غابرييل غارسيا ماركيز: لِم تَوَجّب قتل أييندي

مرّ إثنان وأربعون عامًا منذ مات الرئيس التشيليّ سالفادور أييندي في قصر الرئاسة «لا مونيدا» في مدينة سانتياغو، محاولًا الدفاع عن نفسه باستخدام «كلاشينكوف» أهداه له فيديل كاسترو. هنا في هذه المقالة التي نُشرت في «ذا نيو ستيتسمان» شهر مارس 1974، يستطلع الروائي – الحائز على جائزة نوبل – غابرييل غارسيا ماركيز سجلَّ أييندي في تشيلي، وعلاقاتِ منافسيه مع الولايات المتّحدة وصعود خَلَفِه: الجنرال أوغوستو بينوشيه.

أييندي محروسًا بعدد من الجنود أثناء مغادرته قصر لا مونيدا أثناء الانقلاب.
أييندي محروسًا بعدد من الجنود أثناء مغادرته قصر لا مونيدا أثناء الانقلاب.

كان ذلك في أواخر عام 1969، حين تناول ثلاثةُ جنرالات من البنتاغون العشاء مع خمسة ضبّاطٍ عسكريين تشيليين في منزلٍ في إحدى ضواحي واشنطن. كان المُضيفُ هو العقيد الرّكن «غيراردو لوبيز أنغولو»، الملحق الجوّي المساعد لـ«البعثة العسكرية التشيلية للولايات المتحدة»، وأمّا الزّوار التشيليون فقد كانوا زملاءه من أفرعٍ أخرى للخدمة العسكرية. كان العشاء على شرف المدير الجديد لأكاديمية القوّات الجوّية التشيلية، الجنيرال «كارلوس تورو مازوتي»، الّذي وصل لواشنطن قبل ذلك بيومٍ في بعثة دراسيّة. تضمّن عشاء الضّباط الثمانية سَلطة فواكه، ولحمَ عجلٍ مشويّ مع بازلاء وشربوا أنواعَ نبيذٍ حنّوا إليها أتت من وطنهم البعيد جنوبًا، حيث تألّقت الطيور على الشواطئ بينما غرقت واشنطن في الثلوج، وتحدّثوا غالبًا بالإنجليزية حول أمرٍ بدى أنّه شَغَلَ جُلَّ اهتمامِ التشيليين في تلك الأيام: الانتخابات الرِئاسية المقترِبة في سبتمبر المقبل. وأثناء تناولهم الحلوى، سأل أحدُ جنرالات البنتاغون عمّا سيفعله الجيشُ التشيلي في حال فاز مرشّح اليسار – أي، شخصٌ مثل سالفادور أييندي – في الانتخابات. أجابه الجنيرال تورو مازوتي: «سنستولي على “قصر مونيدا” في نصف ساعة، حتى لو اضطررنا لإحراقه بالكامل».

كان أحدُ الزّوار هو الجنيرال «إيرنيستو بايزا»، وهو الآن مدير الأمن القومي في تشيلي، هو من قاد الهجوم على القصر الرئاسي أثناء الانقلاب في سبتمبر الماضي وأعطى أمرًا بإحراقه. حقّقَ اثنانِ من أتباعه في تلك الأيّام الأولية شُهرةً في تلك العملية ذاتها: الجنيرال «أوغوستو بينوشيه»، وهو رئيس المجلس العسكري الحاكم (military junta)، والجنيرال «خافيير بالاسيوس». وكان على الطاولة أيضًا عميد القوات الجوّية «سيرجيو فيغوروا غوتيريز» وهو الآن وزير الأعمال العامة وصديقٌ مقرّب لعضوٍ آخر في المجلس العسكري، جنيرال القوّات الجوية «غوستافو ليه»، وهو من أمرَ بقصف القصر الرئاسي. وآخر الزّوار كان الأميرال «أرتورو ترونكوسو» وهو الآن الحاكم البحري لـ«فالبارايسو»، وهو من نفّذ حملة التطهير الدمويّة لضبّاط البحرية التقدميين وكان أحد من أطلقوا الانقلاب العسكريّ ليوم 11 سبتمبر.

كان ذلك العشاء لقاءً تاريخيًا ما بين البنتاغون وضبّاط الخدمة العسكرية التشيلية ذوي الرُتَب العالية. وأثناء لقاءاتٍ لاحقة تبعته، في واشنطن وسانتياغو، تمّ التوافُق على خطّة للحالات الطارئة، وحسب تلك الخطّة سيستولي أولئك الرجال العسكريون التشيليون – المرتبطون بشدّة، قلبًا وروحًا، بالمصالح الأمريكية – على السلطة في حال انتصر ائتلاف «الوحدة الشعبية» بقيادة أييندي في الانتخابات.

صيغت تلك الخطّة بدمٍّ بارِد، كمجرّد عمليّةٍ عسكريّة، ولم تكن نتيجةَ ضغطٍ مِنْ قِبَل شركة «الهاتف والتليغراف الدولية». فما ولّدَ ذلك كان أسبابًا أكثر عُمقًا في السياسات العالمية. على الجانب الأمريكي الشمالي، كانت المنظّمة التي بدأت بتحريك العملية هي وكالة الاستخبارات الدفاعية التابعة للبنتاغون ولكن مَن أدارها بالفعل هي وكالة الاستخبارات البحرية، الخاضعة للإدارة السياسية لوكالة الاستخبارات المركزية ومجلس الأمن القومي. وقد كان من الطبيعي جدًا أن تُوكَّل البحرية – وليس الجيش – بإدارة المشروع، فالانقلاب التشيلي كان سيتزامن مع عمليّة «يونيتاس» (UNITAS)، وهو المُسمّى الذي أُطلِق على مناورات مشتركة ما بين وحدات بحرية أمريكيّة وتشيلية في المحيط الهادي. هذه المناورات كانت تُعقَد في نهاية كلِّ شهر سبتمبر، وهو الشهر ذاته التي تُجرى فيه الانتخابات، وظهورُ كلِّ أنواع المعدات الحربية والرّجال المتدرِّبين جيّدًا في جميع فنون وعلومِ الموت على أراضي وأفُقُ تشيلي كان أمرًا طبيعيًا.

خلال تلك الفترة، قال هنري كسنجر في اجتماعٍ خاص مع مجموعة تشيليين: «لستُ مُهتمًا ولا أعلم أيَّ شيءٍ عن الجُزءِ الجنوبيّ من العالم، من جبال البيرينيه فنازِلًا». وبحلولِ ذلك الوقت، تمّ الانتهاء من خطة الطوارئ حتّى أدقِّ التفاصيل ومن المستحيل أن نفترض أنّ كيسنجر أو الرئيس نيكسون نفسه لم يكن على درايةٍ بها.

تشيلي بلادٌ ضيّقةٌ، فطولها حواليّ 4280 كيلومتر ومتوسّط عرضها 191 كيلومتر[*]، وبعدد سكّانٍ فائض قدرُه عشرة ملايين، مِنهم حوالي ثلاثة ملايين تقريبًا يعيشون في المنطقة المتروبولية سانتياغو، وهي العاصمة. لا تكمن عظمة هذه البلاد في عددِ الحسنات التي تمتلِكُها، وإنّما في خصوصيّاتِها العديدة. فالشيء الوحيد الذي تُنتِجه بجدّيةٍ حقيقيّة هو خامُ النّحاس، ولكنّ ذلك الخام هو الأفضل في العالم وكمّية إنتاجه لا تتجاوزها إلّا الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي. تُنتِج تشيلي نبيذًا أيضًا، جودته تماثِلُ الأنواع الأوروبية ولكنّ أغلبه لا يُصدَّر. أمّا الناتج القومي للفرد وقدره 650$، فهو من ضمن الأعلى في أمريكا اللاتينية، ولكن – كالمعتاد – فنصف إجمالي الناتج المحلي يملكه أقلّ من 300 ألف شخص.

في عام 1932، أصبحت تشيلي أوّلَ جمهوريةٍ اشتراكية في الأمريكيّتين ومع دعمِ العمّال الحماسيّ، حاولت الحكومة تأميمَ كلٍ من النحاس والفحم. لم تستمرّ تلك التجربة أكثر من 13 يومًا. يمرّ على تشيلي هزّات أرضيّة بمعدّل واحدة كلّ يومين وزلزالٌ مدمِّر كلّ ولايةٍ رئاسية. فأقلّ الجيولوجيين تشاؤمًا لا ينظرون لتشيلي كبلادٍ على اليابسة بل كشريطٍ على طرف جبال الأنديز واقعٌ في بحر، ويعتقدون أنّ أراضيها الوطنية بِمُجملها محتمٌ لها أن تختفي في طوفان مستقبليٍّ ما.

والتشيليون يشابهون بِلادهم كثيرًا على نحوٍ ما. فهم أكثر شعوبِ القارّة لُطفًا، وهم يحبّون الحياة ويعرفون كيف يعيشون بأفضل الطُرُق بل وأكثر من ذلك بقليل؛ ولكن لديهم نزعةٌ خطيرة تجاه التشكيكيّة والتكهّنات الفكرية.

قال لي تشيليٌ مرةً في يومِ الإثنين: «ليس هنالك تشيلي يعتقد أنّ غدًا يومُ الثلاثاء»، وهو أيضًا لم يعتقد بذلك. على الرّغم من ذلك، وحتى مع هذه الشّكوكيّة المتجذّرة – أو لربما بفضلها – فالتشيليون اكتسبوا درجةً من الحضارة الطبيعية، والنضوج السياسي ومستوىً من الثّقافة ميّزهم عن باقي أجزاء المنطقة. فمن ثلاثِ جوائز نوبل للآداب حازت عليها أمريكا اللاتينية، اثنتان كانتا لتشيلي، وأحد الحاصلين عليها – وهو بابلو نيرودا – كان أعظم شاعرٍ لهذا القرن. لربما عَلِمَ كيسنجر بذلك حين قال أنّه لا يعلم شيئًا عن الجانب الجنوبيّ من العالم. على كلٍ، علِمَت أجهزة الاستخبارات الأمريكيّة أكثر مِنْ ذلك بكثير. ففي عام 1965، وبدون أخذ تصريحٍ من الحكومة التشيليّة، أصبحت البلاد مركز انطلاقٍ وموقع تجنيدٍ لعمليّةِ تجسّسٍ سياسيٍّ واجتماعيٍّ مريعة، ألا وهي «مشروع كاميلوت». كان الغرض مِنها أن تكون تحقيقًا سريًا يحتوي على استطلاعاتٍ دقيقة موجّهة للناس من كلّ المستويات الاجتماعية وكلّ الوظائف والحِرف، حتّى في المناطق النائية لعددٍ من أمم أمريكا اللاتينية، وكان ذلك بهدف تقييم مستوى التطوّر السياسي والتوجّهات الاجتماعية للفئات الاجتماعية المتنوّعة بطريقةٍ علميّة. والاستطلاعات التي وُجِّهت للجيش احتوت السؤال ذاته الذي سيسمعه الضبّاط التشيليّون مرّةً أخرى أثناء عشاءٍ في واشنطن: ماذا سيكون موفقهم في حال أمسكت الشيوعية بزمام السلطة؟ لقد كان استعلامًا غريبًا.

كانت تشيلي لفترةٍ طويلة منطقةً مفضّلة للبحث مِنْ قِبل الباحثين الاجتماعيين من أمريكا الشمالية، فعمرُ وقوّة حركاتها الشعبية، وإصرار وذكاء قياداتها والأوضاع الاقتصادية والاجتماعيّة قدّمت لمحة عن مصير البلاد. فلا يحتاج المرء للنظر لنتائج «مشروع كاميلوت» ليجرؤ بالقول بأنّ تشيلي مرشّحٌ رئيسيّ لتكون الجمهورية الاشتراكية الثانية في أمريكا اللاتينية بعد كوبا. لم يكن هدفُ الولايات المتحدة ببساطة إذًا أن تمنع حكومة يقودها أييندي من الإمساك بزمام السلطة بغرضِ حماية الاستثمارات الأمريكيّة، إنمّا هدفها الأوسع كان تكرار أكثر العلميّات التي نجحت الإمبريالية في تنفيذها في أمريكا اللاتينيّة إثمارًا، وهي البرازيل.

في يوم الرابع من سبتمبر لعام 1970، وكما كان متوقعًا، فاز الطبيب الاشتراكيّ الماسوني أييندي برئاسة الجمهوريّة، ولكنّ خُطّة الطوارئ لم تُطبّق، وأكثر التفسيرات شيوعيًا لما جرى هي أكثرها سُخفًا: يُزعَم أنّ شخصًا ما من البنتاغون ارتكب خطأً حيثُ طلب 200 تأشيرة من أجل ما زُعِمَ أنّها جوقة من جهاز البحريّة، والتي تكوّنت واقِعًا من أخصّائيين في إسقاط الحكومات، ولكن كان من ضمنها عدّة أدميرالاتٍ ليس بإمكانهم غناءُ نوتة موسيقيّة واحدة حتّى. هذه الزّلة، كما يُفتَرَض، أدّت لتأجيل المغامرة. ولكنّ الحقيقةُ هي أنّ المشروع تمّ تقييمه بِعُمق: شعرت وكالاتٌ أمريكيّة أخرى – بالخصوص الاستخبارات المركزيّة والسفير الأمريكي لتشيلي – أنّ خطة الطوارئ اختُزِلَت بشدّة في الجانب العسكريّ ولم تضع الأوضاع السياسية والاجتماعية في تشيلي بعين الاعتبار.

بالفعل، فانتصار «الوحدة الشعبيّة» لم يجلب هرعًا اجتماعيًا كما توقّعت الاستخبارات الأمريكيّة، بل على العكس تمامًا، فاستقلاليّة الحكومة الجديدة في العلاقات الدوليّة وحسمها في المسائل الاقتصاديّة عاجلًا ما خلق مناخًا من الاحتفال الاجتماعي.

فخلال عامها الأوّل، قامت بتأميم 47 شركة صناعيّة، ومعهم أغلب النظام البنكيّ. أمّا الإصلاح الزراعيّ فقد شهد مصادرةً لستّة ملايين فدّان من الأراضي المملوكة مِن مُلّاك الأراضي الكبار وإلحاقها بالممتلكات المشاعة. تمّ إبطاء عمليّة التضخّم، وتمّ تحقيق توظيفٍ كامل وتلقّت الأجور ارتفاعًا نقديًا بنسبة 30 بالمئة.

تأميم النّحاس بأكمله

بدأت الحكومة السابقة – بقيادة «الحزب المسيحي الديموقراطي» ورئاسة «إدواردو فري» – باتّخاذ خطواتٍ تجاه تأميم النحاس، مع أنّه أطلق عليها مسمّى «تشيلَنة»[†] (Chileanisation). كان مختصر ما عمِلت به الخطّة هو شراء 51 بالمئة من الممتلكات التعدين المملوكة مِنْ قِبل الولايات المتحدة، ومن أجل «تشيلَنة» منجم «إل تينيينتي» وَحْده، دفَعَت الحكومة ما يعادل أكثر من القيمة الدفترية لتلك المنشأة بأكملها.

استعاد ائتلاف «الوحدة الشعبيّة» – بعملٍ قانونيٍّ واحد دعمه الكونغرس التشيليّ المكوّنة من جميع الأحزاب الشعبية في البلاد – كُلَّ احتياطاتِ النحاس في البلاد المُشغَّلة مِنْ قِبل كلّ الشركات التابعة للشركتين الأمريكيّتين «أناكوندا» و«كينيكوت»، وقام بذلك دون أيّ تعويض، حيث بيّنَت حساباتُ الحكومة أنّ الشركتين حقّقتا فائض أرباحٍ قدرُه 800 مليون دولار خلال خمسة عشر عامًا.

بدأت كلٌ من البرجوازية الصغيرة والطبقة الوسطى – وهما القوّتان الاجتماعيّتان الّذي كان من المُحتمَل أن تدعما انقلابًا عسكريًا – بالاستمتاع بامتيازاتٍ لم يتوقّعوها، ولكن ليس على حساب الطّبقة الكادحة، إنّما على حساب الأوليغاركيّة الماليّة وأصحاب رؤوس الأموال الأجنبيّة. والقوّات المُسلّحة، كفئة اجتماعيّة، لديها نفس أصول وطموحات الطبقة الوسطى، ولذلك لم يكن لديهم أيّ حافزٍ أو حتّى عذرٌ لدعمِ مجموعةٍ صغيرة من الضّباط الراغبين بانقلاب. أمّا «الديموقراطيّون المسيحيّون» – لإدراكهم هذا الواقع – لم يقوموا فقط بعدم دعم مؤامرة الثكنات في ذلك الوقت بل عارضوها بحزم لعلمهم أنّها لم تحظى بشعبيّة حتى داخل أعضاء حزبهم العاديين.

كانَ هدفُهم مُختلفًا: أن يستخدموا أيّ وسيلةٍ ممكنة لإعاقة نشاط الحكومة بشكلٍ صحّي مِنْ أجل أن يكسبوا ثلثيّ مقاعد الكونغرس في انتخابات مارس 1973، حيث يمكّنهم امتلاك أغلبيّةٍ كهذه بالتّصويت مِن أجل إزاحة دستوريّة لرئيس الجمهوريّة مِن منصِبه.

يشكّل حزب الديموقراطيين المسيحيين منظّمةً ضخمة تمرّ عبر الاصطفافات الطبقيّة ولديها قاعدة شعبيّة أصيلة ضِمن الطبقة الكادحة الصناعية الحديثة، ومُلّاك الأراضي الريفيّة الصغيرة ومتوسطة الحجم، والبرجوازية الصغيرة والطبقة المتوسطة الحضريّة. أمّا «الوحدة الشعبيّة»، بينما هي أيضًا كانت عابرة للطبقات في مكوّنها الشعبيّ، فقد كانت تعبيرًا لصوت الطبقة الكادحة الأقلّ حظًا – ألا وهي الطبقة الكادحة الزراعية – والطبقة المتوسّطة الدنيا الحضريّة.

تحكّم الديموقراطيون المسيحيّون، في تحالفهم مع «الحزب الوطني» اليمينيّ المتطرّف، بالكونغرس وبالمحاكم، بينما تحكّم ائتلاف الوحدة الشعبيّة بالسلطة التنفيذية. هذا الاستقطاب بين هذه الأحزاب أصبح في الواقع استقطابًا في البلاد. اللافِت للنظر هو أنّ إدواردو فري الكاثوليكي، الذي لا يؤمن بالماركسيّة، هو أفضل من استغلّ الصراع الطبقيّ، وهو من حفّزه وأوصله للحظة حسمٍ، بهدف الإخلال من توازن الحكومة وإقحام البلاد في هاوية الهوان والكوارث الاقتصاديّة.

وقام الحصار الاقتصاديّ الذي فرضته الولايات المتّحدة – بسبب المصادرة بدون تعويض – بالبقيّة. كلّ أنواع البضائع المُنتجة في تشيلي، من السّيارات وحتى معجون الأسنان، باستثناء هذه القاعدة الصناعية، لها هويّة زائفة: في أهمّ مئة وستّين شركة تشيليّة، ستّون بالمئة من رأس المال كان أجنبيًا وثمانون بالمئة من المواد الأساسيّة أتت من الخارج. بالإضافة لذلك، احتاجت البلاد 300 مليون دولار سنويًا من أجل استيراد البضائع الاستهلاكية و450 مليون دولار أخرى من أجل دفع الفوائد على دَينها الخارجي.

ولكنّ حاجات تشيلي الضروريّة كانت غير اعتياديّة وكانت أعمق من ذلك بكثير. أمّا السّيدات البرجوازيّات الظريفات، تحت ذريعة التظاهر ضدّ تحصيص المؤن الغذائيّة وتصاعد التضخّم ومطالب الفقراء، قمن بالخروج للشّوارع وقرع قدورهنّ ومقاليهنّ احتجاجًا. ولم يكن ذلك صُدفةً أبدًا، بل على العكس تمامًا، فقد كان من المهمّ جدًا أنّ مشهدَ تظاهرةِ تلك النسوة المُسنِّات الحسناوات، بقبّعاتهنّ المزهّرة وشُعورِهنَّ المَشْيبة، حصل في الظهيرةِ ذاتها التّي أنهى فيها فيديل كاسترو زيارته التي استمرّت شهرًا كاملًا وأحدثت زلزالًا من التحشيد الاجتماعيّ لمؤيّدي الحكومة.

بذرةُ الدّمار

أدرك الرئيس أييندي حينها – وقال أيضًا – أنّ الناس امتلكوا الحكومة ولكنّهم لم يمتلكوا السّلطة. كانت تلك العبارةُ أكثرَ مرارةً مما بدت عليه وكانت أيضًا أكثر إقلاقًا، وذلك لكون أييندي حمَلَ في داخِله جرثومةً «شرعويّة»[‡] (legalism) حملت بذرة دمارِه هو ذاته: فلكونِهِ رجلًا مستعدٌّ للموت من أجل الدفاع عن التشريعات والقوانين، كان بإمكانه أن يخرج من قصر «لامونيدا» منتصب الظّهر لو أنّ الكونغرس أزاحه عن السّلطة ضمن حدود الدّستور.

حين زارته الصحفيّة والسياسيّة الإيطاليّة روزانا روزاندا في تلك الفترة، وجدت فيه رجلًا مُسِنًّا ومشدود الأعصاب، ومليئًا بهواجسٍ كئيبة، أثناء حديثه معها جالسًا على الأريكة ذات القماش الأصفر ذاتها التي اضطجع عليها، عقب سبعة أشهر، جسدهُ المُمزّق بالرّصاص، ووجهُه المسحوق بِكَعبِ بُندقيّة. حينها، في عشيّة انتخابات مارس 1973، حيث كان مصيرُه فيها على المحكّ، كان سيقنَعُ لو ذهبت 36 بالمئة من الأصوات لحزب الوحدة الشّعبية. ومع ذلك، وعلى الرّغم من التضخّم المتسارع، وتحصيص المؤن الغذائيّة الصّارم وحفلات القدور والمقالي الغنائيّة للزّوجات المرحات من مناطق الطبقات العليا، فقد حصل أييندي على 44 بالمئة من الأصوات. لقد كان ذلك انتصارًا مُبهِرًا وحاسمًا لدرجة أنّه حين كان أييندي وحيدًا في مكتبه مع صديقه وكاتم سرّه، الصّحفي أوغوستو أوليفاريس، أغلق أييندي باب المكتب ورَقَص «الكويكا» لِوَحده.

بالنسبة للديموقراطيين المسيحيين، كان ذلك دليلًا على كون عمليّة العدالة الاجتماعية التي أطلقها ائتلاف الوحدة الشعبيّة لا يمكن عكسها باستخدامِ طُرقٍ قانونيّة، ولكنّهم افتقروا للبصيرة التّي تمكّنهم من قياس تبعات الأفعال التي ارتكبوها. أمّا بالنسبة للولايات المتّحدة، فالانتخابات تلك كانت تحذيرًا أكثرَ خطورة وتجاوزًا للمصالح السطحيّة للشركات المُستحوَذ عليها. كانت تِلْكَ سابقةً غير مقبولة لتقدّمٍ سلميٍّ وتغيّرٍ اجتماعيّ يُحتذى بها من قِبل شعوبِ العالم، بالخصوص أولئك في فرنسا وإيطاليا، حيث أتاحت الأوضاع محاولةَ القيام بتجربة على غرار تجربة تشيلي. اجتمعت أعقاب ذلك كلّ قوى الرّجعية، الداخليّة والخارجيّة، لتشكّل كُتلةً مُتراصّة.

الاستخبارات المركزيّة الأمريكية مَوّلَت الضربة القاضية

شَكّل إضرابُ مُلّاك الشّاحنات الضربة القاضية. بسبب جغرافيا البلاد الغريبة، فاقتصادُ تشيلي يقع تحت رحمة قطاع النّقل، فلأجل شلّ حركة البلاد ما عليك إلّا شلّ حركة الشاحنات. وكان من السّهل على المعارضة أن تنسّق الإضراب، وذلك لأنّ نقابة سائقي الشّاحنات كانت أكثر المجموعاتِ تأثُّرًا بشحّ قطع الغيار، وبالإضافة لذلك، وجدت النّقابة نفسها مُهدّدةً مِنْ قبل برنامج الحكومة التجريبيّ الصغير المُعتزِم على توفير خدمات نقل بالشّاحنات ملائمة لأقصى جنوب البلاد. استمرّ الإضراب حتّى النهاية بدون لحظة راحةٍ واحدة وذلك لأنّه مُوِّلَ من الخارج. «أمطرت وكالة الاستخباراتُ المركزية البلاد بالدولارات لدعم إضراب الرؤساء هذا و…وجد رأسُ المال الأجنبي طريقةً لتكوين سوقٍ سوداء»، كتب ذلك بابلو نيرودا لصديقً له في أوروبا. وقبل أسبوعٍ من الانقلاب، نفد الزيت والحليب والخبز من البلاد.

وأثناء آخر أيّام «الوحدة الشعبية»، حيث انهار الاقتصاد وكانت البلاد على وشك الدّخول في حربٍ أهلية، تمركزت مناورات كلٍ من الحكومة والمعارضة على أملِ تغيير توازن القوّة في القوّات المسلّحة لصالحٍ أحدهما. كان التحرّك الأخير هذيانيًا في كمالِه: قبل 48 ساعة من الانقلاب، تمكّنت المعارضة من تنحية كلّ الضّباط ذوي الرّتب العالية المؤيّدين لأييندي، وأن يعيّنوا مكانهم – واحدًا تِلوَ الآخر، في سلسلةٍ من المناورات التي لا يمكن تخيّلها – كُلّ الضباط الذين حضروا ذلك العشاء في واشنطن.

ولكن في تلك اللحظة، خرجت لعبة الشطرنج تلك عن سيطرة لاعبيها، تجرُّهم جدليّةٌ لا رجعة فيها، حيث أصبحوا هم أنفسهم بيادِقًا في لعبةِ شطرنجٍ أكبر بكثير، لعبةٌ أكثر تعقيدًا بكثير وأهميّتُها السّياسيّة أكبر من مجرّد مخطّطٍ حِيكَ بتنسيقٍ ما بين الإمبريالية والقوى الرجعية ضدّ حكومة الشّعب. بل كانت مواجهةً طبقيّةً مُروّعة خرجت من أيدي أولئك الذين حثّوا عليها، تدافُعًا وحشيًا وشرِسًا ما بين مصالحٍ متضادة، والنّتيجة النهائية وَجَبَ أن تكون كارثةً اجتماعيّة لا سابقةَ لها في تاريخ الأمريكيّتين.

لن يحصُلَ انقلابٌ عسكريّ، تحت هذه الأوضاع، بدونِ دِماء. أدرك أييندي ذلك، فالقوّات المسلّحة التشيليّة تدخّلت في السياسة – على عكس ما دُعينا لتصديقه – كُلّما بدى أنّ مصالحهم الطبقيّة مُهدّدة وقد نفّذوا ذلك بقمعٍ وحشيٍّ مُفرط. فالدستوران اللذان مرّا على تشيلي خلال المئة عامٍ الماضية تمّ فرضُهما بقوّة السلاح، وأمّا الانقلاب العسكريّ الأخير فقد كان سادس تمرّدٍ خلال فترة خمسين عامًا.

تعطّشُ الجيش التشيليّ للدّماء هو جزءٌ من طبيعة ولادته، فقد نشأ مِنْ فظاعة مدرسة القتال بالأيدي مع الهنود الأروكانيين، وهو صراعٌ امتدّ لثلاث مئة عام. وأحدُ رُوّاد هذه المدرسة تفاخر في عام 1620 بأنّه قتل أكثر من ألفيّ شخصٍ بيديه العاريتين أثناء عمليّةٍ واحدة. ذَكَر «خواكين إدواردس بيلو» في سجلّاته أنّه أثناء وباءٍ للحمى النمشيّة، قام الجيش بجرّ المرضى من منازلهم وقتلهم في حمّامِ سُمٍّ من أجل إنهاء الوباء. وأثناء حربٍ أهليّة استمرّت سبعة أشهرٍ في عام 1891، مات 10 آلافِ شخصٍ في سلسلة مواجهاتٍ دمويّة. يُصرُّ البيروفيّون (مواطنو بيرو) أنّه أثناء احتلال «ليما» في حربِ المحيط الهادي، أنّ الجنود التشيليّين سلبوا مكتبة «دون ريكاردو بالما»، حيث أخذوا الكتب لكن ليس لقراءتها، بل من أجل تنظيف مؤخّراتهم.

تاريخٌ للوحشيّة

تمّ قمعُ الحركات الشعبيّة بالوحشيّةِ ذاتها. فبعد زلزال «فالبارايسو» لعام 1907، قامت قوّات البحريّة بذبح أعضاء منظّمة عمّال الميناء المكوّنة من 8 آلاف عامل. وفي «إيكيكي»، مع بداية القرن، حاول المُضرِبون المتظاهرون بأن يتحصّنوا مِنْ هجمة الجنود وتمّ ضربهم برصاص الأسلحة الرّشاشة، وخلال عشر دقائق، تمّ قتل ألفيّ شخص. وفي الثاني من أبريل لعام 1957، أنهى الجيش اضطرابًا مدنيًّا في المنطقة التجارية من سانتياغو وعدُد الضحايا لم يتمّ تحديده أبدًا لأنّ الحكومة أخفت الجُثث. وأثناء إضرابٍ في منجم «إل سالفادور» أثناء حكومة إدواردو فري، قامت دوريّة عسكريّة بإطلاق النّار على مظاهرة لأجل تفريقها وقتلت ستّة أشخاص، من ضمنهم بعض الأطفال وامرأةٌ حامل. وكان قائد تلك الفرقة جنرالٌ غامض عمره اثنان وخمسون عامًا، وهو أبٌ له خمس أبناء ومدرّسُ جغرافيا ومؤلّفٌ لعدّة كتبٍ عن موضوعاتٍ عسكريّة، اسمُه أوغوستو بينوشيه.

أمّا خرافة شرعويّة ولطافة هذا الجيش الوحشيّ فقد تمّ اختراعُها مِنْ قِبَل البرجوازية التشيليّة لخدمةِ مصالحهم. وأبقت عليها «الوحدة الشعبيّة» على أمل تغيير التكوين الطبقيّ لكوادر الجيش ذوي الرُتب العالية لصالحها. ولكنّ أييندي أحسّ بأمانٍ أكثر تحت حماية الـ«كارابينيروس»[§]، وهي قواتٌ مُسلّحة كانت شعبيّةً وأصولها تعود للمزارعين، وكانت تحت القيادة المباشِرة لرئيس الجمهوريّة. بالفعل، اضطّرت الطغمة العسكريّة للنزول ستّ رتباتٍ على سُلّم القيادة لإيجاد ضابطٍ عالي الرّتبة من الـ«كارابينيروس» مستعد لدعم الانقلاب. أمّا ضبّاطُها الشباب فقد غرزوا أنفسهم في مدرسة صغار الضّباط في سانتياغو وصمدوا لأربعة أيّام حتى تمّ قتلُهم.

وكانت تِلك أشهر معركةٍ مِنْ الحرب السّرية التي نشبت داخل الثكنات العسكريّة عشيّةَ الانقلاب، حيث أنَّ الضُبّاط الذين رفضوا دعم الانقلاب وأولئك الذين فشلوا في تنفيذ أوامر القمع تمّ قتلُهم من غير شفقة. فقد تمرّدت كتائبُ كاملة، في كلٍ من سانتياغو وغيرها من المناطق، وتمّ قمعهم من غير رحمة، حيث ذُبِحَت قياداتهم ليكون ذلك درسًا للجنود. وقائد الوحدات المدرّعة في «فينيا ديل مار»، الكولونيل كانتوارياس، قتله أتباعُه بسلاحٍ رشّاش.

سيمرُّ وقتٌ طويل حتى نعرف عدَدَ قتلى تلك المذبحة الداخلية، وذلك لأنّ الجُثث تمّت إزالتها من الثكنات العسكريّة في سيّارات قمامة وتمّ دفنها سرًا. إجمالًا، لم يكن بالإمكان الثقة إلّا بخمسين ضابط ذو رتبةٍ عالية ليقودوا الجنود الذي تمّ تطهيرُهم مسبقًا.

دور العملاء الأجانب

يتوجب تجميع قصة المؤامرة من عدة مصادر، بعضها موثوق والبعض الآخر لا. يبدو أن عددًا غير معروفًا من العملاء الأجانب شاركوا في الانقلاب. تخبرنا مصادر سريّة في تشيلي أنّ تفجير قصر «لا مونيدا» – قصرٌ أذهلت دِقّتُه الفنية الخبراء –كان قد جرى تنفيذُه على أيدي فريق من الطّيارين الأمريكيين دخلوا البلد تحت غطاء العملية «يونيتاس» للمشاركة في تأدية العرض الجوي في الثامن عشر من سبتمبر القادم، اليوم الوطني لاستقلال تشيلي. ثبت أيضًا أنّ أعضاءً عديدين من قوّات الشرطة السريّة من الدُول المجاورة تم إدخالهم عبر الحدود البوليفيّة، وظلوا مختبئين حتى يوم الانقلاب، حيث أطلقوا العنان لاضطهادهم الدمويّ على اللاّجئين السياسيين من دولٍ أخرى في أمريكا اللاتينيّة.

البرازيل، مَوْطن العصابات الرئيسي، تولّت قيادة هذه الخدمات. قبل سنتين، قدمت البرازيل رّشواتٍ لتنفيذ الانقلاب الرّجعي في بوليفيا، الأمر الذي عنى خسارة دعم جسيم لتشيلي وتسهيل تسلّل كافة أنواع ووسائل التخريب. جزءٌ من القروض التي أُعطيت للبرازيل من قِبَل الولايات المتّحدة كانت تُحوّل سريًا إلى بوليفيا لتمويل عمليات التخريب في تشيلي. وفي 1972، قامت مجموعة استشارية من الجيش الأمريكي برحلة لـ«لا باز» لم يُعلَن عن هدفها. ربما كانت فقط مُصادفة ولكن بعد فترة قصيرة من تلك الزيارة، حدثت تحرّكات لمُعدّات وجنودٍ على الحدود مع تشيلي مُعطية الجيش التشيلي فرصةً أخرى لتعزيز موقعه الداخليّ والقيام بنقل الكوادر والترقيات في سلسلة القيادة لمصلحة الانقلاب المحدق.

في الأخير، في الحادي عشر من سبتمبر، بينما كانت العملية «يونيتاز» مُستمرة، تمّ تنفيذُ الخطة التي رسمت في عشاء في واشنطن، مُتأخّرةً ثلاث سنوات، ولكن كما تصوّروها بدقة: ليس كانقلاب ثكناتٍ تقليديّ، إنّما كعمليةِ حربٍ مدمرة.

توجّب لها أن تكون كذلك، لأنها لم تكن مجرّدَ مسألةِ إسقاطِ نظام وإنّما مسألة زرع البُذورِ المُظلِمة ظلامَ الجحيم، تِلكَ البذور التي جُلبت مِنَ البرازيل، حتى لا يبقى أثرٌ في تشيلي لتلك البُنية السياسيّة والاجتماعيّة التي جعلت من وجود «الوحدة الشعبيّة» أمرًا ممكنًا. ولسوء الحظ، لم تكن تِلكَ إلّا بداياتِ المرحلة الأقسى.

في تلك المعركة الأخير، بينما كانت البلاد تحت رحمة قوى التخريب غير المتوقعة والفوضويّة، كان أييندي محكومًا بالالتزام القانونيّ. كان أشدُّ التناقضاتِ في حياته هو كونه العدوّ الطبيعي للعنف وثوريًا شغوفًا في الوقتِ نفسه. كان يعتقد أنه قد حلَّ ذلك التناقض بافتراضِ أنّ الظروف في تشيلي ستسمح بتطورٍ طبيعيّ للاشتراكية تحت المنظومة القانونية البرجوازية. لم تعلِّمهُ التجربة إلّا متأخرًا جدًا أنه من غير الإمكان تغيير نظامٍ ما عن طريق حكومة لا تملك قوّة.

هذا الإدراكُ المتأخر كان بالتّأكيد القوّةَ التي دَفَعَتهُ لمقاومةِ المّوت، مدافعًا عن الحُطام المُشتعل لبيتٍ لم يكن بَيْتَه، قصرٌ كئيب كان قد بناه معماريٌ إيطالي ليكون دارًا لصكّ النقود وانتهى به الأمر كملجأٍ للرؤساء بدون سلطة. قاومَ لستِّ ساعات برشاشٍ شبه أتوماتيكي أعطاه إياه كاسترو وكان السِلاح الأوّل والأخير الذي قام بإطلاقه أييندي في حياته.

في حواليّ الساعة الرابعة من ذلك المساء، تمكّن اللواء خافيير بالاسيوس من الوصول للطابق الثاني مع مُساعده، العقيد غالاردو، ومجموعة من الضّباط. هناك، وسط الكراسي المزيّفة للويس الخامس العشر، وزهريّات التنين الصيني ورسومات روغينداز في البهو الأحمر، كان أييندي بانتظارهم. بقمصيه فقط، كان يرتدي خوذة عامل منجم وبدون ربطة عنق، وملابسه ملطخةٌ بالدماء. كان ممسكًا بالرشاش الشبه أوتوماتيكي وكادت ذخيرته أن تنفذ.

كان أييندي يعرف اللواء بالاسيوس جيدًا. قبل ذلك بعدة أيام، كان قد أخبر أوغوستو أولفاريز أنّ هذا الشخص خطيرٌ وله اتّصالات مع السفارة الأمريكية. مجرد أن رآه على الدّرج، صرخ أييندي فيه: «خائن!» وأطلق عليه، وأصابه في يده.

قاتَلَ حتى النهاية

طبقًا لرواية شاهد عيان طلب مني عدم الإخبار باسمه، ماتّ الرئيس في تبادل للنار مع تلك العصابة. بعد ذلك أطلق كل الضّباط الآخرين، في طقس مرتبط بنظامٍ طبقيّ، بالإطلاق على الجثة. أخيرًا، قام ضابطٌ غير منتدب بسحق وجهه بكعبِ بندقيّته.

توجد صورة التقطها خوان إنريكي ليرا، مُصوّرٌ لصحيفة «إل ميركوريو». كان الشّخص الوحيد الذي سمح له بتصوير الجثة. كانت الجّثة مشوهة لدرجة أنهم عندما عرضوا الجثّة في كفنها لزوجته السّيدة أورتينسيا أييندي، لم يَدَعُوهَا تكشف عن وجهه.

كان سيبلغ من العمر ٦٤ سنة في يوليو القادم. أعظم فضائله كانت إتمام الأمور، لكن لم يمنحه له القدر سوى تلك العظمة النادرة والتراجيدية، إذ ماتَ في مفارقةٍ تاريخية في دفاعٍ مسلح عن القانون البرجوازي، دفاعٌ عن المحكمة العليا التي تنصّلت منه وشرعنت قاتليه، دفاعٌ عن مجلس شيوخٍ بائس أعلن كَونَه رئيسًا غير شرعيٍّ ومِنَ ثمَّ رَكع متواطئًا أمام إرادة المُغتصِبِين، دفاعٌ عن حرية الأحزاب المُعارِضة التي باعت أرواحها للفاشيّة، دفاعٌ عن الأدوات المعثوثة لنظامٍ سيء اقتَرَح هوَ إلغاءه ولكن بدونِ إطلاق رصاصة واحدة.

الدراما تلك حدثت في تشيلي، لحسرة التشيليين الأكبر، ولكنّها ستمرّ في التاريخ كشيءٍ حدث لنا – أطفالُ هذا الزمن – جميعًا، وستظلّ في حيواتنا للأبد.

المصدر: نيو ستيتمان

———

ملاحظات المترجم:

[*]يستخدم الكاتب الأميال، تمّ تحويلها للكيلومترات.

[†]تشيلَنة: أي تحويلها إلى شركات تشيليّة.

[‡]الشرعويّة: التقيّد التّام بالقوانين.

[§]كارابينيروس (Carabineros) أو «القربينيّون» هي قوات الشرطة الوطنيّة في تشيلي. اسمهم مُشتقّ من بندقيّة «القربينة» (carbine)

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s