مذبحة هيروشيما

في هذا اليوم قبل سبعين عاماً، ألقت الولايات المتحدة الأمريكية قنبلةً ذرية على هيروشيما في اليابان. هذه قصة أحد الناجين.

Stillman-Hiroshima-690-1

بِقلم: كولين ويلسون

ما صدمني في بادئ الأمر عندما زرت هيروشيما في عام ٢٠٠٣ كان الحياة الطبيعية البارزة للمكان، بَدَتْ كمدينةٍ يابانية مزدحمة كأيّ مدينة أخرى تقريبًا. هي تبدو كذلك، وفي الوقت ذاته تبدو كشيءٍ آخر.

أخذني قطارٌ صغير من محطة القطارات إلى «متنزه السلام»، بعد النّهر مباشرة ومن أطلال القّبة ترى الكثير من الصور الفوتوغرافية. وأنا أجلس تحت الأشجار، استصرحَ طلاّب مدرسة يابانية آرائي حول الأسلحة الذرية من أجلِ استبيان عمِلوا عليه. خلال المشي في المتنزه تعبر على تلٍّ بارتفاع مترين أو ثلاثة مُغطى بالعشب، يضم رفاتَ حواليّ سبعين ألف إنسانًا مجهوليّ الهويّة. وكَيْ أصل للمتنزه كان عليّ أن أمر عبر الجسر الفريد ذو شكلِ «T» باستخدام القطار الصغير من محطة القطارات، وهو الجسر الذي كانَ نقطة الهدف للقنبلة الذرية الأولى المُسمّاة بـ«الصبي الصغير» والتي ألقيت في إحدى صباحات الصيف الساخنة لعام ١٩٤٥.

كان عُمر هيرومو موريشتا ثلاثة وسبعين عامًا حين قابلته، وأربعة عشر عامًا في يوم القصف وطالبًا ذو ميول وطنيّة في المدرسة الإعدادية. صدّق هو وزملاؤه بيانات القيادة العسكرية العليا التي قالت إن اليابان ستفوز في الحرب، رغم أنّ لا أحد كان يملك ما يكفي من الطّعام ليأكله. كانت أمه التي تجوّع نفسها لتُطِعمَ أطفالها أكثر تشكيكًا بهذه البيانات. لم يعد طلاب الثانوية يحضرون دروسهم بل يعملون في المصانع لصُنعِ الأسلحة وقِطَع الطائرات.

دُهِشَ هيرومو وأصدقاؤه لأنّ هيروشيما لم يطلها القصف أبدًا، لأنّها كانت مركزًا عسكريا مهمًّا. كانت مادّة البِناء الرئيسيّة للمدن اليابانية في ذلك الوقت هي الخشب، مِمّا جعلها عُرضَة للحرائق. في يومين في مارس عام ١٩٤٥، رمى الأمريكيون ألفين طن من القنابل الحارقة على طوكيو، حيث قُتِلَ حوالي ١٢٥ ألف إنسان في أفظع عاصفة ناريّة عرفها التاريخ.

كان الجميع واعيًا بهذا الخطر في هيروشيما أيضًا، إذ حشدت السلطات الشباب لهدم المباني كيَ تُخلق مساحات خالية لتوقف انتشار النار. مع الساعة الثامنة والربع من صباح السادس من أغسطس، بدأ بعضهم العمل، خالعين كلّ ملابسهم سوى من بنطالٍ قصير بسبب حرارة الصيف.

قال لي هيرومو أنّه هو وسبعون من زملائه كانوا لايزالون يتلقون التعليمات من معلميهم حين «شعرنا بضوءٍ فجأة، ضوء خاطف. شعرت كأني قُذفت لتنّورٍ ضخم من النار. سقطنا على الأرض، لكن أجسادنا كانت قد احترقت، وجوهنا، وأيدينا وأرجلنا كُلّها احترقت. وحتى ملابِسُنا قد احترقت أيضاً». اكتشفوا لاحقًا أنهم نجوا فقط للأنهم كانوا يرتدون كامل ملابسهم، وأنّ ٦٠% من ٦٠٠ أو ٧٠٠ من الطلاب في المنطقة قد ماتوا.

دَخَلَ هيرومو موريشتا حينها عالمًا مُضيئًا ومتقطعًا ومبهمًا كما الكوابيس. «قفزت للنّهر بسبب ألم الحروق. وفي النهر التقيت بزميلي. طَلَبَ من أن أخبره كيف بدى وجهه. أخبرته بأنّ وجهه احترق، وأنّ البشرة قد ساحت كأنها شمع ذائب. كنت قد تخوّفت مِن أن أسأله ماذا حلّ بوجهي، ولكنّ وجهي قد حل به ما حلّ بِوجهه».

تدمّرت كامل المدينة حينها، وكان قد بدأت تحترق، لكنه لم يستطع أن يُدرِك كيف لذلك أن يحدُث. لقد شعر بانفصالٍ كامل عمّا كان يشهده أمامه: «لم أشعر بشيء، شاهدت حالة المدينة، والمنازل، فقط عيناي أصبحت كما عدسات الكاميرا بلا مشاعر. قُذِفْنَا حينها نحو عالم آخر».

كان عالمًا من الرعب.

«التقيت الكثير من الشّباب، وكانوا جنودًا. ارتدو بزّاتهم، لكنّ كلَّ بشرتهم قد ساحت، كانوا كما الأشباح. كنتُ أرغب في العودة لمنزلي. مشيت نحوَ محطة هيروشيما. رأيت الكثير من الناس قد قضوا: الكثير من الناس قد قفز نحو النهر، أجسادهم قد احترقت وانتفخت لضعفي الحجم الطبيعي. رأيت الكثير. كان أشبَهَ بالجحيم».

الناس لم تعرف أنّ قنبلة واحدة فقط كانت ستُلقى: أعتُقِدَ أنّ المزيد قد يأتي.

انطلق هيرومو موريشتا ليبحث عن المنزل الذي عاش فيه مع أبويه وأخته، مشى ببطءٍ على السكّة الحديدية، وجلده المحروق متدلٍّ من جسده، ووجهه مُتورّم حتى أصبح لا يرى إلّا مِن عينٍ واحدة. وفي ذلك المساء، وصلَ للمكان الذي كان فيه منِزلُه، ولكنّه لم يجد المنزِل. علِم لاحقًا أنّ المنزل قد احترقَ وانهار، وأنّ أُمّه ماتت في داخله بينما كان كلٌ من أبيه وأخته في أمان.

انطلق هيرومو ماشيًا إذ تذكّر أنّ بعض أصدقاء والده قطنوا الأطراف الشماليّة للمدينة. وحواليّ منتصف الليل من ذلك اليوم أثناء مشيه، انهارَ هيرومو في أحد الحقول، ولكنّ جيرانه وجدوه وأخذوه لمقصده. بمرضِه العصيب، دخل هيرومو كابوسًا آخر، وهو عالمُ الأمراض الإشعاعيّة المجهول.

«فقدت وعيي في تلك الليلة، إذ أُصِبت بُحمّى شديدةٍ جدًا، وظللت على سرير المرض لمدّة شهرٍ كامل. تدفّق القيح مِن جروحي كلّ يوم، وبكيت كلّ يومٍ وكلَّ ليلة. لَمْ يؤثّر بي الإشعاعُ كثيرًا، ولكنّ عمّتي التي زارتني وأنا على سرير المرض، والتي بدت بصحّة جيّدة، من دون جروحٍ أو حروق، ماتت بعد عشرة أيّام تقريبًا، ماتت ورغوةٌ سوداء تخرج من فمها، فقد كانت قريبة للقنبلة حين انفجرت».

التأمت كلّ جروحِه تقريبًا بعد شهرٍ واحد، ولكن كالعديد من الناجين كان لديه ندوب جُدرة – وهي أورامٌ حمراء طريّة تشوّه الجلد وتسبّب الحكة تكوّنت حول الحروق البليغة التي عانوا منها. تحيّر الأطبّاء اليابانيّون في كيفيّة معالجة الجُدرة، فحينَ استأصِلوها، غالِبًا ما نمت من جديد.

«تلقّيت عمليّتين جراحيّتين لأجل الجُدرة: مرّةً في الربيع الذي تلا وفي الصّيف الذي تلاه»، قال هيرومو. «قطعوا الجُدرة وزرعوا جِلدًا من فخذي في وجهي قُرب فمي. وفي المرة التي تلت قطعوا جُدرة على عُنقي، ولكنّهم لم يقطعوها كلّها، فكان جلدي بلونٍ مختلف وكان يحكّني». كان هيرومو مراهقًا، وشعر بالقلق مِنْ أنّ الفتيات لن يجدوه جذّابًا بسبب مظهرِ وجهه.

بَقيَ هيرومو في الرّيف لحواليّ ستة أشهر مع أصدقاء جدّته – وهناك ظلّ لديهم عجزٌ غذائيّ في القرى. وفي الرّبيع التالي عادَ إلى هيروشيما ليُكمِل دراسته، واكتشف أنّ حوالي نصف زملائه ماتوا في الانفجار. كانت هنالك حدّة وتوتّر مع المحتلّ الأمريكي: «أتى الجيش الأمريكي لهيروشيما والمناطق الريفيّة في سياراتٍ عسكريّة – كان هنالك الكثير من الجنود. بعض أصحابي – حين أُسقِطت القنبلة الذريّة – أرادوا أن يهاجموا المُفجّرين الأمريكيين».

كانت إحدى نقاط الخصام هي «لجنة إصابات القنبلة الذريّة»، والّتي أُسِّسَت مِن قِبل الأمريكيين عام ١٩٤٦ لأجل إجراء بحوثٍ على آثار القنبلة على الناجين، لا لِمُعالجتِهم. «شعرنا أنّهم يجب أن يعالجوا الناجين. لقد كرِهناهم». فرض الأمريكيّون أيضًا رقابةً على الصحافة اليابانيّة. «بشكلٍ عام، لم يُسمح لك الكتابة عن القنبلة، مع أنّ بعض الناس قد حاولوا فِعل ذلك. أراد الأمريكيّون أن يصنعوا قنبلة ذريّة أخرى، قُنبلة هيدروجينية. ولذلك أرادوا للمعلومات أن تبقى سريّة حول الناجين وحول آثار القنبلة الذريّة المُدمِّرة».

مع مرور الوقت، بدأ هيرومو يشعر أنّ إجراء البحوث في آثار القنبلة قد يكون مفيدًا، وأنّ ما هو مهمّ هو منع الحروب في المستقبل. «شعرت أنّ العديد من الناس قد قُتِلوا والكثير قد دُمِّرَ وأُحرِق؛ انتهت الحياة بأكملها. آمنت أنه لربما كلُ الناس في العالم لن يتحاربوا بعد اليوم».

على الرّغم من ذلك، بعد خمس سنواتٍ من إسقاط القنبلة لا أكثر، بدأت الولايات المتحدة والاتحادُ السوفييتي حربًا بالوكالة في كوريا. «حين بدأت الحرب الكوريّة، جُلِبت العديدُ منَ الدبابات والقنابل هنا لليابان من أجل تِلكَ الحرب. كنّا نراها كلّ يوم على السكك الحديدة. شعرنا بالقرُب مِن كوريا. كُنّا طُلابًا حينها، ونظّمنا اجتماعاتٍ تظاهريّة ضدّ الحرب».

أصبح هيرومو مُدرّسًا لفنّ الخطّ الياباني التقليديّ، ونقابيًا وناشِطًا مُناهِضًا للحروب.

«قلنا لأنفسنا – نحن كنّا مدرّسين، يجب أن نعلّم الجيل القادم من الشباب حقائق القنبلة النوويّة. سافرت للعديد من البلدان – إمّا كأحد الناجين من هيروشيما، أو كجزءٍ من حركة السّلام، أو مع أعضاءٍ آخرين من النقابات. ودُعيتُ للهند والصين مع نقابة المعلّمين لأتحدّث عن تجاربي. واليوم، كلٌ من الصين وباكستان والهند لديهم أسلحة نووية، والعراق وكوريا الشمالية يسعون للحصول عليها. ولكنّ الأمريكيين لديهم أكبر عدد من الأسلحة النووية: وهم يجب أن يتخلّوا عنها أولًا. سأظلّ أتظاهر ضدّ الأسلحة النووية حتى مماتي».

لا تتطلّب رؤية مدى ابتعادِ الادّعاءات المُبتذلة حول الديموقراطية والعدالة عن حقيقة القوّة العسكريّة الأمريكيّة سِوى المُطالَبة بتخلّي أمريكا عن قنابلها النووية. كان معنى هذه الحقيقة بالنسبة لفتىً يابانيّ عمرُه أربعة عشر عامًا في عام ١٩٤٥ وبالنسبة للعديد من أقرانه جروحًا فظيعة. إنّ حُكّامنا، وعلى رأسهم أمريكا، سيستمرّون بالحفاظ على سُلطتهم عن طريق تعذيب وذبح الأطفال، إلّا إن وحتّى نُوقفهم نحن بأنفسنا.

-المصدر: موقع الاشتراكيّة الثوريّة في القرن الواحد والعشرين

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s