العنف الجنسي وأجساد النساء والكولونيالية الإسرائيلية الاستيطانية

photo-3-2
لوحة بعنوان «deaths» (وَفيّات) من رسم سهاد ضاهر ناصيف

بِقلم: نادرة شلهوب كيفوركيان، سارة حمود، سهاد ضاهر ناشف

«لم يقوموا فقط بإقتحام منازلنا، وسلب الحيز الخاص بنا، وطردنا، بل قاموا باعتقالي واقتيادي إلى قسم الشرطة في منطقة المسكوبية. وتم وضعي في الغرفة رقم 4 لوحدي لفترة طويلة. حتى جاء ضابط شرط ضخم وطويل البِنية ودخل غرفة التحقيق. كنت لوحدي وكنت أرتعدُ خوفاً خاصة عندما أغلق الباب، وبدأ يحرك الأشياء في الغرفة من حولي ويتفحصني من رأسي حتى أخمص قدمي. لقد أرهبني تماما، حيث كان قلبي يخفق بسرعة. وكانت عيناه تهتك جسدي، بينما كان يبحث عن شئ ما في الأدراج. بعد ذلك غادر الغرفة ليعود بعد خمس دقائق يحمل في يديه صندوقاَ. أخرج منه زوجاً من القفازات الزرقاء، ووضع واحدا على كلتا يديه بينما كان ينظر إليّ قائلا: “اقتربي مني”. واجبُ عليّ أن أقول أنني كنت أرتعد خوفًا عندما اقتحموا منزلنا وطردونا منه. وكنت متوترة وقلقة جدا عندما اعتقلوا ابني. لكن خوفي، جلّ خوفي من أن تتم الإساءة إلي، أن يتم اغتصابي بيديه الزرقاويتين وأكثر من ذلك ربما، كانت تلك أكثر اللحظات رعباً في حياتي».

كانت تلك كلمات سما، البالغة من العمر 36 عاماً، والتي فقدت الشعور بالحميمية والحيز الشخصي الذي اعتادته في منزلها الذي سُلب منها، من أجل أن تتعرض لتجربة من التهديد بالإساءة الجنسية لاحقا. إن رواية سما ليست بشاذة، فهي كإمرأة تعيش تحت ظل الإستعمار وتخضع لحالة متردية من الحرمان والتهجير فهي معرضة لإعتداءات يومية تِجاه جنسانيتها وحقوقها الجسدية. فالعنف الجنسي يعتبر مركزياَ في التشكيلِ العام للقوة الإستعمارية، فهو آليتها العنصرية للإستبداد والسيطرة، وركن من أركان منطقها الخاص بإقصاء الآخر. وهذا أمر بالغ الوضوح في التاريخ الإستيطاني في أي حالة إستعمارية، حيث هذه الآلية العنفية تستهدف تحديدا جنسانية النساء المواطنات الأصليات وأمانهنّ الجسدي بصفتهن «أعداء داخليين» ينظر لهنّ كمخلوقات حيويّة فقط بما إنهن منتجاتٌ للأجيال القادمة.

إن الكولونيالية الإستيطانية كبُنية وليست كحدث، تعمل من خلال منطق الإقصاء والذي يهدف لمحو وجود السكان الأصليين من على منطقة معينة وهو ما يعتبر غير قابل للإختزال في المنطق الكولونيالي الإستعماري. فهذا النوع من الكولونيالية إحلالي وتدميري، يهدف من خلال محو السكان الأصليين بشكل دائم من أجل إحلال مستوطنين ومجتمع ونظام إستيطانيّ جديد. ولقد دار جدل بين الأكاديميين بخصوص كون المنطق الكولونيالي الإستعماري قد يؤدي إلى مجازر بحق السكان الأصليين. ففي شكلهما الأوروبي، قام المنطق الكولونيالي الإستيطاني والمذابح أيضا بالإعتماد وتوظيف «القواعد المنظِّمة للعِرق» في منطقهما الخاص. فمنذ نشأة الدولة اليهودية ضُمِّن هذا الكيان في هذا المنطق الإستيطاني العِرقي. حيث يقوم هذا المنطق بتأسيس صورة للفلسطينيين على أنهم «الآخر الخطر» في مقابل اليهودي-الأبيض. وكما ذكر العديد من الكتاب، أن هذا المنطق العنصري كان موجودا في أذهان المفكرين الصهاينة الأوائل وفي أيدولوجيتهم الإستشراقية والتي أطّرت اليهود كحَمَلة للحضارة الأوربية في وجه الثقافة المتخلفة والرجعية في المنطقة. فمشروع «تحديثي» أو «حضاري» هو مهمة اعتمدت على مخيال صهيوني يقول بخصوصية للعامل اليهودي، والذي يقوم بزراعة أرض جرداء وقفر، ويصنع من هذه الصحراء أرضاً مزدهرة ومُخضرّة. لقد قام القادة الصهيونيون الأوائل بتأصيل ومأسسة الخرافة الصهيونية التي تقول «أرضٌ بلا شعب لشعبٍ بلا أرض» من خلال تطهير عرقي ممنهج للفلسطينيين في عام 1948. فالكيان الصهيوني ما زال يمارس طرد الفلسطينيين حتى الآن. فالمجزرة التي قام بها الكيان في قطاع غزة في شهر يوليو – أغسطس من عام 2014، وسياسات القبضة الحديدية القمعية التي تستهدف الفلسطينيين المقدِسيّين حتى وقت كتابة هذا المقال، كل هذه الوسائل إنما هي أساليب حديثة يستخدمها الكولونياليون المستوطنون لطرد الفلسطينيين حيث هم السكان الأصليين.

إن استهداف أجساد النساء الفلسطينيات وجنسانيّتهن، الذي نناقشه هنا، لهو عاملٌ بنيوي في تركيبة المنطق العنصري الخاص بالمشروع الإستيطاني الكولونيالي الإستبعادي للآخر الفلسطيني. فلطالما كان الإغتصاب والأشكال الأخرى من العنف الجنسي تجاه النساء الفلسطينيات عاملا من عوامل محاولات الدولة الكولونيالية الإستيطانية لتدمير واستبعاد الفلسطينيين من أراضيهم. وبالإضافة للإغتصاب وأشكال العنف الجنسي الأخرى ، يقوم المنطق العنصري للعنف الجنسي بتنشيط المخيال الصهيون والمشروع الإنتزاعي للأراضي الفلسطينية وتنميتها، وتحويلها لمجتمع يهودي. ومن هنا فإن حديثا عن العنف الجنسي ليس مُضمّناً في الممارسات الجنسية وفي سياسات الدولة الصهيونية فحسب، ولكن أيضا في طبيعة العنف الكولونيالي الإستيطاني ذاته.

ونحن كنسويات فلسطينيات، نؤكد على أن المخيال حركة الصهيونية لإختراق الخصوصية واستيطان الجسد الفلسطيني لا ينفصل عن المشروع الاستيطاني للأرض الفلسطينية، ومحو وجود السكان الأصليين من عليها. نقوم هنا ببناء منطقنا الخاص على أساس تأكيدات الأكاديمية أندريا سميث القائلة بأن المنطق العنفي للكولونيالي الجنسية « يؤسس الأيدولوجيا القائلة بأن أجساد المواطنين الأصليين بطبيعتها قابلة للإنتهاك، وبالتالي أراضي هؤلاء السكان الأصليين قابلة للإنتهاك والسلب». وهذا المنطق العنفي الكولونيالي الجنسي هو ما نجعله محوراً في تحليلنا للنكبة المستمرة لشعبنا. فنحن نتقفى أثر العنف الجنسي هذا، في شكله التاريخي وشكله الحاضر بصفته آلية واضحة وخفيّة، للبطريركية الكولونيالية تجاه المجتمعات الأصلية في فلسطين. فمنطق العنف الجنسي يهدف إلى تشظية العائلة الفلسطينية والحياة المجتمعية، كونها تشكل قناة الإتصال بالأرض الفلسطينية. إن المشروع الصهيوني بطبيعته مبنيٌّ على تدمير الجسد الفلسطيني والأرض الفلسطينية، وذلك لا ينفصل عن المنطق الكولونيالي الإستبعادي. فالعنف الجنسي ليس ببساطة منتج ثانوي للكولونيالية، ولكن «الكولونيالية ذاتها تتشكل من خلال منطق العنف الجنسي».

العنف الجنسي والإبادة الجماعية بحق الفلسطينيين منذ النكبة

إن فهم الهجمات المكثفة على أجساد النساء الفلسطينيات في وقت تزايد الهجمات من قِبل النظام الإستيطاني الكولونيالي يستدعي تحليلاً نسوياً. تحليلٌ يجعل من النكبة نقطة انطلاق التحليل. فإسرائيل شُيدت على أطلال الأراضي الفلسطينية التي دمرتها، على آلام أهلها، وعلى آثار هجرتهم. وقد بُنيت أيضا على حساب الأواصر الإجتماعية المدمرة، وانتهاك حرمات منازلنا وأجسادنا.

فقتل وإغتصاب النساء الفلسطينيات كان عاملا مركزيا في نظرة الجنود الإسرائيليين ومجازرهم الممنهجة وتهجيرهم للفلسطينيين أثناء تدميرهم للقرى في 1948. ففي مجزرة دير ياسين على سبيل المثال:

تم جمع سكان القرية جميعهم في ساحة القرية. حيث تم صفّهم في صفٍّ واحد تجاه أحد الجدران وإطلاق النار عليهم. وكانت إحدى شهود العيان ذكرت أن أختها، والتي كانت حاملاً في شهرها التاسع، تم إطلاق النار عليها في عنقها من الخلف. ومن ثم قام المعتدون عليها بفتح بطنها بالسكين الخاصة بمحلات الجزارة وإخراج الجنين من بطنها. وعندما حاولت إحدى الفلسطينيات أخذ الطفل تم إطلاق النار عليها. وتم أيضا إغتصاب النساء أمام أطفالهن قبل أن تتم تصفيتهن وإلقائهن في بئر ساحة القرية.

وكان ديفيد بن غوريون مثله مثل أي زعيم صهيوني، ناقش وبشكل مفتوح إغتصاب وتعريض النساء الفلسطينيات للعنف الجسدي في مذكراته في عام 1948. وفي ذات التوقيت كان قد دعى وحرّض إلى قتل النساء الفلسطينيات والأطفال، باعتبارهم خطراً على المجتمع اليهودي الإستيطاني، أيضا قام بتسليم جائزة لكل أم يهودية تنجب الطفل العاشر. وقد حرصبن غوريون على أن الوكالة اليهودية لا الدولة هي من تشرف وتحفّز على عمليات «كثرة الإنجاب» من أجل ضمان إقصاء العرب من فلسطين. هذا التصنيم والتقديس لمفاهيم الخصوبة جعل الفلسطينيين – النساء منهم بالتحديد – هدفاً لخطاب قومي يسيّس تناسلهنّ بشكل حاد. فبالنسبة للصهاينة، النساء الفلسطينيات كنّ دوما، وسيظلّون كما رأينا في عدوان غزة الأخير، أهدافا لآلة القتل الصهيونية.

وكانت قد أقترحت الأكاديميات النسويات أن الدولة الصهيونية تقوم بتحشيد العنف تجاه أجساد النساء الفلسطينيات وجنسانيتهنّ من أجل تقوية البُنى البطريركية المحلية لتساعدهم في طرد الفلسطينيين من أراضيهم. أضف إلى ذلك تفشي عسكرة الإساءة الجنسية تحت الإحتلال الإسرائيلي. فلقد قامت الدولة الإسرائيلية وقواتها العسكرية باستغلال وتوظيف خطر العنف تجاه النساء الفلسطينيات، وقامت بتوظيف التصورات البطريركية للجنسانية ومفاهيم الشرف من أجل توظيف بعض الفلسطينيين كمتعاونين مع الإحتلال خلال الإنتفاضات ومن أجل ردع أي محاولة لإيجاد مقاومة منظمة. هذه الممارسة كانت تاريخياً منتشرة لدرجة أنها اكتسبت لفظاً خاصاً بها بالعربية وهو «الإسقاط السياسي» ويعني ذلك الإساءة الجنسية للفلسطينيين من أجل أهدافٍ سياسية. وما زالت أجهزة دولة الإحتلال الأمنية مستمرةً في إستخدام الهويات الجنسية للفلسطينيين والمفاهيم الإستشراقية للـ«الثقافة العربية» من أجل تجنيد المتعاونين وتشظية المجتمع الفلسطيني. وكانت المخابرات العسكرية الإسرائيلية، الوحدة 8200، قد كشفت من قبلُ هذه عن الحقيقة.

إن الاغتصاب الفعلي والمجازي الرمزي لأجساد النساء الفلسطينيات، يتم تأطيره بأنه جوهرانياً مُجاز وممكن من قِبل الكيان الصهيوني، وأنه من صلب البنى التي تكون ذات المنطق الخاص بالعنف الجنسي الذي يجعل من المشروع الكولونيالي الإستيطاني ينشط ويستمر في انتهاك ومصادرة والأراضي من الفلسطينيين.

كشف القناع عن منطق العنف الجنسي

إن صمت الآلة الصهيونية بخصوص استخدام العنف الجنسي تجاه النساء الفلسطينيات ومجتمعاتهن قد أصبح واضحاً بشكل كبير منذ بدء شن الكيان الصهيوني عملياته العسكرية مؤخراً. فمنطق العنف المُجنسن أصبح جليّاً أكثر منذ بداية العمليات العسكرية لدولة الإحتلال. فمنطق العنف الجنسي الذي يُعتبر عاملاً مؤسِّسا في المشروع الكولونيالي الإستيطاني أصبح أكثر وضوحا في الإقتحامات العسكرية التي وقعت مؤخراً. حيث ترددت شعاراتٍ مثل «الموت للعرب» و«ليخرج العرب» بكثرة وأصبحت مستخدمة ومقبولة بشكل أكبر في المجال العام الإسرائيلي، كاشفةً عن سياسات موت تُوجه ضد الفلسطينيين في عمق وصلب ما يُسمّى بالديموقراطية اليهودية.
ففي الأول من يوليو، وبعد اكتشاف جثث ثلاث مستوطنين شبان كانوا قد اختفوا قبلها في الضفة الغربية المحتلة، قال البروفيسور الإسرائيلي مورديخاي كيدار الأستاذ في مركز بيجن والسادات للأبحاث السياسية في أحد البرامج الإذاعية: «إن الرادع الوحيد لخاطفي الأطفال “الإسرائيليين” وقاتليهم، هو معرفتهم بأن الذي يُعتقل منهم سيتم إغتصاب أمه او أخته، فهذه هي ثقافة الشرق الأوسط». ومن الواضح أن تصريحاته هذه تقترح إغتصاب النساء الفلسطينيات كسبيل وحيد لردع المقاومة الفلسطينية و«الإرهاب».
نحن الفلسطينيون ليس بغريباً علينا سماع تعليقات مثل تعليقات كيدار وهو يحرض على الإغتصاب كسلاح مضاد لحركات مقاومة الإستعمار. فعندما يتم هذا التحريض في برنامج على الإذاعة العامة، ويسمعه عامة الإسرائيليين، رجالا ونساءً، وبما في ذلك النسويات الإسرائيليات، مما يعكس العقلية الإستيطانية والتنشئة الإجتماعية تجاه الفلسطينيين. فحديث مثل هذا عن اغتصاب النساء الفلسطينيات من قِبل ما يسمى «أكاديمي» من أرقى الجامعات في إسرائيل يعطي انطباعاً عن الهيئة التي يرسمها المستعمرون عن المرأة المستعمرة. وعن تصور جنساني إستشراقي في خطاب يصف الفلسطينيين بالمتخلفين ثقافياً، ويصفهم بـ«الآخر» غير الإنساني.
وخشية من أن يظهر هذا الخطاب المُجَنسن عند كيدار بشكل خارج عن سياقه، من المهم القول بأن كيدار لم يكن الممثل الوحيد في مسرح العنف الجنسي. فالجنود الإسرائيليون وهم يهمّون في طريقهم لقتل الفلسطينيين في قطاع غزة كانوا يقرؤون شعارات داعمة لهم جهّزها بعض المدنيين من الإسرائيليين اليهود تقول بعضها: «اقتلوا أمهاتهم، وعودوا لأمهاتكم». وأيضا كان قد اجتمع اليهود الإسرائيليون على سفح تلة ليشاهدوا ويهللوا لقنابل الجيش الإسرائيلي وهي تسقط على غزة،  حيث كانت قد كتبت شابة يهودية على صفحة الفيسبوك الخاصة بها عن نشوتها الجنسية التي تشعر بها أثناء تسمّرها أمام مشاهد إعدام الفلسطينيين قائلةً: «يا لها من نشوة أن تشاهد قوات الدفاع الإسرائيلية تقصف المباني في غزة والنساء والأطفال ذات الوقت». أيضا حتى رئيس وزرائهم بنيامين نتنياهو تلقى تدوينة شاعت بين العامة الإسرائيليين في شبكات التواصل الإجتماعية، تُظهر امرأة محجبة كُتب عليها “غزة” وتبدو عارية من أسفل خصرها، حاملةً رسالة تقول: «احسم الموضوع داخلي هذه المرة ! .. توقيع، مواطنون مؤيدون للتدخل البري». هذا بالإضافة لعضو الكنيست إيليت شاكد وتصريحه للعامة بأن الأمهات الفلسطينيات يجب أن يقتلن.
إن اغتصاب أجساد النساء مثل اغتصاب الأرض، أصبح في مقدمة الهجمات الإقصائية تجاه الشعب الفلسطيني. ومع استمرار المجازر بحق الفلسطينيين في غزة، تُصعّد الهجمات ذات الطبيعة الجنسية والعرقية تجاه فلسطينيي الـ48 أيضا. فقد خرجن النساء للشوارع ليتظاهرن بجوار سائر أفراد مجتمعهن ضد المجازر المستمرة في قطاع غزة. من ثم اخذت المظاهرات منعطفاً جنسانياً، عندما صرخت الحشود المارة بـ«الموت للعرب» وسرعان ما تحول هذا الشعار إلى «حنين الزعبي عاهرة» حيث حنين هي عضوة مناضلة في البرلمان الإسرائيلي من أجل حقوق شعبها في الحياة. ولم تلبث الشرطة الإسرائيلية حتى هاجمت أجساد النساء الفلسطينيات، مع شركائهن من الرجل، وأخرجوا المظاهرات من حيفا والناصرة حيث تم اعتقالهم وضربهم من قِبل حشود عنصرية أخرى. أيضاً قامت مجموعة من الرموز الدينية والعسكرية بإصدار بيانات تُجيز قصف المدنيين الفلسطينيين أثناء الحرب من أجل الإجهاز على العدو. على صعيد آخر قام مجلس مستوطنة أور يهودا الواقعة على الشاطئ بتعليق يافطة تدعم الجنود الإسرائيليين حرّضت على اغتصاب النساء الفلسطينيات حيث تقول: «أيها الجنود الإسرائيليون، سكان أور يهود معكم! اسحقوا نسائهم وعودوا سالمين لأمهاتكم».
إننا ناقش منطق العنف الجنسي المشاهَد بوضوح في الهجمات الموجهة ضد الفلسطينيين خلال تاريخ الإحتلال الإسرائيلي، طبعا تاريخياً وخلال ما يحدث من هجمات مؤخراً تنتشر بين المستوطنين الإسرائيليين والمجتمع الإستيطاني بشكل عام. إن الدولة الصهيونية والمجتمع الاستيطاني هي عناصر غير منفصلة، فهما أمران مرتبطان من خلال ارتباط عضوي نفسي ومخيال سياسي يتخطى ويختلف عن الشكل المعتاد لتقسيم الدولة والمجتمع المدني. فكما يصف لورينزو فيراسيني هذه العلاقة بأن بالمستوطنين «يحملون سيادتهم معهم». فكلا أجهزة الدولة (ومن بينهم المسؤولون الرسميون المنتخبون، والأكاديميون، والمؤسسات العسكرية) والمجتمع الاستيطاني (وهذا يتضمن الجمهور الإسرائيلي المرتبط بالأيدولوجية الصهيونية) يجسدان آلة العنف الإستيطاني. ولا عجب في أن كلا أجهزة الدولة ومجالات الإستيطان غير الرسمية مارست بشكل واضح هجمات على جنسانية وأجساد وحياة النساء الفلسطينيات في سياق حربهم الأخيرة على قطاع غزة، وفي هجماتهم المتكررة في القدس، وفي تاريخ فلسطين كله.
إن المسؤولين الإسرئيليون وسياساتهم القمعية وتحريضهم ضد الشعب الفلسطيني كل ذلك يعمل على تقوية وتشجيع المجتمع الإستيطاني الإسرائيلي على تقمص قوة الدولة الصهيونية وعلى مهاجمة الفلسطينيين بوحشية. ويبدوا هذ جليّاً في اعتداءات المستوطنين وقوات الحماية العسكرية الحكومية والقوات الأمنية على أجساد النساء الفلسطينيات داخل المسجد الأقصى خلال الأسابيع الماضية في القدس. ومثال على هذا المشهد اليومي للعنف الجنسي هو إعتقال وضرب عايدة، وهي امرأة فلسطينية من القدس القديمة. والتي عندما حاولت الدخول للمسجد الأقصى، قامت الشرطة بالتهجم عليها بوحشية. وقامت الشرطة بتمزيق حجابها وسحلها من شعرها، بينما استمروا في ضربها خلال طرقات المدينة القديمة، وجرّها حتى دورية الشرطة. بعد ذلك تم أخذها إلى مركز الشرطة ، حيث تم استجوابها بعنف، وضربها واتهامها بالإعتداء على رجل شرطة. إن تعنيف جسد عايدة ووصمها بكونها مجرمة بشكل جوهراني، إنه لشكل من أشكال العنف الجنسي الجندريّ. وتقنين هذه الأشكال من العنف يجعل من النظام القانوني الإسرائيلي ذاته مُضمّناً في المشروع الكولونيالي الإستيطاني وآلته الإقصائية.
تتطور االوحشية والتجاوازات من قِبل الدولة الإستيطانية الكولونيالية إلى صيغ وضيعة. فحين تم اعتقال سميرة لمشاركتها في مظاهرات في القدس الشرقية المحتلة، حيث تم إطلاق سراحها بشرط قيامها وإكمالها لما يسمّى «خدمة المجتمع». حيث أجبرتها خدمة المجتمع هذه على مسح أرضية دورات المياه في مرافق للشرطة الحدود الإسرائيلية والجنود الإسرائيليين. وكما أوضحت لنا قائلة:

«لم أستطع تسديد الغرامة الكبيرة، وكنت بحاجة شديدة للخروج من السجن للعودة لأطفالي. ولم يكن بيدي خيار آخر سوى مسح أرضية دورات مياههم… وبمجرد كوني هناك، في حمامات الرجال، في حمامات رجالٍ إسرائيليين بالتحديد، شعرت بأنني أتعرض للإغتصاب. لكنني فعلتها لتجنب دفع الغرامة، ولكنني لم أستطع تخطي الشعور بأنني سمحت لم بإبقائي هناك، في دورات المياه، في دولة الرعب الدائم، حيث أرتعد خوفاً من أن أتعرض لإساءة جنسية، ومن ثم يتم رميي كمناديل الحمامات الورقية».

إن كلمات سميرة وتحليلها يوضّح الجوانب الجندرية والجنسانية المعقدة للآلة الإستيطانية الكولونيالية العنفية. ولكن كما استنتجت سميرة أخيرا: «أحياناً أشعر بأنني كنت عبدة لهم فحسب، وأحياناً أخرى أقول لنفسي لا، إن هذه مقاومة وصمود، إن هذه قوة… لقد فعلت ما كان علي فعله حتى أعود لأطفالي دون أن أُلمس ودون أتعرض لإعتداء جنسي… نعم إنه صعب ومعقد.. إن وضعنا صعب ومعقد». فحتى في وجه هذا العنف الكولونيالي الإستيطاني، فإن أشكال مقاومة النساء الفلسطينيات يوميا وبقائهن يوضح قوتهنّ وصمودهن بوضوح بالغ.

بالمجمل، إن العنف الجندري والجنسي ليسوا مجرد أداة للتحكم البطريركي، حيث التحكم البطريركي هنا المنتج الثانوي للحرب أو الصراع المحتدم. لا فالعلاقات الكولونيالية هي بحد ذاتها مقسمة جندرياً ومُجنسنة. فنحن نكافح هذا العنف الجنسي، هذا المنطق المُضمّن في المشروع الإستعماري الكولونيالي، الذي يتبع مبدأين متناقضين يعملان تزامنياً: الإنتهاك/العنف/الإحتلال ومبدأ السيادة/التطهير/الفصل. وهذا هو عينه هو المشروع الصهيوني الإستيطاني الكولونيالي المحتل والعُنفيّ تجاه أجساد الفلسطينيين وحياتهم، وأراضيهم والذي يرتبط ارتباطاً وثيقاً بفصلها الحاد العنصري الجغرافي وبين الحدود المادية بين المواطنة اليهودية والفلسطينيين، أيضا محاولة تطهير الجسد الوطني اليهودي من الجسد الفلسطيني، والذي يُصوّر على أنه ملوَّث بيوسياسياً. وهكذا هو منطق العنف الجنسي، موجود في صلب النظام الصهيوني، يُفعّل ويُنشّط الهجمات التاريخية والحالية تجاه أجساد الفلسطينيين وحياتهم.
وهكذا فإن نضالنا من أجل سيادتنا كفلسطينيين داخل النشاط المقاوم للإستعمار كنسويات لهُو ضروري من أجل حماية أجساد النساء الفلسطينيات وجنسانيتهنّ، وعائلاتهنّ، وحقهم العام في الحياة. إنه نضال ضد الذكورية الفائقة لأجهزة الصهيونية العسكرية والإستيطانية والتي تؤطّر النساء الفلسطينيات بشكل جوهراني في شكل «الآخر» الخطِر – بشكل عنصري –  والمهدِّد، واللاتي يجب أن تُدمّر أجسادهن وتُنتهَك كونهنّ العدو الأبدي المنتج «للمزيد من الفلسطينيين». لا يمكن فصل هذا المنطق عن منطق الإقصاء الإستيطاني الكولونيالي.
فنحن كنسويات فلسطينيات نُعنى بسلامة حياة وأجساد النساء، واستمرارية شعبنا ومستقبلنا وأجيالنا، إننا ندعو النسويات في العالم لينضموا إلى نضالنا، ويتحدّينَ ثقافة الحصانة الممنوحة للمستوطِن المستعمِر وأن يرفعن أصواتهم ضد جرائم الدولة الإسرائيلة الجارية الآن.

المصدر: جدلية

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s