبقية العالم، نمت اقتصاداتُ الخليج غالبًا حول المراكز التجارية الوسيطة (commercial and entrepôt trade posts)، وتميّزت المنطقة أيضًا كمركزٍ دينيٍّ مهمّ، كونها مكان ميلاد الإسلام ولاحتوائها موقعيه المقدّسين. ولكونِها نقطةَ التقاءٍ تاريخية ما بين الثقافات والحضارات المختلفة، فأغلب مجتمعاتِ المنطقة المُستقرّة نمت بناءً على المبادلة مع العالم الأوسع، والتي تضمّنت بطبيعة الحال المبادلة السكانية.[2]

هذا التبادل السّكاني حصل غالبًا مع المناطق القريبة للخليج وشبه الجزيرة العربية، مع تكوينٍ اجتماعيٍّ مبني على شبكةٍ معقّدة من الارتباطات التجارية والثقافية والجغرافية والعائلية. أثّرت المتغيّرات البيئيّة أيضًا مثل حالات الجفاف والأوبئة على ديموغرافية المنطقة وحركات الهجرة.[3] لم توجد حدودٌ قبل معاهدة عقير لعام 1922[4] – حيث تمّ رسم الحدود لأوّل مرة ما بين السعودية والكويت – ولم تكن هنالك ضوابط رسميّة للهجرة أو جوازاتٍ أو وثائق مواطنة حتّى فترةٍ معتبرة من القرن العشرين.[5] ولطبيعتها هذه، نمى مجتمعٌ حيويّ عبر القرون شاملًا مزيجًا من الفئات الإثنية والطوائف والمعتقدات داخل هويّةٍ عربيّة وإسلاميّة شاملة.

وصول شركات النّفط: 1931-1950

بدأ الاستيراد المُمنهج للعمالة الأجنبية في القرن التاسع عشر تحت الحكم الاستعماري البريطاني، مُكوّنِةً نقطة انطلاق لنوعٍ جديد من التدفّق السكاني لشبه الجزيرة العربيّة.[6] وما مَيّزَ هذا النوع الجديد من الهجرة كان الاستيراد المُنتظم لقوّةٍ عاملة مِنْ قِبل «كفيل» (وفي هذه الحالة، الكفيل هو الإدارة البريطانيّة)، وهي قوّةٌ عاملة لم يكن لديها بالضرورة أيّةُ صِلاتٍ ثقافيّة أو جغرافية مع المنطقة. تمّ جلب المهاجرين على نحوٍ ممنهج مِنْ قِبل البريطانيين من أجل تنفيذ وظائف الإدارة الاستعماريّة، وبالتالي نرى أحد أهمّ سِمات هذه مرحلة الهجرة الجديدة هذه: المنتمون لهذا المجتمع المهاجر لم يُتطلّب مِنهم ولم يُشجّعوا من قِبل وكلائهم على الاندماج مع المجتمعات المحليّة. واقعًا، كثيرًا ما كانت النيّة هي استيراد مهاجرين لن يندمجوا مع المجتمع المحليّ، وبالإمكان استخدامهم حقيقةً كمصدرٍ للتأديب والتحكّم. كثيرًا ما كان غَرَضُ موجة الهجرة الأولى هذه هو تعزيز قوّات الأمن التي من خلالها حافظ البريطانيّون على تحكّمهم (وهي بالأصح قوّات مرتزقة). شكّلَ المهاجرون أيضًا الطبقة الإداريّة، وأغلب هذه الفئات أتت من شبه القارة الهنديّة أو من المملكة المتّحدة نفسها. هذه العمليّة حصلت غالبًا في المناطق المعروفة بـ«الإمارات المتصالحة» (وهي الشاطئ الغربي للخليج الممتد من الكويت وحتى عمان)، حيث استحكم الحضور البريطانيّ هناك.

ظاهرة الهجرة هذه كانت محدودة النّطاق، وذلك لكونها محصورة في أجهزة الدولة الإدارية والأمنية. ولكن الوضع تغيّر جوهريًا مع اكتشاف النفط. حُفِرَ أولُ حقلٍ للنفط في البحرين عام 1931، وتبِعها بقيّة الخليج خلال العقدين التاليين، حيث أقلع تصدير النفط من المنطقة بشدّة بعد الحرب العالمية الأولى.[7] لا نبالغ حين نقول أنّ جذور المنطقة السياسية والاقتصادية والثقافية تمّ هزّها وتحويلها جذريًا من منطقة فقيرة بائسة على هامش الاقتصاد العالمي – داعمةً سُكّانها من خلال صيد اللؤلؤ، والتجارة الوَسيطة والنشاطات الزراعية ورعاية المواشي – إلى رابطٍ مُدمجٍ في النظام الاقتصادي العالمي. فاكتشافُ أكبر مخزون نفط مُثبَت عالميًا في الخليج تزامن مع تحوّل النفط لأهمّ سلعةٍ للثروة الاقتصادية والصناعية التي اجتاحت العالم بعد الحرب العالمية الثانية.

ومع إرساء تجارة النفط لقواعدها في المنطقة ما بين ثلاثينات وخمسينات القرن العشرين، تدفّقت العمالة الوافدة غالبًا للقطاع النفطي. أتت الطبقات الإدارية وطبقات العمالة المُاهرة مِن الدول الغربية وِفقًا لتفضيلات الشركات النفطية الأمريكية أو البريطانية. وفي المناطق التي حضر فيها الوجود الاستعماري البريطاني، تمّ توقيع امتيازاتٍ تشترط تفضيل العمّال الواقعين تحت الحكم البريطاني مسبقًا، وبذلك أتى أغلب العمّال الماهرين من المملكة المتّحدة. والمبدأ نفسه انطبق على طبقة الكَتَبة والعمّال شبه المحترفين، الذين أتوا غالبًا من شبه القارة الهنديّة المُستعمَرة.[8] كان الوضع مختلفًا في السعودية، حيث لم تخضع لتحكّمٍ بريطانيّ مباشر. عوضًا عن ذلك، كان للشركات النفطية احتكارٌ على اتفاقيّات استغلال النفط، وبذلك أتت أغلب الطبقات الإدارية والماهرة من الولايات المتحدة، بينما الطّلب على العمالة شبه الماهرة تمّت تلبيته عن طريق استيراد مستوطنين إيطاليين من إيريتريا، إذ كانوا أرخص نسبيًا. في كلّ مشيخات الخليج، كان مصدرُ العمّال غير المهرة هو المجتمعات المحليّة متى ما أمكن ذلك، حيث كان ذلك شرطًا فرضه الحكّام المحليّون على الشركات النفطية. عصفت بالمنطقة أزمةٌ اقتصاديّة في أواخر العشرينات، نتيجةً إبادة سوق اللؤلؤ الطبيعيّ مِنْ قِبل اللؤلؤ الصناعي الياباني وبداية الكساد العظيم العالمي. أتى توظيف السّكان المحليين في شركات النّفط كعلاجٍ في وقته مناسب (سيكومب ولوليس، 1987: 18).

ارتفع عدد العمّال الأجانب في القطاع النّفطي بتسارع بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، حين بدأت أغلب دول الخليج بتصدير النفط بكميّاتٍ تجاريّة. إذ لم يتجاوز عدد المهاجرين أكثر من 2،000 في عام 1940، فقد ارتفع العدد الكلّي للعاملين منهم في القطاع النفطي في المنطقة لحواليّ 16،000 شخص بحلول 1950. ومع أنّ أغلبية العمال في القطاع النّفطي ظلّوا مواطنين، فنسبتهم من إجماليّ العمال كانت تتضاءل بسرعة. ففي 1945، شكّل عدد المواطنين العاملين في القطاع النفطي البحريني 63 بالمئة من إجمالي القوة العاملة و68 بالمئة في السعوديّة. وفي قطر، تقلّصت نسبت المواطنين من القوّة العاملة لـ54 بالمئة بحلول 1984، بينما في الكويت ارتفع عدد المهاجرين في القوة العاملة من 5 بالمئة في 1945 لـ68 بالمئة في 1949 (سيكومب ولوليس،1987: 18). وبالتالي، كان المُحرّك الرئيسي للهجرة في هذه الفترة هي متطلّبات الشركات النفطية وحاجات الإدارة الاستعمارية البريطانية، وكلاهما كانتا الأطراف الرئيسية المنخرطة في تأسيس الصناعة النفطية والتحكم بالإيرادات الناتجة.

الإنتاج التجاري للنفط ونشأة القوميّة: 1950-1973

حصلت موجة هجرةٍ جديدة ما بين 1950 وبداية السبعينات، فقد تمّ توليد كميّاتٍ متزايدة من الإيرادات عن طريق استخراج وبيع النفط على السوق العالمية فيما يمكن وصفه بالطفرة النفطية الأولى في الخليج. تدفّقت إيراداتُ النفط مباشرة لشركات النفط وحسابات الحكّام، مبنيّةً على حصصٍ مُحدّدة في اتّفاقيات الامتيازات ما بين الطرفين. وطوال هذه الفترة، تزايدت نسبة إيرادات النفط المُخصصة للحكام تدريجيًا – بالخصوص في السعودية والكويت – مع عقدِ سلسلةٍ من المفاوضات حول هذه الامتيازات.[9]

مع تزايد كميّات إيرادات النفط المخصصة للدولة، بدأت الفرص الاقتصادية في المنطقة بالتوسع خارج قطاع النفط، وكان القطاع العام المُحرِّكَ الطبيعي، مركِّزًا بشدّة على بناء البنى التحتية الأساسية، من شوارع ومنشآت تعليمية وخدمات صحّية وأجهزة إدارية، وبدأت فرص استثمارٍ لتكديس رأس المال بالبزوغ في القطاع الخاص أيضًا. أغلبُ هذه النشاطات كانت قطاعاتٍ ثانويّة نمت من داخل الطفرة النفطية، بالخصوص في قطاعيّ البناء واستيراد البضائع.[10]

ديموغرافيًا، كان أوّل تطوّرٍ ملحوظ هو التزايد الضخم في عددٍ المهاجرين القادمين، فما بين 1950 و1975، زادت أعدادهم ممّا لا يتجاوز عشراتِ آلافٍ معدودة، حتى وصلوا لحواليّ مليون مهاجر (شتالكرافت، 2010: 11-12). استمرّ البعض بالعمل في القطاع النفطي، ولكنّ الغالبية العظمى كانوا في القطاع العام والبناء وقطاعات الخدمات المتنوّعة التي انبثقت متزامنةً مع إيرادات النفط المتزايدة.

قَدِمَ المهاجرون غالبًا من البلدان العربيّة الأخرى، فقد كان ذلك تطوّرًا منطقيًا نظرًا لقرابتهم الجغرافية والثقافية واللغوية المشتركة مع الخليج. وكان أحد تبعات النكبة الفلسطينية لعام 1948 أن ازداد عدد المهاجرين الفلسطينيين، وكانت الرغبات الشعبية محليًا ومعها ميولات الحكّام مُتوجّهة نحو استيراد عمالة عربيّة. أمر الملك عبد العزيز في عام 1949 – على سبيل المثال – بإعطاء الأفضلية في التوظيف للمواطنين ومِنْ ثَمَّ الفلسطينيين ومِنْ ثَمّ العرب وبعدهم بقيّة الجنسيات المسلمة (سيكومب ولوليس، 1987: 26). وأدى النّمو المتزايد للقومية العربية في الكويت وسياسات حاكمها الشيخ عبد الله السالم لتفضيلِ استيراد العمالة العربية للكويت أيضًا. وبحلول عام 1975، شكّل العرب 90 بالمئة و80 بالمئة من الوافدين في السعودية والكويت على التوالي. وفي بقيّة الدول الخليجية، حيث الانتداب البريطاني ظلّ ماكثًا، كانت نسبة العمالة العربيّة أصغر بسبب حساسياتٍ بريطانية حول العواقب السياسية لتوظيف عددٍ كبير من المهاجرين العرب. عِوضًا عن ذلك، مالت الهجرة هناك لتفضيل الدول الواقعة تحت الاستعمار البريطاني، وبالتحديد شبه القارة الهندية. في البحرين، شكّل العرب 50 بالمئة من المهاجرين، وثلث هؤلاء أتوا من سلطنة عمان، وبحلول العام نفسه، لم يشكّل العرب سوى ربع الوافدين في الإمارات العربيّة المتحدة والنسبة كانت مماثلة في قطر (تشالكرافت، 2010: 7-8). إجمالًا، وبحلول نهاية 1973، كان عددُ الوافدين قرابة مليون شخص، والغالبية العظمى منهم كانوا عربًا.

والتطوّر الثالث البارز الذي حدث على الجبهة الديموغرافية كان انبثاق وعيٍ عمّاليٍّ وسياسيٍّ في أوساط المواطنين، مبنيًا في الغالب على تجارب القوّة العاملة المحلّية في القطاع النفطي. غذّى هذه العمليّة عاملان رئيسّيان: أولًا، كان هنالك تصوّرٌ أنّ مدخول العمّال الوافدين وأوضاع عملهم أثناء هذه الفترة أفضل من مدخول وأوضاع السكان المحليين. وفي الوقت نفسه، كان هنالك وعيٌ سياسيّ قويّ ينمو في المنطقة، محتذيًا حذو الحركات السياسية في بقية العالم العربي (القومية والعروبة) وعالميًا (مثل الماركسية والاشتراكية). قاد ذلك لنشأة حركاتٍ قوميّة وحركاتٍ عمّالية، حيث طالب عمّال الشركات النفطية في الدول الخليجية المختلفة بزيادة مشاركتهم الاقتصادية والسياسية. وما بين 1938 و1965، كانت الإضرابات ظاهرةً متكرّرة في البحرين، حيث طالبوا بتطبيق مستوى الأجور والفوائد نفسه التي يُعطى للوافدين في شركة «بابكو» النفطية على العمّال البحرينيين، حيث كان أكبر رموزِ التمييز هو تخصيص نافورات مياه شرب منفصلة للبريطانيين والهنود والبحرينيين (الشيراوي، 2005). في السعودية، قام العمّال المحلّيون في شركة «أرامكو» بإضراباتٍ عدّة في الخمسينات والستينات مطالبين بأوضاعٍ معيشية أفضل وأجورٍ أعلى (فيتاليس، 2006). لم تُستثنى قطر من ذلك، حيث كان أبرز الأحداث هي الإضرابات النفطية لأعوام 1950-1956، بينما كانت الكويت حاضنةً للعديد من الحركات العماليّة في المنطقة في الخمسينات والسبعينات (كريستال، 1995).

بالتالي، تميّزت هذه الفترة البادئة في الثلاثينات والمنتهية مع نهاية السبعينات، والتي شملت المرحلتين الأولى والثانية من الهجرة العمالية الممنهجة إلى الخليج، بكونها قد تضمّنت تأسيس الصناعات النفطية في المنطقة ونشوء وعيٍ قوميٍّ وعمّالي قويّ في أوساط المواطنين. وبحلول نهاية الستينات، لم يتجاوز عدد الوافدين مليون شخص، والأغلبية العظمى منهم (حوالي 80 بالمئة) كانوا من دولٍ عربيّة مجاورة. حملت المرحلة المقبلة تبعاتٍ تحوّليّة جذريّة على البنية الاقتصادية-السياسية للخليج وتشكيلته السكّانية.

الطفرة النفطية الثانية: 1973-1985

مع أنّ التغيرات التي مرت بها دول الخليج اختلفت بناءً على تواريخهم المتعددة للاستغلال التجاري للنفط والتطورات السياسية الداخلية،[11] أصبح اختلال التوازن السكاني سِمةً مُوحِّدة لكل هذه الدول خلال ما يمكن أن نسميه بـ«الطفرة النفطية الثانية» والتي حدثت في السبعينات وأوائل الثمانينات. وبحلول 1971، حققت كل الدول الخليجية استقلالها التام، وكثيرٌ منها أشردها مستعمروها السابقون على عجل إلى الانضمام لمجتمع الأمم الدولي كدولٍ مستقلة.[12] كانت العوائل الحاكمة بحلول هذا الوقت تستلم حصّة الأسد من إيرادات النفط بعد جولاتٍ عِدّة من إعادة التفاوض مع شركات النفط متعددة الجنسيات. اقتحمت طفرةُ نفطٍ مهيبة السّاحة في 1973 – وهي ما يُطلق عليها في الغرب عادةً بـ«الأزمة النفطية الأولى» – كنتيجةٍ مباشرة لحرب أكتوبر لعام 1973 ما بين إسرائيل والعرب. تبِع ذلك ارتفاعٌ مستقرّ لأسعار النفط العالمية، وتدفّقت كمّيات غير مسبوقة من إيرادات النفط إلى خزائن الدولة، واستمر ذلك طوال السبعينات وتبِعتهُ «أزمة نفطية ثانية» في عاميّ 1979 و1980 جرّاء إسقاط شاه إيران من الحكم وبدأ الحرب العراقية الإيرانية. فترةُ الطفرة هذه غيّرت من الهيكلة السكانية في المنطقة جذريًا لبقيّة القرن العشرين.

دولة الحداثة النفطية، والرأسمالية و«اختلال التوازن السكاني»

تقع أيُّ معالجةٍ متعمّقة للبنى السياسية-الاقتصادية التي اتّسم بها الخليج أثناء الطفرة النفطية خارج نطاق هذا الفصل، ولكن من الضروري أن نرسم الخطوط العريضة لهذه التطورات، بالتحديد من وجهة نظرٍ ديموغرافية، من أجل فهم التحول العميق في بنى الخليج السكّانية. هذه الأطروحة المُقدَّمة مكوّنة من عمليّتين كثيرًا ما تتداخلان، وفي أوقاتٍ أخرى تتنافسان. شكّلت هذه العمليتان الطريق السياسي-الاقتصادي لدول الخليج في النصف الثاني من القرن العشرين. أحدهما كان الاندفاع لإنشاء «دولة الحداثة النفطية»،[13] حيث تتموضع العوائل الحاكمة على قمّة هذه الدولة. والثانية هي الانغراس المُحكم لدول الخليج في وسط الاقتصاد الرأسمالي العالمي. مع أنّ قواعد هاتين العمليتين تم إرساؤهما وكانتا تنموان بالفعل في الفترة الماضية، فهما لم تبرزان في المقدمة إلا فيما أسميناه بالطفرة النفطية الثانية.[14]

وفي الصفحات القليلة القادمة، سنركّز على تفصيل شبكة العلاقات والمؤسسات التي تطوّرت مع ظهور الدولة الحديثة في الخليج، بالتزامن مع تحوّل الرأسمالية لنمط الإنتاج الاقتصادي المهيمن – ولكن ليس الوحيد – في المنطقة. والطريقة المعيّنة التي تجسّدتَ بها البنية السكانية على الأرض اعتمدت على عوامل عدّة، من ضمنها عوامل الدّفع في البلدان المُرسِلة للمهاجرين، والتفاعل ما بين القوى الغربية في المنقطة، ومتطلبات الاقتصاد العالمي، والاعتبارات السياسية المحلية، والخصوصيات التاريخية (historical specificities) السابقة لمجيء عصر النفط وتأثير هذه العوامل على تركيبة توزيع إيرادات النفط. حقًا، كمنت قوّة الهيمنة العظمى في المجتمع المحلّي لدى المتحكّمين بإيرادات النفط. بالتالي، من الضروري أن ننظر لِمن تحكم بإيرادات النفط وتحكّم بكيفية تدفقها من أجل أن نفهم الكيفية التي بُنيَ عليها مجتمع المنطقة. ومن أجل تحليل هذا التحوّل الجذري، يجب التعرّف على عدّة فاعلين رئيسيين في هذه الشبكة الاجتماعية-الاقتصادية.

قبل ظهور الصناعة النفطية، بالإمكان تصنيف الأطراف الرئيسية التي كان لها مصلحة في الديناميكيات الاقتصادية للمجتمعات الخليجية كالتالي: العوائل الحاكمة، وطبقة التجّار المحلية، وبقية سكّان المنطقة المدنيين والبدو،[15] وآخِرًا وليس أخيرًا القوى الغربية التي امتدّ نطاق نفوذها إلى المنطقة (بالخصوص بريطانيا العظمى والولايات المتحدة).

قبل النفط، وقعت منطقة الخليج على أطراف الاقتصاد العالمي، حيث تمّ تكريس نشاطها الاقتصادي غالبًا لتجارة اللؤلؤ التي لبّت احتياجات السوق العالمية، بالإضافة إلى التجارة ضمن الشبكة البحرية الاستعمارية البريطانية، مارسها غالبًا زمرةٌ من التجار لديهم وصولٌ لهذه الشبكة. ضِمنَ هذه البنية الاقتصادية، اتّكلت العوائل الحاكمة بشكلٍ كبير على الدخل الضريبي وتمويل هؤلاء التجار، بالإضافة إلى الدعم السياسي والاقتصادي من قِبل البريطانيين.[16] اتّكالية الدولة هذه على التجار أعطت هؤلاء التجّار صوتًا في الشؤون السياسية، وبالتالي لم تكن قوّة العوائل الحاكمة مُطلقةً أبدًا. تفاوتت قوّة طبقة التجار ما بين البلدان، ففي البحرين والكويت على سبيل المثال، حيث لعبت التجارة داخل المنطقة دورًا مهمًا، كان النفوذ السياسي للطبقة التجارية كبيرًا، وأمّا في الكويت فقد حدّت هجرة تجّار اللؤلؤ لعام 1910 من قوّةَ الحاكم – الشيخ مبارك – بينما لعب تجّار البحرين دورًا مركزيًا في احتجاجات 1923 السياسية التي انتهت بأن أزاح البريطانيون الحاكم المحليّ من السلطة لصالح ابنه. وفي حالة السعودية، لعب الدعم المالي للطبقة التجارية الحجازية دورًا حيويًا في توسعة حكم ابن سعود من نجد إلى منطقة الحجاز.[17]

كانت قدرة الحكام المحليين على ممارسة السلطة على القبائل المدنية في الجزيرة العربية غالبًا أضعف مقارنة بالمناطق الحضرية، حيث تركّزت قاعدتهم الاقتصادية والسياسية. ولكنّ قوة القبائل البدوية تقلّصت بشدّة أثناء حملات الملك عبد العزيز العسكرية في أوائل القرن العشرين، ناجحًا في تأسيس سلطته على الغالبية العظمى للجزيرة العربية. وتمّ تقليص هيمنة القبائل البدوية على المناطق الداخليّة (الدِيَر) في الجزيرة، الأمر الذي سدّد ضربة قاصمة لنمط إنتاجهم الرئيسي المعتمد على الوصول التجاري لهذه الطُرُق الداخليّة (كريملي، 1993: الفصل الأول).

وتنوَّعَ النفوذ الإقليمي للقوة الاستعمارية البريطانية أيضًا، فقد كان أكثر قوّةً في عمان وعلى طول الساحل «التصالحي» (في البحرين على سبيل المثال)، حيث كان البريطانيّون فعليًا يشاركون الحكم مع العوائل الحاكمة المحلية، ولكن في السعودية والكويت، كانت العوائل الحاكمة أكثر استقلاليةً بكثير في شؤونها الداخلية، ولكن حتى في هذين البلدين لعب البريطانيون دورًا مؤثرًا، بالتحديد من خلال تحكّمهم بشبكات التجارة البحرية العالمية، والتي كانت ضرورية لطرق تجارة الخليج والبحر الأحمر، ومن خلال توفيرهم أمولًا للحكام المحليين.

أعاد تصاعد سطوةِ النفط تنظيم بنية القوّة هذه جذريًا، فمع تدفّق إيرادات النفط لخزينة الدولة مباشرةً، قلّ اعتماد الأنظمة الحاكمة الاقتصاديّ على التجّار والمواطنين، الأمر الذي أنهى فعليًا اتكالية الحكومة على سكّانها المواطنين مِنْ أجل إيراداتها المالية. ومن ناحية أخرى، اشتدّت الاعتمادية الدولية ما بين الحكام المحليين والبلدان الغربية، حيث أنّها (بالتحديد الولايات المتحدة) كانت المهندس والضامن الرئيسية لسوق النفط العالمية.

هذا الوضع أعاد هيكلة العلاقات الاجتماعية والسياسية والاجتماعية حيث أصبحت تتمحور حول دولةٍ حداثة نفطية مندمجة بشكلٍ كبير في الاقتصاد العالمي وتتمتّع بدعمٍ غربيٍّ قوي. إن كانت «الدولة عالية الحداثة» (high-modernist state) دولةً تميِّزُها «ثقةٌ ذاتيّة…قويّة – بل لربما متضخّمة – في التقدم العلمي والتقني وتوسّع الإنتاج، وتنامي تلبية الحاجات الإنسانية، والسيادة على الطبيعة…وفوق كلّ شيء، التصميم العقلاني للنظام الاجتماعي المتوافق مع الفهم العلمي للقوانين الطبيعية» (سكوت، 1998: 4)، فدولة الحداثة النفطية ميّزتها ثقةٌ ذاتية قوّية – بل لربما متضخّمة – في قوّة إيرادات البترول – مقرونةً بِوقود العمالة المستوردة – في إعادة تنظيم العالم الاجتماعي والطبيعي.

ميّزت عناصرُ أربعة رئيسية رُؤيةَ دولة الحداثة النفطية هذه في الخليج: أولًا، كان عليها ضمان بقاء العوائل الحاكمة على قمّة البنية السياسية للدولة. ثانيًا، كان هدفها هو إنتاج سكّانٍ منضبطين موالين للدولة وللنخبة الحاكمة، ونتيجةً لذلك، كان بناء دولة «الرفاهية الفائقة» لأجل موطنيها العنصر الرئيسيّ الثالث. رابعًا، عرضت هذه الدولة مزيجًا مثيرًا للفضول لدولةٍ حداثية، مُوظِّفةً آخر التقدّمات في العلوم والتقنية من أجل إعادة تشكيل الطبيعة والمجتمع وِفقًا لنظرتها متى ما احتاجت، مع الاتكال على علاقاتٍ ما قبل حديثة متى ما كانت هذه العلاقات أكثر ملائمةً لأهدافها.[18] وأهمّ الأمور هو أنّ عملية تحقيق هذه الأهداف بالإمكان اختصارها وتسريعها عن طريق الانهمار الهائل لإيرادات النفط والقوّة العاملة للعمّال المهاجرين.

والسّمة الأكثر أهميّة لتدفّق الريع النفطي الهائل هو أنّه سمح بنقل كميّة ضخمة من القوّة الشرائية مِنَ العالم الخارجي إلى يد الحكام المحليين، حيث كانت هذه القوّة الشرائية متجاوزة بكثير القدرات الإنتاجية الآنيّة للاقتصاد المحلّي. والمسألة كانت حول كيفية صرف هذه القوّة الشرائية الهائلة المُكتسَبة من الخارج. كان بناء دولةٍ حديثة ذو أهميّةٍ قصوى – وهي عمليّة لربما تطوّرت طبيعيًا في بلدانٍ أخرى مُمتدّةً على طوال عقودٍ أو حتى قرونٍ عدّة، مترافقة مع العديد من النضالات الاجتماعية والتطوّرات التقنية. أرادت هذه الرؤية لهذه العملية بأن تُسرَّع بشكلٍ فائق في الخليج باستخدام الثروة النفطية المُكتسبة حديثًا.

وبالتالي، وعلى المستوى المحلّي، تمّ صرف الإيرادات النفطية بشكلٍ رئيسيّ مِن خلال التوسعة السريعة لمؤسسات الدولة، حيث أن أغلب نشاطاتها تركّزت على تأسيس عناصر البنية التحتية للدولة الحديثة وتأسيس خدمات الرفاهية، من ضمنها الشوارع والمنشآت التعليمية والمراكز الصحية، ومعامل التحلية والكهرباء، والمصانع وأجهزة الدولة المركزية والإدارية الّتي عمِلتَ فيها بيروقراطياتٌ متزايدة النّمو. أدار جيشٌ صغير من التكنوقراطيين هذه البيروقراطيات الناشئة حديثًا، وهذه الفئة كثيرًا ما تضمنت بعض أكثر أفراد المجتمع طموحًا مِنَ المتعلّمين حديثًا، كثيرٌ منهم كانوا نشطين بدافع رؤية التحوّل لأمّةٍ حديثة متطوّرة. إنّ تصاعد هذه الرؤية الفريدة من نوعها للدولة عالية الحداثة لا يمكن تفسيره مِنْ قِبل إملاءاتِ رأس المال وحدها، وبالفعل، من الضروري أن نضع انبثاقها ضمن سياق الوضع الاقتصادي البائس الذي ساد قبل تدفّق إيرادات النفط، ومعه رغبة العوائل الحاكمة المحليّة بتوطيد امتيازاتهم السلطوية (ruling credentials). وكما ذُكِرَ سالفًا، ترك احتدام الكساد العظيم عالميًا ودمار تجارة اللؤلؤ اقتصاداتِ المنطقة في حالةٍ يرثى لها مع نهاية عشرينات القرن الماضي.[19] كانت الدولة الناشئة حديثًا نتاج هذه العمليّة: كانت ردّة فعلٍ للوضع الاقتصادي البائس الذي عاشه السكان المحليّون قبل قدوم الأموال النفطية، وعَكَسَ رغبة نخبتها السياسية والبيروقراطية لأن تصبح الدولة «دولة حديثة» خلف غطاء العوائل الحاكمة، وعمِل ذلك كطريقة لفرض تحكّمٍ وانضباطٍ على أغلب السّكان.[20]

رافق ذلك أنّ بناء هذه الدولة الحداثية الجديدة فتح الأبواب لفرصٍ استثمارية مُربحة لتكديس رأس المال. هذه الفرص الإنتاجية تمّ إعادة توجيهها نحو العوائل التجارية التقليدية في المنطقة وأفرادٍ آخرين مقرّبين من النخبة الحاكمة، وذلك لقُربِهم ممّن يحملون القوّة السياسية وتمّ استخدام ذلك أيضًا لاسترضاء وفرض السيطرة على هذه الفئة. ولا يجب أن ننسى – في آخر المطاف – أنّ التجّار شكّلوا التحدّي السياسي المباشر الرئيسيّ لسلطة الحكام أثناء الأوضاع الاقتصادية البائسة في عصر ما قبل النفط، وأشهر هذه التحديثات كان في حركات 1938 السياسية المطالبة بإصلاحاتٍ دستوريّة ومؤسساتية انبثقت تزامنيًا في دبي والكويت والبحرين. تمّ توزيع المناقصات وتصاريح المشاريع المُموَّلة مِن قِبل الدولة (للبنى التحتية والعمران والمصانع) ومعها أراضٍ «مُنِحت» مِن قِبل الدولة. كانت تجارة الواردات – التي اعتمدت على منح رخص وكالة حصريّة لعلاماتٍ تجارية مستوردة – تجارةً مُربحةً أخرى مِن أجل زيادة تكديس رؤوس الأموال. وبالتالي، انبثقت فرصٌ جديدة شديدة الإثراء للطبقة القوّية اقتصاديًا في المنطقة (هنيّة، 2011: 60-70). وكان من حسن الحظ – أو هكذا اعتُقِد – أنّ الثروة النفطية المكتسبة حديثًا سمحت لكلٍ من السعي نحو الأرباح الاقتصادية من قبل القطاع الخاص، وتأسيس دولة حداثة نفطية. لم يكن هنالك تضاربٌ ما بين الاثنين، وبالفعل كثيرًا ما كانا وجهين للعملة ذاتها: تحرّكت الحداثة المدفوعة مِنْ قِبل الدولة والرأسمالية جنبًا إلى جنب.

تطلّبت المشاريع الاقتصادية التي صاحبت هذه الرؤى الجديدة بطبيعة الحال قوّةً عاملة. كانت الطبقة العاملة الخليجية مكوّنةً عادةً من السكان المحليين، ولكن اليد العاملة المحلية قدّمت مشكلاتٍ ثلاث للنخبة الاقتصادية والسياسية الناشئة: أولًا، تجاوزت القيمة المطلقة لرأس المال الناتج عن الإيرادات النفطية الضخمة – وعدد النشاطات الاستثمارية المرتبطة بذلك – إمكانية وجَودة اليد العاملة المحليّة المتوفرة، فالأعداد المتطلبة لبناء هذه الدولة عالية الحداثة وتحريك هذا الكمّ الهائل من رؤوس الأموال لم يتواجد محليًا ببساطة، ولم تتواجد الخبرة والمؤهلات الضرورية لهذه الكميّة والنوعية من المشاريع. هذه الرؤى، في آخر المطاف، كانت مبنية على طموح وحسابات النافذين اقتصاديًا وسياسيًا، عِوضًا عن إمكانيات ومصالح القوة العاملة المحليّة.

ثانيًا، إنّ إخضاع السكان المحليين لمتطلبات رأس المال، والتي تريد – في وضعٍ مثالي – قوّةً عاملة «مرنة» يتمّ «تحريرُها» من أيّ «حقوق» قد تعيق نشاط «السّوق الحرّة» كان قد تعارض مع منطق دولة الرفاهية الحداثية التي من المفترض أن تُخرِج الشعب المحليّ من الوضع الاقتصادي البائس الذي وجدوا أنفسهم فيه قبل انهمار الإيرادات النفطية. كان من الصعب سياسيًا أن يُقبَل بوضع السكان المحليين إمرةً للمتطلبات الملحّة والمتعطّشة لرأس المال المكتسب حديثًا، ولكن لم يُرغب أيضًا (من وجهة نظر رأس المال) أن توضع قيودٌ لصالح حقوقٍ عماليّة قويّة.

أخيرًا، خلق الاتكال على العمّال المحلّيين والعرب – كما شُرِحَ سابقًا – وعيًا سياسيًا في أوساط القوة العاملة التي طالبت بصوتٍ أكبر في كيفية توزيع الإيرادات النفطية والمساهمة في عملية صنع القرار الاقتصادية والسياسية. كانت المخاوف حول الحركات القومية واليسارية المحلية الناشئة في ذروتها، وبالتالي مع استمرار الطفرة النفطية، أصبح الاعتماد على العمالة المحلية والعمالة العربية الوافدة الخيار الأقل جاذبية بالنسبة للنخبة الاقتصادية والسياسية الخليجية (تشالكرافت، 2010). وعلى نحو مماثل، كانت القوى الغربية صاحبة النفوذ في المنطقة – حيث تمحورت مصالحها الرئيسية حينها حول ضمان الإمدادات المستمرة للنفط للأسواق العالمية وضمان التموضع المستمر لدول الخليج داخل منطقة نفوذهم – ترى في نشأة حركاتٍ يساريّة وقوميّة كهذه تهديدًا على مصالحهم الاقتصادية والسياسية.[21]

والطريقة الأكثر استساغةً بكثير لتأمين ما نُظِرَ له كقوّة عاملة أكثر إذعانًا وأقل خطرًا هو استيراد أعدادٍ متزايدة من العمالة غير العربية. قدّمَ ذلك مزايا عدّة لأصحاب السلطة ولرأس المال: أولًا، هي كميّة ونوعيّة الواردات العماليّة المنبثقة حديثًا، فتوسيع سوق العمل من المستوى المحلّي لمستوىً عالمي قاد لزيادة في الإمدادات العمّالية المتوفرة من بضعة آلاف عاملٍ على المستوى المحلّي، لمئات الملايين من العمّال المتوفّرين – نظريًا – على مستوىً عالمي. وتكلفة الحصول على هذه العمالة كانت قليلة نسبيًا وسهلة الاجتذاب بسبب عوامل الدفع في البلدان الأصلية المفتقرة لفرصٍ وظيفيّة محليّة كافية. فعلى كلّ حال، لم يكن استيراد عمالة مهاجرة للمنطقة أمرًا لا سابقة له، فتلك الطريق كثيرًا ما سلكتها مُسبقًا الإدارة الاستعمارية البريطانية والشركات النفطية. وهذا الاستيراد للعمالة الأجنبية كان له ميزةٌ إضافية وهي إنهاء اعتماد الدولة على العمالة المحلية، وبالتالي خسرت القوة المحلية نفوذها الاقتصادي، فهي لم توفر لا ضرائبًا ولا قوّةً عاملة، وخسرت نتيجةً لذلك أحد أهمّ أسلحتها للمطالبة بالمساهمة النشطة في الشؤون السياسية.

ولكنّ استيراد العمالة الأجنبية لم يكن بدون مخاطر. تقعُ أوّلها في ردة الفعل الوطنية تجاه طبقةٍ عاملة متزايدة في أجنبيّتها، الأمر الذي نُظِرَ له في بادئ الأمر كإزاحةٍ للقوة العاملة المحليّة، والتهديد الثاني وقع في التزايد الممكن للنفوذ الاقتصادي والسياسي للعمال الأجانب مع تزايد أعدادهم. حلُّ هاتين المشكلتين، وأسلوبُ الضّبط، تمّ إيجادُه في «الخلل السكاني» المتواجد في الخليج حاليًا.

وقعت السمة الأولى لضبط هذه البُنية السكّانية في كون كثيرٍ من (ولكن ليس كل[22]) فوائد دولة الرفاهية الحديثة اقتصرت على المواطنين واستثني الوافدون منها. وتعريفُ المواطن كثيرًا ما كان الشّخص الذي تواجد (أو تواجد أجداده) في البلاد قبل الطفرة النفطية، بالتالي، الشخص الذي عاش خلال الوضع الاقتصادي البائس قبل انهمار الأموال النفطية.[23] كان تخصيص هذه الفوائد الحصرية للمواطنين ممكنًا عن طريق الإيرادات النفطية الضخمة. تضمّنت هذه الفوائد التعليم والرعاية الصحية المجانيين، ودعم الإسكان والتوظيف في بيروقراطيات الدولة المتوسّعة. ولكن للحصول على هذه الامتيازات، ليس من الكافي أن تكون «مواطنًا»، بل يجب أن تكون مواطنًا مواليًا ومنضبطًا أيضًا، فالاقتراب والموالاة للنخب الحاكمة، لا المتطلبات الاقتصادية الرأسمالية، كثيرًا ما أصبحت عوامل حيويّة في تحديد كيفيّة توزيع هبات الدولة. بالتالي، أصبح المجتمع المحلّي مُجزّأً عموديًا بشكلٍ متزايد لفئاتٍ تعاونية (corporatist) متداخلة مِنْ طوائف ومناطق وإثنيات وقبائل وجماعات مصلحيّة يُحدِّد موقعها قِبال الدولة – عوضًا عن اعتباراتٍ إنتاجية-اقتصادية مجرّدة – نوع الوصول الذي ستكسبه لِهبات الدولة النفطية.[24] حقًا، تنخرط القبائل والطوائف والإثنيات المختلفة مِن أوساط المواطنين عادةً في تنافسٍ ضدّ بعضها البعض – كثيرًا ما يكون ذلك عبر تحريض الدولة وكذلك عن طريق ضبطٍ ومراقبةٍ بوليسية للمنتمين لمجموعاتهم.

كان أسلوب التحكم الثاني على البنية السكّانيةالجديدة هو أنّه على الرغم من كون دول الخليج فتحت أبوابها على مصراعيها للعمال المهاجرين، فحقوق هؤلاء السياسية والاقتصادية تمّ تقييدها وإدارتها بعناية. فإمكانية امتلاك عقار، أو تكوين نقابات أو امتلاك رؤوس الأموال تمّ حظرها، وغنيٌّ عن القول أنّ كثيرًا من امتيازات دولة الرفاهية الممنوحة للمواطنين حُرِمَ منها الوافدون. تمّ تأسيسُ وجودهم في المنطقة على مبدأ «الكفالة»، حيث كلّ عاملٍ مهاجر يجب أن يُكفَل ويُضمَن مِنْ قِبل مواطن أو شركة محلية لمدة معيّنة بالإمكان إنهاؤها في حال أراد المُوظِّف ذلك.[25]

والفشل في الالتزام بهذه القوانين الجديدة للعبة ينتج عنها ترحيل الوافدين والحدّ من فوائد الدولة للمواطنين غير المطيعين. وبالتالي، فدولة الرفاهية ونظام «الكفالة» أصبحا أداتين قويّتين من أجل المراقبة الذاتية والمعاقبة (فوكو، 1977) لكلٍ من المواطنين والوافدين. بالفعل، كثيرًا ما أصبح المواطنون والوافدون مُدمجين في شبكات تحكّمٍ ضدّ بعضهما البعض وضدّ أناسٍ منتمين لفئاتهم الذاتية. فتجزئة الوافدين وفق جنسياتٍ مختلفة ولغاتٍ مختلفة وخلفياتٍ ثقافية مختلفة جعل التضامن فيما بينهم صعبًا للغاية. وأمّا فزّاعةُ «فوجٍ من الغرباء بالإمكان أن يشكّلوا تهديدًا وجوديًا للسكان المحليين عبر “الخلل السكاني”»، حيث تكون الدولة الفاعل الممكن الوحيد القادر على التعامل مع هذه المسألة، فقد وفّر آليّةً قويّة لضبط المواطنين.[26] علاوةً على ذلك، كثيرًا ما نُظِرَ للدولة كالعازل الوحيد ضدّ الإساءات المحتملة التي قد يمارسها المواطنون ضدّ الوافدين تحت نظام «الكفالة». وبالتالي، موضعت الدولة ذاتها كالحكم الوسيط الأكبر لشؤون السّكان، سواءً أكانوا وافدينَ أم مواطنين.


ملاحظات:

[1]يودّ المؤلف أن يشكر مركز الخليج لسياسات التنمية لدعمه المالي، وليسا بارينغتون لمساعدتها في الترجمة ودلال ود عيسى لدعمها جمع البيانات.

[2]للمزيد عن مجتمع ما قبل النفط، أنظر (النفيب، 1987).

[3]على سبيل المثال، عُرِف عام 1904-1905 بـ«سنة الرحمة»، حيث قتل وباء نسبة عالية من السكان.

[4]اتفاقية تم توقيعهاما بين الملك عبدالعزيز ومسؤولين بريطانيين عرّفت الحدود ما بين العراق ونجد والكويت.

[5]على سبيل المثال، يعود أوّل ذكر لـ«الأجنبي» مقابل «المواطن» في البحرين لمرسوم لعام 1904 يعطي الممثل السياسي البريطاني حق ممارسة السلطة القضائية على الرعايا «الأجانب»، ولكنّ أول قانون يحدّد شروط المواطنة تم إصداره عام 1937.

[6]بإمكاننا الإشارة أيضًا لظاهرة تجارة العبيد التي لم يُبحث فيها كثيرًا كنوعٍ موجود سابقًا لاستيراد الناس الممنهج من أجل العمل (غالبًا الخدمة المنزلية). ولكنّ العبيد شكّلوا طبقةً مدمجة ومستقرة في الخليج على الرغم من أنها مُخضَعة . ذلك بالإضافة لنمط الإنتاج المختلف الذي شخّص عمل العبيد مقارنةً بالعمل المأجور، والذي ميّز تجارة العبيد من أنواع الهجرة الحالية.

[7]كانت البحرين استثناءً، حيث بدأ التصدير التجاري عام 1932.

[8]كان هنالك تدفّقٌ كبير للمهاجرين ما بين الشواطئ الجنوبية لإيران الحديثة ودول الخليج العربية، مُواصِلةً عملية سبقت عصر النفط.

[9]للمزيد عن السعودية، أنظر السيف (2007). وبالنسبة للكويت، أنظر كريستال (1995).

[10]للمزيد عن السعودية، أنظر نيبلوك (2007).

[11]على سبيل المثال، جعلت الصادرات النفطية السابقة في الكويت والبحرين منهما رائدتين في بناء الدولة الحديثة إقليميًا.

[12]كثيرًا ما جرى ذلك خلافًا لرغبة الحكام المحليين. للمزيد عن البحرين، أنظر الشهابي (2013).

[13]هذا المصطلح هو تعديلٌ على «الدولة عالية الحداثة» (سكوت، 1998).

[14]حقًا، من المهم أن ننظر للفترات المختلفة كفتراتٍ مندمجة عوضًا عن فتراتٍ منقسمة بنقاط انفصالٍ واضحة.

[15]في معرضنا هذا، لم يتم التعرض بعمق للتقسيم التراتبي داخل المجتمع المحلي بعمق.

[16]هذا ينطبق حتى على السعودية، حيث أنّ تجارتها البحرية – بالخصوص من خلال جدة – اعتمدت بشدّة على المنظومة التجارية البريطانية (كريملي، 1993).

[17]كريملي (1993: الفصل الأول).

[18]كما سيُرى، العلاقات داخل سوق عمل «القطاع الخاص» هي مثالٌ رئيسيّ على ذلك.

[19]على سبيل المثال، يقدّر أنّ عدد سكان قطر انخفض من 32،000 نسمة مع بدايات القرن العشرين لـ16،000 بحلول 1945 (كريستال، 1995: 117).

[20]لأجل تحليلٍ فوكو-ي حول كيفية تأسيسِ الدولة التحديثية للانضباط في البحرين، أنظر كاثيم (2007).

[21]يظهر لنا مثالٌ مبهر في برقيات السفير البريطاني في البحرين (الأرشيف البريطاني الوطني، 1972: إف سي أو 8/1822). رأى البريطانيون أن دورهم الرئيسي ما بعد الانسحاب يكمن في دعم الدولة الناشئة والتصدي للتهديد المحلي الذي شكلته المجموعات اليسارية.

[22]استفادت العمالة المهاجرة أيضًا من الدعم للماء والكهرباء والمواد الغذائية – وفي بعض الحالات – الرعاية الصحية والتعليم.

[23]في الكويت، تمّ تعريف الكويتي في مرسوم الجنسية لعام 1959 بالشخص الذي تواجدت عائلته المباشرة في الكويت قبل عام 1920.

[24]هذه التجمعات المبنية على الطوائف والإثنيات والانتماءات القبلية وما إلى ذلك أصبحت تلعب دورًا مهمًا في سياسات الدولة. كثيرًا ما أُشيرَ لذلك بـ«الباتريمونالية الجديدة» أو «النقابوية» (corporatism) في المؤلفات. أنظر النقيب (2012) وخلف (1998).

[25]للمزيد عن نظام الكفالة، أنظر لونغفا (1997).

[26]لنقاش معمّق حول كيفية عمل ذلك في الكويت، أنظر لونغفا (1997).

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s