انتفاضة فلسطينية أخرى؟

مخيّم جباليا، قطاع غزّة عام 1988
مخيّم جباليا، قطاع غزّة عام 1988

بِقلم: معين ربّاني

كثيرًا ما تصاحبُ توقّعاتٌ حول انتفاضة فلسطينية جديدة في الأراضي المحتلّة كُلَّ انهيارٍ للعمليّة الدبلوماسية، أو إعلانِ مشروع توسّعٍ استعماريٍّ جديد أو أعمال عنفٍ إسرائيليّة ضدّ الحيوات الفلسطينيّة، مثل ما حدث مؤخرًا من قتلٍ مروّع للرضيع الفلسطينيّ «علي دوابشة» مِنْ قِبل مستوطنين إرهابيين أشعلوا النار في منزله الواقع في الضفة الغربيّة.

وتُستهلّ هذه التوقعات كثيرًا بملاحظةَ كون الفلسطينيين في الأراضي المحتلّة يعيشون اليوم في أوضاعٍ بِمُجملها أكثرُ سوءً وأكثر بؤسًا من أوضاع عشيّة اندلاع انتفاضة 1987-1993 أو انتفاضة 2000-2004.

ومع كون الفلسطينيين – سواءً في داخل وطنهم أو في المنفى – يمرّون اليوم بالفعل بظروفٍ عصيبة على نحوٍ غير مسبوق، فالانتفاضاتُ لا تشتعَل أبدًا تقريبًا بمجرّد استياءِ الأوضاع. وإن حدث ذلك، تميل هذه التحرّكات لاتّخاذ طابعِ مظاهراتٍ واشتباكاتٍ وهجماتٍ عابِرة يكثر أن تكون غيّر منسّقة. بالفعل، كان هذا هو ما حصل في أعقاب إحراق المراهق الفلسطيني «محمد أبو خضير» حيًا في القدس مِن قِبل مستوطنين إرهابيين ودقّ قطاع غزّة مِنْ قِبل الجيش الإسرائيلي في صيف 2014، وهذا هو ما يُرجّح أن يحدث في الضفة الغربيّة هذا الصيف: تعبيراتٌ عن الغضب، انتقامٌ هنا وهناك، ومِن ثمّ تعود الأمور لمجراها.

يكمن أحد الأسباب الرئيسية لعدم تحقّق هذه التوقعات في كيفيّة استذكار وتفسير الانتفاضتين السابقتين. تحكي الرواية التاريخيّة المألوفة عن انتفاضة 1987 أنّه في الثامن من ديسمبر حصل حادثٌ مروريّ في مدخل قطاع غزّة، ارتطم فيه «جيب» عسكري إسرائيلي بسيارة فلسطينيّة، قاتِلةً أربعةً من راكبيها، مِمّا أشعل فتيلًا أنتج مظاهراتٍ شعبيّة. اندلعت المظاهراتُ أولًا في مخيّم جباليا في غزّة وانتشرت بعد ذلك لمخيّم بلاطة شمال الضفة الغربيّة، وسرعان ما غمرت كلّ مدينة وقرية ومخيّم في أرجاء الأراضي المحتلّة. وبشكلٍ مُشابِه، تُستَذكر انتفاضة الأقصى لعامِ 2000 عادةً بأنّ ما أشعلها هو دخولُ أرييل شارون الاستفزازيّ المتعمّد للحرم الشّريف إزّاء الفشل الدبلوماسي في كامب ديفد الشّهر السابق.

بينما توفّر الروايات أعلاه توصيفًا دقيقًا للأحداث، فهي تتجاهل ديناميّةً أكثر أهميّة – وإن كانت غامضة في الغالب – بدأت تتكشّف خلال السنوات التي سبقت الانتفاضتين. في حالة انتفاضة 1987، مارست المنظّمات التي أسست مُجتمعةً «منظّمة التحرير الفلسطينية» – بالخصوص بعد طردها من بيروت عام 1982 – عملًا تنظيميًا مكثّفًا داخل فلسطين وأسّست عمليًا بنىً تحتيّة لاندلاع انتفاضة، حتى لو لم يكن ذلك هو غرضها الفعليّ، وكان كلٌ من «الحزب الشيوعي الفلسطيني» و«الجهاد الإسلامي» وبدرجة أقلّ «الإخوان المسلمون» – وكلهم ليسوا أعضاءً في منظمة التحرير – يمارسون نشاطاتٍ شعبيّة مماثلة وفي بعض الحالات أكثر كثافةً.

ثانيًا، تمّ حلٌّ شقاقٍ طالت مدّته داخل «منظمة التحرير» في الجزائر شهر أبريل عام 1987، باتّفاق وِحدة ضمّ للمرّة الأولى «الحزب الشيوعيّ الفلسطيني» لصفوف المنظّمة الأم. وبالتالي، وإن كان يصحّ الادعاء القائل بأنّ الانتفاضة التي تلت أخذت منظّمة التحرير – ومن ضمنها ياسر عرفات وجورج حبش – على حين غرّة، فنشأةُ «القوات الضاربة» و«القيادة الوطنيّة الموحّدة للانتفاضة» وغيرها من اللجان المتنوّعة أتت بشكلٍ طبيعيّ تقريبًا نتيجة الجهود والتطوّرات السابقة. وما كان له أهميّة حاسمة أيضًا هو أنّه لذات السبب، كان لديهم القدرة على توسعة واستدامة الانتفاضة الشعبيّة والتغلّب على محاولات إسرائيل المتزايدة هيجانًا لتهدئة الأوضاع في الأراضي المحتلّة.

مع أنّ انتفاضة 2000 كانت مِن نوعٍ آخر تمامًا، فقد احتوت تشابهاتٍ مهمّة. فكما في عام 1987، سرعان ما تمّ توجيه المظاهراتِ العفويّة و – في الحالة الثانية – الهجمات المسلّحة – التي غلبت عليها العشوائيّة ابتداءً – نحو إطارٍ تنظيميّ مِن قبل قيادةٍ تسعى لتوظيف هذه التطوّرات للتأثير على علاقتها مع إسرائيل والولايات المتحدة. وبالتالي عملت كتائب شهداء الأقصى المتكوّنة حديثًا والتي انتفعت من البنى التحتيّة للحركة ومن قوّات أمن السلطة الفلسطينية – إذ أنّ عرفات عزّز كلاهما – على تحويل ما كان مجرد اضطراباتٍ في بادئ الأمر إلى انتفاضة على نحوٍ سريع. واستمرّت هذه لفترة طويلة حتى أنّ حركة حماس الإسلامية استنتجت أنّها لم تكن مجرّد عرضًا عابِرًا للقوة مِن قبل عرفات وبدأت بلعب دورٍ أكثر مركزيّة في الانتفاضة ذاتها. وعلى الرّغم من التنافسات العنيفة أحيانًا ما بين المنظّمات والفصائل الفلسطينية المختلفة المنخرطة في الانتفاضة، فبعد عام 2000 لم يُدِر عرفات يومًا فوّهة سلاحه تجاه شعبه.

والوضع اليوم أبعد ما يكون عمّا كان عليه في 1987 و2000. أولًا، هنالك شقاقٌ عميقٌ بمستوىً غير مسبوق في وسط الحركة الوطنيّة الفلسطينية، وكما قال المحلّل الفلسطيني جميل هلال، لن تسمح السلطات لا في رام الله ولا في غزّة بنشأة انتفاضة ضدّ إسرائيل خوفًا مِنْ أن يوظِّفها منافسُهُم الفلسطينيّ ضدّهم. ويقول جميل هلال أيضًا أنّ المجتمع الفلسطينيّ أصبح مُفـتتًا وممزقًا وتغوّلت فيه النيوليبراليّة حتى لم تعد احتماليّة نشوء نشاطٍ جماعيّ مستديم اليوم واردة.

بالإمكان واقعًا أن نزعم كون الحركة الوطنيّة الفلسطينية – على الأقل في الوقت الحاضر – لم يعد لها وجود، وأنّ منظّمة التحرير الفلسطينية موجودة بالاسم فقط، بينما فتح – وقد كانت عرفيًا عمودها الفقري – تمّ تحطيمها بالكامل خلال العقد الماضي، وتمّ ذلك بالأساس مِن قِبَل قيادتها عِوضًا عن إسرائيل أو حماس، وهي الآن تترنّح ما بين الانحلال والانقراض. وفي مجتمعٍ كان عادةً حراكيًا على نحوٍ عالي، فأكبر الدوائر الاجتماعيّة اليوم تنتمي لـ«لا شيء مما سبق».

وبشكلٍ مماثل، تختلف المعادلة الإقليميّة في عام 2015 بشكلٍ جوهريّ عمّا كانت عليه في أواخر الثمانينات أو بداية الألفيّة الجديدة. فلربما كان العالم العربيّ منشغلًا في هذه المنعطفات السابقة بالعراق وإيران، ولكنّ حكوماتِه شعرت بأنّها مضطّرة بالتعبير عن تضامنها على الأقل مع الفلسطينيين ومناصرة قضاياهم في المحافل الدوليّة. أمّا اليوم فهذه الدّول إمّا حكوماتها متعطّلة أو أنّها منشغلة بمحاولة ضمان بقائها.

بالإضافة على ذلك، بقي فلسطينيوّ الشتات متماسكين ومترابطين نسبيًا حتى سنواتٍ قليلة مضت. ولم تتمكن هذه الجاليات فقط من أن تنظّم دعمًا لأبناءِ وطنهم في الأراضي المحتلّة، بل وانتفعت أيضًا من هذه الانتفاضات؛ كثيرًا ما يُنسى أنّ أوّل أهمّ إنجازات انتفاضة 1987 هو إجبار حركة أمل في لبنان وداعِمها السّوري من أن تفكّ حصارها عن مخيّمات اللاجئين الفلسطينية في بيروت. هذه المجتمعات اليوم تمّ تهميشها تمامًا مِن قبل اتّفاقيّة أوسلو ومِن قِبل منظومة سياسيّة فلسطينية أعيد تشكيلها، وفي السنوات الأخيرة تمّ سحق هذه المجتمعات في بلدانٍ كالعراق وليبيا وسوريا.

وحتى لو تمّ التغلب على هذه العوامل المثبّطة المذكورة أعلاه، فالقيادات الفلسطينية الحالية، وبالتحديد القيادة التي في رام الله، تبغض أيّ تحشيدٍ جماهيريّ. وحماس ملتزمة أساسًا بالقيام بعمليّاتٍ دفاعيّة فقط إلّا في أشدّ الحالات سوءًا، بينما السلطة الفلسطينية في رام الله مارست عمليّاتٍ هجوميّة مُمنهجة طوال العقد الماضي تقريبًا، ولكّنها عملياتٌ ضدّ الشعب الفلسطينيّ هدفها الأساسيّ هو إعاقة بزوغ أيّ تحدٍ جدّي للاحتلال الإسرائيلي. بالفعل، هذه النشاطات تتجاوز بكثير الاعتقالات المستمرّة لعناصر حماس والجهاد الإسلامي، والتي يمكن تعزيتها لمحاولة السلطة الفلسطينيّة للحفاظ على ذاتها، إنما هي تشمل هجماتٍ وحشيّة على أنواعٍ متعدّدة مِن التظاهر السّلمي، مثل المنادين بوقف المفاوضات مع إسرائيل أو المستنكرين لهجمات إسرائيل الدوريّة على قطاع غزّة. وذلك يقع في قلب المطالب المتزايدة في الانتشار لإنهاء «التنسيق الأمني» مع إسرائيل. فهنالك سببٌ جيد يفسّر كون نهاية انتفاضة 2000 كثيرًا ما تُؤرّخ بالحادي عشر من نوفمبر 2004 – أي يوم وفاة عرفات.

في الخلاصة، يجب ألّا تكتفي الملاحظات حول استياء أوضاع الفلسطينيين لمستوىً لم يسبقه مثيل منذ عام 1948 بالاستناد على المؤشرات المتعددة التي قد تقود الشخص للإيحاء بحتميّة اندلاع انتفاضةٍ أخرى، بل يجب أن تشمل العوامل المتألبة ضدّ اشتعال ثورةٍ جديدة. وهذه العوامِلُ الأخيرة بالتأكيد ليست دائمة، ولكنّ تحوّلها يتطلّب مزيجًا من الوقت والجهد والبصيرة والالتزام والقيادة، وبالخصوص العمل الدؤوب. حينها فقط ستتواجدُ بنىً تحتيّة تنظيمية بإمكانها مرّةً أخرى أن توجّه الغضب الشّعبي لتحشيد وتنظيم واستدامة انتفاضةٍ فلسطينيّةٍ جديدة.

المصدر: جدليّة

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s