كيف أصبح الغرب ثريًّا وَوُلدت الرأسمالية الحديثة

cotton-and-slaves-1024x5761111

بِقلم: سفين بيكرت 

مثلما أصبح القطن – ومعه العبودية – مفتاحًا لاقتصاد الولايات المتحدة، فقد انتقل إلى مركز الاقتصاد العالمي، وترتّب على ذلك تحوّلات عدّة، أهمّها: إنشاء اقتصاد مرتبط عالميًا، والثورة الصناعية، الانتشار السريع للعلاقات الاجتماعية الرأسمالية في أجزاء كثيرة من العالم، و«التفاوُت العظيم» (the Great Divergence): وهو عندما تصبح مناطق قليلة في العالم أغنى بكثير من بقية المناطق بشكلٍ حاد ومفاجئ.

كانت الألياف متواضعة القيمة – المستعملة في صنع المغازل والملابس – على رأس الأسباب التي أدت لظهورِ الرأسمالية الصناعية كما هي مألوفة لدينا اليوم. وُلدَ عالمنا الحديث داخل مصانع وموانئ ومزارع القطن التي تعود للقرنين الثامن عشر والتاسع عشر. والولايات المتحدة ليست إلّا حلقةً من سلسلة طويلة تشمل حرفيي الهند، والمصنعين الأوروبيين، والرقيق الأفريقيين والمستوطنين المحتلين في الأمريكيتين. هذا الاتصال بين المناطق المتباعدة هو الذي أوجد إمبراطورية القطن – ومعها الرأسمالية الحديثة.

لا يكفي النظر للولايات المتحدة وحدها لفهم العبودية الأمريكية، بل نحتاج إلى نظرة أشمل للعالم أجمع ولمعرفة تاريخ الرأسماليّة العالمية كما تكشّفت على مدى عدة قرون. لفهم العبودية الأميركية، نحن في حاجة لتحليلِ القوة النسبية للبُنى الاجتماعية والسياسية في مَوَاطِنٍ مثل: الإمبراطورية العثمانية خلال القرن الثامن عشر، وكذلك غرب الهند في أربعينيات القرن ذاته. وكي ندرك العلاقة بين الرأسمالية والعبودية، ينبغي أن نلاحظ سيطرة المزارعين في أفريقيا على أراضيهم وعملِهم، وكذلك التحولات في الريف الهندي والبنى المؤسساتية للرأسمالية في بريطانيا وهياكل الدولة في مصر.

ذلك أنه عند هذه النقطة يرتبط تاريخ الرأسمالية بطرق متجدّدة مع ميدانٍ ناشئ مهم هو الآخر: التاريخ العالمي. كما هو معروف فإن التاريخ هو مجالٌ أكاديمي برز بالمزامنة مع الدولة القومية الحديثة، وبالفعل شكّلَ جزءًا مهمًا من دستورها. ولهذا السبب تأطَّر معظم التاريخ ضمن حدود الدول الحديثة. في السنوات الأخيرة على أية حال، حاول بعض المؤرخين التفكير خارج هذه الأطر، جامعين معًا وقائع من النطاق الإقليمي وحتى النطاق العالمي، فعلى سبيل المثال: تشارلز إس ماير وكتابه – «التّنين 2.0: اختراع الدولة الحديثة» ويرغين وستهامل في كتابه «تحوُّل العالم: تاريخ العالم في القرن التاسع عشر».

في هذه الكتابات، لعب التاريخ الاقتصادي بالتحديد دورًا مهمًا، مع أعمال رائدة مثل «التفاوُت العظيم: الصين، أوروبا، واستثمار الاقتصاد العالمي الحديث» لكينيث بوميراز، وَ «عمّال العالم: مقالات نحو تاريخ العمل العالمي» لمارسيل فاندر ليندن. التاريخ الاقتصادي – والذي ركّز لمدةٍ طويلة غالبًا على المسائل «الوطنيّة»، مثل «مجيء الرأسمالية الإدارية» في الولايات المتحدة، «الرأسمالية المنظّمة» في ألمانيا، «براعم الرأسمالية» في الصين – يُعالج الآن على نحوٍ متزايد أسئلةً أوسع، ناظرًا إلى الرأسمالية كنظام عالمي.

عندما نُطبق هذا المنظور العالمي، فإننا نُكوِّن وعيًا جديدًا حول مركزية العبودية – في الولايات المتحدة وغيرها – في ظهور الرأسمالية الحديثة. نستطيع عندها أيضًا أن نستوعب كيف تم التغلب على العبودية في نهاية المطاف لاحقًا في القرن التاسع عشر. ونأتي إلى فهم أنّ قدرة التجار الأوروبيين على حماية كميّات من أقمشة القطن أكبر من أي وقت مضى من جنوب آسيا في القرنين السابع عشر والثامن عشر كان عاملًا حاسمًا في تجارة العبيد عبر المحيط الأطلسي، حيث كان القماش سلعة المُبادلة الأساسية مع العبيد في الساحل الغربي لأفريقيا. ندرك كذلك أنّ الأسواق سريعة النمو للقطن الجنوب آسيوي في أوروبا وغيرها حثّت الأوروبيين على دخول قطاع تصنيع القطن، وهو قطاعٌ ازدهر في أماكن أخرى من العالم لآلاف السنين.

يسمح لنا المنظور العالمي أن نفهم بطرق جديدة كيف أصبحت العبودية من الأهمية بمكان للثورة الصناعية، إذ بقدرِ ما توسّع الإنتاج الآلي للمنسوجات القطنية في بريطانيا وأوروبا القارّية، أثبتت مصادر القطن الخام – خصوصًا المزارعين في الإمبراطورية العثمانية وكلًّا مِن أفريقيا والهند – أنّها غير كافية. فشِل التجار الأوروبيون في تشجيع ثقافة الزراعة أحاديّة المحصول للقطن في هذه المناطق وفي تحويل الزّراعة الفلّاحية، لهذا شرعوا في الاعتماد على العبيد في زراعة القطن، بدايةً في جُزر الهند الغربية والبرازيل، وخصوصًا في الولايات المتحدة بحلول تسعينيات القرن الثامن عشر.

نتج عن ذلك أن قدرة أوروبا على التصنيع استندت كلِّيًا في البدء على الأراضي المُحتلّة والعمّال الرقيق. استطاعت أوروبا بذلك الهروب من القيود الموضوعة على مواردها الذاتية – فلم يكن القطن محصولًا أوروبيًا – جرّاء هيمنتها المتزايدة والعنيفة على شبكات التجارة العالمية، جنبًا إلى جنب مع السيطرة على رُقعٍ هائلة في الأمريكيتين. طوال الثمانين عامًا الأولى من الصناعة الحديثة كانت الكميات الكبيرة من القطن الخام التي تدخل الأسواق الأوروبية تُنتج بواسطة الرقيق فقط، وليس بواسطة محاصيل القطن الأكبر بكثير في الصين والهند.

في العام 1800، كان 25 بالمئة من إجمالي القطن الراسي في ليفربول، وهو أهمّ ميناء قطن في العالم، قد استورِدَ من الولايات المتحدة. ازدادت تلك النسبة إلى 59 بالمئة بعد عشرين عامًا، وفي 1850، أصبح 72 بالمئة من القطن المُستهلَك في بريطانيا قطنًا مستوردًا في الولايات المتحدة، مع نسب متشابهة في بقية البلدان الأوروبية.

يتيح لنا المنظور العالمي أن نرى أنّ القدرة على الحصول على قطن أكثر وأقل تكلفة أعطت الأوروبيين والصناع الأمريكيين الشماليين الإمكانية لزيادة إنتاجية الغزل والقماش بسعر زهيد، والذي بدوره مكّنهم من الاستيلاء على أسواق القطن القديمة في كل من آسيا وأفريقيا والأماكن الأخرى، مُرسلين بذلك موجة من إلغاء التصنيع (deindustrialization) في هذه المناطق من العالم. أمّا الابتكارات في التجارة بعيدة المدى، واستثمار رأس المال في الأماكن البعيدة، والمؤسسات التي تضمّنت هذا النّمط الجديد من العولمة الرأسمالية، جميعها استُمِدّت من التجارة العالمية التي تسيطر عليها عمالة الرقيق والتوسّع الاستعماري.

يُبيِّن لنا النظر إلى تاريخ القطن بمنظور عالمي إضافةً لذلك أنّ عَمَالة الرقيق بقدر ما هي علامةُ للضعف، هي أيضًا علامة على قوة الرّأسمال الغربي والدول الغربية. كانت القدرة على قَهرِ العمال في أماكن بعيدة شاهدًا على القوة المتراكمة لدى أصحاب رؤوس الأموال الأوروبيين ومستوطني أمريكا الشمالية، ومع ذلك فقد أظهرت عجزهم عن التحول إلى زراعة الفِلاحة. فقط في الثلث الأخير من القرن التاسع عشر سُنحَ للفلاحين المنتجين في مناطق مثل آسيا الوسطى وغرب أفريقيا والهند وجورجيا وسط البلاد – في الولايات المتحدة – أن يندمجوا في الإمبراطورية العالمية للقطن، صانعين عالمًا من الممكن فيه أن تنموا صناعة القطن بشكل مهولِ دون اللجوء إلى استعبادِ عمّال القطن في العالم. في الواقع، من عيوب المنظور الذي يركز جُلّ اهتمامه على عُقدة العبد/القطن المُربحة في أمريكا ما قبل الحرب هو عجزُه عن تفسيرِ ظهور إمبراطورية للقطن غير معتمدة على العبودية.

لا نستطيع الجزم حول ما إذا كانت صناعة القطن هي الوسيلة المتاحة الوحيدة نحو عالمٍ صناعي، لكن ما نعرفه أنها كانت السبيل المؤدي إلى الرأسمالية العالمية. لا نعلم هل كانت لتنمو ثروة أوروبا وأمريكا الشمالية بمنأى عن العبودية، لكننا على يقين أن الرأسمالية الصناعية و«التفاوت العظيم» انبثقا في الواقع من الاستغلال الشديد للرقيق، والاستعمار، والأراضي المحتلّة. في الثلاثمئة عامٍ الأولى من توسع الرأسمالية، وتحديدًا بعدَ العام 1780 حينما دخلت مرحلتها الصناعية الحاسمة، لم تكن المزارع الصغيرة في ريف «إنجلترا الجديدة» (New England) القاسية هي من خوّلت الولايات المتحدة أن تتبوأ هذه المكانة الاقتصادية، بل عملُ الرقيق المضنى بلا مقابل في أماكن مثل ولايات «جنوب كارولينا» و«ميسيسبي» و«ألاباما».

عندما نُسَوّق للمزاعم الكبرى عن تفوق الأداء الاقتصادي للغرب، ونبني هذه المزاعم اعتمادًا على التفوق المزعوم لمؤسسات الغرب، مثل: حقوق الممتلكات الخاصة، والحكومة النحيلة، وسيادة القانون، علينا أن نتذكر أن العالم الذي أقامهُ الغربيون كان يتّصف بالعكس تمامًا: مُصادرة واسعة للأراضي والعمل، تدَخّل الدولة الجائر بهيئة استعمارية، وسيادة العنف والإكراه. ينبغي أيضًا أن تختبر الخرافة التي نهوى تداولها عن الرأسمالية والعمالة الحرة. الرأسمالية العالمية تتحلى بتشكيلة عريضة من أنظمة العمل، وإحدى أنظمة العمل هذه – وهو ذو أهمية بالغة لها – هي العبودية.

في ذروة شيوع العبودية، نُظرَ إليها باعتبارها أساسًا لا غنى لاقتصاد العالم الغربي عنه. لا عجبَ أن تقلق المجلة البريطانية «ذا إيكونيميست» في سبتمبر من العام 1861 حينَ قام جنرال جيش الاتحاد جون فريمونت بتحرير العبيد في ميزوري، واصفةً ما جرى بأنّه «إجراءٌ مخيف» قد يتسلّل إلى بقية الولايات التي تسمح بامتلاك الرقيق «مُلحِقًا الخراب الشامل والدمار الجارف بهذه المناطق الخصبة» وبتُجّار بوسطن ونيويورك اللذين «لطالما رجع الفضل في رخائهم» بدرجة كبيرة إلى تلك المناطق المُهددة بالدمار.

لَم تفنى العبودية لكونِها غير مُنتجة أو مربحة كما ادعى بعض المؤرخين الأوائل. فالعبودية لم تكن مجرّد رَواسبًا للإقطاعية زوالها مسألة وقت. بل انتهت العبودية نتيجةً لصراعٍ عنيف، لأن المُستعبَدين ناضلوا على الدوام ضّد مُستعبِدِيهِم، إذ أنّ خيرُ مثالٍ على ذلك هي المستعمرة الفرنسية سانتو دومينغو (اسمها الآن هو هاييتي، أول موطنٍ لشعبٍ حرّ «ملوّن» [غير أبيض] في العالم الجديد)، ونتيجة لنضال جماعة الإلغائيين[*] الشجعان اللذين ناهضوا المصالح الاقتصادية السائدة في عصرهم.

كان أحد العوامل المساهمة في القضاء على العبودية هو حقيقة أنها لم تكن نظامًا يستغلّ العمال فقط، بل نظامًا للحكم استمدّ بطرقٍ معيّنة من سُلطة الدولة. امتلك المزارعون الجنوبيون قوةً سياسية فائقة، احتاجوها لحماية نظام العبودية نفسه، ولتوسعة نفوذهم نحوَ أراضٍ أكثر، ولتطوير البنى التحتية، ولِوضع الولايات المتحدة في خانة المُصَدِّر للبضائع الزراعية ضمن الاقتصاد العالمي.

في الوقت المناسب، تضاربت مصالح الجنوب أكثر فأكثر مع أولئك المنتمين للجماعات الصغيرة والمتزايدة مِن الصِناعيين والمزارعين والعمّال الشماليين. بِقُدرتهم على تحريك العمّال عبر دفع الأجور، طالب الشماليون بدولة قوية تمضي في رفع الرسوم الجمركية، وبناء البنى التحتية التي تفضي إلى التصنيع المحلي، وضمان التمدد الإقليمي للعمالة الحرة في الولايات المتحدة. خشيَ مُلاك العبيد أنَهم كانوا يفقدون السيطرة على مستوياتٍ حسّاسة من السلطة، لذا حاولوا توجيه ضربة مضادة بمفردهم.

ظهرَ نموذجٌ جديد من الرأسمالية في أمريكا وغيرها بعد الحرب الأهلية. إلّا أن هذه الرأسمالية – المتسمة أولًا وأخيرًا بحالة من البيروقراطية غير المسبوقة، والبنى التحتية، والقدرات العسكرية، والعمل المأجور – لم تتأسّس إلّا بواسطة الأرباح والمؤسسات والشبكات والتقنيات والابتكارات التي نشأت من العبودية والاستعمار ومصادرة الأراضي.

هذا الإرث لا يزال معنا اليوم. أوجه عدم المساواة – محليًّا ودوليًا – والتي تُميِّز العالم الذي نعيش فيه، ترجِعُ على الأقل جزئيًا إلى تاريخ الرأسمالية الطويل والعنيف.

تظل هناك أسئلة عالقة عديدة حول العبودية والرأسمالية، بعضها مُحدّد وبعضها الآخر عريض. على سبيل المثال: نحنُ حتّى اللحظة لم نستوضح بشكلٍ قاطع كيفيّة انتقال أساليب ضَبطِ العمالة من عالم زراعة القطن الاستعبادية إلى عالم المصانع. نحتاج بحوثًا أكثر تفصيلًا عن مكان تراكم أرباح العبودية في أوروبا وأمريكا الشمالية، وكيف أثر كلٌ من العبودية والرأسمالية في بقية قطاعات الاقتصاد. سنستفيد من فهمٍ أفضل للكيفية التي انقطع بها الارتباط الاقتصادي الشديد بين رجال الأعمال الشماليين والعبودية في الجنوب. ونحن بدأنا فقط نضع في عين الاعتبار تأثير إعادة التفكير في العبودية على فهمنا الأعم عن الرأسمالية.

ولكن ما نعرفه هو أن تواريخ الرقّ والرأسمالية يبدون مختلفين جدًا حين نفهمه بربطهم معًا. في المرة القادمة التي نسير في جنوب منهاتن، وأحواض سُفن ليفربول، أو حرم هارفرد الجامعي، ينبغي أن نعي أننا نعبر بمحاذاة ملايين المستعبدين اللذين ساهموا في تكوين هذه العَظَمة، وفي السبل التي لا يزال بها إرث العبودية قائمًا.

المصدر: خدمة الإذاعة العامة


[*]الإلغائيون: المناضلون لأجل إلغاء العبوديّة.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s