أمريكا والنّفط والحرب في الشّرق الأوسط

توبي كريغ جونز

«فليكن موقفنا واضحًا تمامًا: أيّ محاولة من أيّ قوة خارجيّة للسيطرة على منطقة الخليج الفارسي ستُعتَبر هجومًا على المصالح الحيوية للولايات المتحدة الأمريكية، وأي هجمةٍ كهذه ستُردّ بكافّة السُبل اللازِمة، من ضمنها القوّة العسكريّة» – جيمي كارتر؛ خطاب حالة الاتّحاد، 23 يناير، 1980.

فَتنَ نفط الشّرق الأوسط القوى العالمية ورؤوس الأموال العالميّة منذ أوائل القرن العشرين، فجاذبيّته كانت قويّة بالخصوص للولايات المتّحدة، فهذه الرومنسية الأمريكية بدأت بجدّية في ثلاثينيات القرن العشرين، حين اكتشف جيولوجيّون عامِلون لدى «ستاندارد أويل أوف كاليفورنيا» (Standard Oil of California) كمّياتٍ تجاريّة من النفط على الساحل الشرقي من المملكة العربية السعوديّة. وفي السّنوات التي تلت، تحوّل هذا الافتتان لِهَوَس، فبعد الحرب العالميّة الثانية، أصبح من الواضح أنّ النفط ليس مجرّد سلعةٍ صناعيّة مرغوبة. أكثر الأحداث شُهرةً وبروزًا في هذا التّاريخ حصل حين استضافَ فرانكلن دي روزفلت الملك المؤسس للمملكة العربية السعوديّة عبد العزيز آل سعود على الطّرادة الأمريكيّة «كوينسي» في البحيرة المرّة الكبرى في مصر شهرَ فبراير لعام 1945. ربَط ذلك الاجتماع نفط الشّرق الأوسط بالأمن القومي الأمريكي ارتباطًا دائمًا، وساعد أيضًا على تشكيل أحد أهمّ العلاقات الاستراتيجية في القرن العشرين، حيث توفّر السّعودية نفطًا رخيصًا للأسواق العالميّة مقابل الحماية الأمريكيّة. عُقِدت صفقة، ومعها عُقِد وضعٌ مستقبليٌّ سريعُ الاشتعال.

على مدار القرن العشرين، لم يكن حفظُ أمن السعوديّة فحسب همًّا سياسيًا-اقتصاديًّا رئيسيًا للولايات المتحدة، بل معه أمن منطقة الخليج الفارسي بأكملها وتدفّق النّفط الشّرق أوسطي. كان السّعي نحو قوّةٍ أمريكيّة في الخليج محفوفًا بالمخاطر وأثبت كونه مُكلِفًا من ناحية الدماء والثروة. تدفّقَ النفط، ولكن ليس من غير صعوبات. ومنذ أواخر السّبعينات، عصفت بالخليج الثّورة وحربٌ دائمة تقريبًا. والأمن، إن قِيسَ بغياب الصراع، كان صعب المنال، وأمّا حماية الخليج الفارسي ومنتجي النّفط في المنطقة فقد كان معناهُ تدخلٌ أمريكيّ بأشكالٍ مُباشرة أكثر وبتكلفة أعلى.

ولم يمثّل غزو العراق الذي قادتُه أمريكا لعام 2003 والاحتلال العسكريّ الأمريكيّ الذي تبعه إلّا أحدث مراحل النزعة العسكرية (militarism) الأمريكية في الشّرق الأوسط. مع كونِ حرب العراق ذات نطاقٍ ومدّة ودمارٍ أكثر وأكبر من سابقاتها من المصائب العسكريّة في المنطقة، فقد كانت ثمرة عقودٍ عدّة من التفكير الاستراتيجي وصنع السياسات حول النفط. فمن الصّحيح القول – بالفعل – أنّ الإرهاب وبالخصوص هجمات 11 سبتمبر لعام 2011 ساعدت على تسريع الاندفاع نحو الحرب في عام 2003، ولكنّ إن نُركِّز على أحداث 11 سبتمبر بزيادة فمعنى ذلك التغاضي عن وإهمال أشكال عَسْكَرَة النّفط ومُنتجِيه منذ فترة طويلة، وإهمال الدّور الذي لعبه النّفط في المواجهات الإقليميّة لأربعة عقودٍ تقريبًا والصِّلات ما بين المواجهات الأخيرة مع العراق وتلك المواجهات الأخرى. فقد أصبح النّفط والحرب مترابطين بتزايد في الشّرق الأوسط. فِعلًا، تلك العلاقة ما بينهما قد أصبحت دائمةً على ما يبدو. ولكنّ هذه النّتيجة لم تكن حتميّة: لم تكن الولايات المتّحدة غارقة في المنتصف فحسب، بل حتّى منهجها تجاه النّفط دفع نحو هذه النّتيجة.

من المهمّ أيضًا أنّ نفهم تركيز الولايات المتّحدة على الأمن، والتناقضات في منهجها تجاهه داخل سياقٍ إقليميٍّ أوسع. وبينما لا يُسهب هذا المقال في الحديث عن العلاقة الأمريكيّة الإسرائيليّة، فسياسات أمريكا تجاه الخليج الفارسي وعلاقة أمريكا بمنتجي النّفط في المنطقة كثيرًا ما كانت على خلافٍ مع التحالف ما بين الولايات المتّحدة وإسرائيل، وهذه التوتّرات التي خلقتها السياسات الأمريكية في الخليج قوَّضت مزاعم الولايات المتّحدة حول السّعي نحو أمنٍ إقليميّ عمومًا. لعب هذا التّناقض دورًا بارِزًا ومُذهلًا خلال أزمة النّفط لعام 1973.

المنطق الاستراتيجي للنزعة العسكريّة

ليست الولايات المتّحدة القوّة الغربيّة الوحيدة التي تحمل تاريخ حروبٍ في الخليج الفارسيّ الغنيّ بالنّفط. ففي اندفاع البريطانيين نحو تأمين وتوسيع إمداداتهم النّفطية في المنطقة، أنزلت بريطانيا قوّةً استطلاعيّة قُربَ البصرة (فيما هو الآن العراق) في عام 1914. وبحلول عام 1918، استولى البريطانيّون على بغداد واستكنّوا هم وحلفاؤهم هناك، جاعلين منها مركزًا بسطوا منها نفوذهم لعقودٍ عدّة. خلق الصّعود الأمريكيّ في الخليج الفارسي لاحقًا في ذات القرن نمطًا جديدًا من النزعة العسكريّة والحرب، فخلافًا لسابقاتها، لم تشنّ الولايات المتّحدة حروبًا على نمط الحسابات والطموحات الإمبراطوريّة قديمة الطراز، فحروب النّفط الأمريكيّة لم تتعلّق بتأسيس تحكّمٍ مباشر على حقول النّفط ولا على «التحرير» أو «الحريّة»، على الأقل ليس فيما يتعلّق بحريّة شعوب المنطقة. عِوضًا عن ذلك، كان مغزى تلك الحروب الرئيسيّ هو حماية منتجي النّفط المصادقين لهم، والهدف لم يكن بالضرورة ضمان وصول النّفط الشّرق أوسطيّ للولايات المتّحدة، مع أنّ سدّ الحاجة المحليّة الأساسيّة للطاقة ظلَّ جزءًا حيويًا من حساباتها الأوسع، ولكنّ إبقاء الأسعار مستقرّة (وليس مُنخفضة) والحفاظ على الأنظمة المؤيّدة لأمريكا في السّلطة كانا أمرًا مركزيًا في سياسات الولايات المتّحدة الاستراتيجيّة.

كان نمط النّزعة العسكريّة الذي بدأ في الخليج الفارسي في السّبعينات جزئيًا نتاج الدّعم الأمريكيّ للعسكرة المتعمّدة لأنظمةٍ وحشيّة وضعيفة. نتج عن مبيعات الأسلحة الضخمة لحكّام النّفط المستبدّين، وقرار بناء نظامٍ جيو-سياسي عسكري في الخليج مَكّن هؤلاء الحكّام واعتمد عليهم، توازنَ قوّةٍ هشٍّ وشديد العسكرة. ومنذ السبعينات فما بعد، واجهت الدول المنتجة للنفط تهديداتٍ داخليّة وخارجية، من ضمنها اضطراباتٌ مدنيّة محليّة، وحروبٌ إقليميّة أو أهليّة، أو على الأقل واجهة الاحتماليّة الوشيكة لاندلاع الفوضى. وحروبٌ أو انعدام استقرارٍ كهذه كان لها علاقة كبيرة – بالطّبع – بالمشاكل السياسيّة الداخليّة، فقليلٌ منها فقط كان نتيجة تدخّلاتٍ خارجيّة. ولكنّ العسكرة التي بدأت بجديّة تحت قيادة الولايات المتّحدة فاقمت وسرّعت تلك التقلّبات وساعدت على زيادة زعزعة استقرار الدول المنتجة للنفط واستقرار المنطقة ككل.

وكان منهج الولايات المتّحدة تجاه النّفط والخليج الفارسي في أواخر القرن العشرين دلالةً على وضعها كقوّة عُظمى وكان أيضًا بُعدًا من أبعاد حدود قوّتها. فما بدأ كسعيٍ لبناء وتمكين دولٍ عميلة ووكيلة في الخليج تنفّذ مصالح الولايات المتّحدة، أثبت أنّه – على العكس من ذلك – بوّابةٌ لبسطِ نفوذٍ أكثر مُباشرةً للقوة العسكريّة الأمريكيّة. فتحذير جيمي كارتر خلال خطاب «وضع الاتّحاد» لعام 1980 عن كون الولايات المّتحدة «ستستخدم كلّ السُبل اللازمة، من ضمنها القّوة العسكريّة» لتحصين «مصالحها الحيويّة» في الخليج قد حصل كما هو واضح.

ختمت نهاية الستينات وبداية السبعينات الفترة التحوّلية في منهج الولايات المتّحدة نحو الأمن والعسكرة في الخليج الفارسي، وفي يناير لعام 1968، أعلنت الحكومة البريطانيّة أنّها ستنهي وجودها الإمبراطوريّ طويل الأمد في المنطقة وسحب مواردها السياسيّة والعسكريّة منها. أربكت تلك الخطوة صانعي القرار الأمريكيين القلقين بشأن فراغ قوّةٍ محتمل في المنطقة. وبدأت ضغوطاتٌ أخرى بالتّراكم. ففي العقد السابق للإعلان البريطانيّ، بدأت حكومات البلدان المنتجة للنفط فِعلًا بالوقوف ضدّ الممارسات المُهيمِنة والظالمة للشركات النفطية الكبرى، حيث مارست هذه الأخيرة تحكمًا احتكاريًا على وسائل الإنتاج وعلى التسعير لفترةٍ طويلة من القرن العشريّن. وفي عام 1960، أسّس عددٌ من كبار منتجي النّفط «منظّمة الدول المصدّرة للبترول» (أوبيك) في خطوةٍ ساعية لرفع الأسعر، ومع كونِ أوبيك لم تحقّق إلّا القليل في سنواتها الأولى، فإصرار منتجي النّفط بدأ بالنّمو في السبعينات مع بدأ كبار المنتجين بتأميم عمليّات الشركات النفطيّة.

والأهمّ من ذلك هو أنّ التناقضات في استراتيجيةّ الأمن الأمريكيّة للشرق الأوسط ستهدّد جهودها للإبقاء على علاقاتٍ ودّية مع منتجي النّفط في المنطقة. فتاريخيًا، عانت الولايات المتّحدة في موازنتها لدعمها إسرائيل ودعمها لمنتجي النّفط في المنطقة، حيث طويلًا ما اعتبروا سياسة أمريكا الخارجيّة الودّية تجاه إسرائيل كمصدر إزعاج. وفي عام 1973، تحوّل هذا الانزعاج لغضب خلال حرب أكتوبر، حين شنّت مصر هجومًا مفاجئًا على القوّات الإسرائيليّة من أجل استرداد أراضي في شبه جزيرة سيناء. وأُثيرَ سخط منتجي النّفط في الخليج حين ساعدت الولايات المتحدة على إعادة تزويد الجيش الإسرائيلي المُحاصر بالمعدات أثناء المعركة. نسّقَ منتجو النّفط العرب والشركات النفطية العربيّة – بقيادة السعودية – حظرًا على الولايات المتّحدة، مما أدّى لتجفيف الإمدادات ورفع الأسعار. ونتيجةً لأزمة 1973، استولت البلدان المنتجة للنفط أخيرًا على التّحكم المباشر بالإنتاج وعلى آليّات التسعير من يد تكتّلات الشركات النفطية الغربيّة الضخمة، مما أدى لزيادةٍ هائلة في عائدات النّفط لتلك الأمم. أقلق الحظر وتداعياتُه على السياسات المحليّة المسؤولين الأمريكيين الّذين عانوا لإعادة بناء العلاقات مع حلفائهم المنتجين للنفط. ولكنّ ذلك القلق الذّي ولّدته تناقضات سياسات الولايات المتّحدة تجاه إسرائيل والنّفط لم يؤدّي لإعادة النظر في سياسة أمريكا تجاه الأمن الإقليمي. فعلى العكس من ذلك، عمّقت الولايات المتّحدة التزامها للنظام الإقليمي.

واقعًا، بعد الصّدمة الأولى للحظر، لم يُقلق الارتفاع المتسارع للأسعار صنّاع القرار الأمريكيين كثيرًا، حيث عمِلوا على إقناع القيادات في السعودية والكويت وإيران وغيرهم في الخليج بإعادة استثمار العائدات الّتي ولّدوها من أسعار النفط شديدة الارتفاع في الغرب عن طريق صرف بعضٍ من ثروتهم الجديدة هذه على المنتجات الغربيّة، وأهمّها، الأسلحة الأمريكيّة. خَلْقُ خطِّ أنابيب الأسلحة هذا عمّق الروابط ما بين الولايات المتّحدة ومنتجي النّفط في الخليج، ولكنّ موجات التأميم ساعدت بالفعل على تفكيك إطارٍ جيو-سياسيّ خَدَمَ المصالح النفطيّة الأمريكيّة في السابق. تحت ذلك النظام، مارست شركات النّفط الغربيّة – بالتعاون مع حكومات أوطانِها – تحكّمًا مباشرًا بنفط الشّرق الأوسط. والعلاقات ما بين هذه الشّركات والحكومات المنتجة للنفط اضطربت دوريًا، ولكنّها غالبًا ما كانت تعاونيّة. حاربت حكومات المنطقة من أجل تحقيق القليل من المساواة في محاصصة أرباح بيع النّفط، ولكنّهم ظلّوا متّكلين على الشّركات من أجل الاستخراج والتكرير والتوزيع وبيع النّفط، وقد حظي ذلك التّرتيب بالدعم الكامل من الحكومة الأمريكيّة، فشركاتٌ مثل «أرامكو» التي عمِلت في السعودية لم تتعاون مع الحكومة الأمريكية فحسب، بل احتوت أيضًا أعضاءً من أجهزة الاستخبارات والأجهزة السياسيّة الأمريكيّة كموظّفين لديهم.

هذا التّلاقي ما بين المصالح الشركاتيّة والسياسيّة حول النّفط كان له تبعاتٌ عميقة على طبيعة السلطة السياسية داخل وحوالي المنطقة. فالشركات ساعدت على صياغة وحماية حزمةٍ من العلاقات مع الحكّام المستبدّين العرب اعتبرتها القيادات الأمريكيّة منذ روزفلت حيويّة لاستقرار المنطقة. برهنت الولايات المتّحدة تفضيلها للمستبدّين في عام 1953، حين هندست وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية انقلابًا لإسقاط رئيس الوزراء الإيراني المُنتخب ديموقراطيًا محمّد مصدّق، وأعادت محمّد رضا شاه بهلوي للحكم. قامت شركات النفط بدورها أيضًا لتعزيز السلطويين في أماكن أخرى في المنطقة، ففي الخمسينات والستينات، خاف المسؤولون الحكوميّون الأمريكيّون ورؤساء شركات النّفط من القوّة المحتملة للقوميين العرب وإمكانيّة تأميمهم للنفط العربي ورفضهم التضرّع للمصالح الأمريكيّة والغربيّة. فقد اعتبرت الشركات والحكومة الأمريكيّة احتماليّة سيناريو كهذا تهديدًا على المصالح الأمريكيّة في الحرب الباردة ومصالحها الماديّة في الخليج الفارسي.

مع أنّ التحكّم الشركاتي المباشر – ومعه التحكم السياسي الأمريكي – على نفط الخليج الفارسي انتهى في السبعينات، فالأنظمة السلطويّة ظلّت مكانها. وسعت الحكومة الأمريكيّة للقيام بنوعٍ جديد من العلاقات معهم، مِنْ خلال تسليحهم وموضعتهم كوكلاء للمصالح والقوّة الأمريكيّة. وفّر الرئيس ريتشارد نيكسون القّوة الدافعة لاستراتيجية العسكرة الجديدة حين قام في عام 1969 بصياغة عقيدة استراتيجية جديدة. تحت ضغطٍ لإخراج الولايات المتّحدة خارج مستنقع فيتنام، دعت «عقيدة نيكسون» الحلفاء الأمريكيين لحمل ثقلٍ أكبر في تعزيز دفاعهم الذّاتيّ، وأشرف صنّاع القرار الأمريكيّون على تطبيق العقيدة في الخليج مِنْ خلال إبقاء القوّات العسكريّة الأمريكية «في الأفُق». وبدون حضورٍ بريطانيّ ليحافظ على توازن القوّة في الخليج، اتّخذت الولايات المتّحدة خطواتٍ لتنمية الجيوش المحلّية وللحفاظ على النظام الإقليمي. ركّزت الحكومة الأمريكيّة رئيسيًا على تعزيزِ كلٍّ من إيران والسعوديّة، مستنِدةً عليهما كالدّعامتين التوأم للاستراتيجية الأمريكيّة الجيو-سياسيّة الإقليميّة الجديدة. وما بين 1970 و1979، التزمت الولايات المتّحدة بصفقات أسلحة لإيران تجاوزت قيمتها 22 مليار دولار، مِمّا شكّل قرابة ثلاثة أرباع مشتريات إيران من الأسلحة في ذلك العقد، أمّا التزاماتُ أمريكا للسعوديّة كانت أكثر تواضُعًا، حيث لم تتجاوز 3.5 مليار دولار لذلك العقد، ولكنّها كميّةٌ معتبرة إن وضعنا بعين الاعتبار كونَ الولايات المتّحدة لم تبدأ ببيع الأسلحة للمملكة حتّى عام 1972.

مخاطر العَسكَرة

كانت عواقبُ سياسة العسكرة الجديدة ذو حجمٍ مُعتبر، ومع أنّ تِلك السياسات لم تؤدّي لزعزعة الاستقرار مباشرةً، فهي أرست القواعد لعصرٍ تلا من العنف وانعدام الأمن. هذه العسكرة أصبحت ظاهرة إقليميّة، وقد زادت من جرأة مستبدّي الخليج الّذين أصبحوا أكثر حزمًا وتهديدًا لبعضهم البعض، إذ كانت التوتّرات المتصاعدة في الخليج – وأبرزها تلك ما بين إيران والعراق – نتيجة سياساتٍ إقليميّة ومحليّة مُعقّدة. ولكن، سعى حكّامُ الخليج المُهدّدون لتحقيق الأمن عن طريق شراء أسلحةٍ قيمتها تصل لمليارات الدولارات، إذ سَرَّ الحكومة الأمريكيّة وقطاع الأسلحة الأمريكي توفيرها. النتيجة كانت عسكرةً هائلة وضخمة للمنطقة ومكسبًا للمجمّع العسكري-التجاري الأمريكي. وبحلول نهاية العقد، كان سباقُ التسلّح هذا الذي دخلَهُ كبارُ منتجي النفط في الخليج في أوجِه. ودخل الاتحاد السوفييتي في هذا السباق عن طريق الالتزام ببيع أكثر من 10 مليار دولار من الأسلحة للعراق، وقد كان العراق زبونه الرئيسي في المنطق وخصمًا رئيسيًا لإيران. ولكنّ الولايات المتّحدة هي من قامت بأكثر الجهود من أجل تسهيل عسكرة المنطقة، فما بين 1975 و1979، اشترى كلٌ من إيران والعراق والسعودية 56% من مجموع الأسلحة التي بِيعَت في الشّرق الأوسط، إذ شكّل مجموع مشترياتهم – تقريبًا – ربع مشتريات الأسلحة عالميًا. حذّر لي هاملتن – وقد كان أحد قياديي أعضاء الكونغرس الديموقراطيين – في تصريحٍ له عام 1973في قاعة الكونغرس مِنَ الطبيعة المُفرِطة – احتمالًا – لمبيعات الأسلحة للمنطقة. وأشار لكون «الانطباع الصّافي الذي يُترَك…هو أنّنا مستعدّون لبيع أيّ شيء ترغب به وتريد شِراءه دول الخليج الفارسي هذه». وبالفعل اشتروا، فتبيّن أنّ إيران كانت حريصة على الحصول على ما تستطيع من الأسلحة العسكري عالية التقنيّة، واشترى الشّاه أحدث منظومات الأسلحة المتوفّرة من الصّناع الأمريكيين، من ضمنها تسعة وسبعون «إف-14 توم كات»، وقد كانت المقاتِلة الرائدة للبحريّة الأمريكية عامَ 1974. وبحلول منتصف السّبعينات، أصبح مفهوم أمريكا عن الأمن في الخليج الفارسي يكاد يكون مبنيًا تمامًا على قدرة منتجي النّفط على شراء آلات الحرب.

فاقمت عسكرة الخليج الفارسي حالات عدم الاستقرار المتواجدة مُسبقًا وسرّع عصرًا من الصراعات الإقليميّة. وفي فترة ذروة مبيعات الأسلحة، تزايد قلق بعض المسؤولين الأمريكيين والممثّلين المنتخبين. طوال السّبعينات وحتى في الثمانينات، عَقَدَ أعضاءٌ من الكونغرس اجتماعاتٍ مُنتظمة لمعرفة تفاصيل الأضرار المُحتملة للعسكرة في الخليج. أغلب المخاوف تمركزت حول التهديد المُحتمل الذي شكّله منتجو النفط العرب المُتسلّحين حديثًا لإسرائيل، إذ حذّر هاملتون قائلًا: «إنّ المساحة المناسبة للمخاوف المُبرّرة تكمن في السياسة العامّة لهَمر مقدارٍ كبير من الأسلحة المتطوّرة في منطقة شديدة التقلّب في الشّرق الأوسط، معروفةٌ ليس بتعاونٍ إقليميٍّ مِثاليّ، بل – عوضًا عن ذلك – بوفرة من الخلافات المناطقيّة والإثنيّة والعائليّة والسياسية طوال القرون العديدة التي مضت».

مع أنّ البعض الآخرين شاركوا هاملتون مخاوفه، فالمسؤولون عن الإشراف على السياسة الأمريكيّة في الخليج تغاضوا عنها. فهذه التحذيرات التي عبّر عنها هاملتون كان يجب أن تستدعي بعضًا من الحيطة، ولكن قليلًا من صانعي القرار أو مصنّعي الأسلحة مالوا للتشكيك باستقرار الأنظمة السلطويّة التي ظلّت حليفةً لهم لفترة طويلة. وبالأخص بعد الطفرة النفطية الأولى، بدت دول النّفط في الخليج مُمسِكةً بزمام الأمور أكثر مما سبق. مَغمورين بمليارات الدولارات مِن واردات النفط بحلول منتصف السبعينات، انهمك منتجو النّفط في الخليج في إنفاقٍ محليٍّ امتدّ لعقدٍ كامل، موظّفين الأموال لمعالجة عددٍ من المشاكل الاجتماعيّة والاقتصادية والسياسية المُحتملة. تعهّدت الأنظمة في المنطقة بإنفاق مليارات الدولارات على برامج التحديثوالتنمية ومن أجل توسيع مدى الخدمات الاجتماعية للمواطنين من المهدِ إلى اللّحد.

كانت نيّة ذلك الإنفاق هو إعادة توزيع الثروة النفطية كسبيلٍ لتجنّب أيِّ اضطراباتٍ مُحتملة. واحتماليّة الاضطراب كانت بالفعل ذو حجمٍ مُعتبر. أغلبُ مستبدّي الخليج أتوا للسلطة عن طريق الغزو، أو التّحالف مع القوى الإمبريالية، أو الإثنين معًا. والزبائن المفضلون للولايات المتّحدة – وهم حكّام إيران والسّعودية – استخدموا مزيجًا من القهر والاحتواء لتأسيس سُلطتِهم ومِنْ ثَمّ الحفاظ عليها. ولكن حتّى بعد عقودٍ من الحكم، لم يملك أيٌّ من النظامين أيَّةَ مِصداقيّة أو شرعيّة في عينِ مواطنيهم، ومع كونِ أغلب المواطنين السّعوديين والإيرانيين رحّبوا بالثروة الجديدة والخدمات التي وفّرتها الدّولة، فكثيرٌ منهم استمرّوا بالوقوف ضدّ ممارسات حُكّامهم، فكلا النّظامين افترضا أنّ إعادة توزيع الثروة الواسع سيُخمِدُ أيّ اضطراباتٍ متأجّجة تحت سطح المجتمعين السعودي والإيراني، وكلاهما لم ينخرطا في أيّ عمليّة إصلاحٍ مُعتبرة ولم يسمحا لمساهمةٍ أكبر مِنْ قِبل مواطنيهم في الحكم. أصبحت السّعودية – بتعداد سكّانها الأصغر – أقلَّ قهرًا من النّظام الإيرانيّ، مع أنّ تهديد عُنف النّظام ظَلَّ حاضِرًا، وعلى العكس من ذلك، ظلّ الشّاه في إيران طاغيةً قاسيًا ووحشيًا. أشار مارتن إينالز – الأمين العام لمنظّمة العفو الدولي – في عام 1977 أنّ إيران لديها «أعلى نسبة عقوبات إعدامٍ في العالم، ولا يوجد لديها نظامُ أحكامٍ مدنيّة صالح ولها تريخٌ لا يُصدَّقْ من التعذيب. ليس هنالك بلدٌ في العالم له سجلٌّ أسوء مِنْ إيران في حقوق الإنسان». استمرّت القياداتُ في البلدين وكأنّما الارتفاع في إيرادات النّفط وقدرتها الإنفاقيّة الجديدة سمحت لها بتجديد استبدادِها، والبرامج الاجتماعيّة قُصِدَ لها أن تُؤسِّسَ صفقةً جديدة مع المحكومين، صفقةً تعيد الدّولة فيها توزيع الثّروة مقابِل خُمودٍ سياسيٍّ تام. اعتقد الكثيرون في داخل وخارج إيران والسعوديّة أنّ العقد الاجتماعيّ الجديد وتدفّق إيرادات النّفط عمِلَ على تعزيز الأنظمة.

ولكن تِلكَ الصّفقة لم تصمد لا في إيران ولا في السعوديّة، فِعوضًا مِنَ أن تخرج من الطفرة النفطية بصورةٍ أقوى، توضّح أنّ كلًا مِنَ النظامين كانا عُرضةً لضغوطٍ محليّة كبيرة مع نهاية السبعينات، فالسعودية واجهت حلقتين من الاضطراب في نوفمبر لعام 1979: ففي منطقتها الشرقية، انتفض عشرات الألوف من الشّيعة ضدّ الحكم السّعودي وبالخصوص ضدّ وضعهم كمواطنين من الدرجة الثانية، وبشكلٍ مُتزامِن وغير مرتبط بتلك الأحداث، استولى مئات المتمرّدون (rebels) على المسجد الحرام في مكّة. احتلّ المتمرّدون – الذين ندّدوا بعائلة آل سعود الحاكمة ووصفوهم بالحكّام غير الشرعيين – المسجِدَ الحرام لمدّة أسبوعين قبلَ أن يجتثّهم خليجٌ من القوّات الخاصة السعوديّة والفرنسيّة.

ولكنّ السلطويّة المدعومة بالنّفط في إيران هي من ثبتت شِدّة ضعفها، فقد أسقط الثوريّون الإيرانيّون الشاه مِنَ الحكم في عام 1979. وسُقوط الشاه – وهو أمرٌ ظنّ المسؤولون الأمريكيّون قبل ذلك بسنواتٍ قليلة أنّه غيرُ وارد – هدم سياسة الدعامتين التوأم، ومن وجهة نظر صنّاع القرار الأمريكيين، غيّرت الثورة توازن القوّة في المنطقة جذريًا، مُحوِّلةً إيران من حليف أمريكا الاستراتيجي لخصمٍ خطير. مهما كان واقع مكانةِ إيران الجديد في المنطقة، فالثورة جلبَت نهايةً حاسمة للاتّكال الأمريكيّ على قوىً محليّة شديدة العسكرة كمدافعين عن النظام الإقليميّ في الخليج، فمع كون القيادات الأمريكية لا تزال تشجّع على وتشرف على عسكرة السعودية وغيرها من منتجي النفط العرب في الثمانينات وما بعدها، فقد فقدوا ثقتهم بفكرة امتلاك الوكلاء المحليين القدرة السياسية لتأمين المصالح الأمريكيّة. وتعمّقت أيضًا مخاوفٌ حول ضعفِ نفط الشّرق الأوسط أمامَ تأثيرات تطوّراتٍ جديدة في الحرب الباردة بعد فترةٍ وجيزة من سقوط الشّاه، الأمر الّذي سرّع من تحوّل كيفية بسط الولايات المتّحدة لنفوذها في المنطقة. في ديسمبر 1979، دفع الغزو السوفييتي لأفغانستان كارتر لإيضاح وتأكيد تعلّق أمريكا العميق بالخليج الفارسي واستعدادها على استخدام القوّة العسكريّة لحماية تدفّق النفط، وحتّى بعد رسمِ كارتر لنظرةٍ استراتيجيّة/عسكريّة للمنطقة، لم يتم تحقيقُها مكتملةً إلّا بعد بِضع سنوات. ومع ذلك، كان ذلك هو الوقت الذي بدأ فيه عصر التدخّل الأمريكيّ المباشر في الخليج الفارسي.

لم تساعد الثورة الإيرانية على تحويل النظام الإقليمي وإعادة تشكيل السياسة الأمريكيّة فحسب بل ساعدت أيضًا على إطلاق العنان للعديد من القوى المُدمّرة التي عانى منها الخليج الفارسي منذ ذلك الحين، ففي سبتمبر لعام 1980، ولإحساسه بضعفٍ في إيران وقلقِه بشأن تحدّياتٍ محليّة لسلطة، أمر صدّام حسين الجيش العراقي بغزو المنشآت النفطيّة الإيرانيّة. استمرّ القتال ما بين إيران والعراق حتى عام 1988، قُتِلَ فيه وأصيب مئات الألوف. وعصفت بالخليج الفارسي عدّة حروبٍ من ذلك الحين. بالطبع، لم تكن السياسة النفطية الأمريكية مسؤولةً مباشرة عن قرار صدّام بغزو إيران، فقد رأى نفسهُ مُهدّدًا مِنْ عددٍ من التحدّيات المحليّة والإقليميّة واعتقد أنّ الحرب ستحلُّها. وهذا الاعتبارات التي قادته لهذا الطريق كانت مَرَضْيَّة (باثولوجيّة) جُزئيًا، ولكنّها كانت متأثّرة أيضًا بالعسكرة التي حدثت للنفط والمنطقة خلال العقد المنصرم. هذه العسكرة الكثيفة ومعها سياسات سباق التسلّح الإقليميّ ومزيجٌ من الجرأة المتزايدة للقوى الإقليميّة وارتيابهم المتنامي من بعضهم البعض كانت أمورًا مركزيّة لحسابات صدّام التي دفعته للحرب.

مع أنّ الولايات المتّحدة ادّعت أن غزو العراق لإيران أخذها على حين غفلة، رأى العديد من صنّاع القرار الأمريكيين في استمراريّة الحرب أمرًا مُفيدً لإضعاف اثنان من أكثر الأنظمة المنطقة عسكرةً ولتجنّب التحديات قصيرة المدى للنظام الإقليميّ والاقتصاد السياسيّ للنفط. ومن أجل هذه الغاية، وفّرت الولايات المتّحدة الأسلحة والتمويل والاستخبارات لكلٍّ من جانبيّ الصراع، واعترفت وتغاضت عن استخدام العراق للأسلحة الكيميائية في ساحة المعركة وضدّ مواطنيها. اتّضح بعد ذلك أنّ قرار النّظر للحرب الإيرانية العراقيّة كصراعٍ مفيد وصراع يستحقّ تأجيجه كوسيلةٍ لاحتواء الأطراف المتحاربة وبالتالي ضمان الأمن في باقي الخليج كان رِهانً خطِرًا. وفي آخر المطاف، أدّى ذلك القرار لتحقيق «عقيدة كارتر» والتدخّل المباشر للولايات المتّحدة في صراعات الخليج الفارسي، وقد كان التهديد الواقع على شحن النّفط هو ما استدعى الجيش الأمريكيّ أخيرًا ليحضر في المنطقة ويبقى.

في عام 1986، طلبت الكويت حماية كُلٍّ من الولايات المتّحدة والاتحاد السوفييتي ضدّ الهجمات الإيرانيّة على ناقلات النفط التابعة لها، وفي شهر مارس اللاحق التزمت الولايات المتّحدة بحمايتها عن طريق السّماح للناقلات الكويتية برفع العلم الأمريكي، وبالتالي جاعِلةً الهجمات على الناقلات النفطية هجومًا على المصالح الأمريكية، وأيضًا عن طريق إرسال سربٍ بحريٍّ كبير لتوفير حماية مباشرة. تبادلت القوّات العسكريّة الأمريكية والإيرانية إطلاق النّار عدّة مرّات في عام 187، وحصل تصعيدٌ للقتال في عام 1988 مع قيام الولايات المتّحدة بإغراقِ عددٍ من السفن الحربيّة الإيرانية والإضرار بمنصّات نفطٍ إيرانيّة، وفي ذلك الصّيف قامت السفينة الحربيّة الأمريكيّة «فينسينس» بإسقاط طائرة نقل مدني إيرانيّة قاتلةً كُلّ راكبيها المدنيين، وعددهم 290. كانت تلك الحادثة ضربة صادمة لإيران، بل ضربة استنزفت فعليًا إرادتها في الاستمرار بالقتال. وكون الولايات المتّحدة أصبحت مُساهمًا نشِطًا في الحرب الإيرانيّة العراقيّة، مُلحِقةً ومُتكبّدةً خسائر بشريّة، ليس سِرًّا على أحد، ولكنّه لم يتم إلحاقه بالاعتبارات حول أنماط الانخراط الأمريكيّ في المنطقة أو تاريخ نزعتها العسكريّة في الخليج، ويجب أن يتمّ ذلك. هذه الحرب ضاعفت المخاوف الأمريكيّة والعربيّة حول النفوذ والطموح الإيرانيّة، وهي مخاوفٌ بدأت مع ثورة 1979. وصَمَدت مكانةُ إيران كأحد «الفزاعات» الرئيسية في المنطقة وأحد دُولِها «المارقة» (rogue states) وتستمرّ اليوم كأحد التبريرات الرئيسيّة والمُكرّرَة لاستمراريّة الوجود العسكريّ الأمريكي في المنطقة.

شكّلَ الانخراط الأمريكيّ في الحرب الإيرانيّة العراقيّة – وجهودها لإطالة الحرب أيضًا – الصراعات المستقبليّة مع العراق، فمع أنّ العراق استلم مساعداتٍ عسكريّة وتقنيّة وماليّة كبيرة من الولايات المتّحدة ومن جيرانه العرب أثناء الحرب، فقد خرج من الحرب غارقًا في الديون متزعزِعًا حتّى أعماقِه. ومع كونِ حلفائه ورعاته قد شجّعوه على إطالة الحرب، فالعراق لم يستطع تحمّل تكلفتها. فصدّام حسين استعار كثيرًا من الدول النفطية المجاورة لتمويل آلة حربِه. ولعدم تمكّنه من دفع الديون أو تنشيط الاقتصاد بعد الحرب، واجه العراق كارثةً محليّة. سعى صدّام حسين إيجاد علاجٍ على عجل وذلك لعِلمه أنّ سُلطته ستُهدَّد في حال ثبتت عدم قدرته على إعادة العراق لطريق الازدهار المعقول. لربما كان من الممكن في ذلك الوقت أن توفّر إعادة تأسيس قطاعه النفطيّ وإعادة تأمين حصّة من السوق النفطية العالمية طريقًا للعراق كي يخرج من ديونه، ولكنّ جيران العراق المنتجين للنّفط لم يتعاطفوا معه. طالب الدائنُون العرَب من العراق بأن يُسدِّدَ ديونه، وفي ذلك الحين، قام عِدّةٌ من جيران العراق – من ضمنهم الكويت – بإغراقِ السّوق بفائضٍ نفطيّ مما أدّى لنزول الأسعار والحدّ من العائدات العراقيّة وتقويض احتماليّة انتعاش اقتصاده.

وأمّا المخاوف والصّدمات والعسكرة المُفرِطة التي عجّلت مُجتمِعةً بالثورة الإيرانية وغزو العراق لإيران وتصعيد انعدام الأمن الإقليمي في الثمانينات فقد استمرّت. وبعد عامين من التضرّع واستعراض القوّة العسكريّة، سعى صدّام حسين مرّةً أخرى لاستخدامِ حلٍّ عسكريّ، غازيًا الكويت في شهر أغسطس لعام 1990 ومُعجِّلًا لتصعيدٍ أضخم للتدخّل العسكري الأمريكي في الخليج. وكثيرٌ من تاريخ «عمليّة عاصفة الصحراء» ونظام عقوبات التسعينات معروفٌ على نطاقٍ واسع. لخوفِ الولايات المتّحدة من تداعيات امتلاك العراق ليس فقط للنفط الكويتيّ بل للنفط السعودي أيضًا، قادها ذلك لتحشيد أكثر من خمس مئة ألف جنديّ في أكبر مجهودٍ حربيٍّ لها منذ حرب فيتنام. وفي أيّامٍ معدودة، أخرج التحالف بالقيادة الأمريكيّة القوات العراقيّة من الكويت، وفي العقد الذي تلا، أشرفت أمريكا على نظام عقوباتٍ مُدمِّرة نَزَعت أحشاء المجتمع العراقي واقتصاده. كمنت السّياسة الأمريكيّة الرسميّة المباشرة بعد الحرب في احتواء كلٍّ من العراق وإيران – أي منع الدول «المارِقة» في المنطقة من تهديد الدول الأخرى المُنتجة للنفط. ولكن بحلول نهاية التسعينات، أفسح الاحتواء الطّريق لسياسة تغيير الأنظمة، وهي قِمّة النزعة العسكريّة الأمريكيّة المباشرة في المنطقة حيث بدأت الحكومة الأمريكيّة بالسّعي النّشِط لإسقاط صدّام حسين. حتى نظام العقوبات، الذي تمّ تبريرُه رسيمًا كنظام مُصمَّم لضمان تركِ العراق لبرنامج أسلحة الدّمار الشمال الخاص بِها، عمِل عِوضًا عن ذلك كامتدادٍ لسياسة تغيير النّظام، الأمرُ الّذي تمّ تحقيقه مع الغزو الأمريكي للعراق عام 2003.

لم يكن الاستيلاء على النّفط وحقول النّفط وتأسيس تحكّمٍ إمبراطوريٍّ مباشر على النّفط جُزءً من المنطق الاستراتيجي الأمريكي لأجل الحرب، ولكنّ حماية النفط ومنتجي النّفط وتدفّق النفط كان جزءً من ذلك. وهذا فارقٌ مُهم، ففي الفترة ما بين 1990 ونهاية الحرب الطّويلة في العراق تميّز فقط المرحلة الأخيرة من النزعة العسكريّة الأمريكيّة في الخليج، ولو أبقينا على النّفط والسياسة الأمريكيّة تجاه النّفط محطّ تركيزنا – عِوضًا عن تصرّفات صدام حسين وسياسات الحرب الإرهاب أو حفنة من العوامل السياسية الأخرى – فبإمكاننا أن نزعم أنّ هذه الفترة لا تشكّل سلسلة من الحروب، بل حربًا طويلة مُستمرّة، حربٌ كان السّعي فيها من أجل الأمن الإقليمي وحماية النّفط ومنتجي النّفط المصادقِين لأمريكا المَنطِقَ الاستراتيجيّ الأساسيّ، وإطلالةُ الحربِ المُستمرّة على الخليج الفارسي في العقود الثلاثة الأخيرة كانت في الغالب النتيجة المباشرة للطُرق التي ارتبط بها النّفط بالأمن القومي الأمريكي والطرق التي ربط بِها صُنّاعُ القرار الأمريكيّون الأمن بالعَسْكَرة.

قد نميل للقول هنا بأنّ الانخراط المتصاعد للولايات المتّحدة وتاريخ عسكرتها وتدخّلها العسكريّ في منطقة الخليج قد وفّر نوعًا من الأمن في المنطقة، ففي آخر المطاف، استمرّ تدفّق النفط وشبكة منتجي النّفط بقيت كما هي، وبالتالي تمّ تحقيق المصالح الرئيسيّة للولايات المتحدة في المنطقة، ولكنّ ثلاثة عقودٍ من الحرب تدحض هذا الادّعاء، والحرب لا تعادل لا الأمن ولا الاستقرار أو السلام، فحتّى في فترات ما بين الحروب في المنطقة، بَرهْن العنف الّذي مارسته الأنظمة على شعوبها أنّ السلام ليس دائمًا مُسالِمًا، وأنّ التّكلفة كانت عالية للولايات المتّحدة وكانت أعلى لِمَنْ يعيشون في الشّرق الأوسط. ففي ثلاثين عامًا من الحرب، مات مئاتُ الألوف مَوتًا مُؤلِمًا وعنيفًا، والفقر والكواثر الطبيعية والتعذيب والأوضاع المعيشيّة البائسة لا تزال تطارد حيوات العديدين في العراق وإيران وغيرها من الأماكن في المنطقة. بالطبع، لا يقع عبئ الموت والدمار بأكمله على عاتق الولايات المتّحدة وسياسة العسكرة الخاصة بها، فسياساتُ الحرب خدمت بشكلٍ رئيسيّ مصالح القيادات الإقليميّة الّتي – غالبًا مِنْ موقع ضعف – صدّرت العنف لإبعاد التحدّيات الداخلية لِسُلطتِها، والتنافس السياسيّ الدوليّ – بالخصوص أثناء الحرب الباردة – سحب قوىً عالميّة أخرى، أبرزها الاتحاد السوفييتي، مما ساعد أيضًا على تيسير انتشار انعدام الأمن والفوضى في الشرق الأوسط.

ومستبدّو المنطقة حافظوا أيضًا على سُلطتهم. فمع بدأ المواطنين بتحدّي الأنظمة الحاكمة في أوائل 2011 في البحرين والسعودية وعمان – وهي ثلاثة من أقرب حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة – بدا واضحًا أنّ كُلَّ تلك الحكومات مُستعدّة تمامًا لتوجيه أسلحة الحرب تلك – وأغلبُها تمَّ شِراؤها من الولايات المتّحدة – ضدّ رعاياها. وأصبح واضحًا أيضًا أنّ تلك الأنظمة ليست مُستقرّة بالمرة وأنها ستظلّ عُرضةً بشكلٍ دائم للصدمات المحليّة والإقليميّة، ممّا يشكّل مُعضِلةً حقيقية للسياسة الأمريكيّة. بالإضافة لوضع التكلفة البشرية للحرب والمعضلات الأخلاقيّة التي تُثيرها بعين الاعتبار، يجب على الأمريكيّين الذين يحاولون تقدير السعر الحقيقيّ للنفط في الولايات المتّحدة أن يضعوا بعين الاعتبار التكلفة الماليّة للإبقاء على حضورٍ عسكريٍّ ضخم في منطقة الخليج. يقدّر روجر ستيرن أنّه ما بين 1967 و2007 كانت التكلفة الإجماليّة للإبقاء على الجيش الأمريكيّ في الخليج الفارسي حواليّ 7 ترليون دولار، وهذا الرقم لا يشمل تكاليف حرب العراق لعام 2003.

إنّ استعداديّة الولايات المتّحدة المتزايدة لاستخدام القوّة والعنف لتعزيز تدفّق النفط للأسواق العالمية لم يكن علامةً على القوّة الأمريكيّة بل على حدودها أيضًا، فالخطاب السياسيّ الشائع في الولايات المتّحدة كثيرًا ما يصوّر الأمريكيين وحكومتهم كضحايا غير عالمِين لإدمانٍ ضارٍّ لا يمكن تحمّله أو كسُذّجٍ مخدوعين مِنْ قِبل مُنتجي النفط. سيكون من الحكيم فِعلًا أن نكسر هذا الإدمان على النفط، ولكن القيام بذلك يتطلب الإقرار بتاريخ هذا الإدمان والتكاليف المتعددة التي تترتّب عليه. ولكننّا بالكاد نرى إعادةَ نظرٍ كهذه اليوم، بل أنّ الولايات المتّحدة تبدو اليوم عازِمةً على الاستمرار على هذا الطريق المألوف. ولأنّ الولايات المتّحدة قد صاغت حزمةً من العلاقات مع النّفط ومنتجي النّفط غير المستقرّين وربطت مصير تلك العلاقات مع الأمن القومي الأمريكيّ، فذلك يضمن تقريبًا أنّه مع اختتام الولايات المتّحدة لحربٍ نّفطية ما، فاسترتيجيّوها السياسيّون والعسكريّون يستعدّون أثناء ذلك لحربٍ أخرى.

المصدر:جورنال أوف أميريكان هيستوري

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s