الدولة ومسألة الأمن القومي

لماذا تعني سياسات الأمن القومي أننا نعيش في دول هوبزية فاشلة؟

yours

بِقلم: كوري روبن

الخوف السياسي هو أمرٌ عالميّ، ولكنّ لغتُه هي أمرٌ خاص. العنصريّة هي إحدى هذه اللغات، وتقييم المخاطر هي لغةٌ أخرى. لكن ليس هناك أدنى شك بأن الأمن – سواء كان قوميًا أو محليًا – هو اللّغة الأكثر تغلغلًا  وفعاليّة من بين الجميع.

الأمن – كما يتفق المنظرِّان السياسيان جون دن وبرنارد ويليامز – هو البضاعة الوحيدة التي يجب على الدولة توفيرها. فالأمن – على عكس أي مزعمٍ أخرى – لديه القدرة على تعبئة الموارِد والانتباه مِنْ قِبَل الدّولة ومواطنيها. فمن الممكن القول بأن «الأمن» استدعى – وفي حالة الرّدع النووي هدّد بكل تأكيد – خرابًا ودمارًا أكثرَ من أيِّ أيديولوجيةٍ أخرى في عصرنا هذا. كما قدّم أكثر المبرّرات فعاليةً وديمومةً لقمعِ الحقوق. لماذا الأمر كذلك؟ لماذا أصبح «الأمن» أقوى أسباب القضاء أو الحدّ من الحقوق؟ هذا السؤال هو ما أود طرحه هنا.

للوهلة الأولى، قد يبدو وكأن هذا السّؤال يجيب عن نفسه. عندما يخاف الناس على حياتهم، فإنهم سوف يعملون كلّ ما بوسعهم لحماية أنفسهم وأُسَرهم، وعند وجود ما يهدّد سلامة الوطن أو الدّولة فإنها أيضًا سوف تقوم بكل ما يلزم للدفاع عن نفسها – والحدُّ من حقوق مواطنيها هو أقل ما ستفعله. على أيّ حال، هذا هو جوهر النظرية – والتي تُربط عادة مع توماس هوبز – والذي ما يُستشهد به غالبًا كمُرشِدِ التعقُّلِ في عصرنا الحاضر. ولكن إن نظرنا عن كثب عما قاله هوبز، سنجد مزعمًا أكثر تشويقا وكشفًا عن الكيفية التي يعمل بها الخوف من أجل تقييد الحقوق والحدّ من الحريات.

على عكس الفهم الشعبي والتفسيرات العلميّة، فإنّ هوبز لا يجادل بأنّ الحالة الطبيعية هي الحالة التي يكون فيها الناس مندفعين فيها عن طريق غريزة الحفاظ على النفس للخضوع لحاكمٍ مطلق. ما يناقشه هو أنّ الحالة الطبيعية هي حالة عدم اتفاق النّاس على أساسيات المُثل الأخلاقية – حول ما هو عادل وما هو غير عادل، حول الخير والشر، وما إلى ذلك – وأنّ الخِلاف حول هذه المُثل الأخلاقية هو المصدر الرئيسيّ لهذا الصراع.

الشيء الوحيد الذي من الممكن أن يَتّفِق عليه الناس هو حقّ كلِّ شخص في الحفاظ على حياته والقيام بكلّ ما يَعتَقد ضَروريّته للحفاظ عليها. لا أحد بإمكانه – مهما كانت معتقداته – أن يُدين شخصًا آخر لأجلِ خوفه على حياته ومحاولتِه الحفاظ عليها. فنشاطاتُ الحفاظ على الذّات لا يُلامُ عليها أحد، وبالتالي هي نشاطاتٌ لدى كلٍ منا الحق في القيام بها.

ولكن بمجرد إقرارنا بهذا الحقّ، فإننا نواجه مشكلة: ليس لدينا الحقّ في الحفاظ على أنفسنا فقط، بل لدينا الحق أيضًا في القيام بكلّ ما هو ضروري للحفاظ على أنفسنا. ففي الحالة الطبيعية، كل فردٍ هو قاضٍ على وضعه الخاص، فهو يحكم فيما إذا كان هو في خطرٍ أم لا وما يجبُ القيام به لحماية نفسه من ذلك الخطر. فكما كتب هوبز في كتاب عناصر القانون: «كل رجلٍ لديه حقه الطبيعي لتحكيم عقله بضرورة الوسائل وعظمة الخطر».

لكن عندما يكون كلٌ منا هو الحاكم/القاضي، فيما إذا كنّا في خطر وتوجب علينا حماية أنفسنا، فإننا سنجد أنفسنا – لأسباب لا داعي لاستطلاعها هنا – في حالةِ حرب. ما بدا في بادئ الأمر كاقتراحٍ أساسيّ للاتفاق وتسوية النِزاعات – ألا وهو حقُّ كلِّ شخصٍ في السعي للحفاظ على نفسه – تبيّن توليدُه في الحالة الطبيعية للمزيد من الصِّراعات، والمزيد من عدم الاستقرار، وحفظًا أقلّ للذوات البشرية.

على الرّغم من هذا، فهذا لم يكن ما قصده هوبز بأي حال من الأحوال. تأمل فقط في الجَدل الجماهيري في الولايات المتحدة الأمريكية حول قوانين «حافظ على موقعك»[*] (Stand Your Ground) في أعقاب قضية مقتل تريفون مارتين[†]. على الرّغم من افتراض كونِ هذه القوانين تستجلب من النّداء البديهي لمفهوم الدفاع عن النفس، فإن ذلك المفهوم – في الواقع – بإمكانه الاستناد على فهم محدودٍ وغير مشترك عالميًا لما يشكّل تهديدًا: فبالنسبة للبعض، يشكّل المُراهق الأسود الأعزل المرتدي لكنزة ذات قلنوسة خطرًا بديهيًا للغاية؛ أما للآخرين، فإنه لا يمثل إلا مراهقا أسودًا أعزل. أيا كان الجانب المنحازُ له، فإن مجرّد كون هذه القضية محلًا للخلاف يوحي بأنّ حقّ كل شخصٍ في السعي للحفاظ على ذاته لا يحلّ النزاع، بل هو مصدرٌ النزاع.

يستنتج هوبز أن الحلَّ الوحيد لهذه المشكلة هو خلق حاكمٍ مطلق والتنازل له عن هذا الحق الأساسي – وليس المقصد حقّنا الدفاع عن أنفسنا من خطر حتميٍّ وفوري (فلا يمكن لأحد أن يتنازل عن هذا الحق بعقلانية) بل الحقّ في كوننا الحَكَم فيما يشكّل تهديدًا لنا والإجراءات اللازمة لحماية أنفسنا من هذا التهديد. فكما كتب هوبز في عناصر القانون، عندما نخضع لسلطة حاكم مطلق، فإنه يُحظر علينا «أن نكون قضاة أنفسنا» فيما يخصّ أمننا، ويضيف هوبز في اللفياثان أنّ الحاكم المطلق هو «من سلمناه قدرتنا الخاصة على النظر في القضايا المشكوك بها».

في العودة إلى لغة الخوف، يمكننا القول بأنه في الوضع الطبيعيّ، يُبيح لنا الخوف من الموت أو الهلاك الجسدي فعلُ أيّ شيءٍ نعتقد أنّه بإمكانه حمايتنا من خطرٍ حقيقي أو مُتصوّر (كما يدعي المدافعون عن جورج زيمرمان الذي قَتَل تريفون مارتن). لكن تحت سلطة الحاكم المطلق، فإن ذلك الخوف لا يخوّلنا فِعلَ أي شيء – ما لم نكن (مرة أخرى) أفرادًا تحت خطر فوريٍّ ومؤكد. فما إن نوافق على الخضوع لسلطة الحاكم المطلق، يصبح الحاكم صاحب القرار فيما يتعلق بمخاوفنا: يقرّرُ ما إذا كان أو لم يكن لدينا سببٌ للخوف، وهو يقرر أيضًا ما يجب القيام به لحمايتنا مما يُخيفنا.

لدى ادّعاءِ هوبز ثلاثة مضامين ذات صلة بالسّياسة المعاصرة. الأولى هي أنّ الخوف الشائع من التّهديد الأجنبي أو المحلي – حقيقيًا كان أو متوهمًا – هو ليس بالضرورة ما يُجبر الدّولة إلى تقييدِ الحريّات المدنية. فعندما تتّخذُ الحكومة إجراءاتٍ متعلّقة بالأمن، فإنها لا تُترجِم (بكل بساطة) خوفَ الناس من الخطر إلى فعل قمعيٍ تمارِسُه الدّولة. فالحكومات تّتخذ – عوضًا عن ذلك – خيارًا ما: أن تركّز على بعض التهديدات دونَ سواها، وأنّ تتّخذ إجراءاتٍ معينة (دونَ أخرى) لمواجهةِ تلك التهديدات. فقط فكر في الاهتمام – والمال، والموظفين والتدابير المضادة وأوقات البثّ – التي أغدقته الولايات المتحدة على مسألة الإرهاب على عكسِ حوادثِ السيارات أو التغير المناخي حتى في أعقاب إعصاريّ «كاترينا» و«ساندي»، ومجموعة الظواهر الطقسية الأخرى المُهدِّدة للحياة.

على الرغم من أن هذه السلطة لتعريف مواضع الخوف العام تُشير إلى أنّ الخطر أو الضرر هو ما تقرّره الدولة، فإن هوبز اعتقد حقًا بوجودِ مخاطر حقيقة تهدد الشعب. فلدى الحاكم – بالنسبة لهوبز – كلّ الدواعي التي تدفعه لاتخاذ قراراتٍ سليمة بشأنِ ما يهدّد الشعب وللعمل فقط بناءً على تلك القرارات. فمصلحة الحاكم في أمنهِ الشخصي مرتبطة بمصلحة الشّعب بأمنهم. ومادام شعورُ الشعب بالأمن موجودًا على الأقل، فإنهم سيكنّون الطاعة للحاكم؛ وطالما أطاعوا الحاكم المُطلق، فإنّ الحاكمَ سيبقى في مأمن.

افترض هوبز أيضًا أن الحاكم المُطلق سيكون بعيدًا كلَّ البعد عن الدوائر القوية في المجتمع – الكنيسة والطبقة الأرستقراطية في زمنه – وهو ما سيمكّنه من التّصرف بناءً على حِسابات محايدة ونزيهة عمّا يهدّد الشّعب ككُل وعن التدابير اللازمة لحمايتهم. ولاعتماد قوّة الحاكم المطلق في صحّة الحصول على هذه الحسابات، فإن لديه كل حافزٍ لعدم الوقوع في خطئٍ حِيالها.

ولكن، واقعُ سلطة الدولة الحديثة هو أننا ورثنا أسوأ جوانب السياسات الهوبزية دونَ أيٍّ من سماتها الإيجابية. لدى الحكومات اليوم قدرٌ كبيرٌ من الحريّة في تحديد ما يهدّد الناس والطُرُق المثلى للتّصدي لتلك التهديدات. ولكن بعيدًا عن انقطاع هذه الحكومات عن مصالح وأيدولوجيات الأقوياء، فإنها غالبًا ما تكون مقيّدةً بل محدّدةً ومكوّنةً مِنْ قِبَل هذه المصالح والأيدولوجيات.

للاستشهاد بمثال واحد فقط: إنها لحقيقة معروفة أن الأمريكيين الأفارقة قد عانوا من عدم رغبة الدولة الأمريكية لحمايتهم من التهديدات الأساسية على أرواحهم وحريّاتهم بنفس مقدار معاناتهم من رغبة الأمريكيين البِيض بتهديد تلك الأرواح والحريّات. فكما بين الباحث القانوني راندال كينيدي، لقد اعتبرت الدولة الأمريكية طوال تاريخها أن الخطر على سلامة الأمريكيين الأفارقة خطرٌ عاديٌ وثانويّ وأن حمايتهم من أيِّ خطر ليس أمرًا مستحقًا لانتباهها.

بالنسبة للتّقدير الهوبزي؛ فإن هذا يشكل فشلًا خطيرًا؛ ففي أمريكا، كان ذلك خارج الحدود شبه الدائمة لنشاط الدولة. في الواقع، اعتبرت الحكومة الأمريكية التهديد المُحدِق بالأمريكيين الأفارقة – في إحدى الفترات المصيرية من عنف البِيض تجاه السود في تاريخ الولايات المتحدة – عنصرًا ثانويًا للسلامة العامة؛ في المقابل، اعتبرت الحكومة الأمريكية تهديدَ الإضرابات العمّالية لأصحاب الشّركات حالةَ طوارئٍ عامة جديرة بالحماية العسكرية الفدرالية.

أو انظر في رد حكومة الولايات المتحدة على خطر الإرهاب. وِفقًا لإثنين من اللجان الرسمية المعينة لدراسة ما أدى إلى هجمات 11 سبتمبر، فإنّ إحدى الأسباب الرئيسية لعدم توقع وكالات المخابرات الأمريكية لهجمات 11 سبتمبر هي عدم تبادل المعلومات بين الوكالات المختلفة بسبب الحروب الميدانية والمشاكل الحكومية الداخلية. فكما كتب ديفيد كول وجيمس ديمبسي في الإرهاب والدستور «كانت عقبات تبادل المعلومات بيروقراطية أكثر من كونها قانونية» وأنه لا علاقة لها «مع المبادئ الدستورية الساعية للضمان الحكومي أو المساءلة أو الرقابة والتوازن».

لكن في نفس الوقت الذي استخفّت به الحكومة بالمبادئ الديمقراطية منذ أحداث 11 سبتمبر، فلقد كانت بطيئةً في إزالتها لهذه العقبات البيروقراطية المذكورة أعلاه. بل حتى وزارة الأمن الداخلي، والتي كان من المفترض أن توحّد الوكالات المتنافسة تحت سقف واحد، قد «تعثرت بسبب البيروقراطية» و«غياب التخطيط الاستراتيجي» كما جاء في برقية مؤرّخة بعام 2006.

بالتالي، ليست مجرد التهديدات لرفاهية المواطنين وحدها – أو حتى مخاوف المواطنين من تلك التهديدات – هي ما يدفع الحكومات على اتخاذ الإجراءات اللازمة ضدّ تلك التهديدات، وبالتأكيد ليست هي ما يدفعها لاتّخاذ تلك الإجراءاتٍ المقيِّدة للحقوق، والتي يّتخذها المسؤولون الحكوميون في كثيرٍ من الأحيان. بل ستتخذ الحكومة الإجراءات ضد تلك التهديدات التي تعتبرها جديرة بالاهتمام العام. لقد قدّمت لنا عضو مجلس الشيوخ الممثلة لولاية لويزيانا ماري لاندريو مثالًا لذلك عندما قالت في سياق إدانة استجابة إدارة بوش البطيئة لكارثة إعصار كاترينا: «كثيرًا ما يخطر على بالي أنه لو فجّر الإرهابيون سدودنا لكنّا أفضل حالًا. لربما حصلنا على المزيد من الاهتمام». عند التصرّفِ البناء على التهديدات، ستُشكِّل مجموعة من الاعتبارات – سواءً كانت أيديولوجية أو سياسية أو اقتصادية – مصدرَ تحفيزٍ المسؤولين الحكوميين، وهي اعتباراتٌ ارتباطها بالتهديدات أضعف من ارتباطها ببعض الدوائر والمصالح الخاصة، التي تنطق الحكومة نيابة عنها.

المشكلة لا تكمن في كوننا نعيش في عالم من دول هوبزية؛ بل هو أننا نعيش في عالم من دولٍ هوبزية فاشلة.

وثاني ما يترتّب على الحجة الهوبزيّة هو: إن كان الأمن أساس الشرعيّة السياسية، فإنّ الناس لن يؤمنوا بضروريّة الطّاعة إلّا إذا اعتقدوا بتعرّض أمنهم للخطر. لكن ما إنْ يتوقف الناس عن القلق بشأن أمنهم، فإنّهم ينسون الأسباب التي دفعتهم للطاعة. فكما كتب هوبز في اللفياثان إنّ  «هدف الطاعة هو الحماية»، لكن حينما لا يشعرُ الناس بحاجتهم للحماية، فإنهم لن يشعروا أيضًا بحاجتهم للطاعة.

لذلك، قرّر هوبز في أواخر حياته أن يكتب سردًا للحرب الإنجليزية الأهلية. اعتقد هوبز بأهمية تدوين وذكر شرور هذه الحرب، حتى وإن مضت ثلاث عقود على انتهائها، فكما أوضح في كتاب بهيموت (Behemoth) أنّه «لا يوجد أي شيء أكثر تعليمًا للولاء والعدالة…من ذكرى الحرب وهي لا تزال طرية في الذاكرة».

بعبارة أخرى، الاعتماد على خوفٍ بسيط من خطرٍ ما لِضمان الطّاعة ليس كافيًا. يمكن للمخاطر أن تختفي عن الأنظار، وعندما يحدث ذلك، سيكون الالتزام بالطاعة محلَّ تساؤل. لقد كان هوبز متفهّمًا جدًا لهذه المشكلة، وأعرب عن أمله في حلّ الحاكم المُطلق لها عن طريق تزويد الناس بـ«نظّارات مستقبلية» ليروا من خلالها «المآسي البعيدة التي تتدلى» عليهم والتي لا يدركونها على الفور.

ولكن، كيف للدولة أن تجعل خطرا أو كارثة معينة تبدوا وكأنّها وشيكة؟ كيف تحوّل خطرًا افتراضيًا إلى تهديدٍ فوري؟ الجواب هو من خلال وضع جهازٍ فكريٍّ وثقافيٍّ يتخّلص من متطلبات الاستدلال والبرهنة العادية، ومن خلال صياغة مجموعةٍ من الحجج والشّعارات البليغة لتميكن الدولة من اتّخاذ إجراءات استثنائية ضدّ مخاطر مُفترضة، خذ على سبيل المثال: نظرية «قاتلوهم هناك حتى لا يقاتلوننا هنا»، و«نظرية الدومينو»، ونظرية «الدمار المؤكد المتبادل» (Mutually Assured Destruction) وغيرها من نظريات الرّدع النووي الأخرى.

لقد كان الكاردينال ريشيليو هو أول من أعلن من بين جميع الناس أن «في الشؤون الطبيعية، يتطلّب إقامة العدل على براهين أصيلة؛ لكن الوضع ليس كذلك فيما يتعلق بشؤون الدولة…يجب أن يحلّ الحدس العاجل محل الإثبات؛ ففقدان الإثبات لا يمكن مقارنته مع إنقاذ الدولة». فكلما أصبح التّهديد أكثر شدة، كلّما قلّ الدليل الحقيقيّ المطلوب من أجل اتخاذ إجراءاتٍ ضده. فإن قلّلنا من شدة التهديدات الجادة، فإن العواقب ستكون وخيمة – وخيمة جدًا للدرجة التي لا يبقى لدينا أيّ خيار سوى أن نبالغ في تقديرها كما يقترح ريشيليو.

استند ليرند هاند في عام 1950 على قاعدة مماثلة في قراره في قضية «الولايات المتحدة ضد دينيس» (United State v. Dennis): حيث كتب هاند أنّه من أجل اتخاذ القرار بقمع حقوق قيادة الحزب الشيوعي، يجب على المسؤولين الحكوميين أن يَزِنُوا أولًا «مقدار ذلك الشر» ثم التّأكد أنّ مقدارها «يستبعده عدم احتماليتها». فكلّما اشتد الخطر الذي يمثله الحزب الشّيوعي (أو أي خطرٍ آخر) كلّما تطلب درجةً عالية من عدم احتماليّة وقوعه من أجل عدم القلق بشأنها. أو بعبارة أخرى، إن وُجد خطرٌ فظيع حقًا لكن ليس من المرجح حدوثه، فإنه يجوز لنا أن نتخذ الإجراءات الوقائية ضده.

فكما أشرت إلى ذلك سابقًا في مقالٍ لي في «لندن ريفيو أوف بوكس» وغيرها، أنّ التحضير للحرب العراقية الثانية – وتصريحات بوش وريتشارد بيرل على وجه الخصوص – تُظهر أن صيغَ تصريحاتهما ليست قديمة أو أكاديمية. والدّعم الذي قدمه العديد من الديمقراطيين الليبراليين لمزاعم إدارة بوش يدلّ على أنّ هذه الظاهرة ليست بأي حال من الأحوال ظاهرة محصورة بالمحافظين.

لغة الأمن، وخطاب «الحدث المروّع الوشيك»، هي لغة ثنائية مزدوجة، توفّر للدولة الوسائل للمبالغة بالتهديدات، واتّخاذ إجراءات وقائية – بما في ذلك تقييد الحقوق الأساسيّة – لتجنب تلك التهديدات.

ليس خوف الناس البسيط من الخطر – أو تفسير قادتهم المحافظين لذلك الخطر – هو ما يدفعهم للمبالغة بالأدلة والبرهاين وتجافيها. بل هي –على حد تعبير إدموند بيرك في تأملاتٍ عن الثورة الفرنسية – حجة سياسية مفصلة ومتقنة، تقوم على مبدأ أنه «من الأفضل أن تكون مُحتقرًا لأجل قلقك الشديد من المخاوف على أن تُدّمَر من قبل وثوقك الشديد بالأمن».

وثالِثُ ما يترتّب على الحجة الهوبزية وآخرها هو أنه ليس بإمكان الحاكم المطلق أن يكون الحاكم بشأن مخاوفنا وكيفيّة الردّ على هذه المخاوف إلا إذا امتلك وحدة الإرادة والحكم. إن كان على الحاكم المطلق أن يُصبح صاحب القرار، فيجب عليه أن يكون قادرًا على اتخاذ القرار؛ وإن اتّخذ قرارًا ما، فيجب أن يصل إلى حُكمٍ حاسم، وإرادةٍ واحدةٍ موحدة. لا يمكن أن يوجد أيّ انقسامٍ أو صِراع؛ أي أنه يجب على الحاكم المطلق أن يفكر وأن يتصرف كفرد واحد.

بقدر ما يحاول الناس مقاومة هذا البعد السلطوي والشمولي من حجة هوبز، إلّا أن الكثير من السياسيين والأكاديميين – من مختلف الأطياف السياسية – يتّفقون على نسخة من نسخها. فكثيرًا ما يقال إنّه يجب على النّاس في أمل حماية أنفسهم من التهديدات الأساسية أن يتّفقوا على أنهم فعلًا مهدّدون وأن يتّفقون على كيفية مواجهة ذلك التهديد. ووفقًا للباحث الليبرالي والمسؤول السابق في إدارة أوباما، كاس سنشتاين، فإنه من أجل إقناع «العدو بأنّه يواجه خصمًا موحدًا» يجب أن يكون لدى المواطنين «درجة من التضامن…وأن يؤمنوا أنّ كلّ فردٍ منهم منخرطٌ في هذا المسعى المشترك».

للاستشهاد بمثال آخر، جادل عضو مجلس الشيوخ جوزيف ليبرمان طوال الخمس سنوات الأولى من الحرب العراقية الثانية أنّ أي خلاف – ليس فقط بصحة خوضان الحرب بل بكيفية محاربتها – يشجّع العدو ولذلك يجب تجنب وقوع ذلك. وقد أعلن أيضًا في عام 2005 أنه «حان الوقت للديمقارطيين غير الواثقين بالرئيس بوش أن يعترفوا أنه سيبقى القائد العام للقوات المسلحة لثلاث سنواتٍ حرجة إضافية، وأنّ تقويض المصداقية الرئاسية في الشؤون الحربية يعرض أمتنا للخطر».

بالاستناد إلى لغة الخيانة، تساءل ليبرمان خلال جلسة استماع في الكونغرس بصوت عالٍ ما إذا كان قرار مجلس الشيوخ غير الملزم والمعارض للتصعيد المقترح من قبل بوش للقوات الأمريكية في العراق«من شأنه أن يمنح العدو بعض الراحة». وأعلن ليبرمان مجددًا على قناة «فوكس نيوز» أن القرار من شأنه أن «يشجع العدو» وأن «الحرب هي اختبار للإرادة، فأنت لا تريد أن تقدم أي أملٍ لعدوك».

عندما يتعلق الأمر بالشؤون الأمنية، فنحن على الأقل هوبزيون جيّدون خطابيًا. أقول «على الأقل خطابيًا» لأن جميع الدّول في الواقع – حتى أكثر الدول شمولية – تعاني من نقصٍ جوهريّ في الوحدة فيما يخص تقييمها للخطورات وكيفية الرد عليها؛ كما أنها تفتقر للقوة القسرية الكافية لفرض تلك التقييمات.

تنقسم العديد من الدول، ولا سيما الديمقراطيات الليبرالية، من النّصف – مع توّزع عناصر مختلفة من قوى صناعة الحرب إلى السلطتين التشريعية والتنفيذية وأحيانا السلطة القضائية – بينما تنقسم الدول الفدرالية بين المنتصف والهامش. ليس من المحتمل لهذه الدول أن تصل إلى إجماع حول ما يهدّدها، وحتى إن وصلوا إلى إجماع، فإنّه من غير المحتمل أن يتفق مسؤولو الدولة – المتنوعون والعنيدون غالبًا – على كيفية الرد على تلك التهديدات.

حتى تلك الأنظمة المُتّصفة بدنوّها للرّؤية القصصية حول سلطة الدولة الموحّدة – كألمانيا النازية أو روسيا الستالينية – نادرًا ما تُبدي تلك الوحدة. فكّر فقط بالنقاشات المريرة التي فرّقت الوحدات الوقائية (SS) عن قطاعات النظام النازي الأخرى حول أفضليّة خِدمة مصالح ألمانيا خلال الحرب العالمية الثانية بِسَخَرَة اليهود أو بإبادتهم. كما أنّ التّهديدات الأساسية لبقاء أو سلامة الدولة لا تُحقِّق بالضرورة تلك الوحدة. خذ بعين الاعتبار حرب عام 1812، عندما هددت القوات البريطانية الدّولة الأمريكية بأعظم تحدي وجوديّ واجهته مطلقًا – ولربّما أعظم ما ستواجهه على الإطلاق – من الخارج. اعتبارًا من شهر سبتمبر عام 1814، سيطر البريطانيون على واشنطن العاصمة، وأحرقوا مبنى الكابيتول والبيت الأبيض، وأحالوا الحكومة الاتحادية إلى المنفى. كما أنهم قد حشّدوا جيشًا مرعبًا على بحيرة شامبلين، وسدّوا الموانئ المُطلّة على طول شمال المحيط الأطلسي، واستولوا على جزء كبير من ولاية ماين، وبدوا على استعدادٍ لاجتياحِ بوسطن. انتشرت الانشقاقات في الجيش، وتُركت العديد من الولايات للدفاع عن نفسها بنفسها.

في تلك اللحظة بالذات، اقترح وجهاء إقليم «نيو إنجلاند» – والذين عارضوا الحرب –الاجتماع في هارتفورد (كونيتيكت) لمناقشة الإجراءات الممكن اتّخاذها لتخليص الإقليم من الحرب. انتُخب المرشحون المناهضون للحرب في ذلك الخريف للكونغرس؛ وقد فضّل ما لا يقلّ عن نصف سكان ولاية ماساشوستس الانفصال‪؛ وقد أيّد وجهاء وصحف نيو إنجلاند عدم دفع الضرائب، وإعلان الحياد الإقليمي، ورَفْض التعاون مع أي قانون اتحادي فدرالي للتجنيد الإلزامي. بل حتى أن حاكم ماساتشوستس أرسل مبعوثًا للبريطانيين للتفاوض سرًا لأجلِ معاهدة سلامٍ منفصلة معهم، حيث توعّد البريطانيون فيها بمساعدة سكان نيو إنجلاند بالدفاع عن أنفسهم ضد أي محاولة فدرالية لقمع التمرد.

حتى عند الاتفاق بوجود خطر يهدد الأمة ووجوب المقاومة بدلا من الاستسلام لذلك التهديد، فستوجد بعض الخلافات حول أفضل السبل للدفاع عن الأمة، ومن الممكن لهذه الخلافات أن تكون تهديدية ومسببة للانشقاق على نفس نحو الخلافات عمّا إذا كانت الأمة مهددة وعن وجوب المقاومة. فكما كتب جون سي كالهون عن آثار الانقسام في الحرب، والذي ينسبه إلى صراعاتِ توزيع الموارد المّادية المرافقة لأي تعبئة وطنية: «يجب أن تضع الولايات المتحدة كلّها مقدارًا من التكريمات والمكافآت تحت سيطرة الحكومة، كافية لإثارة عطش الطموحين وجشع الشّرهين؛ وأن تؤّدي إلى تشكيلِ أحزابٍ عدوانية، ونزاعات حزبية عنيفة وصراعات لنيل السيطرة على الحكومة».

يقدم التدخل الأمريكي في الحرب العالمية الأولى مثالًا مفيدًا لمدى كَونِ هذه الخلافات تتعلّق بالوسيلة عِوضًا عن الغاية. قدّم مسؤولٌ من وزارة الحرب شهادته أمام الكونغرس – بعد دخول الولايات المتحدة في الحرب في أبريل عام 1917 – حول احتياجات الجيش لخوض الحرب. فعندما أعلن المسؤول بفكرة «اضطرار [الولايات المتحدة] لإرسال جيش لفرنسا»، صاح رئيس اللجنة المالية في مجلس الشيوخ «يا إلهي! لن ترسلوا جنودا إلى هناك؟ أليس كذلك؟». لقد اعتقد أكثرية الكونغرس والجمهور باقتصار مشاركة الولايات المتحدة في الحرب على إرسال الأسلحة إلى أوروبا. ولكن ما بدأ بمثابة عرض ساحر أقرب للسذاجة أصبح موضع نزاعٍ مرير بسرعة.

عندما اقترح الرئيس ويلسون أخيرًا مسودة التجنيد الإلزامي، أعلن رئيس مجلس النواب «هناك فارقٌ بسيطٌ جدًا بين المُجنّد إلزاميا والمجرم المدان». على الرّغم من اعتماد قانون التجنيد الإلزامي في النّهاية، إلّا أن معارضة الخدمة العسكرية ظلّت واسعة النطاق، فقد تهرّب ما يقارب الثلاث ملايين رجل من التجنيد الإلزامي، وطالب ما لا يقل عن ستين بالمئة ممن أُدرجوا في الخدمة العسكرية بإعفاء من القتال.

بالإضافة إلى التجنيد الإلزامي، فقد اشتد جدال الأمريكيين بشأن توظيف الموارد العامة. لقد كانت الصراعات داخل المؤسسة العسكرية حادة بشكل خاص. فعلى الرغم من ضغوط ويلسون ومسؤولين آخرين، فقد قاوم الجيش التغييرات على أنظمة مشترياته قديمة الطراز، ممّا أدى لقصورٍ، وإفراطٍ، وتكدّس للأسلحة البالية. لقد كانت إجراءات الجيش فوضويةً إلى درجة تكديس مسؤولها الأعلى لاثني عشر ألف آلة كاتبة في مختلف طوابق مباني الحكومة السفلية؛ معللًا ذلك بأن «المنافسة على الآلات الكاتبة ستشتد الآن» وأنّه «سيحوزُ على كلٍ منها». عارَضَ رجالُ الأعمال أيضًا بانتظام قواعد تنظيم الاقتصاد في زمن الحرب بحجّة أن المبادرات الخاصة والسوق الحرّة كافية للقتال وللانتصار في الحرب.

لقد كان تمويل الحرب مثيرًا للجدل أيضًا. ففي حين أقنع التقدّميون ويلسون بحاجة فرض الضرائب على مصالح الأثرياء لأجل تمويل الحرب، فقد أُفشِلَت جهودهم من قبل بعض الصناعيين والشركات، مما أدى إلى تذمّر عضو مجلس الشيوخ هيرام جونسون بأن «مساعينا الرّامية لفرض ضرائب مرتفعة على أرباح الحرب قد أبرزت بشكل حاد ارتياحَ “وطنيّة الدولار” السطحية لبعض من كانوا سابقًا الأعلى صوتًا بِخُطبهم عن الحرب ومطالبتهم بالدماء».

مع اضطّرارها للاعتماد على سندات الحرب، حاولت إدارة رئاسة ويلسون تحويلَ الحرب إلى «حربٍ شعبية» حقيقة. ولكن قوبلت حملات «قروض الحرية» الحكومية بخمولٍ ومعارضة، مما قاد وزير الخزانة الأمريكية ليعلن أن «الرجل الذي ليس بإمكانه تقديم 25.1 دولار لحكومته كلَّ الأسبوع مع فائدة بمعدل 4 بالمئة ليس جديرًا بكونه مواطنًا أمريكيا». وأملًا في التغلب على هذه المقاومة الشعبية، أدرج الكونغرس بندًا في «قانون التحريض على الفتنة»(Sedition Act) لعام 1918 والذي جعل من «قول أو فعل أي شيء» بقصد عرقلة بيع سندات الحرب أمرًا مخالفًا للقانون – هذا على الرغم من استثناء السلطة التشريعية من مقاضاة مستشاري الاستثمار الذين حثّوا عملائهم بعدم شراء سندات الحرب لأسباب «حسنة النية وغير خائنة»، أي لكون سنداتِ الحرب استثمارًا سيئًا.

إذن، لدينا حتمية أيديلوجية تجاه الوحدة والتّضامن من جهة، وافتقارِ الدّولة الحديثة إلى تلك الوحدة والتضامن من جهة أخرى. فنادِرًا ما تتوافق الدولة حول التهديدات التي تواجهها، وحتى عندما تتوافق حول تلك التهديدات، فهذا التوافق غالبًا ما يتلاشى حول الخلافات الناشئة عن كيفية مواجهة تلك التهديدات.

ماذا تخبرنا هذه الآثار الثلاثة – في كون الدول لديها قدرٌ كبير من الحرية لتقرير ما يهدّد الناس وكيفية الرد على هذه التهديدات، وتأثر هذه الدول من قِبَل مصالح وأيدلوجية دوائرها الأوّلية عند اتّخاذ تلك القرارات؛ وأن الدول لديها حوافز قوية، وقد أُعطيَت مبرراتٍ قوية للتهويل في حجم هذه التهديدات. وبينما تصبوا الدّول إلى وحدة الإرادة والحكم على الأقل خِطابيًا، فإنّها نادرًا ما تحقّق ذلك عَمَليًا – عن العلاقة بين الأمن والحرية؟ وما هو الضوء اللاتي تسلّطانه على مسألة الأمن وكونها حجّةً فعّالة لقمع الحقوق والحريات؟

الأمن هو لغة مثالية لقمع الحقوق لأنه يجمع بين العالمية/الشمولية والحياد في الخطاب مع الخصوصية والتحيّز في الممارسة العملية. الأمن هو بضاعة يحتاجها الجميع، والافتراض هو أن الجميع يحتاجها بنفس الطريقة وعلى نفس الدرجة. فكما كتب جون ستيوارت ميل، الأمن هو «أكثر المصالح أهمية» والتي لا يمكن لأحد «الاستغناء عنها». على الرغم من إشارة ميل للأشخاص بدلا من الدول أو الأمم هنا، فإن حُجّته حول الأمن الشخصي غالبًا ما تمتد إلى الأمم والدول، واللاتي تُصوَّر بأنها شخصٌ مضخّم (person writ large).

فالحاجة للأمن وتعريفُها، على عكس غيره من القيم مثل العدالة والمساواة، ليس من المُفترض أن يعتمد على معتقداتنا أو مصالحنا الأخرى وليس من المفترضِ أيضًا أن تُفضّل أي مجموعة من المعتقدات أو المصالح على غيرها. فهذا هو الشرط الضروري للسعي وراء أي معتقد أو مصلحة بغضّ النظر عمّن يحمل ذلك المعتقد أو تلك المصلحة. فالأمن كما أسلفت سابقًا، هو بضاعة عالمية ومحايدة. على الأقل، هذ ما تفترضه النظرية.

لكن الواقع مختلف تمامًا، كما لاحظنا سابقًا. فممارسة الأمن تنطوي على دولة زاخرة بالأيدولوجيات والمصالح المختلفة والمتنافسة، وتساعد هذه الأيدولوجيات والمصالح أساسًا في تحديد ما إذا أصبحت بعض التهديدات محطّ اهتمام، وكيفية إدراكها والتعبئة ضدّها. يتطلب توفير الأمن إلى موارد محدودة بحكم الواقع. ينبغي توزيعُ هذه الموارد وفقًا لحسابات تفاضلية ومتكاملة، والتي – مثلها كمثل حسابات التفاضل والتكامل لتوزيع أي من الموارد الأخرى (كالدخل والتعليم) – ستعكس الافتراضات المثيرة للجدل والمتنازع عليها حول العدالة وستكون أيضًا موضعًا للنقاش. الأمن القومي كما الضمان الاجتماعي هو أمرٌ متعلّق بالسياسة، وتمامًا كما نجادل بشأن الأخير فإننا نجادل أيضًا بشأن الأول.

حتى عندما يتعلق الأمر بالبقاء الوجودي للدولة، فإن الدوائر المتنوعة في الدولة ستردّ على ذلك التهديد بطرق مختلفة، تبعًا لدرجة قُربِهم من الخطر الفيزيائي، وموقفهم من الدولة، ومستوى التضحية المتوقّعة منهم، وما إلى ذلك. وفي حين إمكانية اعتقادنا بأنّ تهديدًا وجوديًا للشّعب – من نظام إبادة جماعية على سبيل المثال – من شأنه أن يوحّد الشعب حول تعريفٍ شاملٍ محايدٍ للأمن، فإن هذه التهديدات نادرًا ما تلهم وِحدةً في الإرادة والحكم. بل، على العكس من ذلك، يمكن لتهديدات الإبادة الجماعية أن تؤّدي إلى العودة لطبيعة الحالة الهوبزية، حيث يتصرف الأفراد والأسر وفقًا لتعريفهم الخاص للخطر واتّخاذ كلّ الإجراءات الضرورية لضمانِ بقائهم على قيد الحياة.

ولأن الخطاب الأمني هو خطاب عالمي/شمولي وحيادي بينما في الواقع هو خطاب تناقضيٌّ وانقساميّ، فلدى مسؤولي الدولة ونخبها كل الحوافز والتبريرات لقمع كلِّ تعريف مغايرٍ ومعارضٍ لتعريفهم الخاصّ للأمن. وكما تنبأ هوبز، فبإمكانهم وبوسعهم فعل ذلك، بل قد فعلوا ذلك سابقًا. ولكن، لاستحالة تحقيق تعريفٍ محايد وشاملٍ للأمن في الواقع، يجب أن يكون القمع في سبيل الأمن انتقائيًا: أي أنه سيتمّ استهداف فئات وأنواع معينة من المعارضة. يصبح السؤال إذن: أي فئاتٍ، وأي أنواعٍ من المعارضة؟

ولأن المسؤولين الحكوميين أنفسهم مرتبطون بدوائر معينة في المجتمع – غالبا ما يكونوا الأكثر قوة – فإنهم نادرًا ما سيقمعون تحديات الأقوياء للأمن؛ عوضًا عن ذلك، فإنهم سيستهدفون الضعفاء والمهمّشين، ولا سيما إذ هدّد الضعفاء بالتعبئة ضد الأقوياء. لذلك السبب، قامت حكومة الولايات المتحدة خلال الحرب العالمية الأولي بتجريم حث الناس – كالاشتراكيين – بعدم شراء سندات الحرب، لكنها سمحت لمستشار من وول ستريت أن ينصح موكله بعدم إجراء استثمارٍ سيئ.

أو حينما أصدر الكونغرس «قانون التحريض على الفتنة» لعام 1918، والذي جرّم «الترويج، أو الطباعة أو الكتابة أو النشر المتعمد لأي خطابٍ خائن أو مدنسٍّ أو بذيء أو مسيء» عن حكومة الولايات المتحدة أو جيشها أو لجلب أيّ «تحقيرٍ أو استهانة أو ازدراء أو خزيٍ» لهذه المؤسسات، حاول الجمهوريوّن إدخال بندٍ من شأنه حمايتهم وحماية دوائر ناخبيهم ممن كانوا ينتقدون بقوة وودرو ويلسون والقيادة الديمقراطية للحكومة الأمريكية. حيث أدل البند بأنه «لا يجوز تفسير أي شيء في هذا القانون بالتقييد من الحريات أو عرقلة حق ّالفرد في نشر أو إدلاء ما هو حقيقي، مع دوافع جيدة وغايات مبررة». فقمع معارضة الاشتراكيين والنشطاء للتجنيد كان مقبولًا، لكن قمع معارضة الجمهوريين لها لم يكن كذلك.

ولكن هناك سبب آخر لكون الأمن أقوى المسوّغات لقمع الحقوق. لدى هذا السبب علاقة مع التقاليد الليبرالية، والتي قدّمت أعظم الموارد النظرية لمعارضة قمع الحقوق. فبينما قدمت لنا الليبرالية كنظريةٍ أسباب ممتازة لمعارضة استخدام سلطة الدولة القسرية باسم العقيدة الدينية أو التقاليد الأخلاقية، فإنها قدّمت لنا أسبابًا أقلّ بكثير لمعارضة استعمال تلك السلطة باسم الأمن. في الواقع، إذا نظرنا إلى أركان الخطاب الليبرالي الثلاثة – لوك، وميل، وأوليفر وندل هولمز – فإننا نجد أن كلّ واحد منهم قد قدّم تبريرات ممتازة لاستخدام سلطة الدولة القسرية والقمعية باسم الأمن.

كل من هؤلاء الكتاب حاول – بطريقته الخاصة – منع الدولة من استخدام قوتها القسرية باسم العقيدة أو الأيدلوجية أو المسائل المثيرة للجدل. بالنسبة للوك، كان ذلك هو الدين؛ بالنسبة لميل، كان ذلك هو الأخلاق؛ أما بالنسبة لهولمز، كان ذلك هو السياسة. ووضع كل منهم اختبارًا أو شرطًا لشرعنة استخدام تلك القوة: فبالنسبة للوك، كان من أجل حماية «أمن وسلامة الكومنويلث»؛ وبالنسبة لميل، كان من أجل منع الضرر؛ أما بالنسبة لهولمز، فكان لأجل إحباط «خطر واضح وقائم».

الافتراض من وراء تحريم استخدام القوة القسرية في أول مجموعة من الحالات – الدين والأخلاق والسياسة – وتأييده في المجموعة الثانية – أمن وسلامة الكومنويلث ومنع الضرر والخطر الواضح والقائم – ليس لكون المجموعة الأولى مصدرًا للجدل والانقسام في حين أن المجموعة الثانية ليست كذلك. بل لأنّ المجموعة الأولى هي بطبيعتها مصدرٌ للجدل في حين أن المجموعة الثانية – بطبيعتها – مصدرٌ للوحدة. بمعنى آخر، على عكس الدين والأخلاق والسياسة، فإن الأمن يقدّم أُسُسًا لا خلاف عليها لممارسة الدولة للسلطة القسرية.

كما رأينا سابقًا، ليس لهذا الافتراض من سندٍ في الواقع. لكن لم يُوقِف هذا الفشل الليبراليين من الادّعاء بأنّ السياسة تقف عند حدود المحيط[‡]، كما يقول المثل. ولذلك عندما حاولوا معاقبة المحافظين لاستخدامهم الأمن لأغراض سياسية (على الرغم من فعلهم الشيء نفسه) فإنهم غالبًا ما وجدوا أنفسهم – لا سيما منذ رئاسة ريغن – في الأقلية. فبعد أن أيّدوا – وفي الواقع اخترعوا – فكرة أن الأمن ليس موضوعا للساحة السياسية، فإن الليبراليين لا يمكنهم التأمل بالتغلب على خصومهم في لعبة يدعي كبار منظّريهم عدم وجودها.


ملاحظات المترجم:

[*]قوانين «حافظ على موقعك»: هي قوانين مُطبّقة في عدّة ولاياتٍ أمريكية تخوّل للشّخص الحقّ في الدفاع عن ذاته ضدّ خطر (سواءً أكان حقيقيّ أم مُتصوَّر) باستخدام أيّ درجة من القوّة، ولا يتطلّب القانون تبيان ما إذا كان الشّخص هذا حاوَل تجنّب المواجهة. وهذه القوانين تعاكِس قوانينَ أخرى في ولاياتٍ أخرى تُلزِمُ الشّخص بأن يبيّن كونه حاوَلَ تجنّب المواجهة مع الخطر (المتصوَّر أو الحقيقي) في حال تصدّى له بالقوّة. يتجلّى الجدل حول هذه القوانين في قضيّة مقتل تريفون مارتن

[†]قضية قتل تريفون مارتن: قضية تريفون مارتن أُحيطَت بالجدل، وبالخصوص حول قوانين «حافظ على موقعك»، الّتي سمَحَت لقاتِله جورج زيمرمان بأن يُبرّأ من جريمة قتلِه. كان تريفون مارتن، وهو مراهقٌ أمريكيّ-أفريقي، متّجهًا لزيارة خطيبة والِده، وفي مروره عبر أحد الأحياء السّكنية، أطلق عليه جورج زيمرمان، وهو عضوٌ في «لجنة حراسة الحّي»، النّار مُشتبِهًا في كونه لصًّا، وذلك مع كونه أعزل ولم يشكّل تهديدًا فعليًا لزيمرمان، واشتُبِه أنّ دوافع القتل كانت عنصريّة، أي أنّ زيمرمان اشتبه في تريفون مارتن لكونه من أصولٍ أفريقية. اعتبرت الشرطة ما قام به زيمرمان دفاعًا عن النفس ضدّ «تهديدٍ مُتصَوَّر» ولم تتم محاكمته في بادئ الأمر، ولكن بعد مطالباتٍ شعبيّة على مستوىً واسع، تمّت محاكمة جورج زيمرمان بتهمة قتل غير متعمّد، وانتهت المحاكمة بتبرئته من التهمة تحت القوانين ذاتها. تعاقَدَ جورج زيمرمان مؤخرًا مع صاحب محلّ بيع أسلحة اشتهر بمنعِه العنصريّ لدخولِ المسلمين لمحلّه على بيع لوحاتٍ لعلم «الاتحاد الكونفدرالي» يرسمها زيمرمان، وهذا العلم يعتبر من أكبر رموز العنصريّة في الولايات المتحدة لارتباطِه بالولايات التي قاتلت لأجل الحفاظ على العبوديّة.


 

[‡]«السياسة تقف عند حدود الماء» (أو المحيط): هو مثلٌ سياسيّ أمريكيّ معناه أنّه مهما اختلفت الأحزاب في السّياساتِ الداخليّة فالسياسة الخارجيّة تتجاوز هذه الخلافات الحزبيّة.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s