شولاميث فايرستون: جدلية الجنس

الطبقة الجنسية باطنية جدًا لدرجة أنها غير مرئية. أو قد تظهر على شكل تفاوت سطحي يمكن القضاء عليه ببضع إصلاحات، أو ربما بدمج المرأة كاملًا ضمن القوة العاملة. لكن ردة فعل عامة الناس من رجل وامرأة وطفل يمكن تلخيصها بجملة «هذا؟ لا يمكنك تغيير هذا! أجننت؟» هي الأقرب الى الحقيقة. نحن نتحدث عن شيء بهذا العمق. ردة الفعل الحدسية هذه – إفتراض أنه حتى عندما لا يعي النسويون الأمر، هم يتحدثون عن تغيير حالة بيولوجية جوهرية – هي حدس صادق.

وضع هذا التغيير الجذري في إطارٍ فكري تقليدي، «السياسي» مثلاً، أمرٌ صعب، وذلك ليس لأن هذه الأطر لا تمتّ له بصلة، بل لأنها ليست شاملة لكلّ نواحيه بالقدر المطلوب، ولكنّ النسوية الراديكالية تخترِقُها جميعها. لو كان هناك كلمة أكثر شمولية من «الثورة» لاستخدمناها.
مسائلة الظروف البيولوجية الأساسية كان جنونًا قبل بلوغ مرحلة معينة من التطور والوصول لتكنولوجيا بهذا المستوى الرفيع من التعقيد. لما قد تتخلى المرأة عن مقعدها الثمين في العربة مقابل صراع مدمٍ لن تقدر حتى على تمني الفوز به؟ لكن، للمرة الأولى في بعض البلدان، شروط الثورة النسوية نضجت – بالفعل، الوضع أصبح يتطلب ثورة كهذه.
أولى النساء يهربن من المجزرة، راجفات ومترنّحات، بدأن بايجاد بعضهن. خطوتهن الأولى مراقبة مشتركة دقيقة لإيقاظ الوعي نائم. الأمر مؤلم هو: ليس مهمًا عمق الوعي، فالمشكلة دائمًا أعمق. إنها في كل مكان: التقسيم الجنسي ساد الثقافة، والتاريخ والإقتصاد، والطبيعة نفسها، أمّا النسخة الغربية الحديثة للتمييز على أساس الجنس ليست إلا أحدث القشور. رفع منسوب الحساسية ضد التمييز على أساس الجنس يخلق مشاكل أسوء بكثير من تلك التي يخلقها تنبّه مناضل[*] أسود للعنصرية: على النسويين أن يسائلوا، ليس الثقافة الغربية بمجملها فحسب، بل منظومة الثقافة نفسها، وأكثر من ذلك، حتى منظومة الطبيعة. الكثير من النساء يستسلمن بيأس: إن كانت القضية بهذا العمق فهن لا يردن أن يعرفن أكثر. وأخرياتٌ يواصلن تعزيز وتوسيع الحركة، لتخدم حساسيتهم المؤلمة تجاه اضطهاد الأنثى هدفًا محددًا: القضاء على هذا الاضطهاد في نهاية المطاف.

ولكن، قبل أن نحاول تغيير حالة ما، علينا أن نفهم كيف وُجدت وتطورت، والمؤسسات التي تعمل من خلالها. يقول انجلز: «[علينا] دراسة التعاقب التاريخي للأحداث التي منها ولد التضاد، لنتمكن – من خلال هذه الشروط التي تم خلقها – إكتشاف سبيل لانهاء الصراع». كي تندلع ثورةٌ نسوية، سنحتاج تحليلًا شاملًا لدينامية الصراع الجنسي بمستوى شمولية تحليل ماركس-انجلز للصراع الطبقي بهدف ثورة اقتصادية. بل تحليلًا أكثر شمولية، فنحن نتعامل مع مشكلة أكبر، اضطهادٌ يعود لزمن ما قبل التاريخ اإلى مملكة الحيوان نفسها.
بخلقنا هذا التحليل، يمكننا تعلم الكثير من ماركس وانجلز: ليس رأيهم المباشر بالنساء – بوضعهن كطبقة مضطهدة كون ذلك الأمر الوحيد الذي يعرفونه عن الأمر، معترفين به فقط عندما يتلاقى مع الاقتصاد – بل منهج التحليل الخاص بهما.

تفوّق كلٌ من ماركس وانجلز على سابقيهم مِنَ الإشتراكيين بوضعهما منهج تحليل جَمَعَ الجدليّة مع المادّية. المنهج الأول على مر قرون يحلل التاريخ جدليًا. رأوا العالم عملية متسلسلة وتقلبًا طبيعيًا من الفعل ورد الفعل ومن الأضداد المتادخلة والمتلازمة. لأنهما استطاعا رؤية التاريخ كفيلم بدل رؤيته كلقطة، حاولا تجنّب الوقوع في فخ التفسير «الما ورائي» الذي وقعت فيه الكثير من العقول العظيمة ( قد يكون هذا النوع من التحليل وليد التقسيم الجنسي الذي سننقاشه في الفصل 9). قاما بجمع هذه الرؤية عن التفاعل الديناميكي للقوى التاريخية برؤية مادية. بكلمات أخرى، حاولا للمرة الأولى وضع التغيرات التاريخية والثقافية على أسس واقعية، معزّين تطور الطبقات الإقتصادية لأسباب مادية. بفهمهم العميق لميكانيكا التاريخ، أرادوا تعليم الإنسان السيطرة على هذا التاريخ.
لم يتمكّن المفكرون الإشتراكيون قبل ماركس وانجلز – كـ«فوريير» و«أوين» و«بيبيل» – من مناقشة غياب المساواة الإجتماعية خارج نطاقها الأخلاقي، مقترحين عالمًا مثاليًا حيث لا وجود للإمتيازات الطبقية أو الاستغلال الطبقي – بنفس الطريقة التي تخيل فيها المفكرون النسويّون الأوائل عالمًا لا وجود فيه للذكورية والإستغلال – بالتأثير المحض للنية الحسنة. بكلتا الحالتين، لأن المفكرين الأوائل لم يفهموا كيف تطور الظلم الإجتماعي، أو كيف حافظ على وجوده، أو كيف بالإمكان القضاء عليه، سبحت أفكارهم في فضاء ثقافي فارغ، في «المدينة الفاضلة». في المقابل، حاول ماركس وإنجلز مقاربة التاريخ بمنهجيّة علميّة، وقاموا بتعزية الصراع الطبقي لأُسُسِه الحقيقية الاقتصادية، طارحين حلًا اقتصاديًا مبنيًا على شروط اقتصادية متوافرة: سيطرة البروليتاريا على وسائل الانتاج ستؤدي الى الشيوعية حيث تكون الدولة قد اضمحلّت باضمحلال دورها، أي اضطهاد الطبقات الدنيا في خدمة الطبقات العليا. ففي مجتمع غير مقسم طبقيًا، ستصبح مصلحة كلّ فردٍ مرادفة لمصلحة المجتمع.

لكن عقيدة المادية التاريخية، بالرّغم من أنّها تشكّل تقدمًا عظيمًا على مناهج التحليل التاريخي التي سبقتها، فهي لم تكن حلًا كاملًا كما أظهرت الأحداث لاحقًا. فمع أن ماركس وانجلس غرسوا نظريتهم في أرض الواقع، إلا أن ذلك الواقع لم يكن كامِلًا. فهذا هو تعريف إنجلز الإقتصادي البحت للمادية التاريخية من كتاب «الإشتراكية: طوباوية أم علمية»:

«المادية التاريخية هي تلك الرؤية لمسار التاريخ التي تبحث عن المسبب النهائي والقوة الدافعة لجميع الأحداث التاريخية وللتطورالاقتصادي في المجتمع وللتغيرات في نمط الانتاج والمقايضة ولتقسيم المجتمع الى طبقات نتيجة لهذه التغيرات وللصراعات التي تخوضها هذه الطبقات ضد بعضها البعض». (التأكيد مُضاف)

ويقول إنجلز بالإضافة لذلك:

«…إن كل التاريخ الذي سبق – باستثناء المرحلة البدائية – كان تاريخ صراعٍ طبقي؛ إن هذه الطبقات الاجتماعية المتحاربة هي دائمًا وليدة نمط الانتاج والمقايضة (الأوضاع الاقتصادية في الحقبة المعنيّة)؛ إن الهيكلية الاقتصادية للمجتمع تشكل الأساس الذي منه نستطيع أن ننطلق لوضعِ التفسير النهائي للبنية الفوقية أي المؤسسات القضائية والسياسية بالاضافة الى الأفكار الفلسفية والدينية في حقبة زمنية محددة». (التأكيد مُضاف)

سيكون من الخطأ محاولة تفسير اضطهاد المرأة اعتمادًا على هذه النظرية الاقتصادية البحتة. التحليل الطبقي عملٌ جميل، لكنّه محدود: بالرغم من صحّته عند التحليل الخطّي (linear)، هو ليس عميقًا بالقدر المطلوب. هناك أساس جنسي للجدلية التاريخية يملك إنجلز في بعض الأحيان تصورًا مبهمًا عنه. ولأنه لا يرى الجنس إلّا بعدسةٍ اقتصادية – مُختزِلًا كل شيء داخل ذلك الإطار – يصبح عاجزًا عن إعطاء الأمور حقها في التقييم.

لاحَظَ إنجلز أنّ الانقسام الأوّل للعمل كان بين الرجل والمرأة لهدف تربية الأولاد؛ وأن الرجل كان المالِك في العائلة والزوجة هي وسيلة الإنتاج والأولاد هم ثمرة العمل وأن تناسل الجنس البشري كان نظامًا اقتصاديًا مهمًا مميزًا عن وسائل الإنتاج الأخرى.

لكن إنجلز نال تقديرًا مبالغًا فيه مقابلَ اعترافاته المبعثرة باضطهاد النساء كطبقة. في الواقع، إنجلز اعترف بنظام الطبقة الجنسية فقط عندما تقاطع هذا مع بنيته الاقتصادية وأبْرَزَها. ولكن إنجلز لم يُبرِع حتى عِندَ اتّباعه لهذه السياسة. مع ذلك، فماركس كان أسوء، إذ أنّ هناك اعترافٌ متنامٍ بتحيزِ ماركس ضد المرأة (تحيز اجتماعي شارَكه فيه فرويد وغيره من رجال الثقافة) وهو تحيزٌ خطير إن حاولنا إقحام النسويّة في إطار ماركسي تقليدي – إن رفعنا ما ورد عرضيًا عن ماركس وإنجلز بشأن الطبقة الجنسية لمستوى العقيدة. عِوضًا عن هذا علينا توسيع دائرة المادّية التاريخية لتشمل الماركسي البحت بنفس الطريقة التي لم تضحد بها الفيزياء النسبيّة تلك الـ«نيوتونيّة» بقدر ما رسمت دائرة حولها مُقلّصة بذلك حدود تطبيقها مقارنةً بما كانت عليه سابقًا، فأيّ تشخيصٍ اقتصادي يعزّى الى ملكية وسائل الإنتاج –  أو حتى وسائل اعادة الإنتاج (التناسل)  – لن يقدّم تفسيرًا وافرًا. هناك واقع لا يتتفرع مباشرة من الاقتصاد.

افتراض أنه ما دون الاقتصاد، الواقع نفسي-جنسي افتراض غالبًا ما يتم رفضه بصفته غير تاريخي من قبل الذين يتبنون رؤية جدلية مادية للتاريخ لأنه افتراض يبدو وكأنه يردّنا الى حيث انطلق ماركس: البحث في غمامة من الفرضيات الطوباوية، نظمٌ فلسفية قد تكون على صواب أو على خطأ (ليس هناك طريقة للتأكد)، نظمٌ تفسر التطور التاريخي الملموس بفئات فكرية قبْلية (بديهية)[†]… لكن المادية التاريخية هدفت لتفسير «المعرفة» بـ«الوجود» وليس العكس.

ولكن لا يزال هناك بديل ثالث غير مجرّب: يمكننا محاولة تطوير رؤية مادية للتاريخ مبنية على الجنس نفسه.fireston.png

انتهج المنظّرون النسويون الأوائل مقاربة مادية للجنس بقدر ما انتهجها «فورييه» و«بيبل» و«أوين» لتفسير الطبقة. بشكلٍ عام، النظرية النسوية كانت غير فعّالة بقدر ما كانت عليه المحاولات النسوية الأولى لوضع حدٍّ للتمييزعلى أساس الجنس. كان هذا متوقعًا. المشكلة عميقة لدرجة أنه – عند المحاولة الأولى – لا يمكن قراءة إلا القشور ووصف أكثر تجليات اللامساواة وضوحًا. كانت «سيمون دي بيفوار» الوحيدة التي اقتربت من – ولعلها قدّمت – التحليل الحاسم. كتابُها العميق «الجنس الآخر» – والذي نُشِرَ في أوائل الخمسينات لعالمٍ كان يعتقد أنّ النسوية اندثرت – حاول للمرة الأولى تجذير النسوية في أساسها التاريخي. من بين كل المنظرين النسويين كانت «دي بوفوار» الأكثر وضوحًا والأبعد تأثيرًا، رابطةً النسوية بأفضل أفكار حضارتنا.

قد تكون هذه السِمة الحَسَنَة عيبها الوحيد: أنها متمرّسة ومثقفة أكثر من اللازم. يتحول ذلك إلى نقطة ضعفٍ – والأمر ما زال قيد الجدل – عندما تفسّر النسوية من منطلق وجودي جامد (يتسائل البعض عن علاقة سارتر بهذا). هذا على ضوء حقيقة أنّ جميع النظم الثقافية بما فيها الوجودية هي نفسها مبنية على الثنائية الجنسية. تقول دي بوفار:

«المرء ينظر لنفسه من خلال الآخر. أنه يرى العالم من عدسة الثنائية والتي لا تكون في بادئ الأمر جنسية. ولكنّ كونها مختلفة عن الرجل الذي ينصب نفسه “الشيء نفسه” سيكون من الطبيعي أن تُوضع المرأة في خانة “الآخر”.هذا “الآخر” يحوي المرأة». (التأكيد مُضاف)

لعلها رمت أبعد من هدفها: لم التسليم بمفهوم هيغيلي جوهري عن «الآخر»– كتفسير نهائي ومن ثم توثيق الظروف البيولوجية والتاريخية التي دفعت بطبقة «النساء» الى خانة «الآخر» – في وقت لم ينظر فيه أحدٌ بجدية في احتمالٍ مرجّح وأكثر بساطة وهو أن هذه الثنائية الأساسية نبعت من التقسيم الجنسي نفسه؟ التسليم بفئات قبْلية للفكر والوجود ليندرج التاريخ تحتها لاحقًا – «الآخَرْيّة» (otherness)، و«المحايثة»، و«المفارقة»[‡] – قد يكون أمرًا غير ضروري. اكتشفَ كلٌ من ماركس وانجلز أنّ هذه الفئات الفلسفية لم تعد صالحة.

قبل التسليم بهذه الفئات فلنحاول تطوير تحليل يكون البيولوجي فيه – عملية الانجاب – مصدر الثنائية. قد يكون للافتراض الحدسيّ الذي يتبناه العامة بأنّ للتقسيم اللامتساوي للجنسين أمر «طبيعي» أساسٌ مِنَ الصّحة. ولكن علينا التريث. فبعكس الطبقة الاقتصادية، الطبقة الجنسية وليدة واقع بيولوجي: الرجل والمرأة خُلقا مختلفين وغير متساويي الامتيازات. ولكن – كما أشارت دي بيفوار – هذا الاختلاف لم يكن بالضرورة ليولّد نظامًا طبقيًا – هيمنةُ مجموعةٍ على أخرى – بل الوظائف التناسلية لهذه الاختلافات هي من فعلت. العائلة البيولوجية بطبيعتها توزيعٌ لامتساو للسلطة. الحاجة للسلطة التي أدّت الى نشوء الطبقات هي حصيلة التكوين النفسي-الجنسي لكل فرد بنائًا على هذا الاختلاف الأساسي وليس كما افترض «فرويد» أو «نورمان» أو «براون» وغيرهم – مخطئين الهدف مجددًا – بأن السبب كان الصراع الأبدي بين الحياة والموت أو بين «ايروس» و«ثانتوس».

كانت الأسرة البيولوجية – وهي الوحدة الأساسية للتكاثر المكوّنة من ذكر\أنثى\رضيع –  بأي شكل من التنظيم الاجتماعي  تتميز بهذه الحقائق الأساسية – إن لم تكن حقائق ثابتة:

  • أن النساء عبر التاريخ وقبل وجود وسائل منع الحمل كُنّ تحت رحمة طبيعتهن البيولوجية – الحيض، انقطاع الطمث، «الأوجاع النسائية»، ألم الانجاب الثابت، الرضاعة ورعاية الرضّع، مما جعلهن متّكلين على الذكور (الأخ، الأب، الزوج، الحبيب، أو القبيلة، الدولة، والمجتمع بشكل عام) من أجل البقاء.
  • رُضّع البشر بحاجة لوقت أطول للنمو مقارنة بالحيوانات وبالتالي هم عاجزون ومتّكلون على البالغين – لفترة قصيرة على الأقل – من أجل البقاء.
  • أن علاقة الترابط الأساسية بين الأم والطفل موجودة في كل المجتمعات – ولو بأشكال مختلفة – في الماضي أو الحاضر، مُقولِبَةً سيكولوجية كُل أنثى بالغة وكل رضيع.
  • أن الاختلاف التناسلي الطبيعي بين الجنسين أدى مباشرة الى أول تقسيم للعمل الذي بدوره أدّى الى نشوء الطبقة إضافة الى تغذيته للنموذج الطبقي (التمييز على أساس الخصائص البيولوجية).

هذه الصدف البيولوجية للعائلة البشرية لا يمكن حجبُها بمغالطات أنثروبولوجية، من يراقب الحيوانات تتزاوج وتنجب وترعى أطفالها سيجد صعوبة في تقبل مزاعم «النسبية الثقافية». فبغضّ النظر عن عدد القبائل التي قد تجدها في (أوسييانيا) حيث النسب الأبوي غير معروف وبغضّ النظر عن عدد حالات النسب الأمومي وبغضّ النظر عن عدد حالات عكس الأدوار الجنسية أو حالات قيام الذكر بدور ربّ منزل أو حالات آلام المخاض التضامنية…هذه الحقائق تثبت شيئًا واحدًا: المرونة المذهلة للطبيعة البشرية. لكن الطبيعة البشرية قابلة للتكيّف مع الأمور وهي تُحَدّد وفقًا لظروفها المحيطة. والعائلة البيولوجية التي وصفناها موجودة في كل مكان عبر الزمن، حتى في النظم الأمومية حيث خصوبة المرأة مقدّسة ودور الرجل مجهول أو غير مهم، لا يزال هناك اعتماد للأنثى والطفل على الذكر حتى لو لم يكن الأب البيولوجي. ومع أنّ الأسرة النووية ذات نشأةٍ حديثة – فإنّ نشأتها تزيد من سوء التبعات السيكولوجية للأسرة البيولوجية كما سأحاول أن أثبت لاحقًا – مع أنّ هذه الأسرة البيولوجية مرت بتغيرات كثيرة عبر التاريخ، فالصُدَف التي قُمت بوصفها تواجدَت في جميع هذه الأسر مؤدية لتحريفات نفسية-جنسية في شخصية الانسان.

لكن التسليم بأنّ اللاتوازن الجنسي في ميزان القوى سببه بيولوجي لا يعني أننا خسرنا قضيتنا. نعم، لم نعُدْ مجرد حيوانات ومملكة الطبيعة ليست تحت حكم مطلق. وكما اعترفت «سيمون دي بيفوار» نفسها:

«النظرية المادية التاريخية أبرزت بعض الحقائق المهمة. فالبشرية ليست جنسًا حيوانيًا إنما واقعٌ تاريخي. المجتمع البشري معاكس للطبيعة (anti-physis) – إنه لا يخضع سلبيًا للطبيعة بل يأخذ على عاتقه التحكم بها. هذا التمكن ليس عملية شخصية ذاتية إنّما يجري بصورة موضوعية».

وبالتالي القِيَم «الطبيعية» ليست بالضرورة قيمًا «بشرية». البشرية بدأت بتخطي الطبيعة: لم يعد بامكاننا تبريرُ بقاءِ نظام يميّز على أساس الجنس بنائًا على الجذورالطبيعية لهذا النظام. بالفعل، لأسباب عملية وحدها يبدو أننا أصبحنا بحاجة للتخلص من هذا النظام.

تُصبح المشكلة سياسية، مُتطلِّبةً أكثرَ من مجرد تحليل تاريخي شامل، عندما ننتبه إلى أنه على الرغم من قدرة الرجل المتنامية على تحرير نفسه من الظروف البيولوجية التي كانت السبب في الاستبداد الذي يمارسه على النساء والأطفال، إلّا أنه لا يملك أي سبب يدفعه للتخلي عن هذا الاستبداد. كما قال إنجلز في حديثه عن الثورة الاقتصادية:

«قانون تقسيم العمل يشكّل قاعدة التقسيم الطبقي. [لاحظ أن هذا التقسيم نفسه نتاج تقسيم بيولوجي]. لكنّ هذا لا يمنع الطبقة الحاكمة، متى تسلمت زمام الأمور، من مصادرة السلطة على حساب الطبقة العاملة وتحويل قيادتها الاجتماعية الى استغلال مكثف للجماهير».

على الرغم من احتمال أن النظام الطبقي الجنسي نشأ في ظروف بيولوجية بحتة، هذا لا يضمن حرية النساء والأطفال متى اختفت هذه القاعدة البيولوجية للاستغلال. على العكس، فإنّ التكنولوجيا الحديثة وتقنيات التحكم بالخصوبة على وجه التحديد قد تُستخدم ضدهم لتدعيم نظام الاستغلال الراسخ.

وكما أن ضمان القضاء على الطبقات الاقتصادية يتطلب ثورة الطبقة الدنيا (البروليتاريا) ومصادرتهم وسائل الانتاج في ديكتاتورية مؤقتة، ضمان القضاء على الطبقات الجنسية يتطلب ثورة الطبقة الدنيا (النساء)، ومصادرتهن وتحكمهن بوسائل إعادة الإنتاج (التناسل): ليس استرجاع النساء الكامل لملكية أجسادهن فحسب بل سيطرتهن المؤقتة على الخصوبة البشرية – بيولوجية السّكان إضافة الى جميع مُؤسّسات الإنجاب وتربية الأطفال. وكما أن الهدف النهائي للثورة الاشتراكية ليس إلغاء الامتيازات الاقتصادية للطبقة فحسب بل التقسيم الطبقي نفسه، فالهدف النهائي للثورة النسوية يجب أن يكون – خلافًا لهدف الموجة النسوية الأولى – ليس الغاء الإمتياز الذكوري فحسب بل التقسيم الجنسي نفسه: الاختلافات التناسلية ستصبح ثقافيًا بِلا أهمية. (عودة إلى الميول الجنسي الشامل (pansexuality) – ما يصفه فرويد بـ«الانحراف متعدد الأشكال» – سيحلّ على الأغلب محلّ الغيرية\المثلية\الازدواجية). تكاثرُ الجنس البشري عبر جنسٍ واحد لمصلحة الجنسين سيُستبدل بالتناسل الصناعي – أو على الأقل خيار التناسل الصناعي: سينجب الجنسين الأطفال بشكل متساوٍ أو بشكل مستقلٍ عن كلٍ منهما. اعتمادُ الطفل على الأم (والعكس) سيُفسِح الطريق لاعتماد أقصرمدةً على مجموعة صغيرة من «الآخرين» بشكلٍ عام وأي دونيّة في القوة الجسديّة أمام البالغين ستعوّض ثقافيًا. تقسيمُ العمل سينتهي بإنهاء العمل بأكمله (عبر الضّبط الآلي الأوتوماتيكي[§]). سينكسر هكذا استبداد الأسرة البيولوجية.

وستنكسر معه سيكولوجية القوة. كما وصف إنجلز الثورة الاشتراكية بالمعنى الدقيق «سيكون وجود – ليس هذه الطبقة الحاكمة أو تلك فحسب بل أي طبقة حاكمة على الاطلاق –[قد أصبح] مفارقة تاريخية عفا عليها الزمن».

أن الاشتراكية لم تقترب من تحقيق هذ الهدف المتوقع لم يكن نتيجة ظروف اقتصادية لم تنضج أو أسيء استغلالها فحسب، بل أيضًا نتيجةَ قصور التحليل الماركسي نفسه: التحليل لم يدخل عميقًا في الجذور النفسية-الجنسية للطبقة. كان ماركس على طريق اكتشاف ما هو أعمق مما كان يعلم عندما لاحظ أن العائلة تحوي في ذاتها جميع التناقضات التي تتطوّر فيما بعد على نطاق واسع داخل المجتمع والدولة. ما لم تقتلع الثورة التنظيم الاجتماعي الأساسي – العائلة البيولوجية التي دائمًا ما يمكن من خلالها تهريب سيكولوجية القوة – لا يمكن القضاء على دودة الاستغلال. نحتاج ثورة جنسية أوسع من –وتحوي – ثورةً أخرى اشتراكية للقضاء على جميع النظم الطبقية تمامًا.

هدفتُ إلى أخذ التحليل الطبقي خطوةً الى الأمام نحو جذورها في التقسيم البيولوجي للجنسين. لم نتخلص من آراء الاشتراكيين بل على العكس يمكن للنسوية الراديكالية توسيع تحليلهم ومنحه أساسًا أعمق في ظروفٍ موضوعية ليصبح قادرًا على تفسير الكثير من الأمور العالقة. كخطوة أولى في هذا الاتجاه, وكأساسٍ لتحليلنا، علينا توسيع تعريف إنجلز للمادية لتاريخية. نفس التعريف الذي ورد أعلاه أعيدت صياغته ليشمل التقسيم البيولوجي للجنسين بهدف التناسل والذي هو أساس الطبقة:

«المادية التاريخية هي تلك الرؤية لمسار التاريخ التي تبحث عن المحرّك الأساسي والقوة الدافعة للأحداث التاريخية في جدلية الجنس: انقسام المجتمع الى طبقتين بيولوجيتين بهدف الانجاب التناسلي وصراع هذه الطبقات؛ في تغيرات نمطِ الزواج وإعادة الإنتاج (التناسل) والعناية بالطفل الناتجة عن هذه الصراعات؛ في التطور المترابط لطبقات [رتب اجتماعية] محدَدة أخرى؛ وفي التقسيم الأول للعمل على أساس الجنس والذي تحوّل الى النظام الطبقي [الاجتماعي-الاقتصادي]».

وها هي البنية الفوقية الثقافية وتلك الاقتصادية تُعزّى، ليس إلى الطبقة الاقتصادية فحسب بل، بعيدًا الى الوراء نحو الجنس:

«كل التاريخ الذي سبق [لاحظ أنه أصبح بامكاننا الآن حذف عبارة “باستثناء المرحلة البدائية”] كانَ تاريخ صراعٍ طبقي؛ هذه الطبقات الاجتماعية المتحاربة هي دائمًا وليدة أنماطِ تنظيم وحدة الأسرة البيولوجية بهدف التّكاثر إضافة إلى الأنماط الاقتصادية البحتة لإنتاج ومقايضة البضائع والخدمات. يشكّل التنظيم الجنسي-التناسلي للمجتمع دائمًا القاعدة الحقيقة التي منها وحدها يمكننا الانطلاق لتفسير البنية الفوقية للمؤسسات الاقتصادية والقضائية والسياسية بالاضافة الى الأفكار الفلسفية والدينية في حقبة زمنية محددة».

والآن توقعات إنجلز لنتائج المقاربة المادية للتاريخ أصبحت أكثر واقعية:

«ستخضع ظروف المعيشة التي تحيط بالانسان والتي سيطرت عليه من قبل لسيطرة ورقابة الانسان الذي يصبح للمرة الأولى – وعَنْ وَعِي – سّيد الطبيعة الفعلي، سيّد تنظيمه الاجتماعي».

في الفصول التالية، سنفترض هذا التعريف للمادية التاريخية باحِثين في المؤسسات الثقافية التي تحافظ على وتدعم العائلة البيولوجية (خاصة تجليّاتها الحالية: الأسرة النووية) وتبعاتها: سيكولوجية القوة والشوفينية العدائية التي تطوّرت لمرحلة تخوّلها القضاء علينا. وعلينا دمج هذا مع التحليل النسوي للفرويدية: فالانحياز الثقافي لفرويد، ومثله عند ماركس وإنجلز، لا يُبطل أفكارهم بالكامل. في الواقع، إنّ أفكار فرويد ذات قيمة أكبر من أفكار المنظّرين الاشتراكيين عند بناء مادية جدلية جديدة على أساس الجنس. علينا أن نحاول ربطَ أفضل ما قدمه إنجلز وماركس (منهج المادية التاريخية) بأفضل ما قدمه فرويد (فهمه لمكنون الرجل والمرأة وما يقولبه) للوصول الى حلٍّ سياسي وشخصي وفي نفس الوقت واقعي. علينا أن نرى أنّ فرويد درس دينامية السيكولوجيا بشكل صحيح في سياقها الاجتماعي المباشر، ولكن لكون بنية ذلك السياق الاجتماعي الأساسيّة كانت مشتركة – بدرجات مختلفة – عند البشرية جمعاء فَبَدَتْ مجرد ظرفٍ وجوديٍّ مطلق من الجنون مناقشته – أصبح فرويد والكثير من أتباعه مُجبَرين على التّسليم بمفاهيم قّبْلِيّة كغريزة الموت لتفسير أصل هذه الدوافع النفسية المشتركة. هذا بدوره جعل أمراض البشرية غير قابلة للاختزال أو الشفاء – ولهذا السبب حلّه المقترح (العلاج بالتحليل النفسي) كان ضعيفًا جدًا مقارنة بباقي عمله وفشلًا مدويًا – جاعلاً من يتمتع بحس اجتماعي/سياسي رافضًا ليس حله العلاجي فحسب بل أهم اكتشافاته أيضًا.


ملاحظات:

[*]تستخدم الكاتبة كلمة (militant)، وهي تعني الشخص المتّصف بالروح النضاليّة/الراديكالية في مناصرة قضيّة

[†] المعرفة القبلية أو البديهية (a priori) هي المعرفة التي لا تعتمد على التجربة، تقابلها المعرفة الاستدلالية (a posteriori) التي تعتمد على التجربة والأدلة المادية.

[‡]المحايثة (immanence): أصل الكلمة اللاتيني يعني «المكوث في».  تستعمل في الفلسفة لوصف ما هو موجود في العالم الحسّي وليس مفارق له في مقابل المفارقة (transcendence): تستخدم لوصف كل ما يتخطى العالم الحسي نحو حالة خارقة. يستعمل المصطلحان في الثيولوجيا لوصف الله: مفارقًا عند الحديث عن وجوده خارج نطاق العالم الحسّي ومحايثًا عند الحديث عن تجلياته في هذا العالم. استخدمت سيمون دي بيفوار هذين المصطلحين لمقارنة واقع الجنسين: النساء «محايثات»، أسيرات واقعهن البيولوجي الذي –في سياقه التاريخي المضطهد للنساء- منعهن من «مفارقة» هذا الأخير كما فعل الرجال.

[§] الضبط الآلي الأوتوماتيكي (cybernation): التحكّم الأوتوماتيكي لعمليّة الإنتاج عبر الأجهزة الآليّة.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s